الأحَد السَّادس مِن زَمن السَّنة: يَسوع والشَّريعَة (متى 5: 17-37)
أ. د. لويس حزبون
النص الإنجيلي: (متى 5: 17-37)
17 ((لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل. 18الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض. 19فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوتِ السَّمَوات.20 ((فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات. 21سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: ((لا تقتل، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء)). 22أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: ((يا أَحمَق)) اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: ((يا جاهِل)) اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم. 23فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً، 24فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك. 25سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن. 26الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس. 27 ((سَمِعْتُم أَنَّه قيل: ((لا تَزْنِ)). 28أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه. 29فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم. 30وإِذا كانت يَدُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقطَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضوٌ مِن أَعضائِكَ خَيرٌ لكَ مِن أَن يَذهَبَ جسدُكَ كُلُّه إِلى جَهنَّم. 31 ((وقد قيل: ((مَن طلَّقَ امرأَتَه، فلْيُعْطِها كِتابَ طَلاق)). 32أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن طلَّقَ امرأَتَه، إِلاَّ في حالةِ الفَحْشاء عرَّضَها لِلزِّنى، ومَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فقَد زَنى. 33 ((سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: ((لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ))، 34أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله، 35ولا بِالأَرضِ فهيَ مَوْطِئُ قدَمَيْه، ولا بِأُورَشليم فهيَ مَدينةُ المَلِكِ العَظيم. 36ولا تَحلِفْ بِرأسِكَ فأَنتَ لا تَقدِرُ أَن تَجعَلَ شَعرةً واحِدَةً مِنه بَيضاءَ أَو سَوداء. 37فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير.
المُقَدِّمَةُ
يُقَدِّمُ إِنْجِيلُ مَتَّى عَرْضًا لاهُوتِيًّا مُتَمَاسِكًا لِمَوْقِفِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ، وَذٰلِكَ فِي إِطَارِ عِظَةِ ٱلْجَبَلِ، وَلَا سِيَّمَا فِي ٱلْمَقْطَعِ (مَتَّى 5: 17–37). وَقَدْ أُعْطِيَتْ هٰذِهِ ٱلشَّرِيعَةُ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ فِي سِيَاقِ ٱلْعَهْدِ ٱلْإِلٰهِيِّ عِنْدَ جَبَلِ سِينَاءَ، نَحْوَ سَنَةِ 1513 ق.م.، حَيْثُ يَقُولُ ٱلرَّبُّ: “وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً” (خُرُوج 19: 5–6). وَتَصِفُهَا ٱلرِّسَالَةُ إِلَى أَهْلِ رُومَةَ بِأَنَّهَا “مُقَدَّسَةٌ، عَادِلَةٌ، صَالِحَةٌ” (رُومَة 7: 12)، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلشَّرِيعَةَ فِي أَصْلِهَا عَطِيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ صَالِحَةٌ، وَلَيْسَتْ عَائِقًا فِي طَرِيقِ ٱلْخَلَاصِ.
وَلَا تُعَدُّ ٱلشَّرِيعَةُ ٱلْمُوسَوِيَّةُ مُجَرَّدَ مَنْظُومَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ، أَوْ مَجْمُوعَةَ أَوَامِرَ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ هِيَ تَعْبِيرٌ صَرِيحٌ عَنْ إِرَادَةِ ٱللهِ، وَكَشْفٌ عَمَّا يَطْلُبُهُ ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلْإِنْسَانِ لِيَحْيَا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ، فَيَسْلُكَ طَرِيقَ ٱلِٱسْتِقَامَةِ وَٱلسَّعَادَةِ ٱلْحَقَّةِ، وَيَتَهَيَّأَ لِلدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ ٱللهِ. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ، يَكْتُبُ ٱلْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُسُ، أُسْقُفُ لِيُونَ: “إِنَّ ٱلشَّرِيعَةَ قَدْ وُضِعَتْ تَرْبِيَةً لِلْإِنْسَانِ، لِتُقَوِّمَ خُطُوَاتِهِ، وَتُعِدَّهُ لِقَبُولِ كَلِمَةِ ٱللهِ ٱلْمُتَجَسِّدَةِ”.
وَٱنْطِلَاقًا مِنْ هٰذَا ٱلْفَهْمِ ٱللَّاهُوتِيِّ، يُعْلِنُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ بِوُضُوحٍ قَاطِعٍ: “لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ ٱلنَّامُوسَ أَوِ ٱلْأَنْبِيَاءَ؛ مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ” (مَتَّى 5: 17). وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ عَلَى هٰذَا ٱلْقَوْلِ قَائِلًا:
“لَمْ يَقُلِ ٱلْمَسِيحُ: جِئْتُ لِأُغَيِّرَ ٱلنَّامُوسَ، بَلْ لِأُظْهِرَ كَمَالَهُ، فَإِنَّ مَا كَانَ مَخْفِيًّا فِي ٱلشَّرِيعَةِ أَظْهَرَهُ بِحَيَاتِهِ وَتَعْلِيمِهِ”.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مَوْقِفَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلشَّرِيعَةِ لَيْسَ مَوْقِفَ رَفْضٍ أَوْ إِلْغَاءٍ، بَلْ مَوْقِفُ إِتْمَامٍ وَتَأْوِيلٍ خَلَاصِيٍّ. فَٱلْمَسِيحُ لَا يُعَارِضُ ٱلشَّرِيعَةَ فِي ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا يَقِفُ ضِدَّ إِسَاءَةِ فَهْمِهَا، وَتَحْوِيلِهَا إِلَى مُمَارَسَةٍ شَكْلِيَّةٍ خَارِجِيَّةٍ تُفْرِغُهَا مِنْ رُوحِهَا وَمَقْصَدِهَا. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يُمَيِّزُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ بَيْنَ “حَرْفِ ٱلشَّرِيعَةِ” وَ”رُوحِهَا”، فَيَقُولُ:
“لَيْسَ فِي ٱلشَّرِيعَةِ شَرٌّ، بَلْ فِي ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَقْرَأُهَا بِلاَ رُوحِ ٱلْمَحَبَّةِ؛ فَإِنَّ ٱلْحَرْفَ يَقْتُلُ، أَمَّا ٱلرُّوحُ فَيُحْيِي”.
وَبِٱلتَّجَسُّدِ، قَادَ يَسُوعُ ٱلشَّرِيعَةَ إِلَى كَمَالِهَا، فَحَوَّلَهَا مِنْ شَرِيعَةِ ٱلْحَرْفِ إِلَى شَرِيعَةِ ٱلْقَلْبِ، وَمِنَ ٱلِٱمْتِثَالِ ٱلظَّاهِرِيِّ إِلَى ٱلطَّاعَةِ ٱلدَّاخِلِيَّةِ ٱلْقَائِمَةِ عَلَى ٱلْمَحَبَّةِ. وَهٰكَذَا صَارَتِ ٱلشَّرِيعَةُ فِي ٱلْمَسِيحِ “شَرِيعَةَ ٱلْكَمَالِ”، أَيْ ٱلشَّرِيعَةَ ٱلْإِنْجِيلِيَّةَ ٱلْجَدِيدَةَ، ٱلَّتِي يُلَخِّصُهَا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَزِدْ وَصَايَا فَوْقَ وَصَايَا، بَلْ أَدْخَلَ ٱلْقَلْبَ نَفْسَهُ فِي مَجَالِ ٱلْوَصِيَّةِ”. فِي هَذَا الْمَقْطَعِ، لَا يُقَدِّمُ تَشْرِيعًا جَدِيدًا، بَلْ يَكْشِفُ الْمَعْنَى الْعَمِيقَ لِلشَّرِيعَةِ، وَيَنْقُلُهَا مِنْ مُجَرَّدِ نُصُوصٍ مَكْتُوبَةٍ إِلَى هُوِيَّةٍ مَعِيشَةٍ وَشَهَادَةٍ رِسَالِيَّةٍ فِي الْعَالَمِ.
وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ هٰذَا ٱلْبَحْثِ، ٱلَّذِي يَهْدِفُ إِلَى دِرَاسَةِ ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ فِي (مَتَّى 5: 17–37) دِرَاسَةً تَحْلِيلِيَّةً لَاهُوتِيَّةً، مِنْ خِلَالِ ٱلْكَشْفِ عَنْ بِنْيَتِهِ ٱلْخِطَابِيَّةِ، وَإِبْرَازِ أَبْعَادِهِ ٱلْكِتَابِيَّةِ وَٱلْآبَائِيَّةِ، وَبَيَانِ تَطْبِيقَاتِهِ ٱلرُّوحِيَّةِ وَٱلْعَمَلِيَّةِ فِي حَيَاةِ ٱلْمُؤْمِنِ، بِمَا يُظْهِرُ تَوَاصُلَ ٱلشَّرِيعَةِ فِي ٱلْمَسِيحِ، وَٱنْتِقَالَهَا مِنْ مَنْطِقِ ٱلْوَصِيَّةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ إِلَى مَنْطِقِ ٱلْكَمَالِ ٱلْإِنْجِيلِيِّ.
أولاً: دِرَاسَةِ ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ (متى 5: 17-37)
17 لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لَا تَظُنُّوا” إِلَى زَعْمِ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ قَدْ شَرَعَ فِي تَأْسِيسِ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ تُلْغِي ٱلشَّرِيعَةَ ٱلْعَتِيقَةَ. وَهُوَ فَهْمٌ كَانَ شَائِعًا فِي ٱلْأَوْسَاطِ ٱلْيَهُودِيَّةِ فِي زَمَانِ يَسُوعَ (أوريجانوس، شرح إنجيل متّى، PG 13, 868–872.). فَقَدْ تَوَقَّعَ كَثِيرُونَ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ تَحْرِيرًا مِنَ ٱلْخُضُوعِ لِلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ وَمِنْ طَاعَتِهَا. أَمَّا تَحْذِيرُ يَسُوعَ فَيُفَنِّدُ مُسْبَقًا هٰذَا ٱلْفَهْمَ ٱلْخَاطِئَ، مُؤَكِّدًا أَنَّ رِسَالَتَهُ لَا تَنْقُضُ ٱلشَّرِيعَةَ، بَلْ تَكْشِفُ مَقْصِدَهَا ٱلْحَقِيقِيَّ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “جِئْتُ” فَتَدُلُّ عَلَى مَجِيءِ المسيح، بِسُلْطَانٍ ذَاتِيٍّ لَا كَسَائِرِ ٱلْأَنْبِيَاءِ ٱلَّذِينَ أُرْسِلُوا مِنَ ٱللهِ، بَلْ كَٱبْنٍ مُرْسَلٍ مِنَ ٱلْآبِ، وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُ سُمُوَّهُ عَلَى ٱلْأَنْبِيَاءِ (الذهبيّ الفم، العِظات على إنجيل متّى، العظة 16، PG 57, 231–233.). وَبِهٰذَا يُظْهِرُ يَسُوعُ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ ٱلْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ وَحْيًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ ٱلْوَحْيُ ٱلْمُتَجَسِّدُ نَفْسُهُ. وَهٰذَا مَا أَقَرَّ بِهِ نِيقُودِيمُوسُ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ ٱلْيَهُودِ، قَائِلًا: “نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ جِئْتَ مِنْ لَدُنِ ٱللهِ مُعَلِّمًا” (يُوحَنَّا 3: 2).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لِأُبْطِلَ” καταλῦσαι (ينقض، متى 26: 61،) فَلَا تَعْنِي نَقْضَ ٱلشَّرِيعَةِ أَوْ إِلْغَاءَهَا، بَلْ رَفْضَ تَشْوِيهِهَا وَإِفْرَاغِهَا مِنْ رُوحِهَا. فَٱلْكِتَابُ ٱلْمُقَدَّسُ، بِعَهْدَيْهِ ٱلْقَدِيمِ وَٱلْجَدِيدِ، يُشَكِّلُ وَحْدَةً وَاحِدَةً فِي ٱلْوَحْيِ وَٱلْخَلَاصِ؛ فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ، وَإِذَا ثَبَتَ بَعْضُهُ ثَبَتَ ٱلْكُلُّ. وَكَمَا يُشِيرُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ، فَإِنَّ “ٱلشَّرِيعَةَ صَالِحَةٌ فِي ذَاتِهَا، وَإِنَّ ٱلْخَلَلَ كَامِنٌ فِي ٱسْتِعْمَالِهَا بِغَيْرِ ٱلْمَحَبَّةِ” (أوغسطينوس، في الروح والحرف، 21، PL 44, 217–218.). إِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ فِي صِرَاعٍ مَعَ ٱلشَّرِيعَةِ نَفْسِهَا. فَٱلشَّرِيعَةُ، فِي أَصْلِهَا، عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ وَتَعْبِيرٌ عَنْ إِرَادَةِ ٱللَّهِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ. لَكِنَّ ٱلصِّرَاعَ ٱلَّذِي ظَهَرَ مَعَ ٱلتَّفْسِيرَاتِ ٱلْمُنْحَرِفَةِ ٱلَّتِي حَوَّلَتِ ٱلنَّامُوسَ إِلَى نِظَامٍ حَرْفِيٍّ جَامِدٍ يُثْقِلُ ٱلْإِنْسَانَ دُونَ أَنْ يُقَرِّبَهُ إِلَى قَلْبِ ٱللَّهِ (متى 23: 4). يَقُولُ أُوغُسْطِينُوسُ: “لَيْسَتِ الشَّرِيعَةُ شَرًّا، بَلِ الشَّرُّ أَنْ تُقْرَأَ بِلا رُوحٍ. فَإِذَا غَابَتِ المَحَبَّةُ، بَقِيَ الحَرْفُ يُدِينُ؛ وَإِذَا حَضَرَ الرُّوحُ، صَارَتِ الوَصِيَّةُ فَرَحًا وَحُرِّيَّةً” (فِي الرُّوحِ وَالحَرْفِ (De Spiritu et Littera). لِذلِكَ، فَإِنَّ يَسُوعَ لَا يُبْطِلُ الشَّرِيعَةَ، بَلْ يَكْشِفُ مَرَارًا أَنَّ الاِكْتِفَاءَ بِمُمَارَسَتِهَا بِشَكْلٍ سَطْحِيٍّ لَا يُثْمِرُ تَغْيِيرًا حَقِيقِيًّا فِي الإِنْسَانِ. فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الوَصِيَّةِ، بَلْ فِي قَلْبٍ يَكْتَفِي بِحُدُودِهَا الخَارِجِيَّةِ دُونَ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى عُمْقِهَا الرُّوحِيِّ. إِنَّهُ يَدْعُو إِلَى «بِرٍّ أَسْمَى»، لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ مَنْعِ الفِعْلِ، بَلْ يُوَاجِهُ الشَّرَّ مِنْ جُذُورِهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ “يُصَحِّحُ الأَصْلَ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى مُعَالَجَةِ الثَّمَرَةِ”. هكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَطْلُبُ تَشْدِيدًا قَانُونِيًّا، بَلْ تَحَوُّلًا جِذْرِيًّا. فَبِرُّ المَلَكُوتِ هُوَ بُرْهَانُ قَلْبٍ مُتَجَدِّدٍ، يَقَاوِمُ الشَّرَّ مُنْذُ لَحْظَةِ وِلادَتِهِ، لِكَيْ تَبْقَى الحَيَاةُ مُنْفَتِحَةً عَلَى قُدْسِيَّةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلشَّرِيعَةَ وَٱلْأَنْبِيَاءَ” فَهِيَ تَعْبِيرٌ ٱصْطِلَاحِيٌّ يُشِيرُ إِلَى كُلِّ أَسْفَارِ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ، أَيْ كُلِّ كَلَامِ ٱللهِ ٱلْمُعْلَنِ، وَلَا إِلَى قِسْمٍ مَعْزُولٍ مِنْهُ، كَمَا يُؤَكِّدُ ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ فِي شَرْحِهِ لِعِظَةِ ٱلْجَبَلِ (الذهبيّ الفم، العِظات على متّى، العظة 16، PG 57, 234.). وَفِي ٱلْمُقَابِلِ، فَقَدْ أَبْطَلَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلشَّرِيعَةَ بِتَقَالِيدِهِمْ، وَأَبْطَلَ ٱلصَّدُّوقِيُّونَ ٱلْأَنْبِيَاءَ بِإِنْكَارِهِمُ ٱلْقِيَامَةَ وَٱلْوَحْيَ، فَحَرَّفَ ٱلْفَرِيقَانِ مَقْصِدَ ٱلنَّامُوسِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلشَّرِيعَةَ” νόμος فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْقِسْمِ ٱلْأَوَّلِ مِنَ ٱلْأَقْسَامِ ٱلثَّلَاثَةِ لِلْأَسْفَارِ ٱلْعِبْرِيَّةِ، ٱلْمُعْرُوفَةِ بِٱلِٱخْتِصَارِ «تَنَخ» (תנ״ך)، حَيْثُ تَرْمُزُ ٱلتَّاءُ (ת) إِلَى ٱلتَّوْرَاةِ، وَٱلنُّونُ (נ) إِلَى ٱلْأَنْبِيَاءِ، وَٱلْكَافُ (כ) إِلَى ٱلْكِتَابَاتِ. وَيَتَكَوَّنُ قِسْمُ ٱلتَّوْرَاةِ مِنَ ٱلْأَسْفَارِ ٱلْخَمْسَةِ: مِنْ سِفْرِ ٱلتَّكْوِينِ إِلَى سِفْرِ تَثْنِيَةِ ٱلِٱشْتِرَاعِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “ٱلْأَنْبِيَاءُ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْقِسْمِ ٱلثَّانِي مِنَ ٱلْأَسْفَارِ ٱلْعِبْرِيَّةِ، ٱلَّذِي يَشْمَلُ ٱلْأَنْبِيَاءَ ٱلْأَوَّلِينَ (مِنْ يَشُوعَ إِلَى ٱلْمُلُوكِ ٱلثَّانِي) وَٱلْأَنْبِيَاءَ ٱلْمُتَأَخِّرِينَ (مِنْ أَشْعِيَاءَ إِلَى مَلَاخِي). غَيْرَ أَنَّ ٱسْتِعْمَالَ ٱلتَّعْبِيرِ ٱلِٱصْطِلَاحِيِّ “ٱلشَّرِيعَةُ وَٱلْأَنْبِيَاءُ” يُرَجِّحُ أَنَّ يَسُوعَ يَقْصِدُ بِهِ جَمِيعَ أَسْفَارِ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ، أَيْ كُلَّ كَلَامِ ٱللهِ ٱلْمُعْلَنِ بِٱلْوَحْيِ لِلنَّاسِ (مَتَّى 7: 12). وَفِي ٱلْمُقَابِلِ، فَقَدْ أَبْطَلَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلشَّرِيعَةَ بِتَقَالِيدِهِمُ ٱلْبَشَرِيَّةِ، كَمَا أَبْطَلَ ٱلصَّدُّوقِيُّونَ أَقْوَالَ ٱلْأَنْبِيَاءِ بِإِنْكَارِهِمُ ٱلْوَحْيَ وَٱلْقِيَامَةَ، فَلَمْ يَعْتَرِفُوا إِلَّا بِٱلْأَسْفَارِ ٱلْخَمْسَةِ ٱلْأُولَى مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لِأُكْمِلَ” فَتَرِدُ فِي ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيِّ بِٱلْفِعْلِ πληρῶσαι، وَهُوَ فِعْلٌ يَدُلُّ إِمَّا عَلَى تَحْقِيقِ ٱلنُّبُوءَةِ (مَتَّى 1: 22)، أَوْ عَلَى ٱلِٱمْتِلَاءِ وَٱلْإِتْمَامِ لَا عَلَى ٱلْإِلْغَاءِ. (مَتَّى 13: 48). فَقَدْ أُعْطِيَتِ الشَّرِيعَةُ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ فِي سِيَاقِ العَهْدِ، لَا كَمُجَرَّدِ مَجْمُوعَةِ أَوَامِرٍ، بَلْ كَطَرِيقِ حَيَاةٍ يَحْفَظُ قُدْسِيَّةَ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ وَالعَلَاقَاتِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا. وَيُوَضِّحُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ “أَوْصَلَ ٱلشَّرِيعَةَ إِلَى غَايَتِهَا ٱلْقُصْوَى، فَجَعَلَ ٱلْقَلْبَ مِحْوَرَ ٱلْوَصِيَّةِ” (الذهبيّ الفم، العِظات على متّى، العظة 16، PG 57, 236–238.). وَٱلْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ ٱلْمَعْنَى ٱلثَّانِي؛ فَيَسُوعُ لَمْ يَكْتَفِ بِتَحْقِيقِ ٱلنُّبُوءَاتِ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَقُودَ ٱلشَّرِيعَةَ إِلَى كَمَالِهَا، مِنْ خِلَالِ تَفْسِيرِهَا وَإِظْهَارِ مَعْنَاهَا ٱلرُّوحِيِّ، َبِتَعَالِيمِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمِثَالِ طَاعَتِهِ (غَلَاطِيَةَ 4: 4)، وَأَخِيرًا بِمَوْتِهِ ٱلْفِدَائِيِّ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ قَائِلًا: “لَقَدْ أَكْمَلَ يَسُوعُ ٱلْأَنْبِيَاءَ، إِذْ أَكَّدَ بِأَعْمَالِهِ كُلَّ مَا قِيلَ عَنْهُ؛ فَقَدِ ٱعْتَادَ ٱلْإِنْجِيلِيُّ أَنْ يَقُولَ: كَانَ هٰذَا كُلُّهُ لِيَتِمَّ مَا قَالَهُ ٱلرَّبُّ عَلَى لِسَانِ ٱلنَّبِيِّ” (مَتَّى 1: 23). وَبِهٰذَا، أَوْصَلَ يَسُوعُ ٱلشَّرِيعَةَ إِلَى مَدْلُولِهَا ٱلْكَامِلِ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ ٱعْتِرَافٍ خَارِجِيٍّ أَوْ طَاعَةٍ شَكْلِيَّةٍ، بَلْ أَعَادَهَا إِلَى مَبَادِئِهَا ٱلْجَوْهَرِيَّةِ، فَبَلَغَتْ كَمَالَهَا ٱلْجَذْرِيَّ وَبَسَاطَتَهَا ٱلْأَصْلِيَّةَ (مَتَّى 5: 20). وَأَكْمَلَ يَسُوعُ ٱلشَّرِيعَةَ أَيْضًا فِي حَيَاتِهِ، بِٱلْطَّاعَةِ ٱلْكَامِلَةِ (غَلَاطِيَةَ 4: 4)، وَفِي تَعْلِيمِهِ، بِإِعْلَانِ مَبْدَإِ ٱلْمَحَبَّةِ ، ٱلَّتِي “هِيَ كَمَالُ ٱلشَّرِيعَةِ كَمَا يُؤَكِّدُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ: “فَٱلْمَحَبَّةُ لَا تُنْزِلُ بِٱلْقَرِيبِ شَرًّا، فَٱلْمَحَبَّةُ إِذًا كَمَالُ ٱلشَّرِيعَةِ” (رُومَةَ 13: 10). كَمَا أَنَّ ٱلْإِيمَانَ لَا يُبْطِلُ ٱلشَّرِيعَةَ، بَلْ يُثَبِّتُهَا، كَمَا يَقُولُ ٱلرَّسُولُ نَفْسُهُ: “أَفَنُبْطِلُ ٱلشَّرِيعَةَ بِٱلْإِيمَانِ؟ مَعَاذَ ٱللهِ! بَلْ نُثَبِّتُ ٱلشَّرِيعَةَ” (رُومَةَ 3: 31). وَأَخِيرًا، أَكْمَلَ ٱلْمَسِيحُ ٱلشَّرِيعَةَ بِمَوْتِهِ ٱلْفِدَائِيِّ، إِذْ بِمَوْتِهِ ٱسْتَنْفَدَ عُقُوبَةَ ٱلنَّامُوسِ عَنِ ٱلْبَشَرِ، “فَصَارَتِ ٱلشَّرِيعَةُ لَنَا حَارِسًا يَقُودُنَا إِلَى ٱلْمَسِيحِ لِنُبَرَّرَ بِٱلْإِيمَانِ” (غَلَاطِيَةَ 3: 24)، حَتَّى بَلَغَتْ غَايَتَهَا ٱلنِّهَائِيَّةَ فِي ٱلْمَسِيحِ، «غَايَةِ ٱلنَّامُوسِ» (رُومِيَةَ 10: 4) (أوغسطينوس، شرح الرسالة إلى رومة، 2063–2065.).
18 الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ” إِلَى أَنَّ مَا سَيَأْتِي بَعْدَهَا هُوَ أَمْرٌ ذُو أَهَمِّيَّةٍ فَائِقَةٍ وَسُلْطَانٍ حَاسِمٍ. وَهٰذِهِ ٱلصِّيغَةُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ سِوَى ٱلْمَسِيحِ لَهُ ٱلْمَجْدُ، فِي حِينَ أَنَّ ٱلْأَنْبِيَاءَ كَانُوا يَسْتَهِلُّونَ كَلَامَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: “هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ”. وَهٰذَا ٱلِٱخْتِلَافُ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانِ يَسُوعَ ٱلذَّاتِيِّ، إِذْ لَا يَنْقُلُ كَلَامَ ٱللهِ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِٱسْمِهِ وَبِسُلْطَانِ ٱللهِ نَفْسِهِ، كَمَا يُشِيرُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ إِلَى أَنَّ “قَوْلَ يَسُوعَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، هُوَ إِعْلَانٌ لِسُلْطَانٍ إِلٰهِيٍّ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ” (PG 57, 231).
وَأَمَّا عِبَارَةُ «أَقُولُ لَكُمْ» فَتُشِيرُ إِلَى هُوِيَّةِ ٱلْمُتَكَلِّمِ كَٱبْنِ ٱللهِ وَٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ، ٱلَّذِي يُخَاطِبُ تَلَامِيذَهُ لَا كَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، بَلْ كَسَيِّدٍ وَمُشَرِّعٍ، لِأَنَّهُ هُوَ ٱلْكَلِمَةُ ٱلْمُتَجَسِّدُ ٱلَّذِي لَهُ ٱلْحَقُّ أَنْ يُعْلِنَ مَعْنَى ٱلشَّرِيعَةِ وَمَقْصَدَهَا ٱلنِّهَائِيَّ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “حَرْفٌ” فَتَرِدُ فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ بِكَلِمَةِ ἰῶτα، وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى أَصْغَرِ حُرُوفِ ٱلْأَبْجَدِيَّةِ ٱلْيُونَانِيَّةِ، وَتُقَابِلُ فِي ٱلْعِبْرِيَّةِ حَرْفَ יוֹד (يُود)، وَفِي ٱلْعَرَبِيَّةِ حَرْفَ “ي”. وَهُوَ أَصْغَرُ ٱلْحُرُوفِ فِي هٰذِهِ ٱللُّغَاتِ، وَيُسْتَخْدَمُ هُنَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ ٱلْأَمَانَةِ ٱلْمُطْلَقَةِ لِكَلَامِ ٱللهِ، حَتَّى فِي أَدَقِّ تَفَاصِيلِهِ، وَهُوَ فِي ٱلْوَقْتِ عَيْنِهِ تَعْبِيرٌ عَنْ كَمَالِ ٱلشَّرِيعَةِ وَتَمَامِهَا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “نُقْطَةٌ” فَتَرِدُ فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ بِكَلِمَةِ κεραία، وَتُقَابِلُ فِي ٱلْعِبْرِيَّةِ كَلِمَةَ קוֹץ، أَيْ “ٱلْخَطَّ ٱلصَّغِيرَ”، وَهُوَ خَطٌّ دَقِيقٌ يُضَافُ إِلَى بَعْضِ ٱلْحُرُوفِ ٱلْعِبْرِيَّةِ فَيُحْدِثُ فَرْقًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ حَرْفٍ وَآخَرَ. وَفِي ٱللُّغَةِ ٱلْعَرَبِيَّةِ، تُؤَدِّي ٱلنُّقْطَةُ دَوْرًا مُمَاثِلًا فِي ٱلتَّمْيِيزِ بَيْنَ ٱلْحُرُوفِ. وَفِي كِلْتَا ٱلْحَالَتَيْنِ، يَكُونُ ٱلْمَعْنَى وَاضِحًا: لَا يَجُوزُ إِهْمَالُ أَيِّ جُزْءٍ مِنَ ٱلشَّرِيعَةِ أَوْ أَيِّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِهَا. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: “لَقَدْ أَشَارَ يَسُوعُ إِلَى أَصْغَرِ ٱلْحُرُوفِ، ثُمَّ إِلَى ٱلنُّقْطَةِ ٱلْمُلْحَقَةِ بِهِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ لِأَصْغَرِ أَجْزَاءِ ٱلشَّرِيعَةِ قِيمَةً عِنْدَ ٱللهِ”. (PL 34, 1241).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلشَّرِيعَةُ” فَتُفْهَمُ هُنَا بِمَعْنَاهَا ٱلْوَاسِعِ، أَيْ كُلَّ أَسْفَارِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ، لَا بِمَعْنَى ٱلْأَحْكَامِ ٱلطُّقْسِيَّةِ فَقَطْ، لِأَنَّهَا فِي جَوْهَرِهَا إِعْلَانُ إِرَادَةِ ٱللهِ ٱلْمُنَزَّهَةِ عَنِ ٱلتَّغَيُّرِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “يَتِمَّ كُلُّ شَيْءٍ“» (ἵνα πληρωθῇ) فلا يعني مجرّد نقلٍ حرفيٍّ لنصٍّ قديم، بل إعلان أنّ الحدث في حياة يسوع هو تحقّق المقصد الإلهي الذي أعلنه الله سابقًا عبر الأنبياء، وفي طليعتهم أشعيا. إنَّ كُلَّ مَا وُعِدَ بِهِ وَأُعْلِنَ بِٱلرُّمُوزِ وَٱلْإِشَارَاتِ فِي ٱلشَّرِيعَةِ سَيَتَحَقَّقُ تَحَقُّقًا فِعْلِيًّا. فَٱلشَّرِيعَةُ تَبْقَى قَائِمَةً كَنِظَامٍ إِلٰهِيٍّ حَتَّى تُنْجِزَ كُلَّ مَقَاصِدِهَا، إِذْ إِنَّهَا تَحْمِلُ فِي ذَاتِهَا ٱلْمَكَافَأَةَ عَلَى ٱلطَّاعَةِ وَٱلْعِقَابَ عَلَى ٱلْعِصْيَانِ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ غَايَتَهُ ٱلْخَلَاصِيَّةَ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلْأَرْضُ” فَتُشِيرُ إِلَى ثَبَاتِ نِظَامِ ٱلْكَوْنِ، ٱلَّذِي يَتَّخِذُهُ يَسُوعُ مِثَالًا لِعَدَمِ ٱلتَّغَيُّرِ. وَٱلْمَعْنَى هُنَا أَنَّهُ لَنْ تَسْقُطَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ ٱلشَّرِيعَةِ حَتَّى وَلَوْ زَالَتِ ٱلسَّمَاءُ وَٱلْأَرْضُ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ ٱلشَّرِيعَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتِمَّ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ. وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى ٱلشَّرِيعَةِ ٱلطُّقْسِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا رَمْزٌ وَظِلٌّ لِلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ، نَرَى أَنَّهَا قَدْ زَالَتْ فِي ٱلْمَسِيحِ، أَمَّا جَوْهَرُهَا، بِمَا أَنَّهُ كَلَامُ ٱللهِ، فَهُوَ يَدُومُ إِلَى ٱلْأَبَدِ: “وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱللهِ فَتَبْقَى إِلَى ٱلْأَبَدِ” (1 بُطْرُسَ 1: 25). فَٱلشَّرِيعَةُ لَا تَتَغَيَّرُ، لِأَنَّهَا إِعْلَانُ إِرَادَةِ ٱللهِ ٱلَّتِي لَا تَعْتَرِي ٱلتَّغَيُّرَ.
