أودّ أن أضع بين أيديكم فكرة تأسيس “رابطة خرّيجي المعهد الإكليريكي الذين أنهوا مسيرتهم التكوينيّة دون الرسامة الكهنوتيّة”، لما تحمله هذه المبادرة من بُعد رعويّ وإنسانيّ عميق، وربما لكونها من أدقّ وأهمّ المبادرات المرتبطة بتاريخ المعهد ورسالة الكنيسة فيه.
من الناحية الروحية او الكنسية: إنّ هذه الرابطة تمسّ مسيرة دعوة لم تكتمل في شكلها الكهنوتي، لكنها لم تفقد قيمتها الروحيّة أو الكنسيّة. فالدعوة، في منظور الكنيسة، لا تُلغى بل تتحوّل؛ ومن ترك المعهد لم يفشل في دعوته، بل انتقل من شكل دعوة (الكهنوت) إلى شكل آخر من أشكال العيش المسيحي، سواء في الحياة العائليّة أو الرسالة المهنيّة والاجتماعيّة. فالمعموديّة تبقى أساس كل دعوة، ودعوة القداسة هي الدعوة الأولى والأشمل، والكهنوت أحد تجلّياتها وليس كلّها. ومن هذا المنطلق، فإنّ هؤلاء الإخوة ليسوا خارج الرسالة، بل يمكن أن يكونوا رسلًا فاعلين في المجتمع المدني، والأكاديمي، والتربوي، والاقتصادي.
من الناحية الرعويّة والنفسيّة، لا يخفى أنّ بعض من غادروا المعهد قد يحملون أسئلة أو شعورًا بالخيبة أو التباسًا روحيًا. وجود رابطة رسميّة قد يشكّل مساحة مصالحة مع الذات ومع الكنيسة، ويساهم في كسر العزلة التي قد تنشأ أحيانًا بدافع الخجل أو الخوف من الأحكام. كما يمكن للرابطة أن توفّر إطارًا لمرافقة روحيّة مستمرّة من خلال لقاءات سنويّة، أيام صلاة، أو رياضات روحيّة.
أمّا اجتماعيًا، فإنّ كثيرين من هؤلاء الخرّيجين أصبحوا أطباء، ومحامين، وأساتذة، ورجال أعمال، وناشطين في مجالات متعدّدة. ويمكن للرابطة أن تتحوّل إلى شبكة دعم مهني وإنساني، وإلى جسر حيّ بين الكهنة والعلمانيّين، إذ إنّهم يعرفون العالمين معًا: عالم التكوين الإكليريكي وعالم الحياة المدنيّة.
وعلى مستوى الهويّة، فإنّ صفة “إكليريكي سابق” لا ينبغي أن تُفهم كعلامة انقطاع، بل كتعبير عن تكوينٍ عاشه الشخص في مدرسة روحيّة وكنسيّة شكّلت عقله وقلبه وانضباطه الداخلي. من هنا، يمكن إعادة صياغة الخطاب من مفهوم “ترك” إلى مفهوم “مسار تمييز ناضج”.
أمّا على الصعيد الاستراتيجي للمعهد، فإنّ وجود رابطة كهذه يعكس صورة متوازنة عن التمييز الدعوي، ويُظهر أنّ الكنيسة تحترم حرّية الضمير ومسيرة البحث عن مشيئة الله. كما يمكن للخرّيجين أن يساهموا بدعوات جديدة وبخبراتهم في محاضرات أو إرشاد مهني للإكليريكيين، ممّا يعزّز ثقافة التمييز الحرّ ويمنح مصداقيّة أكبر للدعوات المستقبلية.
قصارة القول، إنّ رابطة خرّيجي المعهد الذين أنهوا مسيرتهم دون الرسامة ليست رابطة “انسحاب”، بل رابطة تحوّل ونضوج وشركة ورسالة ممتدّة خارج جدران المعهد. وقد تكون هذه المبادرة علامة نضج كنسي، تُظهر أنّ الدعوة ليست مسارًا قسريًا، بل حوارًا حرًا وأمينًا مع الله.
أضع هذه الفكرة أمامكم بروح الشركة والمسؤوليّة المشتركة، ضمن رؤية رعويّة واضحة ومتناغمة مع رسالة المعهد والبطريركيّة.
الأب د. لويس حزبون