19 فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوتِ السَّمَوات.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “فَمَنْ خَالَفَ” إِلَى مَنْ يُلْغِي أَوْ يُبْطِلُ عَمْدًا وَبِقَصْدٍ وَصِيَّةً مِنْ وَصَايَا ٱلشَّرِيعَةِ. فَلَا يَتَعَلَّقُ ٱلْأَمْرُ بِسَقْطَةٍ عَرَضِيَّةٍ أَوْ جَهْلٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ، بَلْ بِمَوْقِفٍ وَاعٍ يَتَّخِذُهُ ٱلْإِنْسَانُ ضِدَّ وَصِيَّةِ ٱللهِ. وَهٰذَا ٱلْمَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ فِكْرِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ ٱلَّذِي يَرْبِطُ ٱلْخَطِيئَةَ بِٱلْإِرَادَةِ وَٱلْمَسْؤُولِيَّةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ. فَٱلْمُخَالَفَةُ هُنَا لَا تَعْنِي زَلَّةً أَخْلَاقِيَّةً عَرَضِيَّةً، بَلْ تَشِيرُ إِلَى نَقْضٍ مَقْصُودٍ لِإِرَادَةِ ٱللَّهِ ٱلْمُعْلَنَةِ، سَوَاءٌ بِٱلْفِعْلِ أَوْ بِٱلتَّعْلِيمِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “مِنْ أَصْغَرِ تِلْكَ ٱلْوَصَايَا” فَتُشِيرُ إِلَى مَا يَعُدُّهُ ٱلنَّاسُ وَصَايَا صَغِيرَةً، كَٱلنَّظْرَةِ ٱلشَّهْوَانِيَّةِ أَوِ ٱلْغَضَبِ ٱلْبَاطِنِيِّ، مُقَابِلَ ٱلْوَصَايَا ٱلْكُبْرَى كَٱلزِّنَا وَٱلْقَتْلِ، ٱلَّتِي تُعَدُّ فِي نَظَرِهِمْ خَطَايَا ٱلْفِعْلِ ٱلْوَاضِحَةِ. وَقَدْ قَسَّمَ ٱلْيَهُودُ ٱلْوَصَايَا إِلَى كُبْرَى وَصُغْرَى، وَٱعْتَبَرُوا أَصْغَرَهَا ٱلْوَصِيَّةَ ٱلْمُتَعَلِّقَةَ بِإِعْشَاشِ ٱلطُّيُورِ (تَثْنِيَةُ ٱلِٱشْتِرَاعِ 22: 6–7). إِلَّا أَنَّ ٱلسَّيِّدَ ٱلْمَسِيحَ لَا يُشِيرُ هُنَا إِلَى وَصِيَّةٍ طُقْسِيَّةٍ مِنْ هٰذَا ٱلنَّوْعِ، بَلْ إِلَى ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْأَدَبِيَّةِ، وَإِلَى كَبْحِ ٱلْأَفْكَارِ وَٱلشَّهَوَاتِ ٱلْدَّاخِلِيَّةِ ٱلَّتِي يَسْتَخِفُّ بِهَا ٱلنَّاسُ، وَيَعُدُّونَ أَنَّ ٱلِٱعْتِبَارَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْأَعْمَالِ ٱلْخَارِجِيَّةِ. وَلِكَوْنِ هٰذِهِ ٱلْخَطَايَا ٱلصُّغْرَى جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ ٱلشَّرِيعَةِ، وَجَبَ حَتْمًا ٱلْخُضُوعُ لَهَا. فَمَنْ يُخَالِفُهَا عَمْدًا يَكُونُ قَدْ أَثِمَ بِٱلشَّرِيعَةِ كُلِّهَا، كَمَا يُؤَكِّدُ ٱلرَّسُولُ يَعْقُوبُ: “فَمَنْ حَفِظَ ٱلشَّرِيعَةَ كُلَّهَا وَزَلَّ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، أَخْطَأَ بِهَا جَمِيعًا” (يَعْقُوبَ 2: 10).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَهُ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلَّذِي لَا يَكْتَفِي بِمُخَالَفَةِ ٱلشَّرِيعَةِ فِي حَيَاتِهِ ٱلشَّخْصِيَّةِ، بَلْ يَقُودُ ٱلْآخَرِينَ، بِقَوْلِهِ أَوْ بِقُدْوَتِهِ، إِلَى ٱلِٱسْتِهَانَةِ بِٱلشَّرِيعَةِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا. وَهُنَا يَتَّضِحُ ثِقَلُ ٱلْمَسْؤُولِيَّةِ ٱلتَّعْلِيمِيَّةِ فِي ٱلنَّظَرِ ٱلْإِنْجِيلِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: “يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ… وَيُدْعَى عَظِيمًا” فَيُشِيرُ إِلَى تَفَاوُتٍ فِي مَقَامِ ٱلْمُخَلَّصِينَ وَجَزَائِهِمْ فِي ٱلْمَلَكُوتِ. وَهٰذَا مَا أَكَّدَهُ يَسُوعُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَائِلًا: “فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ وَصَارَ مِثْلَ هٰذَا ٱلطِّفْلِ، فَذَاكَ هُوَ ٱلْأَكْبَرُ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 18: 4). وَهُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ يُشِيرُ إِلَى وَجُوبِ أَلَّا نَسْتَصْغِرَ أَتْفَهَ ٱلْأُمُورِ، بَلْ أَنْ نُقَدِّرَهَا وَنُعْطِيَهَا حَقَّهَا، لِأَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَا يَعُدُّ شَيْئًا صَغِيرًا مَتَى أَمَرَ بِهِ. وَفِي هٰذَا ٱلْإِطَارِ، يُعَلِّقُ ٱلْفَيْلَسُوفُ ٱلْفَرَنْسِيُّ بَاسْكَال بْلِيز قَائِلًا: “لِنَعْتَبِرْ صِغَارَ ٱلْأُمُورِ كِبَارًا، لِأَنَّ يَسُوعَ ٱسْتَوْدَعَنَا قُدْسِيَّتَهَا”. وَهٰذَا ٱلْمَبْدَأُ جَسَّدَتْهُ ٱلْقِدِّيسَةُ تِرِيزَا ٱلطِّفْلِ يَسُوعَ، ٱلَّتِي عَاشَتْ “ٱلطَّرِيقَ ٱلصَّغِيرَ” فِي ٱلْأَعْمَالِ ٱلْيَوْمِيَّةِ ٱلْبَسِيطَةِ، كَتَكنيسِ ٱلْأَرْوِقَةِ، وَٱلْغَسِيلِ، وَمُسَاعَدَةِ ٱلرَّاهِبَاتِ ٱلْمُسِنَّاتِ، فَصَارَتْ هٰذِهِ ٱلْأَعْمَالُ ٱلصَّغِيرَةُ عَظِيمَةً فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ”. فِي مَنْطِقِ المَلَكُوتِ، لَيْسَ هُنَاكَ “تَفَاصِيلُ غَيْرُ مُهِمَّةٍ”، بَلْ كُلُّ كَلِمَةٍ إِلَهِيَّةٍ لَهَا وَزْنُهَا الأَبَدِيُّ. إِنَّ مَا يَبْدُو “صَغِيرًا” فِي نَظَرِ الإِنْسَانِ، قَدْ يَكُونُ عَظِيمًا فِي نَظَرِ اللهِ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لَا تُقَاسُ بِحَجْمِ الوَصِيَّةِ، بَلْ بِأَمَانَةِ القَلْبِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ يُحَذِّرُ مِنِ الاِسْتِهَانَةِ بِـ”الصَّغِيرِ”، لِأَنَّ مَنْ يَتَعَوَّدُ التَّسَاهُلَ فِي القَلِيلِ سَيَسْقُطُ فِي الكَثِيرِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلَّذِي يَعْمَلُ بِهَا وَيُعَلِّمُهَا” فَتُشَدِّدُ عَلَى ٱقْتِرَانِ ٱلتَّعْلِيمِ بِٱلْعَمَلِ. فَٱلْعَظَمَةُ فِي نَظَرِ ٱلْمَسِيحِ لَا تَقُومُ عَلَى ٱلْمَعْرِفَةِ وَحْدَهَا، بَلْ عَلَى ٱلْعِلْمِ ٱلَّذِي يَتَجَسَّدُ فِي ٱلْحَيَاةِ. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ، يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ قَائِلًا: “مَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعَلِّمَ نَفْسَهُ وَيُحَاوِلُ إِصْلَاحَ ٱلْآخَرِينَ، يَجْعَلُ أَعْمَالَهُ كَلِمَاتِهِ ضِدًّا لَهُ، فَيَفْقِدُ كُلَّ قُوَّةٍ لِلتَّعْلِيمِ” (PG 57, 247). وَهٰذِهِ ٱلْآيَةُ هِيَ دَعْوَةٌ صَرِيحَةٌ مِنَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ إِلَى ٱلِٱلْتِزَامِ بِإِكْمَالِ ٱلشَّرِيعَةِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلْعَمَلِيَّةِ. فَٱلتَّعْلِيمُ بِغَيْرِ عَمَلٍ يُحْسَبُ نَقْضًا لِلشَّرِيعَةِ، وَيَفْقِدُ ٱلتَّعْلِيمُ فَاعِلِيَّتَهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ ٱلْمُعَلِّمُ قُدْوَةً. لِذٰلِكَ، دُعِينَا إِلَى ٱلتَّمَسُّكِ بِرُوحِ ٱلشَّرِيعَةِ لَا بِقُشُورِهَا، وَأَلَّا نَسْتَصْغِرَ أَصْغَرَ ٱلْوَصَايَا، بَلْ أَنْ نُقَدِّرَهَا حَقَّ قَدْرِهَا، كَمَا يُذَكِّرُنَا ٱلرَّسُولُ يَعْقُوبُ: “فَمَنْ حَفِظَ ٱلشَّرِيعَةَ كُلَّهَا وَزَلَّ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، أَخْطَأَ بِهَا جَمِيعًا” (يَعْقُوبَ 2: 10). هكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ إِلَى وَحْدَةِ الحَيَاةِ: أَنْ نُطِيعَ الكَلِمَةَ فِي “الكَبِيرِ” وَ”الصَّغِيرِ”، لِأَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ صَادِقَةٍ هِيَ خُطْوَةٌ نَحْوَ عَظَمَةِ المَلَكُوتِ.
20 فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “يَزِدْ” إِلَى مَا يَفِيضُ وَيَتَجَاوَزُ ٱلْحَدَّ ٱلْمَطْلُوبَ، أَيْ إِلَى تَفَوُّقٍ لَا يَقِفُ عِنْدَ ٱلِٱمْتِثَالِ ٱلْحَرْفِيِّ، بَلْ يَنْفَتِحُ عَلَى ٱلْكَمَالِ. فَٱلشَّرِيعَةُ ٱلْإِنْجِيلِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى طَاعَةٍ دَقِيقَةٍ لِمَجْمُوعَةٍ مِنَ ٱلْأَوَامِرِ وَٱلتَّعْلِيمَاتِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى تَبَنٍّ حُرٍّ لِنَمَطِ حَيَاةٍ جَوْهَرُهُ ٱلْمَحَبَّةُ. وَمِنْ هٰذَا ٱلْمُنْطَلَقِ، فَإِنَّ تَلَامِيذَ يَسُوعَ مَدْعُوُّونَ أَنْ يَتَفَوَّقُوا عَلَى ٱلْكُتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ فِي ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَى، لَا مِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱلْكَمِّيَّةِ، بَلْ مِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱلنَّوْعِيَّةِ، أَيْ طَاعَةٍ تَنْبَعُ مِنَ ٱلْمَحَبَّةِ. فَلَا وُجُودَ لِبِرٍّ حَقِيقِيٍّ بِدُونِ مَحَبَّةٍ، لِأَنَّ ٱلْمَحَبَّةَ هِيَ مِعْيَارُ ٱلْبِرِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ. وَلَقَدِ ٱنْصَرَفَ ٱهْتِمَامُ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ إِلَى ٱلطَّاعَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ ٱلشَّكْلِيَّةِ وَإِلَى تَطْبِيقِ ٱلشَّرِيعَةِ حَرْفِيًّا، أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَيَطْلُبُ مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ ذٰلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِٱلشَّكْلِيَّاتِ. فَٱلْبِرُّ ٱلَّذِي يُرْضِي ٱللهَ هُوَ ٱلْبِرُّ ٱلدَّاخِلِيُّ: بِرُّ ٱلْفِكْرِ وَٱلدَّوَافِعِ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ “يَنْظُرُ إِلَى ٱلْقَلْبِ” (راجع 1 صموئيل 16: 7).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “بِرُّكُمْ” فَتُشِيرُ إِلَى أَمَانَةِ ٱلتَّلَامِيذِ لِشَرِيعَةِ ٱللهِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ جَدِيدَةٌ أَصْبَحَتْ مُمْكِنَةً وَفَعَّالَةً بِنِعْمَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَبِتَفْسِيرِ يَسُوعَ لِلشَّرِيعَةِ، “لِأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ، لَا مِثْلَ كَتَبَتِهِمْ” (مَتَّى 7: 29). فَيَسُوعُ لَا يَتَكَلَّمُ ضِدَّ مُمَارَسَةِ ٱلشَّرِيعَةِ، بَلْ يَرْفُضُ ٱلتَّعَلُّقَ ٱلْأَعْمَى بِهَا، وَيُدِينُ ٱلرِّيَاءَ وَٱلْمُرَاءَاةَ وَٱلتَّحَايُلَ ٱلْكَاذِبَ وَمَنْطِقَ ٱلْكُتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ ٱلَّذِينَ حَوَّلُوا ٱلشَّرِيعَةَ إِلَى حِمْلٍ يُثْقِلُ ٱلنَّاسَ دُونَ أَنْ يَقُودَهُمْ إِلَى ٱلْخَلَاصِ. وَقَدْ رَفَضَ يَسُوعُ أَيْضًا تَفْسِيرَهُمْ وَنَظْرَتَهُمْ إِلَى ٱلْبِرِّ بِأَعْمَالِ ٱلشَّرِيعَةِ وَحْدَهَا، مُشَدِّدًا عَلَى ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي يَنْبَعُ مِنَ ٱلْإِيمَانِ بِهِ وَمِنْ أَعْمَالِ ٱلْمَحَبَّةِ، وَعَلَى ضَرُورَةِ أَصَالَةِ ٱلْحَيَاةِ ٱلرُّوحِيَّةِ وَصِحَّتِهَا. وَفِي هٰذَا ٱلْإِطَارِ، يُوَضِّحُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ قَائِلًا: “فِي حِينِ أَنَّ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي كَانَ يَسْعَى إِلَى شَرِيعَةِ بِرٍّ، لَمْ يُدْرِكْ هٰذِهِ ٱلشَّرِيعَةَ. وَلِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ ٱلْبِرَّ مِنَ ٱلْإِيمَانِ، بَلْ كَأَنَّهُ بِٱلْأَعْمَالِ، فَصَدَمَ حَجَرَ ٱلصَّدْمِ” (رُومَةَ 9: 31–32). وَيُضِيفُ: “إِنَّهُمْ جَهِلُوا بِرَّ ٱللهِ، وَحَاوَلُوا إِقَامَةَ بِرِّهِمْ، فَلَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ ٱللهِ” (رُومَةَ 10: 3).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “بِرِّ ٱلْكُتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْبِرِّ ٱلْقَائِمِ عَلَى ٱلْأَعْمَالِ ٱلظَّاهِرِيَّةِ دُونَ ٱلْإِيمَانِ ٱلْحَيِّ. فَقَدْ أَلْزَمَ ٱلْكُتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلنَّاسَ بِحِفْظِ حَرْفِ ٱلشَّرِيعَةِ وَأَهْمَلُوا رُوحَهَا، وَلَا سِيَّمَا فِي تِسْعِ قَضَايَا أَسَاسِيَّةٍ: ٱلْقَتْلِ، وَٱلزِّنَا، وَٱلطَّلَاقِ، وَٱلْقَسَمِ، وَٱلِٱنْتِقَامِ، وَٱلْمَحَبَّةِ، وَٱلصَّدَقَةِ، وَٱلصَّلَاةِ، وَٱلصَّوْمِ (مَتَّى 5: 20–6: 4). وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ هٰذَا ٱلْمَبْدَأَ قَائِلًا: “ٱلْيَهُودِيُّ هُوَ بِمَا فِي ٱلْبَاطِنِ، وَٱلْخِتَانُ هُوَ خِتَانُ ٱلْقَلْبِ بِٱلرُّوحِ لَا بِٱلْحَرْفِ. ذٰلِكَ هُوَ ٱلَّذِي لَهُ ٱلْمَدْحُ مِنَ ٱللهِ لَا مِنَ ٱلنَّاسِ” (رُومَةَ 2: 29).
تُشِيرُ عِبَارَةُ “ٱلْكُتَبَةُ” إِلَى فِئَةٍ دِينِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ مُتَخَصِّصَةٍ فِي دِرَاسَةِ ٱلشَّرِيعَةِ وَنَسْخِهَا وَتَفْسِيرِهَا وَتَعْلِيمِهَا لِلشَّعْبِ. وَفِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيَهُودِيِّ يُدْعَوْنَ הַסּוֹפְרִים، أَيْ “ٱلْكَتّاب” أَو “عُلَمَاءُ ٱلنَّامُوسِ”، وَكَانُوا يُعْتَبَرُونَ حُمَاةَ ٱلنَّصِّ ٱلْمُقَدَّسِ وَمُفَسِّرِيهِ ٱلرَّسْمِيِّينَ، لِأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ ٱلْمَعْرِفَةِ ٱللُّغَوِيَّةِ وَٱلتَّقْلِيدِ ٱلتَّفْسِيرِيِّ ٱلشَّفَوِيِّ. وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱلْوَظِيفِيَّةِ، كَانَ ٱلْكُتَبَةُ يَقُومُونَ بِثَلَاثِ مَهَامٍّ أَسَاسِيَّةٍ:
- نَسْخِ ٱلشَّرِيعَةِ وَحِفْظِهَا،
- تَفْسِيرِهَا وَشَرْحِهَا فِي ٱلْمَجَامِعِ،
- وَتَعْلِيمِ ٱلشَّعْبِ كَيْفِيَّةَ تَطْبِيقِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلْيَوْمِيَّةِ.
وَلِذٰلِكَ كَانُوا يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ كَسُلْطَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ، لَا سِيَّمَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنِدُونَ إِلَى سِلْسِلَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ تُرْجِعُ تَعْلِيمَهُمْ إِلَى مُوسَى ٱلنَّبِيِّ. إِلَّا أَنَّ ٱلْإِنْجِيلَ يَكْشِفُ تَوْتُّرًا بَيْنَ تَعْلِيمِ ٱلْكُتَبَةِ وَتَعْلِيمِ يَسُوعَ، لَا مِنْ حَيْثُ ٱلْنَّصِّ، بَلْ مِنْ حَيْثُ ٱلتَّفْسِيرِ وَٱلْمِنْهَجِ. فَهُمْ يُرَكِّزُونَ عَلَى حِفْظِ حَرْفِ ٱلشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلِهَا ٱلْخَارِجِيَّةِ، فِي حِينَ يُعِيدُهَا يَسُوعُ إِلَى مَقْصَدِهَا ٱلْأَصْلِيِّ، أَيْ إِلَى إِرَادَةِ ٱللَّهِ ٱلْمُخَلِّصَةِ وَنَقَاوَةِ ٱلْقَلْبِ. وَلِهٰذَا يَقُولُ ٱلْإِنْجِيلُ: “لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ، لَا كَٱلْكُتَبَةِ” (متى 7: 29)، أَيْ إِنَّ سُلْطَانَهُ لَا يَقُومُ عَلَى نَقْلِ ٱلتَّقْلِيدِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى كَشْفِ مَعْنَاهُ ٱلْإِلَهِيِّ ٱلْعَمِيقِ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبيّ الفم قَائِلًا: “إِنَّ ٱلْكُتَبَةَ كَانُوا يَحْمِلُونَ ٱلشَّرِيعَةَ عَلَى أَكْتَافِ ٱلنَّاسِ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوهَا فِي قُلُوبِهِمْ” (PG 57). أَمَّا القديس أوغسطينوس فَيَرَى أَنَّ خَطَرَ ٱلْكُتَبَةِ لَا يَكْمُنُ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، بَلْ فِي ٱنْفِصَالِ ٱلْمَعْرِفَةِ عَنِ ٱلْمَحَبَّةِ، لِأَنَّ “ٱلشَّرِيعَةَ تُقْرَأُ صَحِيحًا حِينَ تُفْهَمُ بِرُوحِ ٱلْمَحَبَّةِ” (PL 34)،وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ ذِكْرَ “ٱلْكُتَبَةِ” فِي إِنْجِيلِ مَتَّى لَا يَحْمِلُ مَعْنًى تَارِيخِيًّا فَقَطْ، بَلْ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً تَحْذِيرِيَّةً، تُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلْعِلْمَ ٱلدِّينِيَّ إِذَا لَمْ يُقْرَنْ بِتَجْدِيدِ ٱلْقَلْبِ وَعَمَلِ ٱلْمَحَبَّةِ، يَتَحَوَّلُ مِنْ خِدْمَةٍ لِلْحَقِّ إِلَى عَائِقٍ أَمَامَ مَلَكُوتِ ٱللَّهِ.
وَأَمَّا “ٱلْفَرِّيسِيُّونَ” في الأصل اليوناني فَتُشِيرُ تَسْمِيَتُهُمْ، ٱلْمُشْتَقَّةُ مِنَ ٱلْآرَامِيَّةِ פְּרוּשִׁין (أَيْ ٱلْمُنْعَزِلِينَ)، إِلَى إِحْدَى ٱلْفِئَاتِ ٱلْيَهُودِيَّةِ ٱلرَّئِيسِيَّةِ ٱلثَّلَاثِ، إِلَى جَانِبِ ٱلصَّدُّوقِيِّينَ وَٱلْأَسِّينِيِّينَ. وَكَانُوا أَضْيَقَهُمْ رَأْيًا وَأَشَدَّهُمْ تَشَدُّدًا (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 26: 5). وَمِنْ حَيْثُ ٱلْعَقِيدَةِ، آمَنُوا بِٱلْقَدَرِ وَبِحُرِّيَّةِ ٱلْإِنْسَانِ مَعًا، وَبِخُلُودِ ٱلنَّفْسِ، وَقِيَامَةِ ٱلْجَسَدِ، وَوُجُودِ ٱلْأَرْوَاحِ (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 23: 8)، وَبِمُكَافَأَةِ ٱلْإِنْسَانِ أَوْ مُعَاقَبَتِهِ فِي ٱلْآخِرَةِ. غَيْرَ أَنَّهُمْ حَصَرُوا ٱلصَّلَاحَ فِي طَاعَةِ ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ، فَصَارَ دِينُهُمْ ظَاهِرِيًّا لَا قَلْبِيًّا. وَقَالُوا بوجودِ تَقْلِيدٍ شَفَوِيٍّ يَرْجِعُ إِلَى مُوسَى، زَعَمُوا أَنَّهُ مُعَادِلٌ لِلشَّرِيعَةِ ٱلْمَكْتُوبَةِ فِي ٱلسُّلْطَةِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْهَا. فَجَاءَ تَصْرِيحُ ٱلْمَسِيحِ رَافِضًا إِلْزَامَ ٱلْإِنْسَانِ بِهٰذَا ٱلتَّقْلِيدِ (مَتَّى 15: 2–3، 6). وَلِذٰلِكَ ٱشْتُهِرَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ بِٱلرِّيَاءِ وَٱلْعُجْبِ، فَتَعَرَّضُوا لِٱنْتِقَادٍ لَاذِعٍ وَتَوْبِيخٍ قَاسٍ؛ فَدَعَاهُمْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ “أَوْلَادَ ٱلْأَفَاعِي” (مَتَّى 3: 7)، وَوَبَّخَهُمُ ٱلسَّيِّدُ ٱلْمَسِيحُ بِشِدَّةٍ عَلَى رِيَائِهِمْ وَٱدِّعَائِهِمُ ٱلْبِرَّ كَذِبًا، وَتَحْمِيلِهِمُ ٱلنَّاسَ أَثْقَالَ ٱلْعَرَضِيَّاتِ دُونَ ٱلِٱكْتِرَاثِ بِجَوْهَرِ ٱلشَّرِيعَةِ (مَتَّى 16: 6، 11–12؛ 23: 1–39). وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ تَخْلُ صُفُوفُ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ مِنْ أَشْخَاصٍ صَادِقِينَ سَامِيِي ٱلْأَخْلَاقِ، مِنْهُمْ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ فِي حَيَاتِهِ ٱلْأُولَى (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 23: 6)، وَمُعَلِّمُهُ جَمَالِيئِيلُ (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 5: 34).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لَا تَدْخُلُونَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْحِرْمَانِ مِنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ ٱلَّتِي وَعَدَ بِهَا يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ بِهِ، “لِأَنَّ ٱللهَ أَحَبَّ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونَ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ” (يُوحَنَّا 3: 16).
21 سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “سَمِعْتُمْ” في الأصل اليوناني Ἠκούσατε إِلَى نَوْعٍ مِنَ ٱلتَّعَارُضِ ٱلَّذِي يُلَمِّحُ إِلَيْهِ يَسُوعُ بَيْنَ ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْخَارِجِيِّ فِي تَفْسِيرِ ٱلشَّرِيعَةِ، كَمَا كَانَ سَائِدًا عِنْدَ ٱلْكُتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ، وَبَيْنَ تَفْسِيرِهِ ٱلْحَقِيقِيَّ وَٱلْأَصِيلَ. وَقَدْ كَرَّرَ ٱلرَّبُّ هٰذِهِ ٱلصِّيغَةَ سِتَّ مَرَّاتٍ فِي هٰذَا ٱلْمَقْطَعِ (مَتَّى 5: 21، 27، 31، 33، 38، 43)، فِي مَا يُعْرَفُ بِـ “ٱلْمُقَابَلَاتِ ٱلْإِنْجِيلِيَّةِ”. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَلَا يَكْمُنُ ٱلتَّعَارُضُ بَيْنَ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ وَٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ فِي ذَاتِ ٱلتَّعْلِيمِ، بَلْ فِي ٱلتَّفْسِيرِ ٱلْبَشَرِيِّ ٱلَّذِي حَرَّفَ مَقْصَدَ ٱلشَّرِيعَةِ وَأَفْرَغَهَا مِنْ رُوحِهَا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لِلْأَوَّلِينَ” فَتَرِدُ فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ بِكَلِمَةِ ἀρχαίοις، وَمَعْنَاهَا “ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا”، وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى آبَاءِ ٱلْأُمَّةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ ٱلَّذِينَ تَسَلَّمُوا ٱلشَّرِيعَةَ عَلَى يَدِ مُوسَى، وَإِلَى ٱلْأَجْدَادِ ٱلَّذِينَ نَشَأَتْ عَنْهُمْ ٱلسُّنَنُ وَٱلتَّفَاسِيرُ ٱلْمُتَدَاوَلَةُ. وَلَا تُشِيرُ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةُ إِلَى “ٱلشُّيُوخِ” πρεσβύτεροι، أَيْ أَعْيَانِ ٱلشَّعْبِ وَقَادَتِهِ ٱلدِّينِيَّةِ (مَتَّى 16: 21)، بَلْ إِلَى ٱلسَّلَفِ ٱلتَّقْلِيدِيِّ ٱلَّذِي نُقِلَتْ عَنْهُ ٱلتَّفْسِيرَاتُ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لَا تَقْتُلْ” فَتَرِدُ فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ بِٱلْفِعْلِ φονεύσεις، ٱلَّذِي يَدُلُّ عَلَى نَزْعِ ٱلْحَيَاةِ ٱلْبَشَرِيَّةِ عَنْ قَصْدٍ وَعَمْدٍ، وَعَلَى ٱلْقَتْلِ ٱلنَّاتِجِ عَنِ ٱلِٱنْتِقَامِ ٱلشَّخْصِيِّ. وَهٰذَا مَا تُحَرِّمُهُ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلسَّادِسَةُ مِنَ ٱلْوَصَايَا ٱلْعَشْرِ: “لَا تَقْتُلْ” (خُرُوج 20: 13).
أَمَّا عِبَارَةُ “مَنْ يَقْتُلُ” فَتُعَبِّرُ عَنْ تَفْسِيرِ ٱلْكُتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ ٱلَّذِينَ حَصَرُوا ٱلْوَصِيَّةَ فِي ٱلْقَتْلِ ٱلْفِعْلِيِّ ٱلْمُتَعَمَّدِ، أَيْ فِي سَفْكِ دَمِ ٱلضَّحِيَّةِ فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَ ذٰلِكَ بِقَتْلِ ٱلْآخَرِ أَوْ بِقَتْلِ ٱلذَّاتِ عَنِ ٱلْإِنْتِحَارِ. وَهٰكَذَا ٱقْتَصَرُوا عَلَى مَا يَسْتَوْجِبُ ٱلْحُكْمَ ٱلْقَضَائِيَّ ٱلْبَشَرِيَّ، وَأَهْمَلُوا جُذُورَ ٱلْخَطِيئَةِ ٱلْكَامِنَةَ فِي ٱلْقَلْبِ، كَٱلْغَضَبِ وَٱلْحِقْدِ وَٱلْكَرَاهِيَةِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “حُكْمَ ٱلْقَضَاءِ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْقَضَاءِ بِمَعْنَاهُ ٱلْمُزْدَوِجِ: ٱلْقَضَاءِ ٱلْبَشَرِيِّ ٱلَّذِي تَصْدُرُهُ ٱلْمَحَاكِمُ، وَٱلْقَضَاءِ ٱلْإِلٰهِيِّ ٱلَّذِي يَنْبُعُ مِنْ عَدْلِ ٱللهِ ٱلْمُطْلَقِ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يُوَضِّحُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ لِأَهْلِ رُومَةَ أَنَّ ٱلْإِنْسَانَ لَا يُدَانُ عَلَى ٱلْفِعْلِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى ٱلرِّضَا بِٱلشَّرِّ أَيْضًا: “وَمَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ قَضَاءَ ٱللهِ، بِأَنَّ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هٰذِهِ ٱلْأَعْمَالِ يَسْتَوْجِبُونَ ٱلْمَوْتَ، فَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهَا فَحَسْبُ، بَلْ يَرْضَوْنَ عَنِ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا” (رُومَةَ 1: 32). وَمِنْ هُنَا، يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ دَيْنُونَةَ ٱلْقَضَاءِ ٱلْبَشَرِيِّ فَقَطْ، بَلْ دَيْنُونَةَ ٱللهِ أَيْضًا. وَفِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هٰذِهِ ٱلْآيَةِ، يُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ أَنَّ يَسُوعَ “لَمْ يُبْطِلِ ٱلْوَصِيَّةَ، بَلْ أَدْخَلَ ٱلْقَلْبَ فِي مِجْهَرِ ٱلدَّيْنُونَةِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ ٱلْغَضَبَ جَذْرُ ٱلْقَتْلِ” (PG 57, 246-248). وَهٰكَذَا يَرْفَعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْوَصِيَّةَ مِنْ مُسْتَوَى ٱلْفِعْلِ ٱلْخَارِجِيِّ إِلَى مُسْتَوَى ٱلْقَلْبِ وَٱلنِّيَّةِ، فَيُظْهِرُ أَنَّ ٱلْبِرَّ ٱلْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِمَا تَرَاهُ ٱلْمَحَاكِمُ، بَلْ بِمَا يَعْلَمُهُ ٱللهُ ٱلَّذِي “يَفْحَصُ ٱلْقُلُوبَ وَٱلْكُلَى”.
22 أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: ((جاهِل)) اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: ((يا أَحمَق)) اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم.
لَا تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ” إِلَى أَنَّ يَسُوعَ نَقَضَ ٱلشَّرِيعَةَ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهَا آراءً شَخْصِيَّةً، بَلْ إِلَى مَفْهُومٍ أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ مِمَّا كَانَ يَعْتَمِدُهُ ٱلْكُتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ، أَلَا وَهُوَ ٱلْغَرَضُ ٱلْإِلٰهِيُّ ٱلْأَصْلِيُّ مِنَ ٱلْوَصِيَّةِ فِي مَبْدَئِهَا. فَلَمْ يَجْرُؤْ نَبِيٌّ قَطُّ أَنْ يَقُولَ: “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ”، بَلْ كَانَ ٱلْأَنْبِيَاءُ يَقُولُونَ دَائِمًا: “هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ”. أَمَّا يَسُوعُ فَيَتَكَلَّمُ بِسُلْطَانٍ ذَاتِيٍّ، لَا كَنَاقِلٍ لِلْوَحْيِ، بَلْ كَمَصْدَرٍ لَهُ. وَهٰذِهِ ٱلْعِبَارَةُ وَحْدَهَا تَكْفِي لِإِثْبَاتِ لَاهُوتِ ٱلْمَسِيحِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يُغَيِّرَ أَوْ يُنْقِصَ أَوْ يَزِيدَ حَرْفًا وَاحِدًا عَلَى كَلَامِ ٱللهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ هُوَ نَفْسَهُ ٱللهَ ٱلْمُتَكَلِّمَ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ قَائِلًا: “إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هٰكَذَا قَالَ ٱللهُ، بَلْ قَالَ: أَنَا أَقُولُ، لِيُظْهِرَ أَنَّ لَهُ ٱلسُّلْطَانَ نَفْسَهُ ٱلَّذِي لِلْآبِ (PG 57, 247)
وَأَمَّا عِبَارَةُ “غَضِبَ” فَتَرِدُ فِي ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيِّ بِٱلْفِعْلِ ὀργιζόμενος، ٱلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ عَلَامَاتِ ٱلِٱنْفِعَالِ ٱلدَّاخِلِيِّ، وَٱلتَّشَنُّجِ ٱلنَّفْسِيِّ، وَٱلْمَيْلِ إِلَى ٱلْعُنْفِ وَٱلِٱعْتِدَاءِ، وَمَا يَنْجُمُ عَنْ ذٰلِكَ مِنْ نَتَائِجَ مُدَمِّرَةٍ تَقُودُ فِي نِهَايَتِهَا إِلَى ٱلْقَتْلِ. وَبِهٰذَا ٱلْمَعْنَى، يَكُونُ ٱلْغَضُوبُ قَدِ ٱرْتَكَبَ ٱلْقَتْلَ فِي قَلْبِهِ، لِأَنَّ ٱللهَ يَعُدُّ ٱلِٱنْفِعَالَ ٱلدَّاخِلِيَّ مُعَادِلًا لِلْعَمَلِ ٱلْخَارِجِيِّ. فَٱلْخَطِيئَةُ ٱلْحَقِيقِيَّةُ تُقْتَرَفُ فِي ٱلْقَلْبِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ فِي ٱلْفِعْلِ. وَفِي هٰذَا، يَكُونُ ٱلْإِنْسَانُ ٱلْغَضُوبُ مُذْنِبًا فِي نَظَرِ ٱللهِ كَمَنْ يَقْتُلُ فِعْلًا. وَلَيْسَ فِي وُسْعِ ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ إِلَّا أَنْ تَكْبَحَ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْخَارِجِيَّةَ، أَمَّا يَسُوعُ فَيَذْهَبُ إِلَى أَعْمَقَ مِنْ ذٰلِكَ، إِذْ يُعَالِجُ ٱلْقَلْبَ ٱلشِّرِّيرَ فِي ٱلْإِنْسَانِ وَيُغَيِّرُهُ. وَهٰذَا مَا شَرَحَهُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ بِوُضُوحٍ قَائِلًا: “لِأَنَّ ٱلَّذِي لَمْ تَسْتَطِعْهُ ٱلشَّرِيعَةُ، لِأَنَّ ٱلْجَسَدَ قَدْ أَعْيَاهَا، حَقَّقَهُ ٱللهُ بِإِرْسَالِ ٱبْنِهِ فِي شِبْهِ جَسَدِ ٱلْخَطِيئَةِ كَفَّارَةً عَنِ ٱلْخَطِيئَةِ، فَحَكَمَ عَلَى ٱلْخَطِيئَةِ فِي ٱلْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ فِينَا مَا تَقْتَضِيهِ ٱلشَّرِيعَةُ مِنَ ٱلْبِرِّ، نَحْنُ ٱلَّذِينَ لَا نَسْلُكُ سَبِيلَ ٱلْجَسَدِ، بَلْ سَبِيلَ ٱلرُّوحِ”(رُومَةَ 8: 3–4). وَبِهٰذَا ٱلْمَعْنَى، تُكْمِلُ مَبَادِئُ يَسُوعَ ٱلشَّرِيعَةَ، لِأَنَّهَا تَعْنِي بِأَصْلِ ٱلْمَوْضُوعِ وَتُمَكِّنُ مِنْ تَحْقِيقِ مَقَاصِدِهَا ٱلْخَلَاصِيَّةِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “أَخِيهِ” فِي ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيِّ ἀδελφῷ (معناه اخ في الدم او النسب او في الايمان) فَتُشِيرُ إِلَى أَيِّ إِنْسَانٍ، لِأَنَّ ٱلْجَمِيعَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُمْ خَلِيقَةُ ٱللهِ. وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ ٱلْأُخُوَّةَ ٱلْبَشَرِيَّةَ تَشْمَلُ ٱلْجَمِيعَ، وَيَجِبُ أَنْ نُعَامِلَ كُلَّ ٱلنَّاسِ عَلَى أَنَّهُمْ إِخْوَتُنَا.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “حُكْمَ ٱلْقَضَاءِ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْعُقُوبَاتِ ٱلَّتِي تُصْدِرُهَا ٱلْمَحَاكِمُ ٱلْيَهُودِيَّةُ ٱلْمَحَلِّيَّةُ، وَكَانَتْ تَتَأَلَّفُ مِنْ سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، كَمَا يَرِدُ فِي ٱلتَّوْرَاةِ: “أَقِمْ لَكَ قُضَاةً وَكُتَبَةً فِي جَمِيعِ مُدُنِكَ ٱلَّتِي يُعْطِيكَ ٱلرَّبُّ إِيَّاهَا لِأَسْبَاطِكَ، فَيَحْكُمُونَ بَيْنَ ٱلشَّعْبِ حُكْمًا عَادِلًا” (تَثْنِيَةُ ٱلِٱشْتِرَاعِ 16: 18). وَهُنَا يَذْكُرُ يَسُوعُ ٱلْحُكْمَ عَلَى ٱنْفِعَالِ ٱلْبُغْضِ كَأَنَّهُ جُرْمٌ قَابِلٌ لِلْمُحَاسَبَةِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “يَا جَاهِلُ” فَتَرِدُ فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ بِكَلِمَةِ Ῥακά، وَفِي ٱلْعِبْرِيَّةِ רֵיקָא، وَمَعْنَاهَا “رَأْسٌ فَارِغٌ” أَوْ “شَخْصٌ عَدِيمُ ٱلْقِيمَةِ”، وَهِيَ تَعْبِيرٌ عَنِ ٱلِٱحْتِقَارِ وَٱلْإِهَانَةِ ٱلنَّابِعَةِ مِنَ ٱلْغَضَبِ. وَقَدْ سَأَلَ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَحَدَ ٱلْعِبْرَانِيِّينَ عَنْ مَعْنَى هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةِ، فَأَجَابَهُ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَعْبِيرٍ غَاضِبٍ يَصْعُبُ نَقْلُهُ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى (PL 34، 1239). أَمَّا ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمُ فَيَرَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ سُرْيَانِيَّةٌ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي مُخَاطَبَةِ ٱلْخَدَمِ وَأَبْنَاءِ ٱلطَّبَقَاتِ ٱلدُّنْيَا، كَتَعْبِيرٍ عَنْ ٱلِٱزْدِرَاءِ وَٱلِٱسْتِخْفَافِ بِٱلشَّخْصِ” PG 57, 249)).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “حُكْمَ ٱلْمَجْلِسِ” فَتَرِدُ فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ بِكَلِمَةِ συνεδρίῳ، أَيْ ٱلسَّنْهَدْرِيمِ، ٱلْمَجْلِسِ ٱلْأَعْلَى ٱلَّذِي كَانَ يَتَأَلَّفُ مِنْ وَاحِدٍ وَسَبْعِينَ عُضْوًا، وَيَنْعَقِدُ فِي أُورُشَلِيمَ. وَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنِ ٱلْمَحَاكِمِ ٱلصُّغْرَى ٱلْمُؤَلَّفَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ عُضْوًا، وَٱلْمُنْتَشِرَةِ فِي ٱلْمُدُنِ وَٱلْقُرَى: “فَسَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ٱلْمَجَالِسِ” (مَتَّى 10: 17). فِي ٱلْمَحَاكِمِ ٱلصُّغْرَى، يَكُونُ ٱلِٱتِّهَامُ مَوْضِعَ تَحَقُّقٍ وَفَحْصٍ، أَمَّا أَمَامَ ٱلْمَجْلِسِ ٱلْأَعْلَى فَيَكُونُ ٱلذَّنْبُ أَقْرَبَ إِلَى ٱلثُّبُوتِ، فَيُحَدِّدُ ٱلْقُضَاةُ ٱلْجَزَاءَ ٱلْمُنَاسِبَ. وَكَانَ حُكْمُ ٱلْمَحَاكِمِ ٱلْمَحَلِّيَّةِ قَابِلًا لِلنَّقْضِ أَمَامَ ٱلسَّنْهَدْرِيمِ، أَمَّا حُكْمُ ٱلسَّنْهَدْرِيمِ فَلَا يُنْقَضُ. وَبِٱسْتِخْدَامِ هٰذَا ٱلتَّدَرُّجِ ٱلْقَضَائِيِّ، يُوَضِّحُ يَسُوعُ تَصَاعُدَ خُطُورَةِ ٱلذَّنْبِ، مِنْ حُكْمِ ٱلْقَضَاءِ، إِلَى حُكْمِ ٱلْمَجْلِسِ، كَتَصْوِيرٍ لِجَسَامَةِ ٱلْخَطِيئَةِ ٱلْكَامِنَةِ فِي ٱلْقَلْبِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ فِعْلًا.
أَمَّا عِبَارَةُ “يَا أَحْمَقُ” فَتَرِدُ فِي أَصْلِ ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيِّ بِكَلِمَةِ Μωρέ، وَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى تَعْبِيرٍ عَابِرٍ عَنِ ٱلْغَضَبِ، بَلْ عَلَى شَتِيمَةٍ مُهِينَةٍ تَتَضَمَّنُ إِدَانَةً أَخْلَاقِيَّةً وَكَرَاهِيَةً قَاتِلَةً. فَمَنْ يَتَفَوَّهُ بِهَا يَتَعَدَّى مَرْحَلَةَ ٱلِٱنْفِعَالِ إِلَى ٱلْإِقْصَاءِ ٱلْكُلِّيِّ لِلْآخَرِ، أَيْ إِلَى ٱلْقَتْلِ ٱلرُّوحِيِّ، وَلِذٰلِكَ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً أَعْظَمَ. وَقَدْ كَانَتْ هٰذِهِ ٱللَّفْظَةُ تَحْمِلُ عِنْدَ ٱلْيَهُودِ مَعْنًى جَسِيمًا، يَرْقَى إِلَى ٱلتَّمَرُّدِ عَلَى ٱللهِ نَفْسِهِ، كَمَا يَرِدُ فِي كَلَامِ مُوسَى ٱلنَّبِيِّ: “أَبِهٰذَا تُكَافِئُونَ ٱلرَّبَّ، أَيُّهَا ٱلشَّعْبُ ٱلْأَحْمَقُ ٱلْخَالِي مِنَ ٱلْحِكْمَةِ؟” (تَثْنِيَةُ ٱلِٱشْتِرَاعِ 32: 6). وَلِهٰذَا ٱلْبُعْدِ ٱلْخَطِيرِ جُعِلَتْ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةُ عَلَى مُسْتَوَى ٱلْقَتْلِ. وَمِنْ هُنَا، يَرْبِطُ يُوحَنَّا ٱلرَّسُولُ بَيْنَ ٱلْبُغْضِ وَٱلْقَتْلِ رَبْطًا صَرِيحًا، قَائِلًا: “كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلٌ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَا مِنْ قَاتِلٍ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ مُقِيمَةٌ فِيهِ” (1 يُوحَنَّا 3: 15). وَفِي ٱلسِّيَاقِ عَيْنِهِ، يُوَصِينَا بُولُسُ ٱلرَّسُولُ بِتَقْدِيسِ ٱللِّسَانِ، إِذْ يَقُولُ: “لَا تَخْرُجْ كَلِمَةُ شَرٍّ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ كَلِمَةٍ صَالِحَةٍ لِلْبُنْيَانِ عِنْدَ ٱلْحَاجَةِ، لِتُفِيدَ ٱلسَّامِعِينَ. وَلَا تُحْزِنُوا رُوحَ ٱللهِ ٱلْقُدُّوسَ ٱلَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ ٱلْفِدَاءِ” (أَفَسُسَ 4: 29–30). فَٱلْكَلِمَةُ ٱلجَارِحَةُ لَا تُدَمِّرُ ٱلْآخَرَ فَقَطْ، بَلْ تُحْزِنُ رُوحَ ٱللهِ ٱلْعَامِلَ فِي ٱلْمُؤْمِنِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “جَهَنَّم” فَتَرِدُ فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ بِكَلِمَةِ γέεννα، ٱلْمُشْتَقَّةِ مِنَ ٱلْعِبْرِيَّةِ גֵּי־הִנֹּם، أَيْ “وَادِي هِنُّوم”. وَهُوَ وَادٍ يَقَعُ جَنُوبَ أُورُشَلِيمَ، كَانَتْ تُقَدَّمُ فِيهِ مُحْرَقَاتُ ٱلْأَوْلَادِ إِكْرَامًا لِلْإِلٰهِ مُولِك (2 أَخْبَارِ ٱلْأَيَّامِ 28: 3). وَقَدْ أَجَازَ أَحَازُ ٱلْمَلِكُ (2 مُلُوكِ 16: 3) وَمَنَسَّى ٱلْمَلِكُ (2 أَخْبَارِ ٱلْأَيَّامِ 33: 6) أَوْلَادَهُمَا فِي ٱلنَّارِ فِي هٰذَا ٱلْمَوْضِعِ. وَلَاحِقًا، نَزَعَ يُوشِيَّا ٱلْمَلِكُ قُدْسِيَّةَ هٰذَا ٱلْوَادِي (2 مُلُوكِ 23: 10)، فَتَحَوَّلَ إِلَى مَزْبَلَةٍ دَائِمَةِ ٱلِٱشْتِعَالِ لِحَرْقِ نُفَايَاتِ ٱلْمَدِينَةِ. وَهٰكَذَا أَصْبَحَ وَادِي هِنُّومَ صُورَةً لِلْهَلَاكِ ٱلْأَخِيرِ، وَرَمْزًا لِلْعَنْعَةِ وَٱلدَّيْنُونَةِ (إِرْمِيَا 7: 31)، بَلْ لِلْعُقُوبَةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ ٱسْتَعْمَلَهُ إِنْجِيلُ مَتَّى مِرَارًا عِدَّةً (نَحْوَ عَشْرِ مَرَّاتٍ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى ٱلْهَلَاكِ وَٱلْعَذَابِ ٱلْأَبَدِيِّ. وَبِذٰلِكَ، يُرِيدُ يَسُوعُ فِي هٰذِهِ ٱلْآيَةِ أَنْ يُشَدِّدَ عَلَى عُمقِ مَا تَتَضَمَّنُهُ وَصِيَّةُ “لَا تَقْتُلْ”، فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى ٱلْفِعْلِ ٱلْجَسَدِيِّ، بَلْ تَشْمَلُ ٱلْبُغْضَ وَٱلِٱحْتِقَارَ وَٱلْإِدَانَةَ ٱللِّسَانِيَّةَ. فَٱلْمَسِيحِيَّةُ تَدْعُو إِلَى ٱللُّطْفِ وَٱلرِّقَّةِ وَٱلْإِنْسَانِيَّةِ نَحْوَ ٱلْجَمِيعِ، لِأَنَّ خُلَاصَةَ جَمِيعِ ٱلْوَصَايَا هِيَ ٱلْمَحَبَّةُ. وَلَا يَقُولُ يَسُوعُ إِنَّ فُلَانًا يَسْتَحِقُّ ٱلْمَوْتَ، بَلْ يُعْلِنُ أَنَّهُ يَخْضَعُ لِحُكْمٍ إِلٰهِيٍّ عَادِلٍ، كَمَا يُذَكِّرُنَا بُولُسُ ٱلرَّسُولُ: “وَمَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ قَضَاءَ ٱللهِ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هٰذِهِ ٱلْأَعْمَالِ يَسْتَحِقُّونَ ٱلْمَوْتَ، فَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهَا فَحَسْبُ، بَلْ يَرْضَوْنَ عَنِ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا” (رُومَةَ 1: 32).
23 فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً،
تُشِيرُ عِبَارَةُ “كُنْتَ تُقَرِّبُ قُرْبَانَكَ” إِلَى صِيغَةِ ٱلْمُفْرَدِ، وَتُقَدِّمُ طَرِيقَةً عَمَلِيَّةً لِمُمَارَسَةِ ٱلْوَصِيَّةِ ٱلْعَامَّةِ، أَلَا وَهِيَ تَقْدِيمُ ٱلذَّبِيحَةِ لِلَّهِ بِمُقْتَضَى ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ. فَيَسُوعُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ مَبْدَأٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ يُنْزِلُ ٱلتَّعْلِيمَ إِلَى وَاقِعِ ٱلْعِبَادَةِ ٱلْمُعَاشَةِ فِي ٱلْهَيْكَلِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلْمَذْبَحِ” (הַמִּזְבֵּחַ) فَتُشِيرُ فِي ٱلْمَنْظُورِ ٱلْكِتَابِيِّ إِلَى مَوْضِعِ ٱلْمُصَالَحَةِ مَعَ ٱللهِ، حَيْثُ يَتِمُّ ٱلتَّقَدُّمُ بِٱلْقُرْبَانِ طَلَبًا لِرِضَاهُ. وَفِي ضَوْءِ ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ، شُبِّهَ ٱلصَّلِيبُ ٱلَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ ٱلْمَسِيحُ بِمَذْبَحٍ، كَمَا يَرِدُ فِي قَوْلِ ٱلرَّسُولِ: “لَنَا مَذْبَحٌ لَا سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ ٱلْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ” (عِبْرَانِيِّينَ 13: 10). وَمِنْ هُنَا يَبْرُزُ ٱلسُّؤَالُ ٱلْجَوْهَرِيُّ: مَا مَعْنَى ٱلْمُصَالَحَةِ مَعَ ٱللهِ إِنْ لَمْ تَسْبِقْهَا مُصَالَحَةٌ مَعَ ٱلْقَرِيبِ؟ فَكَمَا أَنَّ مَحَبَّةَ ٱلْقَرِيبِ هِيَ عَلَامَةُ صِدْقِ مَحَبَّةِ ٱللهِ، كَذٰلِكَ لَا تَكُونُ ٱلْمُصَالَحَةُ مَعَ ٱللهِ صَادِقَةً إِنْ لَمْ تُثْمِرْ مُصَالَحَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ ٱلْإِنْسَانِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ذَكَرْتَ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱسْتِيقَاظِ ٱلضَّمِيرِ عِنْدَ مَنْ يُهَيِّئُ قَلْبَهُ لِتَقْدِيمِ عِبَادَةٍ مَقْبُولَةٍ. فَٱلذَّاكِرُ هُنَا هُوَ ٱلَّذِي يَسْمَحُ لِضَمِيرِهِ أَنْ يَفْحَصَ حَيَاتَهُ، فَيَتَذَكَّرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ نَحْوَ ٱلْآخَرِينَ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى ٱللهِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لِأَخِيكَ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْقَرِيبِ، أَيِ ٱلشَّخْصِ ٱلَّذِي يَرْتَبِطُ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِ بِرَابِطَةِ ٱلْإِنْسَانِيَّةِ وَٱلْأُخُوَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: “هُنَاكَ أَنَّ لِأَخِيكَ عَلَيْكَ شَيْئًا” فَيُشَدِّدُ عَلَى ٱلْوَاجِبِ ٱلْمُلْقَى عَلَى عَاتِقِ ٱلْمُؤْمِنِ نَحْوَ أَخِيهِ، لَا عَلَى مَا لَهُ هُوَ عَلَى ٱلْآخَرِ. فَٱلْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ حُقُوقًا أُطَالِبُ بِهَا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةً أَتَحَمَّلُهَا. وَهٰذَا ٱلْمَعْنَى يُؤَكِّدُهُ مَرْقُسُ ٱلْإِنْجِيلِيُّ: “وَإِذَا قُمْتُمْ لِلصَّلَاةِ وَكَانَ لَكُمْ شَيْءٌ عَلَى أَحَدٍ، فَٱغْفِرُوا لَهُ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ زَلَّاتِكُمْ” (مَرْقُسَ 11: 25). وَمَضْمُونُ ٱلتَّعْلِيمِ هُنَا أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عَلَيْنَا ضَمِيرُنَا بِأَنَّنَا أَسَأْنَا إِلَى أَخِينَا بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ ٱلْأَشْكَالِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْتَظِرَ حَتَّى يَأْتِيَ هُوَ وَيُعَاتِبَنَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ نُبَادِرَ، وَأَنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ مَا يُمْلِيهِ عَلَيْنَا ٱلضَّمِيرُ ٱلْحَيُّ، لِئَلَّا نَدَعَ ٱلْبُغْضَ يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ عِبَادَتُنَا لِلَّهِ صَادِقَةً وَمُثْمِرَةً.
24 فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “قُرْبَانَكَ” δῶρόν ( تقدمة ) إِلَى كُلِّ مَا كَانَ يُقَدَّمُ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَبِيحَةً لِلْكَفَّارَةِ أَمْ تَقْدِمَةً لِلشُّكْرِ. فَيَسُوعُ يَشْمَلُ بِتَعْلِيمِهِ جَمِيعَ أَشْكَالِ ٱلْعِبَادَةِ ٱلطُّقْسِيَّةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ ٱلْمَسْأَلَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِنَوْعِ ٱلْقُرْبَانِ بِلُبِّ ٱلْعِبَادَةِ وَحَالَةِ ٱلْقَلْبِ ٱلَّذِي يُقَدِّمُهُ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱذْهَبْ أَوَّلًا” فَتَحْمِلُ طَابِعَ ٱلْإِلْزَامِ وَٱلْعَجَلَةِ، وَتُشِيرُ إِلَى أَخْذِ ٱلْمُبَادَرَةِ فِي ٱلْمُصَالَحَةِ، مِنْ دُونِ ٱنْتِظَارِ أَنْ يَأْتِيَ ٱلْآخَرُ طَالِبًا ٱلسَّلَامَ. فَٱلْمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ذَاتِهِ، وَأَنْ يَسْعَى هُوَ نَحْوَ أَخِيهِ، مُقَدِّمًا ٱلْمُصَالَحَةَ كَأَوَّلِيَّةٍ تَسْبِقُ ٱلْعِبَادَةَ ٱلطُّقْسِيَّةَ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَصَالِحْ” فَتُشِيرُ إِلَى فِعْلٍ إِيجَابِيٍّ يَتَضَمَّنُ طَلَبَ ٱلْمُسَامَحَةِ أَوْ مَنْحَهَا، وَبَذْلَ كُلِّ ٱلْجُهْدِ ٱلْمُمْكِنِ لِإِزَالَةِ سَبَبِ ٱلْخِلَافِ. فَٱلْمُصَالَحَةُ لَيْسَتْ مَوْقِفًا دَاخِلِيًّا فَقَطْ، بَلْ مَسِيرَةً عَمَلِيَّةً تَسْعَى إِلَى ٱسْتِعَادَةِ ٱلْعَلَاقَةِ ٱلْمُتَكَسِّرَةِ. إِنَّ ٱللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى ٱلْقُرْبَانِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى رُوحِ مَنْ يُقَدِّمُهُ. لِذٰلِكَ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَبَّلَ ٱللهُ عِبَادَةَ مَنْ لَا يَعِيشُ فِي عِلَاقَةٍ قَوِيمَةٍ مَعَ ٱلْآخَرِينَ. فَٱللهُ جَاءَ لِيَجْمَعَ ٱلْإِخْوَةَ، وَيُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ ٱلْأُخُوَّةَ ٱلْحَقِيقِيَّةَ، لِنَكُونَ بِٱلْحَقِيقَةِ أَبْنَاءً لَهُ. وَمِنْ ثَمَّ، يَرْفُضُ ٱللهُ أَعْمَالَ ٱلْمَحَبَّةِ ٱلْمُوَجَّهَةَ إِلَيْهِ، إِذَا كُنَّا نُضْمِرُ ٱلْحِقْدَ وَٱلشَّرَّ نَحْوَ إِخْوَتِنَا. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ، يَقُولُ يُوحَنَّا ٱلرَّسُولُ: “إِذَا قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ ٱللهَ، وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، كَانَ كَاذِبًا، لِأَنَّ ٱلَّذِي لَا يُحِبُّ أَخَاهُ ٱلَّذِي يَرَاهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِبَّ ٱللهَ ٱلَّذِي لَا يَرَاهُ” (1 يُوحَنَّا 4: 20). فَٱلْمَحَبَّةُ لِلنَّاسِ هِيَ أَعْظَمُ ذَبِيحَةٍ تُقَدَّمُ لِلَّهِ، وَهِيَ ٱلدَّلِيلُ ٱلْحَقِيقِيُّ عَلَى مَحَبَّتِنَا لَهُ. وَبِدُونِهَا لَا تُقْبَلُ أَيَّةُ ذَبِيحَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ دُونِ ٱلْمَحَبَّةِ لَا تَقُومُ شَرِكَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ تَقْدِمَةٌ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ قَائِلًا: “لَا أَعْرِفُ سَلَامًا بِغَيْرِ حُبٍّ، وَلَا شَرِكَةً بِدُونِ سَلَامٍ”. وَيُرِيدُ يَسُوعُ مِنَّا أَنْ نُسَارِعَ إِلَى مُبَادَرَةِ خَصْمِنَا، وَأَنْ نَذْهَبَ لِلِقَائِهِ سَعْيًا إِلَى ٱلْمُصَالَحَةِ، وَلَا نَكْتَفِي بِأَنْ نَكُونَ عَلَى أُهْبَةِ ٱلِٱسْتِعْدَادِ إِذَا مَدَّ ٱلْآخَرُ يَدَهُ نَحْوَنَا. وَفِي هٰذَا ٱلْإِطَارِ، يَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: “إِنْ كُنْتَ فِي عَدَاوَةٍ فَصَالِحْ. وَإِنْ جَاءَتْكَ فُرْصَةُ ٱلْمُصَالَحَةِ، فَلَا تَتْرُكْ نَفْسَكَ فِي ٱلنِّزَاعِ”. وَنَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ ٱلرَّبِّ أَنَّ ٱلْخُصُومَةَ تَمْنَعُ ٱلصَّلَاةَ، وَتُعَوِّقُ ٱلتَّقَدُّمَ إِلَى ٱلْمَذْبَحِ وَتَقْدِيمَ ٱلذَّبِيحَةِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ «ثُمَّ عُدْ» فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ ٱلْمُصَالَحَةَ لَا تُلْغِي ٱلْعِبَادَةَ، بَلْ تُعِيدُهَا إِلَى مَوْضِعِهَا ٱلصَّحِيحِ. فَأَدَاءُ وَاجِبَاتِنَا نَحْوَ ٱلنَّاسِ لَا يُعْفِينَا مِنْ وَاجِبَاتِنَا نَحْوَ ٱللهِ، بَلْ يُهَيِّئُنَا لِعِبَادَةٍ مَقْبُولَةٍ. وَنَسْتَنْتِجُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ ٱلْمُصَالَحَةِ يَقْبَلُ ٱللهُ قُرْبَانَ ٱلْعَابِدِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى يَكُونُ رَاضِيًا عَنْهُ.
25 سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “سَارِعْ إِلَى إِرْضَاءِ خَصْمِكَ مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي ٱلطَّرِيقِ” إِلَى ضَرُورَةِ ٱلْمُبَادَرَةِ إِلَى ٱلْمُصَالَحَةِ دُونَ تَأْجِيلٍ، كَمَا يُؤَكِّدُ سِفْرُ ٱلْأَمْثَالِ: “لَا تُبْرِزْهُ عَاجِلًا إِلَى ٱلدَّعْوَى، وَإِلَّا فَمَاذَا تَصْنَعُ فِي آخِرِ ٱلْأَمْرِ حِينَ يُخْزِيكَ قَرِيبُكَ؟”(أَمْثَال 25: 8). وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ، يَدُلُّ هٰذَا ٱلِٱسْتِعْجَالُ عَلَى ٱلْمُسَارَعَةِ إِلَى ٱلتَّوْبَةِ قَبْلَ فَوَاتِ ٱلْأَوَانِ، لِئَلَّا يَمْثُلَ ٱلْإِنْسَانُ أَمَامَ ٱللهِ ٱلدَّيَّانِ وَهُوَ فِي حَالَةِ خُصُومَةٍ مَعَ أَحَدٍ، فَيَتَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ ٱلْأَبَدِيِّ (لُوقَا 12: 57–59).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “إِرْضَاءِ خَصْمِكَ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْفَهْمِ ٱلْعَمَلِيِّ لِلْوَصِيَّةِ ٱلسَّادِسَةِ: “لَا تَقْتُلْ” (خُرُوج 20: 13)، لِأَنَّ ٱللُّجُوءَ إِلَى ٱلْمَحَاكِمِ، خُصُوصًا فِي ٱلنِّزَاعَاتِ ٱلْبَسِيطَةِ، يَتَعَارَضُ مَعَ رُوحِ هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةِ، إِذْ إِنَّ ٱلدَّعَاوَى ٱلصَّغِيرَةَ تَتَجَسَّمُ وَتَتَعَقَّدُ كُلَّمَا طَالَتْ مُدَّتُهَا، وَتُغَذِّي ٱلْبُغْضَ وَٱلْعَدَاوَةَ بَدَلَ أَنْ تُحَقِّقَ ٱلسَّلَامَ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “فِي ٱلطَّرِيقِ” فَتُشِيرُ إِلَى طَرِيقِ ٱلْحِكْمَةِ فِي ٱلْأُمُورِ ٱلدُّنْيَوِيَّةِ. مطلوب ٱغْتِنَامِ ٱلْفُرْصَةِ ٱلْأَخِيرَةِ لِلِٱتِّفَاقِ وَٱلْمُصَالَحَةِ قَبْلَ ٱلْوُقُوفِ أَمَامَ ٱلْمَحْكَمَةِ. فَٱلطَّرِيقُ هُنَا يَرْمُزُ إِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلْحَاضِرَةِ، ٱلَّتِي تُعْطَى فِيهَا لِلْإِنْسَانِ فُرْصَةُ ٱلْإِصْلَاحِ وَٱلْعَوْدَةِ قَبْلَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلنِّهَائِيَّةِ. فَإِذَا كَانَ ٱلِٱتِّفَاقُ وَٱلْمُصَالَحَةُ فِي هٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ مَعَ ٱلْأَخِ ٱلَّذِي أَسَأْنَا إِلَيْهِ أَمْرًا ضَرُورِيًّا، فَبِٱلْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ ضَرُورَةً قَبْلَ ٱلْمُثُولِ أَمَامَ ٱلْقَاضِي ٱلْعَظِيمِ فِي ٱلسَّمَاءِ، وَقَبْلَ ٱلْخُضُوعِ لِلْحُكْمِ بِٱلْعِقَابِ ٱلْأَبَدِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ “لِئَلَّا يُسَلِّمَكَ ٱلْخَصْمُ” ἀντιδίκῳ فَيُشِيرُ إِلَى ٱلْخَصْمِ ٱلَّذِي يُسَلِّمُ ٱلْإِنْسَانَ إِلَى ٱلْقَاضِي، إِمَّا بِٱلشَّكْوَى أَوْ بِطَلَبِ إِصْدَارِ ٱلْحُكْمِ. وَفِي تَفْسِيرٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ، يَرَى ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ “ٱلْخَصْمَ” هُنَا هُوَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلْإِلٰهِيَّةُ نَفْسُهَا، أَيْ شَرِيعَةُ ٱللهِ ٱلْمُدَوَّنَةُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ، ٱلَّتِي وُهِبَتْ لَنَا لِتَكُونَ مَعَنَا “فِي ٱلطَّرِيقِ”، أَيْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلْحَاضِرَةِ، لِنُسَارِعَ إِلَى تَنْفِيذِهَا وَلَا نُخَالِفَهَا، “لِئَلَّا تُسَلِّمَنَا إِلَى ٱلْقَاضِي”.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلْقَاضِي” κριτῇ, فَتُشِيرُ إِلَى ٱلدَّيَّانِ، أَيْ ٱلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ، “لِأَنَّ ٱلْآبَ لَا يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى ٱلِٱبْنَ كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ” (يُوحَنَّا 5: 22).
وَأَمَّا “ٱلشُّرْطِيُّ” φυλακὴν (السَّجان) فَيُفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ يَرْمُزُ إِلَى ٱلْمَلَائِكَةِ ٱلْمُنَفِّذِينَ لِأَحْكَامِ ٱللهِ، فِيمَا تُشِيرُ “ٱلسِّجْنُ” إِلَى “ٱلظُّلْمَةِ ٱلْبَرَّانِيَّةِ” (مَتَّى 8: 12)، أَيْ إِلَى حَالَةِ ٱلْحِرْمَانِ ٱلْأَبَدِيِّ مِنْ شَرِكَةِ ٱللهِ. وَمِنْ هُنَا، لَا يَجُوزُ أَنْ نَقِفَ أَمَامَ ٱلْقَاضِي ٱلْإِلٰهِيِّ وَنَحْنُ فِي حَالَةِ خُصُومَةٍ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ٱلْمَصِيرُ ٱلْحُكْمَ ٱلْأَبَدِيَّ. لِذٰلِكَ، يَدْعُونَا يَسُوعُ إِلَى إِظْهَارِ ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلصَّفْحِ بِسَخَاءٍ لِلْجَمِيعِ (مَتَّى 18: 32–35)، خُصُوصًا فِي زَمَنٍ تَتَزَايَدُ فِيهِ ٱلرَّغْبَةُ فِي سَحْقِ ٱلْآخَرِ كَوَسِيلَةٍ لِحَلِّ ٱلنِّزَاعَاتِ. وَنَسْتَنْتِجُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى ٱلْإِنْسَانِ أَنْ يُفَضِّلَ إِزَالَةَ ٱلْبُغْضِ مِنْ قَلْبِهِ وَمِنْ قَلْبِ خَصْمِهِ، وَأَنْ يَجِدَ طَرِيقَةً لِلِٱتِّفَاقِ وَٱلْمُصَالَحَةِ، وَلَوْ بِٱلتَّنَازُلِ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِهِ، عَلَى ٱنْتِظَارِ نَتِيجَةِ مَحَاكَمَةٍ مَجْهُولَةِ ٱلْعَوَاقِبِ. فَيَسُوعُ يَنْدَهِشُ بِجِدَّةِ ٱلْإِنْجِيلِ، وَيُنَادِي بِٱلْمُصَالَحَةِ، وَيُوصِينَا أَنْ نُصْلِحَ أُمُورَنَا مَعَ ٱلْآخَرِينَ قَبْلَ أَنْ نُمَثُلَ أَمَامَ ٱللهِ، لِئَلَّا يَصِلَ ظُلْمُنَا إِلَى ٱلدَّيَّانِ، فَنُلْقَى فِي ٱلسِّجْنِ ٱلْأَبَدِيِّ. هٰذِهِ هِيَ جِدَّةُ ٱلْإِنْجِيلِ.
26 الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “لَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْحَالَةِ ٱلَّتِي يَبْقَى فِيهَا ٱلْإِنْسَانُ فِي “ٱلظُّلْمَةِ ٱلْبَرَّانِيَّةِ”، حَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُوفِيَ ٱلْعَدْلَ ٱلْإِلٰهِيَّ حَقَّهُ بِقُوَّتِهِ ٱلذَّاتِيَّةِ. فَإِذَا حَدَثَ غَضَبٌ أَوْ تَهَوُّرٌ أَوْ ٱنْتِقَامٌ، فَإِنَّ ٱلْمُصَالَحَةَ مَعَ ٱلْآخَرِينَ خَيْرٌ بِكَثِيرٍ مِنْ تَطَوُّرِ ٱلْأُمُورِ إِلَى ٱلْمُحَاكَمَةِ وَٱلسِّجْنِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “حَتَّى تُؤَدِّيَ آخِرَ فَلْسٍ” فَتُشِيرُ إِلَى وُجُوبِ إِيفَاءِ ٱلدَّيْنِ كَامِلًا دُونَ نُقْصَانٍ. فَإِذَا كَانَ ٱلْإِيفَاءُ مُمْكِنًا فِي ٱلدُّيُونِ ٱلْمَالِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ إِيفَاءُ دَيْنِ ٱلْخَطِيئَةِ إِلَّا بِوَسَاطَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي حَمَلَ خَطَايَا ٱلْعَالَمِ وَأَدَّى عَنْهَا ٱلْكَفَّارَةَ ٱلْكَامِلَةَ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَلْسٍ” فَفِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ κοδράντην، وَمَعْنَاهَا “رُبْعُ آسٍ”، وَهِيَ عُمْلَةٌ رُومَانِيَّةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا، كَانَ يُشْتَرَى بِهَا عُصْفُورَانِ، كَمَا يَرِدُ فِي قَوْلِ ٱلرَّبِّ: “أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟” (مَتَّى 10: 29). وَتَدُلُّ هٰذِهِ ٱلْإِشَارَةُ عَلَى أَنَّ ٱلْمَسْأَلَةَ تَشْمَلُ أَدَقَّ ٱلتَّفَاصِيلِ، وَأَنَّهُ لَا يُهْمَلُ شَيْءٌ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا، فِي مِيزَانِ ٱلْعَدْلِ. وَتُبَيِّنُ هٰذِهِ ٱلْآيَةُ ٱلنَّتَائِجَ ٱلْجَسِيمَةَ لِلْإِبْطَاءِ فِي فَضِّ ٱلدَّعَاوَى وَتَأْجِيلِ ٱلْمُصَالَحَةِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ ٱلْإِنْجِيلَ يَدْعُونَا إِلَى ٱلْحِكْمَةِ، وَٱلْمُبَادَرَةِ، وَٱلسَّلَامِ قَبْلَ فَوَاتِ ٱلْأَوَانِ.
27 سَمِعْتُم أَنَّه قيل: لا تَزْنِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لَا تَزْنِ” μοιχεύσεις. إِلَى كُلِّ ٱتِّصَالٍ جِنْسِيٍّ غَيْرِ شَرْعِيٍّ، أَيِّ كُلِّ عَلاقَةٍ تَخْرُجُ عَنْ إِطَارِ ٱلزَّوَاجِ ٱلَّذِي أَرَادَهُ ٱللهُ وَقَدَّسَهُ. وَيَشْمَلُ ذٰلِكَ مُضَاجَعَةَ ٱلرَّجُلِ لِٱمْرَأَةٍ غَيْرِ زَوْجَتِهِ، أَوِ ٱلِٱرْتِبَاطَ ٱلْجِنْسِيَّ بِفَتَاةٍ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، أَوِ ٱلْعَلَاقَةَ مَعَ ٱمْرَأَةٍ حُرَّةٍ خَارِجَ ٱلْعَهْدِ ٱلزَّوْجِيِّ، وَغَيْرَ ذٰلِكَ مِنَ ٱلْمُمَارَسَاتِ ٱلَّتِي تَنْتَهِكُ قُدْسِيَّةَ ٱلْجَسَدِ وَأَمَانَةَ ٱلْعَهْدِ. وَفِي ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ، عُدَّتْ هٰذِهِ ٱلْخَطِيئَةُ مِنْ أَخْطَرِ ٱلْجَرَائِمِ ٱلْأَخْلَاقِيَّةِ، لِأَنَّهَا تُفْسِدُ بُنْيَانَ ٱلْعَائِلَةِ وَتَهُدُّ ٱلْعَهْدَ ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللهُ بَيْنَ ٱلرَّجُلِ وَٱلْمَرْأَةِ. لِذٰلِكَ فَرَضَ ٱلنَّامُوسُ عُقُوبَةَ ٱلْمَوْتِ رَجْمًا عَلَى ٱلزَّانِي وَٱلزَّانِيَةِ (ٱلْأَحْبَار 20: 10؛ تَثْنِيَةُ ٱلِٱشْتِرَاعِ 22: 22–29). وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلْوَصِيَّةَ ٱلسَّابِعَةَ مِنَ ٱلْوَصَايَا ٱلْعَشْرِ (خُرُوج 20: 14). إِلَّا أَنَّ ٱلتَّقْلِيدَ ٱلْآبَائِيَّ يُظْهِرُ أَنَّ ٱلْمَقْصُودَ مِنَ ٱلْوَصِيَّةِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى ٱلْفِعْلِ ٱلْخَارِجِيِّ فَقَطْ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى نِيَّةِ ٱلْقَلْبِ وَنَقَاوَةِ ٱلنَّظَرِ. فَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ، فِي شَرْحِهِ لِعِظَةِ ٱلرَّبِّ عَلَى ٱلْجَبَلِ، قَائِلًا: “لَيْسَ ٱلزِّنَى فِي ٱلْجَسَدِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي ٱلْقَلْبِ أَيْضًا، لأَنَّ ٱلشَّهْوَةَ ٱلْمُسْتَقِرَّةَ فِي ٱلْقَلْبِ هِيَ بَذْرَةُ ٱلْخَطِيئَةِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِي ٱلْعَمَلِ (PL 34, 1245). وَيُشَدِّدُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ عَلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَأْتِ لِيُخَفِّفَ ٱلْوَصِيَّةَ، بَلْ لِيُعَمِّقَهَا وَيُعِيدَهَا إِلَى أَصْلِهَا ٱلرُّوحِيِّ، فَيَقُولُ:”لَمْ يَقُلِ ٱلْمَسِيحُ: لَا تَزْنِ فَقَطْ، بَلْ مَنَعَ أَيْضًا ٱلطَّرِيقَ ٱلْمُؤَدِّيَةَ إِلَى ٱلزِّنَى، فَإِنَّ ٱلنَّظَرَ ٱلشَّهْوَانِيَّ هُوَ بِدَايَةُ ٱلْفِعْلِ، وَمَنْ أَقْفَلَ ٱلْبَابَ عَلَى ٱلْبِدَايَةِ أَغْلَقَ ٱلْفِعْلَ كُلَّهُ (PG 57, 257). أَمَّا ٱلْقِدِّيسُ غِرِغُورِيُوسُ ٱلنِّيصِيُّ، فَيَنْظُرُ إِلَى ٱلزِّنَى مِنْ مَنْظُورٍ أَنْثُرُوبُولُوجِيٍّ وَلَاهُوتِيٍّ أَعْمَقَ، إِذْ يَرَى فِيهِ تَشْوِيهًا لِصُورَةِ ٱللهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ، فَيَقُولُ: “إِنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلَّذِي يَسْلِمُ ذَاتَهُ لِلشَّهْوَةِ يُظْلِمُ صُورَةَ ٱللهِ ٱلْمَغْرُوسَةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَبْدِلُ جَمَالَ ٱلنُّورِ بِظُلْمَةِ ٱلْغَرِيزَةِ” (PG 46, 373.). وَمِنْ هُنَا، يَتَّضِحُ أَنَّ وَصِيَّةَ “لَا تَزْنِ» فِي فَهْمِ ٱلْكَنِيسَةِ لَا تَهْدِفُ فَقَطْ إِلَى تَنْظِيمِ ٱلسُّلُوكِ ٱلْجِنْسِيِّ، بَلْ إِلَى تَقْدِيسِ ٱلْإِنْسَانِ كُلِّيًّا: جَسَدًا وَنَفْسًا وَقَلْبًا، وَإِلَى حِفْظِ ٱلْعَهْدِ ٱلزَّوْجِيِّ كَصُورَةٍ أَمِينَةٍ لِعَهْدِ ٱللهِ مَعَ شَعْبِهِ. فَٱلطَّهَارَةُ لَيْسَتْ كَبْتًا، بَلْ حُرِّيَّةٌ دَاخِلِيَّةٌ تُعِيدُ لِلْإِنْسَانِ وَحْدَتَهُ ٱلْدَّاخِلِيَّةَ وَنَقَاوَةَ ٱلنَّظَرِ إِلَى ٱللهِ وَٱلْآخَرِينَ.
28 أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “مَنْ نَظَرَ إِلَى ٱمْرَأَةٍ” إِلَى نَظْرَةٍ شَهْوَانِيَّةٍ مُتَعَمَّدَةٍ، يَكْمُنُ فِيهَا ٱلْقَصْدُ وَٱلرَّغْبَةُ ٱلْوَاعِيَةُ، أَيِ ٱلْمَيْلُ ٱلْدَّاخِلِيُّ إِلَى ٱسْتِخْرَاطِ ٱللَّذَّةِ ٱلْجَسَدِيَّةِ وَتَمَلُّكِ ٱلْآخَرِ كَمَوْضُوعٍ لِلشَّهْوَةِ. فَلَا يَتَحَدَّثُ يَسُوعُ عَنْ نَظْرَةٍ عَابِرَةٍ أَوْ إِحْسَاسٍ غَرِيزِيٍّ لَا إِرَادِيٍّ، بَلْ عَنْ نَظْرَةٍ يَسْكُنُهَا ٱلْقَصْدُ وَتُوَجِّهُهَا ٱلنِّيَّةُ. وَيَصِفُ بُطْرُسُ ٱلرَّسُولُ أَصْحَابَ هٰذِهِ ٱلنَّظْرَةِ قَائِلًا: “لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوءَةٌ فِسْقًا، مَنْهُومَةٌ بِٱلْخَطِيئَةِ، يَفْتِنُونَ ٱلنُّفُوسَ ٱلَّتِي لَا ثَبَاتَ لَهَا” (2 بُطْرُسَ 2: 14). وَيُقَدِّمُ ٱلْكِتَابُ ٱلْمُقَدَّسُ مِثَالًا بَلِيغًا عَلَى خُطُورَةِ هٰذِهِ ٱلنَّظْرَةِ فِي شَخْصِ دَاوُدَ ٱلْمَلِكِ، إِذْ قَادَتْهُ ٱلنَّظْرَةُ ٱلشَّهْوَانِيَّةُ إِلَى ٱلزِّنَى، ثُمَّ إِلَى ٱلْقَتْلِ (2 صَمُوئِيلَ 11). وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ، يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا:
“يَجِبُ أَنْ نُلَاحِظَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: مَنْ ٱشْتَهَى ٱمْرَأَةً، بَلْ: مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، أَيْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِهٰذِهِ ٱلنِّيَّةِ. فَهٰذِهِ ٱلنَّظْرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِثَارَةٍ لِلَّذَّةِ ٱلْجَسَدِيَّةِ، بَلْ تَنْفِيذٌ لَهَا فِي ٱلْقَلْبِ، لِأَنَّهَا، وَإِنْ ضُبِطَتْ خَارِجِيًّا، لَتَمَّتْ فِعْلًا إِذَا سُمِحَتِ ٱلظُّرُوفُ” (PL 34, 1245). فَالخَطَرُ لَيْسَ فِي الرُّؤْيَةِ بَحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ فِي نِيَّةِ القَلْبِ الَّتِي تُحَوِّلُ الآخَرَ مِنْ “شَخْصٍ” إِلَى “مَوْضُوعٍ”، وَمِنْ “أَخٍ أَوْ أُخْتٍ” إِلَى “شَيْءٍ” يُسْتَهْلَكُ أَوْ يُمْتَلَكُ. إِنَّ هذِهِ النَّظْرَةَ تُفْقِدُ الآخَرَ كَرَامَتَهُ كَصُورَةِ ٱللَّهِ (تكوين 1: 27)،
وَأَمَّا عِبَارَةُ “بِشَهْوَةٍ” ἐπιθυμῆσαι فَتُشِيرُ إِلَى شَهْوَةٍ تَسْعَى إِلَى ٱسْتِلَابِ ٱلْمَرْأَةِ مِنْ عَهْدِهَا ٱلزَّوْجِيِّ، أَوْ إِلَى ٱسْتِخْدَامِهَا كَوَسِيلَةٍ لِلْإِشْبَاعِ ٱلذَّاتِيِّ. فَٱلنَّظْرَةُ ٱلْمَشْحُونَةُ بِٱلشَّهْوَةِ هِيَ زِنًى فِي جَوْهَرِهَا، لِأَنَّ ٱلزِّنَى يَبْدَأُ بِٱلْعَيْنِ وَيَتَجَذَّرُ فِي ٱلْقَلْبِ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ إِكْلِيمَنْضُسُ ٱلْإِسْكَنْدَرِيُّ قَائِلًا: “ٱلزِّنَى هُوَ ثَمَرَةُ ٱلشَّهْوَةِ، وَجُذُورُ ٱلشَّهْوَةِ شِرِّيرَةٌ” (PG 8, 1165). ويُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ “يَقْطَعُ جِذْرَ الشَّرِّ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ”، لِأَنَّ النَّظْرَةَ المُتَعَمِّدَةَ هِيَ بَدَايَةُ السُّقُوطِ. وَيُشِيرُ أوغسطينوس إِلَى أَنَّ الرَّغْبَةَ غَيْرَ المُنَظَّمَةِ تُفْسِدُ الحُرِّيَّةَ، لِأَنَّهَا تَجْعَلُ الإِنْسَانَ عَبْدًا لِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْتَلِكُهُ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “زَنَى” فَفِي ٱلْمَنْظُورِ ٱلْمَسِيحِيِّ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى ٱلْفِعْلِ ٱلْجَسَدِيِّ فَقَطْ، بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي ٱلْفِكْرِ وَٱلْكَلَامِ وَٱلْعَمَلِ. وَهٰذَا ٱلْمَعْنَى مُسْتَمَدٌّ مِنَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱلسَّابِعَةِ (خُرُوج 20: 14؛ تَثْنِيَةُ ٱلِٱشْتِرَاعِ 5: 18)، كَمَا أَعَادَ ٱلْمَسِيحُ تَفْسِيرَهَا فِي مَوْعِظَتِهِ عَلَى ٱلْجَبَلِ، نَاقِلًا ٱلثِّقَلَ مِنَ ٱلْعَمَلِ ٱلْخَارِجِيِّ إِلَى ٱلْحَالَةِ ٱلدَّاخِلِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ “فِي قَلْبِهِ” فَيُشِيرُ إِلَى مَرْكَزِ ٱلْخَطِيئَةِ، لِأَنَّ ٱلْقَلْبَ هُوَ مَحْوَرُ ٱلْحَيَاةِ وَمَجْمَعُ ٱلْعَوَاطِفِ وَٱلْقَرَارَاتِ. فَٱلزِّنَى ٱلْقَلْبِيُّ يُدَنِّسُ هَيْكَلَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، لِأَنَّ ٱلْعَمَلَ ٱلشِّرِّيرَ هُوَ ثَمَرَةُ قَلْبٍ شِرِّيرٍ. وَفِي حِينَ أَنَّ ٱلشَّرِيعَةَ ٱلْمُوسَوِيَّةَ تَعَالَجُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْخَارِجِيَّةَ، فَإِنَّ يَسُوعَ يَذْهَبُ إِلَى ٱلْجُذُورِ، مُرَكِّزًا عَلَى ٱلْبَوَاعِثِ ٱلدَّاخِلِيَّةِ وَنَقَاوَةِ ٱلنِّيَّةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ ٱشْتِهَاءَ مُمَارَسَةِ ٱلْجِنْسِ مَعَ أَيِّ شَخْصٍ غَيْرِ شَرِيكِ ٱلْحَيَاةِ هُوَ زِنًى فِكْرِيٌّ، وَبِذٰلِكَ خَطِيئَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَمَامَ ٱللهِ. فَٱلْأَمَانَةُ ٱلزَّوْجِيَّةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِٱلْجَسَدِ وَحْدَهُ، بَلْ بِٱلْفِكْرِ وَٱلْقَلْبِ أَيْضًا. وَإِنَّ ٱلْإِخْلَاصَ ٱلْخَارِجِيَّ دُونَ ٱلْأَمَانَةِ ٱلدَّاخِلِيَّةِ هُوَ خِيَانَةٌ لِثِقَةِ ٱلزَّوَاجِ ٱلْمُقَدَّسِ. وَهٰكَذَا، يُقَابِلُ يَسُوعُ تَعْلِيمَهُ بِتَعْلِيمِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ ٱلَّذِينَ حَصَرُوا ٱلْوَصِيَّةَ فِي ٱلْفِعْلِ ٱلْمُتَحَقِّقِ فِعْلًا، فَيُعْلِنُ أَنَّ ٱلطَّهَارَةَ ٱلدَّاخِلِيَّةَ وَاجِبَةٌ كَٱلطَّهَارَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ، وَأَنَّ شَرِيعَةَ ٱللهِ لَا تَقِفُ عِنْدَ أَفْعَالِنَا ٱلْمَرْئِيَّةِ، بَلْ تَبْلُغُ إِلَى خَفَايَا ٱلْقُلُوبِ، حَيْثُ يَتَحَدَّدُ ٱلْوَلَاءُ ٱلْحَقِيقِيُّ لِلَّهِ.
29 فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “عَيْنُكَ” إِلَى صِيغَةِ ٱلْمُفْرَدِ، وَتَتَّخِذُ طَابِعًا مِثَالِيًّا يُقَدِّمُ طَرِيقَةً عَمَلِيَّةً لِمُمَارَسَةِ ٱلْوَصِيَّةِ ٱلْعَامَّةِ “لَا تَزْنِ”. فَٱلْعَيْنُ تَدُلُّ عَلَى وَسِيلَةِ ٱلْإِغْوَاءِ ٱلْأُولَى، إِذْ يَبْدَأُ ٱلسُّقُوطُ بِنَظْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ لَذَّةً وَشَهْوَةً إِلَى مَنْظَرٍ مَحْبُوبٍ. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ، يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “يَقْصِدُ ٱلرَّبُّ بِٱلْعَيْنِ شَيْئًا مَحْبُوبًا، فَقَدِ ٱعْتَادَ ٱلْإِنْسَانُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ فَيَقُولَ: إِنَّنِي أُحِبُّهُ كَعَيْنَيَّ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَيْنَيَّ” (PL 34, 1246).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “ٱلْيُمْنَى” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْعَيْنِ ٱلْفُضْلَى فِي نَظَرِ ٱلنَّاسِ، أَيْ إِلَى مَا هُوَ أَعَزُّ وَأَغْلَى فِي ٱلْحَيَاةِ. وَلَا يُوجَدُ تَفْسِيرٌ أَدَقُّ مِنْ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا ٱلصَّدِيقُ ٱلْمُقَرَّبُ، أَوِ ٱلْعَلَاقَةُ ٱلَّتِي تُحَبُّ مَحَبَّةً شَدِيدَةً حَتَّى تَصِيرَ كَعُضْوٍ مِنَ ٱلْجَسَدِ. وَيُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ “لَا يَتَحَدَّثُ عَنِ ٱلْأَعْضَاءِ بِذَاتِهَا، بَلْ عَنِ ٱلْعَلَاقَاتِ ٱلَّتِي نَعْتَبِرُهَا ضَرُورِيَّةً، فَإِذَا صَارَتْ سَبَبَ هَلَاكٍ وَجَبَ قَطْعُهَا” (PG 57, 260).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “حَجَرَ عَثْرَةٍ” σκανδαλίζει (تُشكِّك) فَلَا تُشِيرُ إِلَى قُدْوَةٍ سَيِّئَةٍ فَقَطْ، بَلْ إِلَى عَائِقٍ أَوْ فَخٍّ يُؤَدِّي إِلَى ٱلسُّقُوطِ، كَمَا يَرِدُ فِي ٱلْمَزْمُورِ: “نَجَتْ نَفْسُنَا مِثْلَ ٱلْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ ٱلصَّيَّادِينَ” (مَزْمُور 124: 7)، وَكَمَا يَرِدُ أَيْضًا فِي نُبُوءَةِ أَشْعِيَاءَ (8: 14–15). وَقَدْ يَكُونُ ٱلْعَالَمُ نَفْسُهُ “حَجَرَ عَثْرَةٍ” (مَتَّى 13: 41) إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى مَصْدَرِ إِغْوَاءٍ وَإِبْعَادٍ عَنِ ٱللهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ “فَٱقْلَعْهَا” فَلَا يُفْهَمُ فَهْمًا حَرْفِيًّا، بَلْ يَحْمِلُ مَعْنًى رُوحِيًّا جِذْرِيًّا، يَدْعُو إِلَى ٱتِّخَاذِ تَدَابِيرَ حَازِمَةٍ وَقَاسِيَةٍ عِنْدَ ٱلضَّرُورَةِ لِمُقَاوَمَةِ ٱلْخَطِيئَةِ، وَإِلَى إِنْكَارِ ٱلذَّاتِ وَقَطْعِ أَسْبَابِ ٱلسُّقُوطِ بِأَيِّ ثَمَنٍ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى، يَرَى ٱلْقِدِّيسُ غِرِغُورِيُوسُ ٱلنِّيصِيُّ أَنَّ ٱلْتَّطْهِيرَ ٱلْحَقِيقِيَّ “لَا يَتِمُّ بِبَتْرِ ٱلْجَسَدِ، بَلْ بِبَتْرِ ٱلرَّغَبَاتِ ٱلَّتِي تُشَوِّهُ صُورَةَ ٱللهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ” (PG 44, 1273).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “أَلْقِهَا عَنْكَ” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلِٱسْتِغْنَاءِ ٱلْحُرِّ عَنْ كُلِّ مَا يَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةٍ فِي خِدْمَةِ ٱلْخَطِيئَةِ، حَتَّى وَإِنْ بَدَا لَنَا ذٰلِكَ شَيْئًا لَا غِنَى عَنْهُ. فَٱلْخَيْرُ وَٱلشَّرُّ لَا يَكْمُنَانِ فِي ٱلْعُضْوِ بِحَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ فِي ٱلْقَلْبِ، أَيْ فِي عُمْقِ ٱلْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: “فَمِنْ فَيْضِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱللِّسَانُ” (مَتَّى 12: 34).
وَأَمَّا قَوْلُهُ: “فَلِأَنْ يَهْلِكَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ” فَيُعَبِّرُ عَنْ مَبْدَإٍ رُوحِيٍّ أَسَاسِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ ٱلْخَسَارَةَ ٱلْمُؤَلِمَةَ ٱلْمُخْتَارَةَ أَفْضَلُ مِنَ ٱلْهَلَاكِ ٱلْأَبَدِيِّ ٱلْمَفْرُوضِ. فَإِنْكَارُ ٱلنَّفْسِ يُنْتِجُ خَيْرًا رُوحِيًّا وَزَمَنِيًّا وَأَبَدِيًّا، فِي حِينَ أَنَّ ٱلِٱسْتِسْلَامَ لِلشَّهْوَةِ يُؤَدِّي إِلَى ٱلْهَلَاكِ ٱلشَّامِلِ. وَلِذٰلِكَ، فَلُغَةُ هٰذِهِ ٱلْآيَةِ هِيَ لُغَةٌ مَجَازِيَّةٌ ٱسْتِعَارِيَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَى مَعْنَاهَا ٱلْحَرْفِيِّ. فَٱلْمَطْلُوبُ هُوَ ٱلتَّخَلُّصُ ٱلْجِذْرِيُّ مِنَ ٱلْعَادَاتِ ٱلسَّيِّئَةِ، وَعَدَمُ ٱلسَّمَاحِ لِلْخَطِيئَةِ أَنْ تَجْلِبَ عَلَيْنَا ٱلدَّيْنُونَةَ. هٰكَذَا يُعَلِّمُنَا ٱلْمَسِيحُ أَنَّ ٱلطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مَجَرَّدَ ٱمْتِنَاعٍ، بَلْ قَرَارُ حَيَاةٍ يُفَضِّلُ ٱلْحَيَاةَ عَلَى ٱلْهَلَاكِ، وَٱلنُّورَ عَلَى ٱلظُّلْمَةِ.
30 وإِذا كانت يَدُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقطَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضوٌ مِن أَعضائِكَ خَيرٌ لكَ مِن أَن يَذهَبَ جسدُكَ كُلُّه إِلى جَهنَّم.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “يَدُكَ” إِلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ، وَلَا تُفْهَمُ عَلَى أَنَّهَا ٱلْعُضْوُ ٱلْجَسَدِيُّ بِذَاتِهِ، بَلْ كَرَمْزٍ إِلَى مَصْدَرِ ٱلتَّجْرِبَةِ وَوَسِيلَةِ ٱلْعِصْيَانِ وَٱلْخَطِيئَةِ، أَيْ إِلَى ٱلْأَعْمَالِ ٱلَّتِي يُقْدِمُ عَلَيْهَا ٱلْإِنْسَانُ بِإِرَادَتِهِ. وَفِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ، تَرْمُزُ ٱلْيَدُ كَثِيرًا إِلَى ٱلْفِعْلِ وَٱلْقُوَّةِ وَٱلْتَّنْفِيذِ، وَمِنْ هٰذَا ٱلْمَنْطَلَقِ يُمْكِنُ فَهْمُهَا كَأَدَاةٍ تُسْتَخْدَمُ لِلْخَيْرِ أَوْ لِلشَّرِّ، كَمَا يَرِدُ فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْكِتَابِيِّ (انظر: 2 صَمُوئِيلَ 20: 21).
وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَٱقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ” فَتَنْتَمِي إِلَى لُغَةٍ مَجَازِيَّةٍ ٱسْتِعَارِيَّةٍ حَادَّةٍ، تَهْدِفُ إِلَى ٱلتَّشْدِيدِ عَلَى ضَرُورَةِ ٱلتَّخَلُّصِ ٱلْجِذْرِيِّ مِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ خَاطِئَةٍ أَوْ مَصْدَرِ سُقُوطٍ، وَلَوْ كَلَّفَ ذٰلِكَ تَضْحِيَةً مُؤْلِمَةً. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ هٰذِهِ ٱلْعِبَارَةُ عَلَى مَعْنَاهَا ٱلْحَرْفِيِّ، فَٱلسَّيِّدُ ٱلْمَسِيحُ لَا يَدْعُو إِلَى بَتْرِ ٱلْأَعْضَاءِ، بَلْ إِلَى ضَبْطِ ٱلنَّظَرِ وَٱلشَّهْوَةِ وَٱلْفِعْلِ، وَإِلَى قَطْعِ “يَدِ ٱلظُّلْمِ وَٱلِٱنْتِقَامِ”، أَيْ كُلِّ سُلُوكٍ يُؤَدِّي إِلَى ٱلْخَطِيئَةِ. وَيَتَكَامَلُ هٰذَا ٱلتَّعْلِيمُ مَعَ لَاهُوتِ ٱلرَّسُولِ بُولُسَ، ٱلَّذِي يَدْعُو ٱلْمُؤْمِنِينَ إِلَى ٱلْمَوْتِ عَنِ ٱلْخَطِيئَةِ وَٱلْحَيَاةِ لِلَّهِ، قَائِلًا: “ٱحْسَبُوا أَنْتُمْ أَنَّكُمْ أَمْوَاتٌ عَنِ ٱلْخَطِيئَةِ، أَحْيَاءٌ لِلَّهِ فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ” (رُومِيَةَ 6: 11). وَيُوَضِّحُ ذٰلِكَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: “أَمِيتُوا إِذًا أَعْضَاءَكُمُ ٱلَّتِي عَلَى ٱلْأَرْضِ: ٱلزِّنَى، وَٱلْفَحْشَاءَ، وَٱلْهَوَى، وَٱلشَّهْوَةَ ٱلْفَاسِدَةَ، وَٱلطَّمَعَ ٱلَّذِي هُوَ عِبَادَةُ ٱلْأَوْثَانِ” (قُولُسِّي 3: 5). وَمِنْ هٰذَا ٱلْمَنْطَلَقِ، فَإِنَّ ٱلدِّيَانَةَ ٱلْمَسِيحِيَّةَ لَا تَدْعُو إِلَى ٱحْتِقَارِ ٱلْجَسَدِ، كَمَا فِي بَعْضِ ٱلِٱتِّجَاهَاتِ ٱلزُّهْدِيَّةِ ٱلْمُتَطَرِّفَةِ، بَلْ تَرَى ٱلْجَسَدَ خَلِيقَةَ ٱللهِ ٱلصَّالِحَةَ، وَهَيْكَلَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. غَيْرَ أَنَّ ٱلْجَسَدَ، فِي ضَعْفِهِ ٱلْبَشَرِيِّ، قَدْ يَصِيرُ مَجَالًا لِلتَّجْرِبَةِ، مِمَّا يَفْرِضُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِ ضَبْطَ شَهَوَاتِهِ وَإِخْضَاعَهَا لِقِيَادَةِ ٱلرُّوحِ. وَيُعَبِّرُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ عَنْ هٰذِهِ ٱلصِّرَاعَةِ ٱلدَّاخِلِيَّةِ قَائِلًا: “لِأَنَّ ٱلْجَسَدَ يَشْتَهِي مَا يُخَالِفُ ٱلرُّوحَ، وَٱلرُّوحَ يَشْتَهِي مَا يُخَالِفُ ٱلْجَسَدَ، فَهُمَا يَتَعَارَضَانِ، حَتَّى إِنَّكُمْ لَا تَفْعَلُونَ مَا تُرِيدُونَ” (غَلَاطِيَةَ 5: 17). إِنَّ لُغَةَ يَسُوعَ هِيَ لُغَةُ المُبَالَغَةِ السَّامِيَّةِ، الَّتِي تَهْدِفُ إِلَى هَزِّ الضَّمِيرِ وَإِبْرَازِ جِدِّيَّةِ المَعْرَكَةِ الدَّاخِلِيَّةِ. فَهُوَ لَا يَدْعُو إِلَى إِيذَاءِ الجَسَدِ، لِأَنَّ الجَسَدَ خَلِيقَةُ ٱللَّهِ وَهَيْكَلُ الرُّوحِ القُدُسِ (1 قورنتس 6: 19)، بَلْ يَدْعُو إِلَى حَسْمٍ رُوحِيٍّ مَعَ كُلِّ مَا يُفْسِدُ القَلْبَ وَيُشَوِّهُ القُدْرَةَ عَلَى المَحَبَّةِ. إِنَّ “قَلْعَ العَيْنِ” وَ”قَطْعَ اليَدِ” يَرْمُزَانِ إِلَى قَطْعِ العَلاقَاتِ، وَالعَادَاتِ، وَالأَفْكَارِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الخَطِيئَةِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ “لَمْ يَقُلْ هذَا لِيُبِيدَ الجَسَدَ، بَلْ لِيُبِيدَ الفِكْرَ الشِّرِّيرَ”؟ إِنَّهَا دَعْوَةٌ إِلَى “القَطِيعَةٍ ” مَعَ الخَطِيئَةِ، لِكَيْ تَبْقَى القُدْرَةُ عَلَى المَحَبَّةِ نَقِيَّةً وَحُرَّةً.
31 وقد قيل: مَن طلَّقَ امرأَتَه، فلْيُعْطِها كِتابَ طَلاق.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ” ἀπολύσῃ إِلَى كُلِّ فِعْلِ فَسْخٍ لِلْعَهْدِ ٱلزَّوْجِيِّ ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللَّهُ بَيْنَ ٱلزَّوْجَيْنِ. وَٱلطَّلَاقُ هُنَا لَا يُفْهَمُ كَإِجْرَاءٍ قَانُونِيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَجَرْحٍ لِجَوْهَرِ ٱلزَّوَاجِ ٱلْمُؤَسَّسِ عَلَى ٱلْوَحْدَةِ وَٱلْأَمَانَةِ. فَٱلزَّوَاجُ، وَفْقَ قَصْدِ ٱللَّهِ ٱلْأَصْلِيِّ، عَهْدٌ دَائِمٌ يَجْعَلُ ٱلرَّجُلَ وَٱلْمَرْأَةَ “جَسَدًا وَاحِدًا” (تكوين 2: 24)، وَلَا يَحِقُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْقُضَ مَا جَمَعَهُ ٱللَّهُ. وَيُضِيفُ يَسُوعُ فِي تَعْلِيمِهِ بُعْدًا أَعْمَقَ حِينَ يَقُولُ:” إِلَّا لِعِلَّةِ ٱلزِّنَى”، فَلَا يَتَعَلَّقُ ٱلْأَمْرُ بِتَرْخِيصٍ لِلطَّلَاقِ، بَلْ بِتَسْمِيَةِ ٱلْجُرْحِ ٱلَّذِي يَكْسِرُ ٱلْعَهْدَ مِنْ دَاخِلِهِ. فَٱلزِّنَى لَيْسَ مُجَرَّدَ سُلُوكٍ خَاطِئٍ، بَلْ خِيَانَةٌ تُفْقِدُ ٱلزَّوَاجَ حَقِيقَتَهُ ٱلْعَهْدِيَّةَ، وَتُحَوِّلُ ٱلْوَحْدَةَ إِلَى تَشَظٍّ دَاخِلِيٍّ. وَإِذْ يُكْمِلُ يَسُوعُ قَائِلًا:”يَجْعَلُهَا تَزْنِي”، فَهُوَ يُحَمِّلُ ٱلزَّوْجَ ٱلْمُطَلِّقَ مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً خَطِيرَةً، إِذْ يُدْخِلُ ٱمْرَأَتَهُ فِي وَضْعٍ يُعَرِّضُهَا لِلْخَطِيئَةِ، لَا عَنْ خِيَارٍ حُرٍّ بَلْ نَتِيجَةَ ظُلْمٍ وَتَخَلٍّ. وَهُنَا يُدِينُ ٱلرَّبُّ ٱلطَّلَاقَ لِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ عُنْفٍ رُوحِيٍّ وَٱجْتِمَاعِيٍّ يُلْحِقُ ٱلْأَذَى بِٱلْإِنْسَانِ، خُصُوصًا بِٱلْمَرْأَةِ فِي سِيَاقِ ٱلْمُجْتَمَعِ ٱلْقَدِيمِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: “لَيْسَ ٱلزِّنَى هُنَا فِعْلَ ٱلْمَرْأَةِ وَحْدَهَا، بَلْ نَتِيجَةَ ظُلْمِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي كَسَرَ ٱلْعَهْدَ، فَصَارَ شَرِيكًا فِي ٱلْخَطِيئَةِ”. وَيُشَدِّدُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَا يُشَرِّعُ لِلطَّلَاقِ، بَلْ يَكْشِفُ مَأْسَاتَهُ ٱلْأَخْلَاقِيَّةَ. أَمَّا القديس يوحنا الذهبيّ الفم، فَيَرَى أَنَّ يَسُوعَ يَرْفَعُ ٱلزَّوَاجَ مِنْ مُسْتَوَى ٱلْإِذْنِ ٱلشَّرْعِيِّ إِلَى مُسْتَوَى ٱلْعَهْدِ ٱلْمُقَدَّسِ، قَائِلًا: “«لَمْ يَقُلِ ٱلْمَسِيحُ هٰذَا لِيَفْتَحَ بَابًا لِلطَّلَاقِ، بَلْ لِيُغْلِقَ بَابَ ٱلْقَسَاوَةِ، وَيُعِيدَ ٱلزَّوَاجَ إِلَى نَقَاوَتِهِ ٱلْأُولَى (PG 57). وَيُضِيفُ القديس غريغوريوس النيصي بُعْدًا رُوحِيًّا، حِينَ يَرْبِطُ ٱلزَّوَاجَ بِصُورَةِ ٱلْعَلَاقَةِ بَيْنَ ٱلْمَسِيحِ وَٱلْكَنِيسَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ نَقْضَ ٱلزَّوَاجِ هُوَ تَشْوِيهٌ لِلصُّورَةِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ فِي ٱلْإِنْسَانِ (PG 44, De Virginitate). وَبِذٰلِكَ، يَتَّضِحُ أَنَّ قَوْلَ يَسُوعَ «مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ…» لَا يُقَدِّمُ قَانُونًا جَدِيدًا، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ مَقْصِدِ ٱللَّهِ ٱلْأَزَلِيِّ: زَوَاجٌ قَائِمٌ عَلَى ٱلْأَمَانَةِ وَٱلْمَحَبَّةِ وَٱلِٱلْتِزَامِ ٱلْمُتَبَادَلِ، حَيْثُ يَكُونُ ٱلْعَهْدُ أَقْوَى مِنَ ٱلرَّغْبَاتِ، وَٱلْمَسْؤُولِيَّةُ أَسْمَى مِنَ ٱلْمَصَالِحِ ٱلشَّخْصِيَّةِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “كِتَابَ طَلَاقٍ” ἀποστάσιον. إِلَى وَثِيقَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَانَ يُقَدِّمُهَا ٱلزَّوْجُ لِٱمْرَأَتِهِ عِنْدَ طَلَاقِهَا، وَتُعَدُّ فِي ٱلسِّيَاقِ ٱلْمُوسَوِيِّ شَهَادَةً بِبَرَاءَتِهَا وَطَهَارَتِهَا، لِئَلَّا تُتَّهَمَ بِٱلزِّنَى وَتَتَعَرَّضَ لِلرَّجْمِ (عَدَد 5). وَبِفَضْلِ هٰذِهِ ٱلْوَثِيقَةِ، كَانَ يُسْمَحُ لِلْمُطَلَّقَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ رَجُلًا آخَرَ دُونَ أَنْ تَلْحَقَهَا شُبْهَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ أَوْ ٱجْتِمَاعِيَّةٌ. وَلَا يَقْتَصِرُ دَوْرُ “كِتَابِ ٱلطَّلَاقِ” عَلَى كَوْنِهِ إِجْرَاءً قَانُونِيًّا، بَلْ كَانَ يَحْمِلُ بُعْدًا تَرْبَوِيًّا وَرَدْعِيًّا، إِذْ يُسْهِمُ فِي تَهْدِئَةِ مَشَاعِرِ ٱلزَّوْجِ وَدَفْعِهِ إِلَى إِعَادَةِ ٱلنَّظَرِ فِي قَرَارِ ٱلطَّلَاقِ. فَحِينَ يَكْتُبُ ٱلرَّجُلُ هٰذِهِ ٱلْوَثِيقَةَ، يَعِي أَنَّ ٱمْرَأَتَهُ سَتُصْبِحُ حلال لِرَجُلٍ آخَرَ، مِمَّا قَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى ٱلرُّجُوعِ عَنْ نِيَّتِهِ، وَبِذٰلِكَ يُمْثِلُ كِتَابُ ٱلطَّلَاقِ وَسِيلَةً لِلْحَدِّ مِنَ ٱلطَّلَاقِ ٱلْمُتَسَرِّعِ. وَيَسْتَنِدُ هٰذَا ٱلْإِجْرَاءُ إِلَى مَا وَرَدَ فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ ٱلِٱشْتِرَاعِ: “إِذَا ٱتَّخَذَ رَجُلٌ ٱمْرَأَةً وَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ لَمْ تَنَلْ حُظْوَةً فِي عَيْنَيْهِ لِأَمْرٍ غَيْرِ لَائِقٍ وَجَدَهُ فِيهَا، فَلْيَكْتُبْ لَهَا كِتَابَ طَلَاقٍ وَيُسَلِّمْهَا إِيَّاهُ، وَيَصْرِفْهَا مِنْ بَيْتِهِ” (تَثْنِيَةُ ٱلِٱشْتِرَاعِ 24: 1). وَيُفْهَمُ مِنْ هٰذَا ٱلتَّشْرِيعِ أَنَّ مُوسَى أَمَرَ بِكِتَابِ ٱلطَّلَاقِ لَيْسَ تَشْجِيعًا عَلَى ٱلطَّلَاقِ، بَلْ لِمَنْعِهِ مِنَ ٱلْحُدُوثِ ٱلْفَوْرِيِّ وَٱلْعَشْوَائِيِّ، وَلِدَفْعِ شَرٍّ أَعْظَمَ. وَيُوَضِّحُ يَسُوعُ هٰذَا ٱلْبُعْدَ ٱلتَّرْبَوِيَّ قَائِلًا: “مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ كَتَبَ لَكُمْ هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةَ” (مَرْقُس 10: 5). فَٱلشَّرِيعَةُ ٱلْمُوسَوِيَّةُ تَكَيَّفَتْ مَعَ ضَعْفِ ٱلْإِنْسَانِ وَطَبِيعَتِهِ ٱلْمَيَّالَةِ إِلَى ٱلْقَسْوَةِ وَٱلْأَنَانِيَّةِ. أَمَّا يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، فَإِذْ جَاءَ لِيُعَالِجَ جُذُورَ ٱلْخَطِيئَةِ وَيُجَدِّدَ ٱلْقَلْبَ ٱلْبَشَرِيَّ، رَفَضَ هٰذَا ٱلتَّكَيُّفَ ٱلْمُؤَقَّتَ وَٱسْتَعَادَ ٱلْمُسْتَوَى ٱلْأَصْلِيَّ لِمَقْصِدِ ٱللهِ، فَحَرَّمَ ٱلطَّلَاقَ بَتَاتًا. لِأَنَّ ٱلطَّلَاقَ كَانَ وَمَا يَزَالُ أَمْرًا ضَارًّا وَمُدَمِّرًا، يَتَنَاقَضُ مَعَ قَصْدِ ٱللهِ ٱلْأَزَلِيِّ مِنَ ٱلزَّوَاجِ، ٱلَّذِي أَرَادَهُ عَهْدًا دَائِمًا يَسْتَمِرُّ طِيلَةَ ٱلْعُمْرِ: “يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْزَمُ ٱمْرَأَتَهُ، فَيَصِيرَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (ٱلتَّكْوِين 2: 24). وَفِي ٱلْوَاقِعِ، لَمْ يَكُنِ ٱلطَّلَاقُ مَقْبُولًا أَخْلَاقِيًّا عِنْدَ ٱلْيَهُودِ، بَلْ كَانَ مَكْرُوهًا وَمَرْفُوضًا فِي ٱلْوُجْدَانِ ٱلدِّينِيِّ. وَيُعَبِّرُ ٱلنَّبِيُّ مَلَاخِي عَنْ هٰذَا ٱلرَّفْضِ بِقَوْلِهِ: “لَا تَغْدُرْ بِٱمْرَأَةِ صِبَاكَ… فَإِذَا طَلَّقَ أَحَدٌ عَنْ بُغْضٍ، قَالَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ: قَدْ غَطَّى لِبَاسَهُ عُنْفًا” (مَلَاخِي 2: 15–16). وَتَرْدُدُ ٱلتَّقَالِيدُ ٱلرَّبَّانِيَّةُ هٰذَا ٱلْمَعْنَى فِي قَوْلٍ مَأْثُورٍ: “يَفِيضُ ٱلْمَذْبَحُ دُمُوعًا عِنْدَمَا يُطَلِّقُ ٱلْإِنْسَانُ ٱمْرَأَةَ شَبَابِهِ”. وَيَتَقَاطَعُ هٰذَا ٱلْمَوْقِفُ مَعَ مَا وَرَدَ فِي ٱلْحَدِيثِ ٱلشَّرِيفِ: “إِنَّ أَبْغَضَ ٱلْحَلَالِ إِلَى ٱللهِ ٱلطَّلَاقُ” (رَوَاهُ ٱبْنُ عَدِيٍّ، ٱلْكَامِلُ فِي ٱلضُّعَفَاءِ، عَنْ عَبْدِ ٱللهِ بْنِ عُمَرَ، 5/521). وَبِذٰلِكَ يَتَّضِحُ أَنَّ تَعْلِيمَ يَسُوعَ حَوْلَ ٱلزَّوَاجِ وَٱلطَّلَاقِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ ٱلنَّامُوسِ، بَلْ يَرْتَقِي إِلَى مَقْصِدِ ٱللهِ ٱلْأَصْلِيِّ، ٱلَّذِي يَدْعُو إِلَى أَمَانَةٍ مُطْلَقَةٍ وَعَهْدٍ لَا يَنْقَضُ، كَعَلَامَةٍ لِمَحَبَّةِ ٱللهِ ٱلثَّابِتَةِ وَغَيْرِ ٱلْمَشْرُوطَةِ لِلْإِنْسَانِ.
32 أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن طلَّقَ امرأَتَه، إِلاَّ في حالةِ الفَحْشاء عرَّضَها لِلزِّنى، ومَن تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فقَد زَنى.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “حَالَةِ ٱلْفَحْشَاءِ” فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ πορνεία إِلَى مَجْمُوعَةٍ دَلَالاتٍ وَاسِعَةٍ، وَلَا تَنْحَصِرُ حَصْرًا فِي مَعْنَى ٱلزِّنَى ٱلضَّيِّق. وَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ أَسَاسِيَّةٍ لِهٰذِهِ ٱلْلَّفْظَةِ فِي ٱلسِّيَاقِ ٱلْكِتَابِيِّ وَٱلْيَهُودِيِّ ٱلْمُعَاصِرِ لِيسُوعَ:
أَوَّلًا، تُسْتَعْمَلُ πορνεία لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَمْرٍ مُشِينٍ أَوْ عَيْبٍ أَخْلَاقِيٍّ، وَهُوَ ٱلْمَعْنَى ٱلَّذِي يَرِدُ فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ ٱلِٱشْتِرَاعِ: “إِذَا ٱتَّخَذَ رَجُلٌ ٱمْرَأَةً وَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ لَمْ تَنَلْ حُظْوَةً فِي عَيْنَيْهِ لِأَمْرٍ غَيْرِ لَائِقٍ وَجَدَهُ فِيهَا…” (تثنية 24: 1). وَفِي هٰذَا ٱلتَّفْسِيرِ، فُتِحَ ٱلْبَابُ أَمَامَ أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلطَّلَاقِ، دُونَ تَحْدِيدٍ دَقِيقٍ لِمَاهِيَّةِ “ٱلْأَمْرِ غَيْرِ ٱللَّائِقِ”.
ثَانِيًا، تُشِيرُ πορνεία إِلَى ٱلزِّنَى بِمَعْنَاهُ ٱلصَّرِيحِ، أَيْ خِيَانَةِ ٱلزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا بَعْدَ قِيَامِ ٱلزَّوَاجِ ٱلصَّحِيحِ. وَفِي هٰذِهِ ٱلْحَالَةِ، يَكُونُ ٱلزِّنَى جُرْحًا عَمِيقًا لِعَهْدِ ٱلزَّوَاجِ، لَا كَسَبَبٍ شَرْعِيٍّ يُبِيحُ ٱلطَّلَاقَ، بَلْ كَخِيَانَةٍ تُدَمِّرُ ٱلْوَحْدَةَ ٱلزَّوْجِيَّةَ مِنْ دَاخِلِهَا.
ثَالِثًا، تُسْتَعْمَلُ ٱلْكَلِمَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ٱلْجِمَاعِ بِٱلْحَرَامِ قَبْلَ ٱلزَّوَاجِ، أَيْ عَدَمِ ٱلْأَمَانَةِ ٱلْجِنْسِيَّةِ مِنْ جَانِبِ ٱلْمَرْأَةِ قَبْلَ إِتْمَامِ ٱلْعَقْدِ. وَإِذَا ٱكْتُشِفَ هٰذَا ٱلْأَمْرُ بَعْدَ ٱلزَّوَاجِ، فَإِنَّ بَعْضَ ٱلتَّفَاسِيرِ ٱلْقَدِيمَةِ تَعُدُّ أَنَّ ٱلزَّوَاجَ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَامَ حَقِيقَةً فِي نَظَرِ ٱللَّهِ، لِٱنْتِفَاءِ ٱلْأَسَاسِ ٱلْأَخْلَاقِيِّ لِلْعَهْدِ (انظر: أحبار 18: 6–8).
وَقَدِ ٱخْتَلَفَتِ ٱلْمَدَارِسُ ٱلتَّفْسِيرِيَّةُ ٱلْيَهُودِيَّةُ فِي تَحْدِيدِ ٱلْأَسْبَابِ ٱلَّتِي تُبِيحُ ٱلطَّلَاقَ. فَـمَدْرَسَةُ شَمَّاي ٱتَّسَمَتْ بِٱلتَّشَدُّدِ، وَلَمْ تَسْمَحْ بِٱلطَّلَاقِ إِلَّا فِي حَالَةِ فُقْدَانِ ٱلْعِفَّةِ. أَمَّا مَدْرَسَةُ هِلِّيل فَكَانَتْ مُتَسَاهِلَةً جِدًّا، تُبِيحُ ٱلطَّلَاقَ لِأَسْبَابٍ تَافِهَةٍ، كَإِفْسَادِ ٱلطَّعَامِ أَوْ خُرُوجِ ٱلْمَرْأَةِ رَأْسَهَا مَكْشُوفًا، بَلْ وَحَتَّى بِلَا سَبَبٍ إِذَا جَذَبَتِ ٱلرَّجُلَ ٱمْرَأَةٌ أُخْرَى.
وَفِي قَوْلِهِ: “يُعَرِّضُهَا لِلزِّنَى”، يُحَمِّلُ يَسُوعُ ٱلزَّوْجَ ٱلْمُطَلِّقَ مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً، لِأَنَّهُ يَضَعُ ٱلزَّوْجَةَ فِي وَضْعٍ يُجْبِرُهَا عَلَى ٱلتَّزَوُّجِ مِنْ آخَرَ لِتَأْمِينِ حَيَاتِهَا ٱلِٱجْتِمَاعِيَّةِ، فِي حِينَ أَنَّهَا، فِي نَظَرِ ٱللَّهِ، لَا تَزَالُ مُرْتَبِطَةً بِزَوْجِهَا ٱلْأَوَّلِ. وَتَتَعَزَّزُ هٰذِهِ ٱلْفِكْرَةُ فِي قَوْلِهِ: “وَمَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فَقَدْ زَنَى“، لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ ٱمْرَأَةً لَا تَزَالُ مُتَّحِدَةً بِعَهْدٍ زَوْجِيٍّ سَابِقٍ. وَيُؤَكِّدُ لُوقَا ٱلْإِنْجِيلِيُّ هٰذَا ٱلتَّعْلِيمَ قَائِلًا:”كُلُّ مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا فَقَدْ زَنَى، وَمَنْ تَزَوَّجَ ٱلَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَقَدْ زَنَى” (لوقا 16: 18). وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس أَنَّ ٱلِٱسْتِثْنَاءَ ٱلْوَارِدَ فِي مَتَّى لَا يُشَكِّلُ تَرْخِيصًا لِلطَّلَاقِ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ مَأْسَاةِ ٱلْخِيَانَةِ ٱلَّتِي تُحَطِّمُ ٱلْعَهْدَ مِنْ دَاخِلِهِ (PL 34, De Sermone Domini in Monte, I, 16). وَيُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبيّ الفم أَنَّ يَسُوعَ يَضَعُ حَدًّا لِتَسَاهُلِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ وَيُعِيدُ ٱلزَّوَاجَ إِلَى مَقَامِهِ ٱلْمُقَدَّسِ (PG 57, Homiliae in Matthaeum, XVII). وَبِذٰلِكَ، تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذِهِ ٱلْآيَةِ فِي تَأْكِيدِ عَدَمِ ٱنْفِصَامِ ٱلِٱتِّحَادِ ٱلزَّوْجِيِّ، وَفِي ٱلرَّفْضِ ٱلْقَاطِعِ لِتَحْوِيلِ ٱلزَّوَاجِ إِلَى عَقْدٍ مُؤَقَّتٍ أَوْ عِلَاقَةٍ قَابِلَةٍ لِلنَّقْضِ بِحَسَبِ ٱلأَهْوَاءِ. وَإِنْ كَانَ ٱلتَّقْلِيدُ ٱلْأُرْثُوذُكْسِيُّ يَرَى فِي هٰذِهِ ٱلْآيَةِ أَسَاسًا رَعَوِيًّا لِلتَّحَقُّقِ فِي حَالَةِ ٱلزِّنَى، فَإِنَّ ٱلْمَنْطَلَقَ ٱلْإِنْجِيلِيَّ يَبْقَى دَعْوَةً إِلَى ٱلْأَمَانَةِ وَٱلْمُصَالَحَةِ وَحِمَايَةِ ٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللَّهُ بَيْنَ ٱلزَّوْجَيْنِ.
33 سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لا تَحْنَثْ” فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ Οὐκ ἐπιορκήσεις إِلَى نَقْضِ ٱلْقَسَمِ وَٱلْحِنْثِ بِٱلْيَمِينِ، أَيْ ٱتِّخَاذِ ٱللَّهِ شَاهِدًا عَلَى كَلِمَةٍ كَاذِبَةٍ أَوْ عَلَى وَعْدٍ لَا يُنْوَى ٱلْوَفَاءُ بِهِ. إِنَّ القَسَمَ هُوَ الضَّمَانُ الأَخِيرُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ الإِنْسَانُ لِقَرِيبِهِ عِنْدَمَا تَضْعُفُ الثِّقَةُ بَيْنَهُمَا. فَهُوَ اسْتِدْعَاءُ ٱللَّهِ شَاهِدًا عَلَى صِدْقِ الكَلَامِ، وَتَحْمِيلُ النَّفْسِ مَسْؤُولِيَّةً أَمَامَ اللهِ وَالنَّاسِ. وَلِهذَا كَانَ القَسَمُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ عَمَلًا جِدِّيًّا وَمُقَدَّسًا (تثنية 6: 13). وَهٰذَا ٱلْأَمْرُ يَسْتَنِدُ إِلَى تَعْلِيمِ ٱلشَّرِيعَةِ ٱلْمُوسَوِيَّةِ: “لا تَحْلِفُوا بِٱسْمِي كَذِبًا فَتُدَنِّسُوا ٱسْمَ إِلٰهِكُمْ” (ٱلْأَحْبَار 19: 12). فَٱلشَّرِيعَةُ لَمْ تَكُنْ تُشَجِّعُ عَلَى ٱلْقَسَمِ، بَلْ كَانَتْ تَهْدِفُ إِلَى حِفْظِ ٱلصِّدْقِ وَٱلْأَمَانَةِ، وَإِلَى مَنْعِ شَهَادَةِ ٱلزُّورِ، أَيْ ٱسْتِدْعَاءِ ٱللَّهِ لِيَكُونَ شَاهِدًا عَلَى ٱلْبَاطِلِ. إِنَّ تَعْلِيمَ يَسُوعَ حَوْلَ القَسَمِ وَصِدْقِ الكَلَامِ يَسْتَعِيدُ الوَصِيَّةَ الثَّالِثَةَ مِنَ “الكَلِمَاتِ العَشْرِ” الَّتِي أُعْطِيَتْ عَلَى سِينَاء: “لَا تَلْفِظِ ٱسْمَ ٱلرَّبِّ إِلَهِكَ بَاطِلًا، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ لَا يُبَرِّئُ ٱلَّذِي يَلْفِظُ ٱسْمَهُ بَاطِلًا” (خروج 20: 7). فَالقَسَمُ فِي التَّقْلِيدِ العِبْرَانِيِّ كَانَ اسْتِدْعَاءً لِٱسْمِ ٱللَّهِ شَاهِدًا عَلَى الحَقِّ؛ وَمِنْ ثَمَّ، فَاسْتِعْمَالُ ٱسْمِهِ فِي خِدْمَةِ الكَذِبِ أَوِ المُرَاوَغَةِ يُعَدُّ تَدْنِيسًا لِقُدْسِيَّتِهِ.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “أَوْفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمَانِكَ” فَتُحِيلُ إِلَى وَصِيَّةٍ أُخْرَى فِي ٱلشَّرِيعَةِ: “وَإِذَا نَذَرْتَ نَذْرًا لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ فَلَا تُؤَخِّرِ ٱلْوَفَاءَ بِهِ… وَإِذَا لَمْ تَنْذِرْ نَذْرًا فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْكَ” (تثنية ٱلِٱشْتِرَاع 23: 21–23). وَهٰنَا يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلنَّذْرَ وَٱلْقَسَمَ لَيْسَا وَاجِبَيْنِ، بَلْ فِعْلًا حُرًّا، غَيْرَ أَنَّهُ، مَتَى ٱلْتَزَمَ ٱلْإِنْسَانُ بِهِمَا، أَصْبَحَ مُلْزَمًا أَخْلَاقِيًّا أَمَامَ ٱللَّهِ بِٱلْوَفَاءِ. وَقَدْ سَمَحَ ٱللَّهُ أَحْيَانًا فِي ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ بِٱلْقَسَمِ بِٱسْمِهِ، لَا لِأَنَّهُ يُرِيدُ ٱلْقَسَمَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ كَعَلَامَةِ ٱنْتِمَاءٍ وَتَعَبُّدٍ لَهُ وَحْدَهُ، وَرَفْضٍ لِلْقَسَمِ بِآلِهَةِ ٱلْأُمَمِ ٱلْمُحِيطَةِ (انظر: خروج 20: 7). وَبِذٰلِكَ كَانَ ٱلْقَسَمُ، فِي بَعْضِ ٱلْأَحْيَانِ، وَسِيلَةً تَرْبَوِيَّةً لِتَثْبِيتِ ٱلْإِيمَانِ ٱلْتَّوْحِيدِيِّ. إِلَّا أَنَّ ٱلْيَهُودَ، فِي زَمَنِ يَسُوعَ، ٱنْحَرَفُوا فِي تَفْسِيرِ هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةِ، فَمَيَّزُوا بَيْنَ أَقْسَامٍ “مُلْزِمَةٍ” وَأُخْرَى “غَيْرِ مُلْزِمَةٍ”، زَاعِمِينَ أَنَّ ٱلْقَسَمَ ٱلَّذِي لَا يُذْكَرُ فِيهِ ٱسْمُ ٱللَّهِ صَرَاحَةً لَا يَسْتَوْجِبُ ٱلْوَفَاءَ. وَهٰكَذَا أَفْرَغُوا ٱلْقَسَمَ مِنْ مَضْمُونِهِ ٱلْأَخْلَاقِيِّ، وَحَوَّلُوهُ إِلَى حِيلَةٍ لِلتَّحَايُلِ عَلَى ٱلصِّدْقِ.
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “أَيْمَانِكَ” فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ ὅρκους σου إِلَى ٱلنُّذُورِ وَٱلتَّعَهُّدَاتِ ٱلَّتِي يَقْطَعُهَا ٱلْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، وَغَالِبًا مَا تَكُونُ مُرْتَبِطَةً بِتَحَقُّقِ أَمْرٍ مَا هُوَ فِي ٱلْأَصْلِ بِيَدِ ٱللَّهِ. لِذٰلِكَ فَٱلنَّذْرُ، فِي جَوْهَرِهِ، تَعَهُّدٌ يُقْطَعُ أَمَامَ ٱللَّهِ، وَيَتَطَلَّبُ أَمَانَةً كَامِلَةً فِي ٱلْوَفَاءِ، دُونَ غِشٍّ أَوْ تَلَاعُبٍ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: “لَا يُطَالِبُ ٱللَّهُ ٱلْإِنْسَانَ أَنْ يَحْلِفَ، بَلْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا؛ فَإِذَا صَارَ ٱلصِّدْقُ عَادَةً، ٱنْتَفَتْ ٱلْحَاجَةُ إِلَى ٱلْقَسَمِ (PL 34)، وَيُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبيّ الفم أَنَّ كَثْرَةَ ٱلْقَسَمِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ ٱلْحَقِّ فِي ٱلْقَلْبِ، وَأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلصَّادِقَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ غَيْرِ كَلِمَتِهِ (PG 5). وَيَشْهَدُ ٱلْكِتَابُ ٱلْمُقَدَّسُ عَلَى أَمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلنُّذُورِ، مِنْهَا نَذْرُ يَعْقُوبَ عِنْدَ هُرُوبِهِ إِلَى فَدَّانِ أَرَامَ (تكوين 28: 20–22)، وَنَذْرُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلَّذِي قَصَّ فِيهِ شَعْرَ رَأْسِهِ (أعمال ٱلرُّسُل 18: 18)، وَهِيَ كُلُّهَا تُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلنَّذْرَ لَيْسَ لَعِبًا لُغَوِيًّا، بَلْ ٱلْتِزَامٌ جِدِّيٌّ أَمَامَ ٱللَّهِ. وَمِنْ هُنَا، يَأْتِي تَعْلِيمُ يَسُوعَ فِي عِظَةِ ٱلْجَبَلِ لِيَرْفَعَ ٱلْمُؤْمِنَ إِلَى مُسْتَوَى أَعْمَقَ: لَا صِدْقٌ مُؤَقَّتٌ مَشْرُوطٌ بِٱلْقَسَمِ، بَلْ صِدْقٌ دَائِمٌ يَنْبَعُ مِنْ قَلْبٍ مُسْتَقِيمٍ، حَيْثُ تَكُونُ ٱلْكَلِمَةُ فِي ذَاتِهَا مَوْثُوقَةً، وَٱلْإِنْسَانُ أَمِينًا دُونَ حَاجَةٍ إِلَى حَلِفٍ أَوْ نَذْرٍ.
34 أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لا تَحْلِفُوا أَبَدًا” μὴ ὀμόσαι ὅλως إِلَى دَعْوَةٍ جَذْرِيَّةٍ لِلِٱمْتِنَاعِ عَنِ ٱلْقَسَمِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلْيَوْمِيَّةِ، وَٱلِٱكْتِفَاءِ بِٱلْكَلِمَةِ ٱلصَّادِقَةِ دُونَ ٱسْتِدْعَاءِ ٱسْمِ ٱللَّهِ أَوْ أَيِّ شَاهِدٍ آخَرَ. لِذَلِكَ، عِنْدَمَا يَقُولُ يَسُوعُ فِي إنجيل متّى: «لَا تَحْلِفُوا أَلْبَتَّةَ… بَلْ لِيَكُنْ كَلَامُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لَا لَا» (متى 5: 34–37)، فَهُوَ لَا يُبْطِلُ الوَصِيَّةَ، بَلْ يُعِيدُهَا إِلَى جَوْهَرِهَا: تَقْدِيسُ ٱسْمِ ٱللَّهِ بِصِدْقِ الحَيَاةِ. فَإِذَا كَانَ اسْمُ ٱللَّهِ قُدُّوسًا، فَيَجِبُ أَلَّا يُسْتَخْدَمَ كَضَمَانٍ لِتَغْطِيَةِ غِيَابِ الأَمَانَةِ.
وَيُشِيرُ يوحنا الذهبي الفم إِلَى أَنَّ الإِكْثَارَ مِنَ الحَلِفِ يَكْشِفُ ضَعْفًا فِي صِدْقِ القَلْبِ، لِأَنَّ الحَقَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ. أَمَّا أوغسطينوس فَيَرَى أَنَّ تَقْدِيسَ اسْمِ ٱللَّهِ يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الإِنْسَانِ، حَيْثُ تَكُونُ الكَلِمَةُ مُتَّسِقَةً مَعَ الحَقِّ الَّذِي فِي القَلْبِ. هكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَضَعُ شَرِيعَةً جَدِيدَةً بَدَلَ شَرِيعَةِ سِينَاء، بَلْ يُطَهِّرُ مُمَارَسَتَهَا: فَتَقْدِيسُ ٱسْمِ ٱللَّهِ لَا يَكُونُ بِالِامْتِنَاعِ عَنِ الحَلِفِ فَقَط، بَلْ بِحَيَاةٍ تَجْعَلُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَقُولَةٍ أَمَانَةً أَمَامَ ٱللَّهِ. فَٱلْمَسِيحُ لَا يَطْلُبُ مُجَرَّدَ تَخْفِيفِ ٱلْقَسَمِ، بَلْ إِلْغَاءَهُ بَوَصْفِهِ ضَرُورَةً أَخْلَاقِيَّةً، لِأَنَّ ٱلْكَلِمَةَ، مَتَى كَانَتْ صَادِقَةً، تَحْمِلُ فِي ذَاتِهَا سُلْطَتَهَا وَمِصْدَاقِيَّتَهَا. وَيَتَوَافَقُ هٰذَا ٱلتَّعْلِيمُ مَعَ مَا أَكَّدَهُ يَعْقُوبُ ٱلرَّسُولُ قَائِلًا: “لا تَحْلِفُوا بِٱلسَّمَاءِ وَلَا بِٱلْأَرْضِ وَلَا بِيَمِينٍ أُخْرَى، بَلْ لِتَكُنْ نَعَمُكُمْ نَعَم، وَلَاُكُمْ لَا، لِئَلَّا تَقَعُوا تَحْتَ ٱلدَّيْنُونَةِ” (يعقوب 5: 12). فَٱلصِّدْقُ ٱلْمُطْلَقُ هُوَ ٱلْبَدِيلُ ٱلْإِنْجِيلِيُّ عَنِ ٱلْقَسَمِ، وَٱلْحَقِيقَةُ ٱلْمَوْضُوعِيَّةُ ٱلْمُتَضَمَّنَةُ فِي ٱلْكَلِمَةِ هِيَ ٱلَّتِي تَشْهَدُ لِذَاتِهَا، دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تَعْزِيزٍ خَارِجِيٍّ. وَقَدْ سَمَحَتِ ٱلشَّرِيعَةُ ٱلْمُوسَوِيَّةُ بِٱلْقَسَمِ كَتَدْبِيرٍ تَرْبَوِيٍّ يَحْمِي مِنْ عَدَمِ أَمَانَةِ ٱلْقَلْبِ ٱلْبَشَرِيِّ، لِأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلْمُتَزَعْزِعَ فِي ٱلْحَقِّ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى رَادِعٍ خَارِجِيٍّ. أَمَّا ٱلْمَسِيحُ، فَجَاءَ لِيُعَالِجَ ٱلْقَلْبَ نَفْسَهُ، وَيُعِيدَ ٱلْإِنْسَانَ إِلَى ٱلْمُسْتَوَى ٱلْأَصْلِيِّ لِلْخَلْقِ، حَيْثُ تَكُونُ ٱلْكَلِمَةُ صَادِقَةً لِأَنَّهَا نَابِعَةٌ مِنْ قَلْبٍ مُسْتَقِيمٍ، لَا لِأَنَّهَا مَحْمِيَّةٌ بِقَسَمٍ.
وَفِي قَوْلِهِ “لَا بِٱلسَّمَاءِ”، يَقْتَبِسُ يَسُوعُ مَعْنًى مَعْرُوفًا فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ: “ٱلسَّمَاءُ عَرْشِي وَٱلْأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ” (أشعيا 66: 1). فَٱلْقَسَمُ بِٱلسَّمَاءِ لَيْسَ أَقَلَّ ٱلْتِزَامًا مِنَ ٱلْقَسَمِ بِٱللَّهِ ذَاتِهِ، لِأَنَّهَا مَكَانُ حُضُورِهِ وَعَرْشِهِ. وَهُنَا يُفَنِّدُ يَسُوعُ ٱلْحِيلَةَ ٱلْفِرِّيسِيَّةَ ٱلَّتِي مَيَّزَتْ بَيْنَ أَقْسَامٍ “مُلْزِمَةٍ” وَأُخْرَى “غَيْرِ مُلْزِمَةٍ”، فَٱلْكُلُّ، فِي ٱلْوَاقِعِ، يَرْجِعُ إِلَى ٱللَّهِ. وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبيّ الفم إِلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ “لَمْ يُلْغِ ٱلْقَسَمَ لِأَنَّهُ شَرٌّ فِي ذَاتِهِ، بَلْ لِأَنَّ ٱلصِّدْقَ ٱلْكَامِلَ يَجْعَلُهُ عَدِيمَ ٱلْحَاجَةِ” (PG 57)، وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ كَثْرَةَ ٱلْحَلِفِ هِيَ عَرَضُ ضَعْفٍ دَاخِلِيٍّ، فَحَيْثُ يَسْكُنُ ٱلْحَقُّ فِي ٱلْقَلْبِ، لَا يَعُودُ ٱلْإِنْسَانُ مُضْطَرًّا إِلَى ٱسْتِدْعَاءِ ٱللَّهِ لِتَصْدِيقِ كَلِمَتِهِ” (PL 34). وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يُنْكِرُ ٱلْعَهْدُ ٱلْجَدِيدُ وُجُودَ أَقْسَامٍ شَرْعِيَّةٍ فِي سِيَاقَاتٍ رَسْمِيَّةٍ وَجِدِّيَّةٍ، كَمَا نَرَى فِي ٱسْتِشْهَادِ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ بِٱللَّهِ شَاهِدًا عَلَى صِدْقِ خِدْمَتِهِ: “فَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي… يَشْهَدُ لِي أَنِّي لَا أَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِكُمْ” (رومة 1: 9)، وَ”وَٱللَّهُ شَاهِدٌ أَنِّي لَا أَكْذِبُ” (غلاطية 1: 20). غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ ٱلْأَقْسَامَ لَا تَنْقُضُ تَعْلِيمَ ٱلْمَسِيحِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نَوْعِ ٱلْقَسَمِ ٱلْمُتَدَاوَلِ فِي ٱلْمُحَادَثَاتِ ٱلْيَوْمِيَّةِ، بَلْ شَهَادَةٌ جِدِّيَّةٌ لِلْحَقِّ فِي سِيَاقٍ رَسُولِيٍّ. وَبِذٰلِكَ، يُعْلِنُ يَسُوعُ فِي قَوْلِهِ “لَا تَحْلِفُوا أَبَدًا” ٱنْتِقَالَ ٱلْإِنْسَانِ مِنْ أَخْلَاقِ ٱلْحَدِّ ٱلْأَدْنَى إِلَى أَخْلَاقِ ٱلْمَلَكُوتِ، حَيْثُ يَكُونُ ٱلصِّدْقُ نَمَطَ حَيَاةٍ، وَتَكُونُ ٱلْكَلِمَةُ فِي ذَاتِهَا أَمَانَةً وَشَهَادَةً لِلَّهِ ٱلْحَقِّ. لَا يُبْطِلُ يسوع الوَصِيَّةَ، بَلْ يُعِيدُهَا إِلَى جَوْهَرِهَا: تَقْدِيسُ ٱسْمِ ٱللَّهِ بِصِدْقِ الحَيَاةِ. فَإِذَا كَانَ اسْمُ ٱللَّهِ قُدُّوسًا، فَيَجِبُ أَلَّا يُسْتَخْدَمَ كَضَمَانٍ لِتَغْطِيَةِ غِيَابِ الأَمَانَةِ. وَيُشِيرُ يوحنا الذهبي الفم إِلَى “أَنَّ الإِكْثَارَ مِنَ الحَلِفِ يَكْشِفُ ضَعْفًا فِي صِدْقِ القَلْبِ، لِأَنَّ الحَقَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ”. فَتَقْدِيسُ ٱسْمِ ٱللَّهِ لَا يَكُونُ بِالِامْتِنَاعِ عَنِ الحَلِفِ فَقَط، بَلْ بِحَيَاةٍ تَجْعَلُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَقُولَةٍ أَمَانَةً أَمَامَ ٱللَّهِ.
35 ولا بِالأَرضِ فهيَ مَوْطِئُ قدَمَيْه، ولا بِأُورَشليم فهيَ مَدينةُ المَلِكِ العَظيم.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “وَلَا بِٱلْأَرْضِ” إِلَى ٱقْتِبَاسٍ كِتَابِيٍّ وَاضِحٍ مِنْ قَوْلِ ٱلنَّبِيِّ أَشَعْيَاءَ: «هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: ٱلسَّمَاءُ عَرْشِي، وَٱلْأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ» (أشعيا 66: 1). وَبِهٰذَا ٱلِٱسْتِشْهَادِ، يُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَنَّ ٱلْحَلِفَ بِٱلْأَرْضِ لَا يَخْرُجُ عَنْ دَائِرَةِ ٱلْحَلِفِ بِٱللَّهِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ ٱلْأَرْضَ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِ، وَهِيَ خَاضِعَةٌ لِسُلْطَانِهِ وَمَجْدِهِ. فَمَنْ يَحْلِفُ بِٱلْأَرْضِ، يَسْتَدْعِي ضِمْنًا ٱللَّهَ شَاهِدًا، حَتَّى إِنْ لَمْ يَذْكُرِ ٱسْمَهُ صَرَاحَةً.
وَأَمَّا عِبَارَةُ “مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ” فَتُعَبِّرُ عَنْ عَظَمَةِ ٱللَّهِ وَسُمُوِّهِ فَوْقَ ٱلْخَلِيقَةِ، دُونَ أَنْ تُنْقِصَ مِنْ قِيمَةِ ٱلْأَرْضِ. إِنَّهَا لُغَةٌ رَمْزِيَّةٌ لَاهُوتِيَّةٌ تُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلْأَرْضَ، عَلَى عَظَمَتِهَا فِي نَظَرِ ٱلْإِنْسَانِ، تَبْقَى تَحْتَ قَدَمَيِ ٱللَّهِ ٱلْقَدِيرِ، وَخَاضِعَةً لِحُكْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ. وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ ٱلْقَسَمَ بِهَا لَا يُعْفِي ٱلْإِنْسَانَ مِنَ ٱلْمَسْؤُولِيَّةِ ٱلْأَخْلَاقِيَّةِ أَمَامَ ٱللَّهِ.
وَتُضِيفُ عِبَارَةُ “وَلَا بِأُورَشَلِيمَ” بُعْدًا تَارِيخِيًّا وَلَاهُوتِيًّا خَاصًّا، إِذْ كَانَتْ أُورَشَلِيمُ تُعَدُّ فِي ٱلْوَعْيِ ٱلْيَهُودِيِّ مَدِينَةَ ٱللَّهِ، وَمَرْكَزَ عِبَادَتِهِ، وَمَوْضِعَ هَيْكَلِهِ. وَلِذٰلِكَ جَرَتِ ٱلْعَادَةُ أَنْ يَتَوَجَّهَ ٱلْمُصَلُّونَ نَحْوَهَا فِي صَلَاتِهِمْ، كَمَا يَرِدُ فِي صَلَاةِ سُلَيْمَانَ عِنْدَ تَدْشِينِ ٱلْهَيْكَلِ (1 مُلُوك 8: 38). وَمِنْ هُنَا ٱكْتَسَبَتِ ٱلْمَدِينَةُ وَقَارًا خَاصًّا فِي ٱلْقَسَمِ، فَكَانَ ٱلْيَهُودُ يَحْلِفُونَ بِهَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَجَنَّبُونَ ٱلْحَلِفَ بِٱللَّهِ مُبَاشَرَةً.
أَمَّا تَعْبِيرُ “مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ” فَهُوَ ٱقْتِبَاسٌ صَرِيحٌ مِنَ ٱلْمِزْمَورِ: “ٱلرَّبُّ عَظِيمٌ وَجَدِيرٌ بِٱلتَّسْبِيحِ ٱلْكَثِيرِ فِي مَدِينَةِ إِلٰهِنَا، جَبَلِ قُدْسِهِ” (مزمور 48: 2). وَبِهٰذَا ٱلْوَصْفِ، تَتَجَلَّى أُورَشَلِيمُ كَمَرْكَزٍ لِحُضُورِ ٱللَّهِ وَمُلْكِهِ، وَكَعَاصِمَةٍ رُوحِيَّةٍ لِلشَّعْبِ ٱلْمُقَدَّسِ. وَنِسْبَتُهَا إِلَى “ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ” تَجْعَلُ ٱلْقَسَمَ بِهَا ذَا قِيمَةٍ دِينِيَّةٍ وَرَهْبَةٍ خَاصَّةٍ، مِمَّا يُفَسِّرُ رَفْضَ يَسُوعَ ٱلْحَلِفَ بِهَا، لِأَنَّهُ فِي ٱلْحَقِيقَةِ ٱسْتِدْعَاءٌ لِسُلْطَانِ ٱللَّهِ نَفْسِهِ. وَقَدِ ٱحْتَفَظَتْ أُورَشَلِيمُ بِهٰذَا ٱلِٱمْتِيَازِ ٱلرُّوحِيِّ إِلَى حِينِ مَوْتِ ٱلْمَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ. أَمَّا بَعْدَ ٱلْفِصْحِ، فَإِنَّ ٱلْوَحْيَ ٱلْمَسِيحِيَّ يَفْتَحُ أُفُقًا جَدِيدًا، إِذْ لَمْ تَعُدِ ٱلْقُدْسِيَّةُ مَحْصُورَةً فِي مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ وَاحِدٍ، بَلْ تَجَلَّتْ فِي أُورَشَلِيمَ ٱلْعُلْيَا، كَمَا يَقُولُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ:
“أَمَّا أُورَشَلِيمُ ٱلْعُلْيَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَهِيَ أُمُّنَا” (غَلَاطِيَةَ 4: 26). وَبِذٰلِكَ، يَخْتِمُ يَسُوعُ رَفْضَهُ لِكُلِّ أَشْكَالِ ٱلْحَلِفِ—بِٱلسَّمَاءِ، أَوْ بِٱلْأَرْضِ، أَوْ بِأُورَشَلِيمَ—مُعْلِنًا أَنَّ كُلَّ مَا فِي ٱلْخَلِيقَةِ يَرْجِعُ إِلَى ٱللَّهِ، وَأَنَّ ٱلْكَلِمَةَ ٱلصَّادِقَةَ ٱلْمُنْطَلِقَةَ مِنْ قَلْبٍ مُسْتَقِيمٍ هِيَ ٱلشَّهَادَةُ ٱلْحَقِيقِيَّةُ لِلْمَلَكُوتِ، دُونَ حَاجَةٍ إِلَى قَسَمٍ أَوْ تَعْظِيمٍ لِمَخْلُوقٍ.
36 ولا تَحلِفْ بِرأسِكَ فأَنتَ لا تَقدِرُ أَن تَجعَلَ شَعرةً واحِدَةً مِنه بَيضاءَ أَو سَوداء.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “وَلَا تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ” إِلَى تَوْصِيَةٍ حَاسِمَةٍ مِنَ ٱلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ تَمْنَعُ ٱلْقَسَمَ بِرَأْسِ ٱلْإِنْسَانِ، لِأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ بِكُلِّيَّتِهِ—جَسَدًا وَنَفْسًا—هُوَ خَلِيقَةُ ٱللَّهِ، وَلَيْسَ مَالِكًا سَيِّدًا عَلَى ذَاتِهِ. فَٱلْقَسَمُ بِٱلرَّأْسِ يَنْطَوِي ضِمْنًا عَلَى ٱدِّعَاءِ ٱلسُّلْطَانِ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ ٱلْإِنْسَانُ، فِي حِينَ أَنَّ ٱلسُّلْطَانَ ٱلْمُطْلَقَ عَلَى ٱلْحَيَاةِ وَمَصِيرِهَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
يُوَضِّحُ يَسُوعُ سَبَبَ هٰذَا ٱلْمَنْعِ حِينَ يَقُولُ فِي ٱلْآيَةِ نَفْسِهَا: “لِأَنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ” فَيُظْهِرُ بِذٰلِكَ حُدُودَ ٱلْقُدْرَةِ ٱلْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ لَا يَتَحَكَّمُ حَتَّى فِي أَبْسَطِ مَعَالِمِ جَسَدِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَٱلْقَسَمُ بِٱلرَّأْسِ هُوَ فِي ٱلْجَوْهَرِ ٱدِّعَاءٌ بَاطِلٌ لِلسِّيَادَةِ، وَتَعَدٍّ عَلَى حَقِّ ٱللَّهِ ٱلْخَالِقِ. وَيَتَّضِحُ هٰذَا ٱلْمَوْقِفُ فِي مُقَارَنَةِ تَعْلِيمِ ٱلْمَسِيحِ بِمُسْتَوَى ٱلتَّفْسِيرِ ٱلْفِرِّيسِيِّ، إِذْ كَانَ ٱلْكُتَبَةُ وَٱلْفِرِّيسِيُّونَ يَسْمَحُونَ بِٱلْقَسَمِ بِٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ وَأُورَشَلِيمَ وَبِرَأْسِ ٱلْإِنْسَانِ، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ هٰذِهِ ٱلْأَشْيَاءَ لَا تَتَّصِلُ بِٱللَّهِ مُبَاشَرَةً. أَمَّا يَسُوعُ فَيُصَحِّحُ هٰذَا ٱلْمَنْطِقَ، مُؤَكِّدًا أَنَّ كُلَّ ٱلْخَلِيقَةِ تَرْجِعُ إِلَى ٱللَّهِ، وَأَنَّ ٱلْقَسَمَ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا هُوَ فِي ٱلْحَقِيقَةِ ٱسْتِدْعَاءٌ لِسُلْطَانِ ٱللَّهِ نَفْسِهِ، حَتَّى إِنْ تَجَنَّبَ ٱلْإِنْسَانُ ذِكْرَ ٱسْمِهِ صَرَاحَةً. وَمِنْ هُنَا، يُرْسِي ٱلْمَسِيحُ مَبْدَأً رُوحِيًّا عَمِيقًا: لَا يَنْبَغِي ٱلتَّعَامُلُ بِٱسْمِ ٱللَّهِ أَوْ بِمَا يَنْسُبُ إِلَيْهِ فِي ٱلْمُعَامَلَاتِ ٱلْيَوْمِيَّةِ وَٱلْأُمُورِ ٱلْمَادِّيَّةِ، بَلْ يُذْكَرُ ٱسْمُهُ فِي ٱلْعِبَادَةِ وَٱلتَّقْدِيسِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْحَقَّةِ لِلْحَقِّ. فَٱلْكَلِمَةُ ٱلصَّادِقَةُ، ٱلْمُنْطَلِقَةُ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ، تَغْنِي عَنِ ٱلْقَسَمِ، وَتُجَسِّدُ أَخْلَاقَ ٱلْمَلَكُوتِ. وَيُعَبِّرُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ عَنْ هٰذَا ٱلْمَعْنَى تَعْبِيرًا بَلِيغًا حِينَ يَقُولُ: “لِنَتَقَبَّلْ هٰذَا كَخَتْمٍ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، فَيُعْرَفُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَنَّنَا قَطِيعُ ٱلْمَلِكِ. لِيَتَنَا نُعْرَفُ مَنْ نَحْنُ مِنْ خِلَالِ فَمِنَا وَلُغَتِنَا” (PG 57)، فَٱلْاِمْتِنَاعُ عَنِ ٱلْحَلِفِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْصِيَةٍ سُلُوكِيَّةٍ، بَلْ هُوَ سِمَةٌ من الهويةٌ تُظْهِرُ ٱنْتِمَاءَ ٱلْمُؤْمِنِ إِلَى ٱلْمَلَكُوتِ، حَيْثُ تَكُونُ ٱللُّغَةُ نَقِيَّةً، وَٱلْكَلِمَةُ أَمِينَةً، وَٱلْحَقُّ مُعْلَنًا دُونَ حَاجَةٍ إِلَى قَسَمٍ أَوْ تَأْكِيدٍ خَارِجِيٍّ.
37 فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير
تُشِيرُعِبَارَةُ “فَلْيَكُنْ كَلَامُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، وَلَا لَا” إِلَى دَعْوَةٍ جَذْرِيَّةٍ مِنَ ٱلسَّيِّدِ يَسُوعَ لِعَيْشِ ٱلصِّدْقِ ٱلْكَامِلِ دُونَ ٱلِٱحْتِيَاجِ إِلَى قَسَمٍ أَوْ تَعْزِيزٍ خَارِجِيٍّ. فَٱلْكَلِمَةُ، فِي مَنْطِقِ ٱلْمَلَكُوتِ، تَسْتَمِدُّ قِيمَتَهَا مِنْ أَمَانَةِ ٱلْقَلْبِ وَنَقَاوَةِ ٱلنِّيَّةِ، لَا مِنْ ٱلْحَلِفِ أَوْ ٱلْوُعُودِ ٱلْمُتَكَرِّرَةِ. وَهٰذِهِ ٱلدَّعْوَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَوْجِيهٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ ٱقْتِدَاءٌ بِشَخْصِ ٱلْمَسِيحِ نَفْسِهِ. فَيَسُوعُ هُوَ ٱلْأَمِينُ ٱلْحَقِيقِيُّ، ٱلَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ “نَعَمْ وَلَا”، بَلْ كَانَ كُلُّهُ “نَعَمْ” لِمَجْدِ ٱللَّهِ، كَمَا يَشْهَدُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ قَائِلًا: “لِأَنَّ ٱبْنَ ٱللَّهِ، يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ… لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلَا، بَلْ قَدْ كَانَ فِيهِ ٱلنَّعَمْ” (2 قورنتس 1: 19). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ ٱلْمُؤْمِنَ مَدْعُوٌّ أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَهُ ٱنْعِكَاسًا لِهٰذِهِ ٱلْأَمَانَةِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ، حَيْثُ يَتَطَابَقُ ٱلْقَوْلُ مَعَ ٱلْفِعْلِ، وَٱلْوَعْدُ مَعَ ٱلْحَيَاةِ وَيُوَضِّحُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ هٰذَا ٱلْبُعْدَ ٱلْعَمَلِيَّ لِلصِّدْقِ ٱلْمُسْتَمِرِّ قَائِلًا: “لِيَكُنْ كَلَامُكُمْ دَائِمًا لَطِيفًا، مَلِيحًا، فَتَعْرِفُوا كَيْفَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُجِيبُوا كُلَّ إِنْسَانٍ” (قولسي 4: 6). فَٱلْكَلِمَةُ ٱلصَّادِقَةُ لَيْسَتْ قَاطِعَةً أَوْ فَجَّةً، بَلْ نَابِعَةٌ مِنْ مَحَبَّةٍ وَحِكْمَةٍ، تُشَكِّلُ شَهَادَةً لِلْحَقِّ فِي ٱلْعَلَاقَاتِ ٱلْيَوْمِيَّةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: “وَمَا زَادَ عَلَى ذٰلِكَ فَهُوَ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ”، يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنْ جِذْرِ ٱلْتِوَائِيَةِ وَعَدَمِ ٱلْأَمَانَةِ فِي ٱلْكَلَامِ. فَـ”ٱلشِّرِّيرُ” يُشِيرُ، مِنْ جِهَةٍ، إِلَى ٱلشَّيْطَانِ بَوَصْفِهِ مَصْدَرَ ٱلشَّرِّ وَمُحَرِّكَهُ (انظر: 1 يوحنا 2: 13)، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى إِلَى ٱلطَّبِيعَةِ ٱلْبَشَرِيَّةِ ٱلْمَجْرُوحَةِ بِٱلْخَطِيئَةِ، ٱلَّتِي تَمِيلُ إِلَى ٱلْمُرَاوَغَةِ وَٱلْغِشِّ (انظر: رومة 12: 9). وَهٰذِهِ ٱلطَّبِيعَةُ هِيَ ٱلَّتِي عَجَزَتِ ٱلشَّرِيعَةُ ٱلْمُوسَوِيَّةُ عَنْ مَعَالَجَتِهَا مَعَالَجَةً جِذْرِيَّةً. وَيُعَلِنُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَقَّقَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ ٱلشَّرِيعَةُ، قَائِلًا: “لِأَنَّ ٱلَّذِي لَمْ تَسْتَطِعْهُ ٱلشَّرِيعَةُ، إِذْ كَانَ ٱلْجَسَدُ قَدْ أَعْيَاهَا، حَقَّقَهُ ٱللَّهُ بِإِرْسَالِ ٱبْنِهِ فِي جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدَنَا ٱلْخَاطِئِ كَفَّارَةً لِلْخَطِيئَةِ، فَحَكَمَ عَلَى ٱلْخَطِيئَةِ فِي ٱلْجَسَدِ” (رومة 8: 3). فَبِفِعْلِ ٱلْمَسِيحِ ٱلْفِدَائِيِّ، أَصْبَحَ ٱلْإِنْسَانُ قَادِرًا أَنْ يَحْيَا ٱلصِّدْقَ كَنَمَطِ حَيَاةٍ، لَا كَتَكَلُّفٍ أَخْلَاقِيٍّ. وَبِذٰلِكَ، تُشَكِّلُ عِبَارَةُ “نَعَمْ نَعَمْ، وَلَا لَا” خُلَاصَةَ أَخْلَاقِ ٱلْمَلَكُوتِ فِي ٱلْكَلَامِ: بَسَاطَةٌ دُونَ ٱلْتِوَاءٍ، وَصِدْقٌ دُونَ تَزْيِيفٍ، وَأَمَانَةٌ تَجْعَلُ ٱلْإِنْسَانَ شَاهِدًا لِلْحَقِّ بِحَيَاتِهِ وَلِسَانِهِ عَلَى ٱلسَّوَاءِ. المسيح لَا يُنْكِرُ جِدِّيَّةَ القَسَمِ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ صِدْقُ القَلْبِ الدَّائِمُ. فَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ صَادِقًا فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى ضَمَانٍ اسْتِثْنَائِيٍّ. القَسَمُ يُصْبِحُ ضَرُورِيًّا عِنْدَمَا يَغِيبُ الثِّبَاتُ فِي الحَقِّ. وَيُفَسِّرُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَحْظُرِ القَسَمَ كَفِعْلٍ قَانُونِيٍّ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ، بَلْ أَرَادَ تَهْذِيبَ اللِّسَانِ وَتَطْهِيرَ الضَّمِيرِ، لِكَيْ يَكُونَ الصِّدْقُ طَبِيعَةً لَا اسْتِثْنَاءً. أَمَّا أوغسطينوس فَيَرَى أَنَّ مَنْ يَلْجَأُ كَثِيرًا إِلَى الحَلِفِ يَكْشِفُ ضِمْنًا عَنْ ضَعْفِ الثِّقَةِ فِي كَلَامِهِ؛ فَالأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ صِدْقُ الإِنْسَانِ هُوَ “قَسَمَهُ الدَّائِمَ”.
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (مَتَّى 5: 13–16)
بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 5: 13–16)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَفْهُومِ الشَّرِيعَةِ، لَا سِيَّمَا فِي عَلاَقَتِهَا بِالْوَصَايَا الْعَشْرِ وَبِمَوْقِفِ يَسُوعَ مِنْهَا. فَيَسُوعُ. ومن هنا نتساءل ما هو مفهوم الشريعة في الكتاب المقدس؟ وما هو موقف يسوع من الشريعة الموسوية (اليهودية)؟ وما هي ميزات الشريعة الإنجيلية؟
- مَفْهُومُ الشَّرِيعَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ
يُمَيِّزُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ وَالتَّقْلِيدُ الْمَسِيحِيُّ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الشَّرِيعَةِ: الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالشَّرِيعَةِ الدِّينِيَّةِ.
أَوَّلًا: الشَّرِيعَةُ الطَّبِيعِيَّةُ
لِلْوَثَنِيِّينَ شَرِيعَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، تَتَجَلَّى لَهُمْ مِنْ خِلَالِ ضَمِيرِهِمْ، كَمَا يُعَلِّمُ بولس الرسول قَائِلًا: “فَالْوَثَنِيُّونَ الَّذِينَ بِلا شَرِيعَةٍ، إِذَا عَمِلُوا بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ مَا تَأْمُرُ بِهِ الشَّرِيعَةُ، كَانُوا شَرِيعَةً لأَنْفُسِهِمْ… فَيَدُلُّونَ عَلَى أَنَّ مَا تَأْمُرُ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الأَعْمَالِ مَكْتُوبٌ فِي قُلُوبِهِمْ، وَتَشْهَدُ لَهُمْ ضَمَائِرُهُمْ” (رُومَةَ 2: 14–15).
وَتُدْعَى هَذِهِ الشَّرِيعَةُ طَبِيعِيَّةً، لِأَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَأْمُرُ بِهَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ توما الأكويني قَائِلًا: “إِنَّهَا نُورُ الْعَقْلِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ فِينَا؛ بِهِ نَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَمَلُهُ وَمَا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ”.
وَيُوَضِّحُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ “الشَّرِيعَةَ الطَّبِيعِيَّةَ تُعْلِنُ الْوَصَايَا الأُولَى وَالأَسَاسِيَّةَ الَّتِي تُهَيْمِنُ عَلَى الْحَيَاةِ الأَخْلَاقِيَّةِ، وَمِحْوَرُهَا التَّوَقُ إِلَى اللهِ وَالْخُضُوعُ لَهُ، هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ خَيْرٍ وَدِيَانَةٍ، وَكَذَلِكَ الإِحْسَاسُ بِالآخَرِ مُسَاوِيًا لِلذَّاتِ” (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ، 1955).
ثَانِيًا: الشَّرِيعَةُ الدِّينِيَّةُ (شَرِيعَةُ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ)
أَمَّا الشَّرِيعَةُ الدِّينِيَّةُ فَهِيَ شَرِيعَةُ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَتُدْعَى فِي التَّعْبِيرِ الْعِبْرِيِّ הַתּוֹרָה (تُورَاه)، وَفِي التَّعْبِيرِ الْيُونَانِيِّ νόμος (نَامُوس)، وَكِلْتَاهُمَا تَحْمِلَانِ مَعْنَى “التَّعْلِيمِ” الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلْبَشَرِ لِتَنْظِيمِ سُلُوكِهِمْ وَتَوْجِيهِ حَيَاتِهِمْ وَفْقَ مَشِيئَتِهِ. إَنَّهَا طَرِيقُ حَيَاةٍ يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَقُودَ فِيهِ الإِنْسَانَ إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْقَدَاسَةِ.
وَيَنْطَبِقُ هَذَا التَّعْلِيمُ عَلَى الْمَجْمُوعَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ الَّتِي يَنْسِبُهَا تَقْلِيدُ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ إِلَى مُوسَى النَّبِيِّ. “وَتَشْمَلُ الشَّرِيعَةُ الْوَصَايَا الْعَشْرَ (خُرُوج 20: 2–17)، وَهِيَ تَوْصِيَاتٌ خُلُقِيَّةٌ تُذَكِّرُ بِمَطَالِبِ الضَّمِيرِ الْبَشَرِيِّ الأَسَاسِيَّةِ، وَلَهَا صِبْغَةٌ إِلْزَامِيَّةٌ بِاسْمِ اللهِ نَفْسِهِ، إِذْ تَنْهَى عَمَّا يُنَاقِضُ مَحَبَّةَ اللهِ وَالْقَرِيبِ، وَتَأْمُرُ بِمَا هُوَ جَوْهَرِيٌّ لَهُمَا (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ، 1962).
وَالْوَصَايَا الْعَشْرُ تُعْطَى دَائِمًا فِي سِيَاقِ الْعَهْدِ: «أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ» (خُرُوج 20: 2)، أَيْ أَنَّ الطَّاعَةَ لَا تَنْبَعُ مِنَ الْخَوْفِ، بَلْ مِنْ عَلاَقَةِ خَلَاصٍ سَابِقَةٍ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرَى الآبَاءُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَكْشِفُ فِي آنٍ وَاحِدٍ قَدَاسَةَ اللهِ وَضَعْفَ الإِنْسَانِ، فَهِيَ تُهَيِّئُ الْقَلْبَ لِقَبُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي تُكَمِّلُ مَا تَعْجِزُ عَنْهُ الطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ.
ثَالِثًا: أَبْعَادُ الشَّرِيعَةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ
وَلَا تَقْتَصِرُ الشَّرِيعَةُ عَلَى الْوَصَايَا الْعَشْرِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا:
- قَوَاعِدَ قَانُونِيَّةً تُنَظِّمُ الشُّؤُونَ الأُسَرِيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ وَالِاقْتِصَادِيَّةَ وَالْقَضَائِيَّةَ؛
- وَقَوَانِينَ عِبَادِيَّةً تَخُصُّ الطُّقُوسَ وَخُدَّامَهَا وَشُرُوطَهَا، وَلَا سِيَّمَا قَوَاعِدَ الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ.
وَلِذَلِكَ أُطْلِقَتْ عَلَى الشَّرِيعَةِ تَسْمِيَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ: تَعْلِيم، شَهَادَة، أَمْر، وَصِيَّة، حُكْم، كَلِمَة، مَشِيئَة، طَرِيقُ اللهِ (مَزْمُور 19: 8–11؛ 119)، وَحِكْمَة (يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ 24: 23).
وَالْوَصَايَا هِيَ مَتَطَلَّبَاتٌ تُدَرِّبُ شَعْبَ اللهِ عَلَى السَّيْرِ فِي طَرِيقِ الْقَدَاسَةِ الَّتِي دَعَاهُمُ اللهُ إِلَيْهَا. وَقَدْ جُمِعَتْ فِي الْوَصَايَا الْعَشْرِ وَكِتَابِ الْعَهْدِ (خُرُوج 20: 22 – 23: 33)، ثُمَّ أُعِيدَ صِيَاغَتُهَا وَتَوْسِيعُهَا فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ (تَثْنِيَة 5: 2–21؛ 12–28)، لِتَتَلَاءَمَ مَعَ مُتَطَلَّبَاتِ الزَّمَانِ.
رَابِعًا: حُرَّاسُ الشَّرِيعَةِ وَدَوْرُ الأَنْبِيَاءِ
أَمَّا الْمُؤْتَمَنُونَ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَخَصِّصُونَ فِي شَرْحِهَا فَهُمُ الْكَهَنَةُ، بِحُكْمِ وَظِيفَتِهِمْ (هُوشَع 5: 1؛ إِرْمِيَا 18: 18؛ حِزْقِيَال 7: 26)، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعَلِّمُوا الشَّعْبَ أَحْكَامَ اللهِ وَأَوَامِرَهُ (تَثْنِيَة 33: 10).
أَمَّا الْمُدَافِعُونَ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَهُمُ الأَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِسُلْطَتِهَا وَوَبَّخُوا الْكَهَنَةَ عِنْدَ إِهْمَالِهَا (هُوشَع 4: 6؛ حِزْقِيَال 22: 26). فَنَدَّدَ هُوشَعُ بِمُخَالَفَاتِ الْوَصَايَا الْعَشْرِ (هُوشَع 4: 1–2)، وَدَعَا إِرْمِيَا إِلَى طَاعَةِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ (إِرْمِيَا 11: 1–12)، وَعَدَّدَ حِزْقِيَالُ خَطَايَا مَأْخُوذَةً مِنْ كِتَابِ الْقَدَاسَةِ (حِزْقِيَال 22: 1–16).
خَامِسًا: الشَّرِيعَةُ وَالْعَهْدُ وَتَمْهِيدُهَا لِلإِنْجِيلِ
الشَّرِيعَةُ مُرْتَبِطَةٌ جَوْهَرِيًّا بِالْعَهْدِ، فَالْعَهْدُ يَتَطَلَّبُ الِالْتِزَامَ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ (خُرُوج 19: 7–8). وَهِيَ تُهَيِّئُ شَعْبَ إِسْرَائِيلَ لِمَجِيءِ الْمُخَلِّصِ، وَتُعِدُّ لِلإِنْجِيلِ، إِذْ تَدْعُو إِلَى التَّوْبَةِ وَتَكْشِفُ الْحَاجَةَ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ. وَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ، بِحَسَبِ التَّقْلِيدِ الْمَسِيحِيِّ، مُقَدَّسَةٌ (رُومَة 7: 12)، رُوحِيَّةٌ (رُومَة 7: 14)، وَصَالِحَةٌ (رُومَة 7: 16)، وَلَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ، لِأَنَّهَا لَا تُعْطِي بِذَاتِهَا قُوَّةَ التَّنْفِيذِ وَلَا نِعْمَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
سَادِسًا: الشَّرِيعَةُ فِي ضَوْءِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ
فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يُسْتَعْمَلُ مِصْطَلَحُ “الشَّرِيعَةِ” أَيْضًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ تَدْبِيرِ النَّامُوسِ وَتَدْبِيرِ النِّعْمَةِ الَّذِي أَسَّسَهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ. فَيَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “قَدْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتَكْثُرَ الزَّلَّةُ، وَلَكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيئَةُ فَاضَتِ النِّعْمَةُ” (رُومَة 5: 20).
وَبَيْنَمَا تَمَسَّكَ الصَّدُّوقِيُّونَ بِالتَّوْرَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَحْدَهَا، وَاعْتَبَرُوا أَنَّ الْكَهَنَةَ هُمُ الْمُفَسِّرُونَ الشَّرْعِيُّونَ لَهَا، اعْتَرَفَ الْفَرِّيسِيُّونَ بِالتَّوْرَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَبِالتَّقْلِيدِ الشَّفَوِيِّ، أَيْ “تَقْلِيدِ الآبَاءِ”، مِمَّا يُمَهِّدُ لِلْجِدَالِ الَّذِي سَيُعِيدُ يَسُوعُ صِيَاغَتَهُ فِي ضَوْءِ مَلْءِ النِّعْمَةِ وَالْحَقِّ.
2- مَوْقِفُ يَسُوعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ (الْيَهُودِيَّةِ)
يُعْلِنُ يَسُوعُ مَوْقِفَهُ بِوُضُوحٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ فِي عِظَةِ الْجَبَلِ قَائِلًا: “لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّرِيعَةَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ؛ مَا جِئْتُ لأُبْطِلَ، بَلْ لِأُكْمِلَ” (مَتَّى 5: 17). فَهَذَا التَّصْرِيحُ يَفْتَحُ أُفُقًا لَاهُوتِيًّا جَدِيدًا، إِذْ يَضَعُ الشَّرِيعَةَ فِي مَسَارِهَا الْخَلَاصِيِّ، وَيَكْشِفُ أَنَّ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيَّ يَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ لَا فِي حَرْفِهَا. وَيُعَلِّقُ إيريناوس أسقف ليون قَائِلًا: “إِنَّ الشَّرِيعَةَ كَانَتْ تَرْبِيَةً وَتَهْيِئَةً لِلإِنْسَانِ، أَمَّا الْمَسِيحُ فَهُوَ الَّذِي أَتَى بِكَمَالِ الْبِرِّ وَأَظْهَرَ مَقْصِدَ اللهِ فِي الْخَلْقِ” (ضِدَّ الْهَرَطَقَات).
وهَذَا التَّصْرِيحُ يَفْتَحُ سُؤَالًا جَوْهَرِيًّا: هَلْ يَعْنِي إِتْمَامُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ مُلْزَمُونَ الْيَوْمَ بِتَطْبِيقِ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ؟ لِلإِجَابَةِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، يُمَيِّزُ التَّقْلِيدُ الْكِتَابِيُّ وَاللَّاهُوتِيُّ بَيْنَ أَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، الَّتِي يُمْكِنُ تَجْمِيعُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الشَّرِيعَةِ الطَّقْسِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الْمَدَنِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الأَدَبِيَّةِ (الأَخْلَاقِيَّةِ).
أَوَّلًا: الشَّرِيعَةُ الطَّقْسِيَّةُ
تَرْتَبِطُ الشَّرِيعَةُ الطَّقْسِيَّةُ بِعِبَادَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا سِيَّمَا بِالذَّبَائِحِ وَالطُّقُوسِ وَفَرَائِضِ الطَّهَارَةِ، كَمَا نَجِدُهَا فِي سِفْرِ اللاَّوِيِّينَ (الفصول 1–7). وَكَانَ هَدَفُهَا الأَسَاسِيُّ لَيْسَ فِي ذَاتِهَا، بَلْ فِي دَوْرِهَا الرَّمْزِيِّ وَالتَّمْهِيدِيِّ، إِذْ تُشِيرُ وَتُلَمِّحُ إِلَى شَخْصِ الْمَسِيحِ وَعَمَلِهِ الْفِدَائِيِّ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّدُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ “الشَّرِيعَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى ظِلِّ الْخَيْرَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، لَا عَلَى تَجْسِيدِ الْحَقَائِقِ نَفْسِهَا” (عِبْرَانِيِّينَ 10: 1). وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا:”كُلُّ ذَبِيحَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ كَانَتْ كَلِمَةً صَامِتَةً تَنْتَظِرُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا الْمَسِيحُ عَلَى الصَّلِيبِ”.
وَبِذَبِيحَةِ الْمَسِيحِ الْوَاحِدَةِ وَالْكَامِلَةِ، انْتَهَتِ الرُّمُوزُ بِظُهُورِ الْحَقِيقَةِ. وَفِي هَذَا يُشَدِّدُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا:
“لَمْ يُبْطِلِ الْمَسِيحُ الذَّبَائِحَ، بَلْ أَكْمَلَهَا، إِذْ صَارَ هُوَ الذَّبِيحَةَ وَالْكَاهِنَ فِي آنٍ وَاحِدٍ”. وَبِمَوْتِ الْمَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ، بَلَغَتْ هَذِهِ الشَّرَائِعُ غَايَتَهَا، فَلَمْ تَعُدْ مُلْزِمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ مَعْنَاهَا الرُّوحِيَّ قَدْ زَالَ، بَلْ إِنَّ الْمَبَادِئَ الَّتِي تَحْمِلُهَا—وَهِيَ تَقْدِيسُ اللهِ وَمَحَبَّتُهُ وَالْعِبَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ—تَبْقَى سَارِيَةً فِي الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ.
وَقَدْ دَافَعَ بولس الرسول بِقُوَّةٍ عَنْ حُرِّيَّةِ الْوَثَنِيِّينَ الْمُهْتَدِينَ مِنْ فَرَائِضِ الشَّرِيعَةِ الطَّقْسِيَّةِ، خُصُوصًا الْخِتَانَ، مُؤَكِّدًا أَنَّ التَّبْرِيرَ لَا يَتِمُّ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ بَلْ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ (غَلاَطِيَة 2: 14–21). وَيُوَضِّحُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الطَّقْسِيَّةَ “لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُكَمِّلَ” الإِنْسَانَ، لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا “ظِلَّ الْخَيْرَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ” (عِبْرَانِيِّينَ 7: 19؛ 10: 1). فَهِيَ رَمْزٌ نَاقِصٌ لِذَبِيحَةِ الْمَسِيحِ الْوَاحِدَةِ وَالْكَامِلَةِ، الَّتِي حَقَّقَتْ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ ذَبَائِحُ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ.
وَمِنْ هُنَا، يَأْتِي تَعْلِيمُ بُولُسَ الْحَاسِمُ: “إِذَا اخْتَتَنْتُمْ، فَلَنْ يُفِيدَكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا… فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَا قِيمَةَ لِلْخِتَانِ وَلَا لِلْقَلَفِ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غَلاَطِيَة 5: 2، 6). وَيُعَلِّقُ الآبَاءُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُلْغِ الرَّمْزَ فَقَطْ، بَلْ كَشَفَ حَقِيقَتَهُ، فَصَارَ هُوَ ذَاتُهُ الْهَيْكَلَ وَالذَّبِيحَةَ وَالْكَاهِنَ.
ثَانِيًا: الشَّرِيعَةُ الْمَدَنِيَّةُ
لَمْ يَحْتَوِ الْعَهْدُ الْقَدِيمُ عَلَى شَرَائِعَ طَقْسِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ ضَمَّ أَيْضًا شَرَائِعَ مَدَنِيَّةً، هِيَ تَطْبِيقٌ لِشَرِيعَةِ اللهِ عَلَى الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ فِي إِسْرَائِيلَ، وَتَنْظِيمٌ لِلشُّؤُونِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْقَضَائِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ (تَثْنِيَة 24: 10–11 وَغَيْرِهَا).
وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّرَائِعَ وُلِدَتْ فِي سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ وَثَقَافِيٍّ مُحَدَّدٍ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا بِحَرْفِيَّتِهَا إِلَى الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُعَاصِرَةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ جَذْرِيًّا فِي بِنْيَتِهَا وَنُظُمِهَا. غَيْرَ أَنَّ الْمَبَادِئَ الَّتِي تَكْمُنُ خَلْفَ هَذِهِ الشَّرَائِعِ—كَالْعَدَالَةِ، وَحِمَايَةِ الضَّعِيفِ، وَاحْتِرَامِ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ—تَبْقَى صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ.
غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَتَجَاوَزْهَا بِالإِلْغَاءِ، بَلْ رَفَعَهَا إِلَى مُسْتَوَى الْمَبْدَإِ. وَفِي هَذَا يَقُولُ أوغسطينوس: “مَا كَانَ يُطْلَبُ فِي الشَّرِيعَةِ بِالْخَوْفِ، أَصْبَحَ يُحَقَّقُ فِي الْإِنْجِيلِ بِالْمَحَبَّةِ”. فَالْعَدَالَةُ، وَحِمَايَةُ الْفَقِيرِ، وَصَوْنُ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ، هِيَ مَبَادِئُ خَالِدَةٌ، أَتَمَّهَا الْمَسِيحُ بِحَيَاتِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَجَعَلَهَا قَانُونَ مَلَكُوتِ اللهِ.
ثالثًا: الشَّرِيعَةُ الأَدَبِيَّةُ
يَحْتَوِي الْعَهْدُ الْقَدِيمُ أَيْضًا عَلَى الشَّرِيعَةِ الأَدَبِيَّةِ (الأَخْلَاقِيَّةِ)، وَتُخْتَصَرُ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ فِي الْوَصَايَا الْعَشْرِ، الَّتِي أُعْطِيَتْ بِأَمْرٍ مُبَاشِرٍ مِنَ اللهِ وَتَحْمِلُ صِبْغَةً إِلْزَامِيَّةً تَتَطَلَّبُ طَاعَةً كَامِلَةً (خُرُوج 20). فَهِيَ لَا تُعَبِّرُ عَنْ إِرَادَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ تَكْشِفُ طَبِيعَةَ اللهِ وَمَشِيئَتَهُ الأَخْلَاقِيَّةَ، وَلِذَلِكَ تَبْقَى مُلْزِمَةً فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وَيُعَدُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ نَمُوذَجَ الطَّاعَةِ الْكَامِلَةِ لِلشَّرِيعَةِ الأَدَبِيَّةِ، إِذْ أَطَاعَهَا طَاعَةً تَامَّةً دُونَ أَنْ يَكْسِرَ وَصِيَّةً وَاحِدَةً. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ مَوْقِفَ يَسُوعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ مَوْقِفٌ وَاضِحٌ: قَاوَمَ الشَّرِيعَةَ الشَّفَوِيَّةَ التَّقْلِيدِيَّةَ، وَلَمْ يُبْطِلِ الشَّرِيعَةَ الْمَكْتُوبَةَ، بَلْ أَكْمَلَهَا.
- مُقَاوَمَةُ يَسُوعَ لِلشَّرِيعَةِ الشَّفَوِيَّةِ
فِي الْوَاقِعِ الْيَهُودِيِّ، كَانَ الصَّدُّوقِيُّونَ يَتَمَسَّكُونَ بِالتَّوْرَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَحْدَهَا، وَيَعْتَبِرُونَ أَنَّ الْكَهَنَةَ هُمْ الْمُفَسِّرُونَ الشَّرْعِيُّونَ لَهَا. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ، فَكَانُوا يُقِرُّونَ إِلَى جَانِبِ التَّوْرَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِالتَّوْرَاةِ الشَّفَوِيَّةِ، أَيْ بِـ”تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ”.
وَقَدْ قَاوَمَ يَسُوعُ بِحَزْمٍ هَذَا التَّقْلِيدَ، لِأَنَّهُ كَانَ، فِي كَثِيرٍ مِنْ حَالَاتِهِ، يُفْضِي إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ وَإِبْطَالِ كَلِمَةِ اللهِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ مُجْمَلِ جِدَالِهِ مَعَ الْكُتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ (قَارِنْ مَرْقُس 7: 8–13؛ 12: 28–34).
وَأَمَّا التَّشْرِيعَاتُ الطَّقْسِيَّةُ الْخَارِجِيَّةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي طَلَبَهَا النَّامُوسُ، وَزَادَ عَلَيْهَا مُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ حَتَّى بَلَغَتْ 613 وَصِيَّةً، فَلَمْ يُلْغِهَا يَسُوعُ بِمَعْنَى الاِزْدِرَاءِ، بَلْ أَخَذَ رُوحَهَا وَمَغْزَاهَا. فَهُوَ أَلْغَى تِلْكَ التَّشْرِيعَاتِ الطَّقْسِيَّةَ الْمَادِّيَّةَ الَّتِي كَانَتْ—وَمَا زَالَتْ—تَفْصِلُ الْيَهُودَ عَنِ الأُمَمِ، كَالْخِتَانِ، وَأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، وَقَوَانِينِ الْمَأْكَلِ وَالذَّبَائِحِ، وَغَيْرِهَا. وَفِي هَذَا يَكْتُبُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “أَلْغَى شَرِيعَةَ الْوَصَايَا وَمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ، لِيَخْلُقَ فِي شَخْصِهِ مِنَ الْجَمَاعَتَيْنِ إِنْسَانًا جَدِيدًا وَاحِدًا” (أَفَسُس 2: 15).
إِنَّ هَذِهِ التَّشْرِيعَاتِ كَانَتْ تَنْطَلِقُ مِنْ هَمِّ الطَّهَارَةِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ، فَأَخَذَ يَسُوعُ الْغَايَةَ وَتَرَكَ الشَّكْلَ، وَتَرَكَ لِلْكَنِيسَةِ، وَلِلْعَقْلِ السَّلِيمِ، وَلِلْعَادَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ، تَحْدِيدَ الأُطُرِ الْحَيَاتِيَّةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ.
وَكَذَلِكَ قَاوَمَ يَسُوعُ ضَعْفَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِطَاعَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ لِلنَّامُوسِ دُونَ تَجْدِيدِ الْقَلْبِ. وَلِذَلِكَ قَالَ: “إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى بِرِّ الْكُتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 5: 20). وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: “مَعَ أَنَّ الْكُتَبَةَ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يُكَمِّلُوا النَّامُوسَ، إِلَّا أَنَّهُمْ حَافَظُوا عَلَى حُرُوفِهِ دُونَ أَنْ يَسْمَحُوا لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ قُلُوبَهُمْ؛ فَأَضَافُوا إِلَيْهِ لَا مَا هُوَ أَفْضَلُ، بَلْ مَا هُوَ أَسْوَأُ، وَتَرَكُوا تَكْرِيمَ الْوَالِدَيْنِ بِاسْمِ تَقْلِيدٍ مِنْ عِنْدِهِمْ”.
- لَمْ يُبْطِلْ يَسُوعُ الشَّرِيعَةَ الْمَكْتُوبَةَ بل أَكْمَلَها بِإِنْشَاءِ نِظَامِ الْمَلَكُوتِ
يُؤَكِّدُ يَسُوعُ بِنَفْسِهِ: “لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّرِيعَةَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ؛ مَا جِئْتُ لأُبْطِلَ، بَلْ لِأُكْمِلَ” (مَتَّى 5: 17).
فَالشَّرِيعَةُ، فِي مَلَكُوتِ اللهِ، لَا تُلْغَى، بَلْ تُتَمَّمُ حَتَّى “آخِرِ يَاءٍ أَوْ نُقْطَةٍ” (مَتَّى 5: 18–19). وَقَدْ حَفِظَ يَسُوعُ الشَّرِيعَةَ فِي حَيَاتِهِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي إِرْسَالِهِ الأَبْرَصَ إِلَى الْكَاهِنِ لِيُقَدِّمَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى (مَتَّى 8: 4). وَمَا دَامَ الْكُتَبَةُ جَالِسِينَ عَلَى “كُرْسِيِّ مُوسَى”، فَإِنَّ تَعْلِيمَهُمْ يُحْتَرَمُ، وَإِنْ كَانَ سُلُوكُهُمْ لَا يُقْتَدَى بِهِ (مَتَّى 23: 2–3). وَقَدْ أَكْمَلَ يَسُوعُ النَّامُوسَ بِطَاعَتِهِ الْكَامِلَةِ، قَائِلًا لِيُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ: “يَنْبَغِي أَنْ نُتِمَّ كُلَّ بِرٍّ” (مَتَّى 3: 15)، وَقَائِلًا لِلْيَهُودِ: “مَنْ مِنْكُمْ يُثْبِتُ عَلَيَّ خَطِيئَةً؟” (يُوحَنَّا 8: 46).
بِافْتِتَاحِهِ إِنْجِيلَ الْمَلَكُوتِ، أَدْخَلَ يَسُوعُ نِظَامًا خَلَاصِيًّا جَدِيدًا. فَقَدْ “دَامَ عَهْدُ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُوحَنَّا، وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (لُوقَا 16: 16). وَخَمْرُ الإِنْجِيلِ لَا يُوضَعُ فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ (مَرْقُس 2: 22). إِنَّ جَمْعَ الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ كُلَّ الْوَصَايَا عَلَى مُسْتَوًى وَاحِدٍ دُونَ تَرْتِيبٍ هَرَمِيٍّ أَدَّى إِلَى تَثْقِيلِ كَاهِلِ الإِنْسَانِ بِنِيرٍ لَا يُطَاقُ، كَمَا أَقَرَّ بِذَلِكَ بُطْرُسُ فِي مَجْمَعِ أُورُشَلِيمَ (أَعْمَال 15: 10).
أَمَّا يَسُوعُ، فَقَدْ أَعَادَ تَرْتِيبَ الْوَصَايَا وَفْقَ سُلَّمِ الأَوْلَوِيَّاتِ، فَجَعَلَ مَحَبَّةَ الْقَرِيبِ مِحْوَرَ الْعِبَادَةِ، بَلْ جَعَلَ الْعِبَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ قَائِمَةً عَلَى الْمُصَالَحَةِ: “اذْهَبْ أَوَّلًا فَصَالِحْ أَخَاكَ، ثُمَّ عُدْ فَقَرِّبْ قُرْبَانَكَ” (مَتَّى 5: 23–24). وَهَكَذَا، فِي مَفْهُومِ يَسُوعَ، تُصْبِحُ الْمُصَالَحَةُ هِيَ الذَّبِيحَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَالْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ وَنَقَاوَةُ النِّيَّةِ هِيَ جَوْهَرَ الشَّرِيعَةِ (مَتَّى 23: 23).
وَبِإِلْغَائِهِ النَّقَائِصَ الَّتِي سُمِحَ بِهَا “بِسَبَبِ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ” (مَتَّى 19: 8)، يَرْفَعُ يَسُوعُ الشَّرِيعَةَ إِلَى شَرِيعَةِ الْكَمَالِ، مُعْلِنًا فِي “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ” لَا نَقْضَ النَّامُوسِ، بَلْ إِعْلَانَ مَقْصِدِ اللهِ الْأَصْلِيِّ مِنْهُ: شَرِيعَةَ الْقَلْبِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالتَّشَبُّهِ بِكَمالِ اللهِ.
- تَطْبِيقِيٌّات:
وَصِيَّةُ “لَا تَقْتُلْ” (مَتَّى 5: 21–22)
يَأْخُذُ يَسُوعُ فِي عِظَةِ الْجَبَلِ وَصِيَّةً مِنْ صُلْبِ الشَّرِيعَةِ الأَدَبِيَّةِ—وَهِيَ وَصِيَّةُ “لَا تَقْتُلْ” لِيَكْشِفَ عُمْقَهَا وَغَايَتَهَا، مُبَيِّنًا أَنَّ شَرِيعَةَ الْمَلَكُوتِ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدِّ السُّلُوكِ الظَّاهِرِ، بَلْ تَنُفُذُ إِلَى أَصْلِ الدَّافِعِ فِي الْقَلْبِ. فَيَقُولُ: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلأَوَّلِينَ: لَا تَقْتُلْ؛ فَإِنَّ مَنْ يَقْتُلُ يَسْتَوْجِبُ حُكْمَ الْقَضَاءِ. أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: مَنْ غَضِبَ عَلَى أَخِيهِ يَسْتَوْجِبُ حُكْمَ الْقَضَاءِ…” (مَتَّى 5: 21–22).
فَعِنْدَمَا نَصَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى تَجَنُّبِ الْقَتْلِ كَفِعْلٍ خَارِجِيٍّ، يُوَضِّحُ يَسُوعُ أَنَّ الاِكْتِفَاءَ بِتَرْكِ الْقَتْلِ لَا يَكْفِي، لِأَنَّ الْقَتْلَ يَبْدَأُ فِي الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْخَارِجِ: يَبْدَأُ بِالْغَضَبِ، وَيَتَغَذَّى بِالْحِقْدِ، ثُمَّ يَتَفَجَّرُ فِي الإِهَانَةِ وَالْعَدَاوَةِ، وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى عُنْفٍ وَقَتْلٍ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَنْقُضُ وَصِيَّةَ “لَا تَقْتُلْ”، بَلْ يَكْشِفُ مَقْصِدَهَا الْأَصْلِيَّ وَيُكَمِّلُهَا؛ فَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: “مَنْ يُعَلِّمُنَا عَدَمَ الْغَضَبِ لَا يَنْقُضُ الْوَصِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِعَدَمِ الْقَتْلِ، بَلْ بِالأَحْرَى يُكَمِّلُهَا؛ إِذْ فِي عَدَمِ الْغَضَبِ نَتَنَقَّى مِنَ الدَّاخِلِ فِي قُلُوبِنَا، وَمِنَ الْخَارِجِ أَيْضًا بِعَدَمِ الْقَتْلِ”.
إِذًا، فَالْمَسِيحِيُّ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ الْقَتْلِ فَحَسْبُ، بَلْ عَمَّا يُوصِلُ إِلَى الْقَتْلِ أَوْ يَتَضَمَّنُ “قَتْلًا مَعْنَوِيًّا” بِالِاحْتِقَارِ وَالتَّشْهِيرِ وَالإِذْلَالِ. وَبِهَذَا يَضَعُ يَسُوعُ أَمَامَنَا جَانِبًا سَلْبِيًّا وَجَانِبًا إِيجَابِيًّا: فَالسَّلْبِيُّ هُوَ اِقْتِلَاعُ الشَّرِّ مِنْ جُذُورِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِعْلًا، وَالإِيجَابِيُّ هُوَ زَرْعُ الْوُدَاعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمَحَبَّةِ. فَإِنَّ الْغَضَبَ يُشِيرُ إِلَى شُعُورٍ بِالْمَرَارَةِ ضِدَّ الآخَرِ، وَهُوَ شُعُورٌ خَطِيرٌ يُفْضِي إِلَى الشَّتَائِمِ وَالْمُخَاصَمَاتِ الَّتِي تُفْسِدُ الْعَلَاقَاتِ وَتُسَمِّمُهَا، وَقَدْ تَقُودُ فِي آخِرِ الْمَطَافِ إِلَى الْعُنْفِ وَالْقَتْلِ وَنَتَائِجَ مُدَمِّرَةٍ؛ وَبِذَلِكَ يَكُونُ الإِنْسَانُ قَدِ “قَتَلَ” فِي قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ بِيَدِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا كَاسِيَانُ هَذَا الْمَبْدَأَ بِقَوْلِهِ:”تَأْمُرُنَا كَلِمَةُ الإِنْجِيلِ بِاسْتِئْصَالِ جُذُورِ سَقَطَاتِنَا، وَلَيْسَ نَزْعِ ثِمَارِهَا؛ فَعِنْدَ إِزَالَةِ جَمِيعِ الدَّوَافِعِ لَا شَكَّ لَنْ تَقُومَ مِنْ جَدِيدٍ”.
وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكْتَفِ بِالْمَنْعِ الْقَانُونِيِّ لِفِعْلِ الْقَتْلِ، بَلْ مَنَعَ أَسْبَابَهُ وَجُذُورَهُ: الْغَضَبَ وَالْحِقْدَ وَالِازْدِرَاءَ، وَفِي الْمُقَابِلِ طَوَّبَ الْوُدَعَاءَ وَجَعَلَ الْوُدَاعَةَ سَبِيلًا لِلسَّلَامِ: “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مَتَّى 5: 5). وَلِذَلِكَ، فَلَا تَنْحَصِرُ الْوَصِيَّةُ فِي “لَا تَقْتُلْ” فِعْلًا، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا فِكْرَ الْبُغْضِ وَنِيَّةَ الإِهَانَةِ وَالتَّلَفُّظَ بِكَلِمَاتٍ تَكْشِفُ حِقْدًا أَوِ انْفِعَالًا هَادِمًا؛ وَهَذَا كُلُّهُ—فِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ—يُعَدُّ خَطِيئَةً تَمَسُّ الْحَيَاةَ وَكَرَامَةَ الإِنْسَانِ.
غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ غَضَبٍ هَادِمٍ وَغَضَبٍ حَمِيدٍ. فَقَدْ قَالَ بولس الرسول:”اِغْضَبُوا وَلَكِنْ لَا تُخْطِئُوا” (أَفَسُس 4: 26)، أَيْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ غَضَبٌ تَأْدِيبِيٌّ نَابِعٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ لَا مِنَ الاِنْتِقَامِ؛ غَضَبُ الأَبِ عَلَى ابْنِهِ، وَالْمُعَلِّمِ عَلَى تِلْمِيذِهِ، لَا لِلتَّحْطِيمِ بَلْ لِلإِصْلَاحِ. وَفِي هَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: “إِنْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا يَرْتَكِبُ خَطَأً قَاتِلًا، فَابْسُطْ يَدَكَ لِتُعِينَهُ”.
فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ لَا تُرَكِّزُ عَلَى ضَبْطِ الْفِعْلِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى تَطْهِيرِ الْقَلْبِ، لِكَيْ يَصِيرَ الإِنْسَانُ صَانِعَ سَلَامٍ، وَيَتَحَوَّلَ مِنْ مُجَرَّدِ “عَدَمِ قَتْلٍ” إِلَى حَيَاةِ مَحَبَّةٍ تُقَاوِمُ جُذُورَ الْعُنْفِ وَتَبْنِي عَلاَقَاتٍ مَصَالِحَةً فِي الْعَائِلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالْكَنِيسَةِ.
وَصِيَّةُ الْمُصَالَحَةِ: (مَتَّى 5: 24):
فِي سِيَاقِ تَكْمِيلِ الشَّرِيعَةِ الأَدَبِيَّةِ، يَضَعُ يَسُوعُ أَمَامَ تَلامِيذِهِ وَصِيَّةً صَادِمَةً فِي جُرْأَتِهَا، تَقْلِبُ الْمَقَايِيسَ الدِّينِيَّةَ التَّقْلِيدِيَّةَ، حِينَ يَقُولُ: “فَإِذَا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَذَكَرْتَ هُنَاكَ أَنَّ لِأَخِيكَ عَلَيْكَ شَيْئًا، فَاتْرُكْ قُرْبَانَكَ هُنَاكَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا فَصَالِحْ أَخَاكَ، ثُمَّ عُدْ فَقَرِّبْ قُرْبَانَكَ” (مَتَّى 5: 23–24).
يُظْهِرُ هَذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يُقَلِّلُ مِنْ شَأْنِ الذَّبِيحَةِ وَالْعِبَادَةِ، بَلْ يَكْشِفُ شَرْطَهُمَا الْجَوْهَرِيَّ: عَلاَقَةٌ مُصَالِحَةٌ مَعَ الآخَرِينَ. فَلَا يَكْفِي أَنْ نُقَدِّمَ الذَّبَائِحَ بِانْتِظَامٍ، وَلَا أَنْ نَقِفَ فِي حَضْرَةِ اللهِ بِأَعْمَالٍ تَقْوَيَّةٍ، مَا دَامَ الْقَلْبُ مُمْتَلِئًا خِصَامًا أَوْ عَدَاوَةً أَوْ قَطِيعَةً. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هَذَا النَّصِّ قَائِلًا: “لَمْ يَقُلِ الرَّبُّ: اَتْرُكْ ذَبِيحَتَكَ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُهِمَّةٍ، بَلْ لِأَنَّ الْمُصَالَحَةَ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ الذَّبِيحَةُ مَقْبُولَةً”.
فَالْعِبَادَةُ، فِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ، لَا تُقَاسُ بِكَثْرَةِ الطُّقُوسِ، بَلْ بِصِدْقِ الْقَلْبِ. وَمِنَ الرِّيَاءِ أَنْ يَدَّعِيَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ فِي شَرِكَةٍ سَلِيمَةٍ مَعَ اللهِ، فِي حِينَ أَنَّ شَرِكَتَهُ مَعَ إِخْوَتِهِ مَكْسُورَةٌ. فَشَرِكَتُنَا مَعَ الآخَرِينَ هِيَ الْمِرْآةُ الْمَلْمُوسَةُ لِشَرِكَتِنَا مَعَ اللهِ، كَمَا يُؤَكِّدُ الرَّسُولُ يُوحَنَّا: “إِذَا قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ اللهَ، وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، كَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي يَرَاهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَا يَرَاهُ” (1 يُوحَنَّا 4: 20).
وَمِنْ هُنَا يَأْتِي تَطْوِيبُ يَسُوعَ لِلْمُصَالِحِينَ: “طُوبَى لِلسَّاعِينَ إِلَى السَّلَامِ، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ” (مَتَّى 5: 9).
فَالسَّاعُونَ إِلَى السَّلَامِ لَا يَقِفُونَ فِي وَسَطِ الْخِصَامِ بِحِيَادٍ، بَلْ يَبْذُلُونَ جُهْدًا فَعَّالًا لِرَدْمِ الْهُوَّة وَإِعَادَةِ الشَّرِكَةِ. وَيَذْهَبُ أوغسطينوس إِلَى أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: “لَا تَطْلُبْ أَنْ تَجِدَ اللهَ فِي الْمَذْبَحِ، إِذَا كُنْتَ تَتْرُكُهُ مَجْرُوحًا فِي أَخِيكَ”. فَالْمُصَالَحَةُ لَيْسَتْ مَجَرَّدَ تَصَرُّفٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ عَمَلٌ لِيتُورْجِيٌّ يَسْبِقُ اللِّيتُورْجِيَا ذَاتَهَا.
وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هَذَا الْمَبْدَأَ فِي سِيَاقِ الصَّلَاةِ الْجَمَاعِيَّةِ قَائِلًا: “فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيْدِيًا طَاهِرَةً، مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ وَلَا خِصَامٍ” (1 طِيمُوتَاوُس 2: 8). فَالأَيْدِي الَّتِي تُرْفَعُ إِلَى اللهِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَيْدِيَ مَصَالِحَةٍ، لَا أَيْدِيَ خُصُومَةٍ. وَيَذْهَبُ قبريانس القرطاجي إِلَى تَشْدِيدٍ رَعَوِيٍّ حَاسِمٍ حِينَ يَقُولُ: “كَيْفَ تَطْلُبُ السَّلَامَ مِنَ اللهِ، وَأَنْتَ تَرْفُضُ السَّلَامَ مَعَ أَخِيكَ؟”.
إِذًا، فِي مَنْظُورِ يَسُوعَ، لَا تَكُونُ الْعِبَادَةُ مَقْبُولَةً إِذَا تَجَاهَلَتْ وَاجِبَاتِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُصَالَحَةِ. فَالْمُصَالَحَةُ لَيْسَتْ عَمَلًا ثَانَوِيًّا يُؤَجَّلُ، بَلْ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِدُخُولِ الإِنْسَانِ فِي شَرِكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ اللهِ. وَهَكَذَا يُحَوِّلُ يَسُوعُ الذَّبِيحَةَ مِنْ طَقْسٍ خَارِجِيٍّ إِلَى ذَبِيحَةِ قَلْبٍ مُصَالِحٍ، وَيَجْعَلُ السَّلَامَ بَيْنَ الإِخْوَةِ هُوَ الْمِذْبَحَ الْحَقِيقِيَّ فِي مَلَكُوتِ اللهِ.
وَصِيَّةُ “لَا تَزْنِ” (مَتَّى 5: 27–30)
يَنْقُلُ يَسُوعُ فِي عِظَةِ الْجَبَلِ وَصِيَّةَ “لَا تَزْنِ” مِنْ مُجَرَّدِ مَنْعٍ سُلُوكِيٍّ خَارِجِيٍّ إِلَى تَطْهِيرِ الْقَلْبِ وَالنِّيَّةِ، كَاشِفًا أَنَّ شَرِيعَةَ الْمَلَكُوتِ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْفِعْلِ، بَلْ تَبْدَأُ مِنْ مَصَادِرِهِ الدَّاخِلِيَّةِ. فَيَقُولُ: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لَا تَزْنِ. أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: مَنْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ، زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مَتَّى 5: 27–28).
فَعِنْدَمَا حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الْمُوسَوِيَّةُ فِعْلَ الزِّنَى، يُوَضِّحُ يَسُوعُ أَنَّ الاِكْتِفَاءَ بِالِامْتِنَاعِ الظَّاهِرِيِّ لَا يَكْفِي، لِأَنَّ الزِّنَى—كَمَا الْقَتْلِ—يَبْدَأُ فِي الْقَلْبِ قَبْلَ أَنْ يَتَجَسَّدَ فِي السُّلُوكِ. فَالنَّظْرَةُ الْمُشَوَّهَةُ، وَالشَّهْوَةُ الْمُتَخَيَّلَةُ، وَالتَّلَذُّذُ الْبَاطِنِيُّ، كُلُّهَا مَرَاحِلُ تَسْبِقُ الْخَطِيئَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ. وَيُفَسِّرُ أوغسطينوس هَذَا الْمَنْطِقَ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ الْخَطِيئَةَ تَتِمُّ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ: إِثَارَتُهَا، ثُمَّ التَّلَذُّذُ بِهَا، ثُمَّ إِرْضَاؤُهَا”. فَإِنْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ قَدْ حَرَّمَتْ إِرْضَاءَ الْخَطِيئَةِ أَيْ تَنْفِيذَهَا، فَإِنَّ السَّيِّدَ الْمَسِيحَ يَذْهَبُ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَيْهَا فِي مَرْحَلَتِهَا الأُولَى، قَبْلَ أَنْ تَجِدَ لَهَا مَوْطِئَ قَدَمٍ فِي الذِّهْنِ وَالْقَلْبِ.
وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى رَحْمَةُ تَعْلِيمِ يَسُوعَ: فَمُوَاجَهَةُ الْخَطِيئَةِ فِي بَدَايَتِهَا أَسْهَلُ مِنْ مُقَاوَمَتِهَا بَعْدَ أَنْ تَتَجَذَّرَ فِي النَّفْسِ. فَالنَّظْرَةُ الشِّرِّيرَةُ تُثِيرُ الْفِكْرَ، وَالْفِكْرُ يَسْتَدْعِي اللَّذَّةَ، وَاللَّذَّةُ تَطْلُبُ التَّنْفِيذَ؛ أَمَّا قَطْعُ السِّلْسِلَةِ مِنْ بَدَايَتِهَا فَهُوَ سَبِيلُ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّقَاوَةِ.
وَهُنَا يُؤَكِّدُ الآبَاءُ أَنَّ لَيْسَ الْجَسَدُ هُوَ مَصْدَرَ التَّدْنِيسِ، بَلِ الأَفْكَارُ وَالشَّهَوَاتُ الَّتِي تَتَسَلَّلُ إِلَى الْقَلْبِ. وَفِي هَذَا يُدْخِلُ يَسُوعُ إِلَى الْعَالَمِ قِيمَةً جَدِيدَةً: قِيمَةَ احْتِرَامِ الذَّاتِ، وَاحْتِرَامِ الْجَسَدِ، وَقَدَاسَةِ الْحُبِّ. فَالْمُهِمُّ فِي الْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةِ، بِحَسَبِ نَظَرِ يَسُوعَ، لَيْسَ فَقَطْ عَدَمَ ارْتِكَابِ الزِّنَى، بَلْ نَقَاوَةُ النِّيَّةِ، وَضَبْطُ الْحَوَاسِّ، وَالتَّسَامِي الدَّاخِلِيُّ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ يَسُوعَ يُقَدِّمُ فَهْمًا جَدِيدًا لِلْعَلَاقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ: فَالآخَرُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلشَّهْوَةِ، بَلْ شَخْصٌ وُجِدَ لِنُحِبَّهُ. إِنَّهُ جُزْءٌ مِنَّا، وَمَعَهُ نُشَكِّلُ جَسَدًا وَاحِدًا وَمَصِيرًا وَاحِدًا. وَبِذَلِكَ لَا يَكْتَفِي السَّيِّدُ الْمَسِيحُ بِوَصِيَّةِ “لَا تَزْنِ”، بَلْ يَمْنَعُ جُذُورَ الزِّنَى فِي النَّظْرَةِ غَيْرِ الطَّاهِرَةِ وَالنِّيَّةِ غَيْرِ السَّلِيمَةِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، يَرْبِطُ يَسُوعُ هَذَا التَّعْلِيمَ بِالتَّطْوِيبَاتِ، فَيَجْعَلُ نَقَاوَةَ الْقَلْبِ طَرِيقًا إِلَى مُعَايَنَةِ اللهِ: “طُوبَى لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللهَ” (مَتَّى 5: 8). فَالطَّهَارَةُ لَيْسَتْ كَبْتًا، بَلْ رُؤْيَةٌ نَقِيَّةٌ لِلإِنْسَانِ وَلِلَّهِ مَعًا. وَبِهَذَا، يَضَعُ يَسُوعُ مَكَانَ وَصِيَّةِ “لَا تَزْنِ“ النَّظْرَةَ الأَخَوِيَّةَ الَّتِي تَرَى فِي الآخَرِ وَجْهَ أَخٍ أَوْ أُخْتٍ، لَا أَدَاةَ إِشْبَاعٍ. فَتَصِيرُ شَرِيعَةُ الْمَلَكُوتِ شَرِيعَةَ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَحُبٍّ أَمِينٍ، وَعَلَاقَةٍ تُقَدِّسُ الإِنْسَانَ بَدَلَ أَنْ تُسْتَهْلِكَهُ.
قَضِيَّةُ الطَّلَاقِ (مَتَّى 5: 31–32)
يَتَنَاوَلُ يَسُوعُ فِي عِظَةِ الْجَبَلِ قَضِيَّةً حَسَّاسَةً وَمِفْصَلِيَّةً فِي الْحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ، هِيَ قَضِيَّةُ الطَّلَاقِ، فَيَقُولُ:
“قِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلَاقٍ. أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ—إِلَّا فِي حَالَةِ الْفَحْشَاءِ—عَرَّضَهَا لِلزِّنَى، وَمَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً فَقَدْ زَنَى” (مَتَّى 5: 31–32).
يُظْهِرُ هَذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَكْتَفِي بِالنَّظَرِ إِلَى شَرْعِيَّةِ عَقْدِ الزَّوَاجِ، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ نَحْيَا بِمُقْتَضَى الزَّوَاجِ وَمَسْؤُولِيَّاتِهِ. فَالزَّوَاجُ، فِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ، لَيْسَ تَرْتِيبًا قَانُونِيًّا قَابِلًا لِلْفَسْخِ، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى شَرِكَةِ حَيَاةٍ أَمِينَةٍ وَدَائِمَةٍ.
وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَدْخُلُ فِي النِّقَاشَاتِ الْفِقْهِيَّةِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ حَوْلَ الأَسْبَابِ الَّتِي تُبِيحُ الطَّلَاقَ، كَمَا كَانَ سَائِدًا فِي الْجِدَالِ بَيْنَ مَدْرَسَتَيْ شَمَّاي وَهِلِّيل، بَلْ يَطْلُبُ تَغْيِيرًا جِذْرِيًّا فِي الذِّهْنِيَّةِ وَالْقَلْبِ فِي عَلاَقَةِ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ. فَإِنْ كَانَ سِفْرُ تَثْنِيَةِ الاِشْتِرَاعِ قَدْ أَجَازَ الطَّلَاقَ “بِسَبَبِ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ” (قَارِنْ تَثْنِيَةَ الاِشْتِرَاعِ 24: 1)، فَإِنَّ يَسُوعَ يُعِيدُ الْأُمُورَ إِلَى مَقْصِدِ اللهِ الأَصْلِيِّ مِنَ الْبَدْءِ.
فَالزَّوَاجُ، كَمَا أَرَادَهُ اللهُ فِي الْخَلْقِ، هُوَ شَرِكَةٌ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلانْحِلَالِ: “لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، فَيَصِيرَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (تَكْوِين 2: 24). وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ يَسُوعُ فِي تَعْلِيمِهِ، مُعْلِنًا أَنَّ مَا جَمَعَهُ اللهُ لَا يَحِقُّ لِلإِنْسَانِ أَنْ يُفَرِّقَهُ (قَارِنْ مَتَّى 19: 6). وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: “لَمْ يُعْطِ الرَّبُّ الزَّوَاجَ لِيَكُونَ تَجْرِبَةً مُؤَقَّتَةً، بَلْ عَهْدًا يُحْفَظُ بِالْمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ؛ فَحَيْثُ تَغِيبُ الْمَحَبَّةُ، يَتَسَلَّلُ الطَّلَاقُ كَفَشَلٍ فِي فَهْمِ السِّرِّ”.
إِنَّ مَا لَمْ يَسْتَطِعِ الإِنْسَانُ أَنْ يُحَقِّقَهُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ بِسَبَبِ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ، يُصْبِحُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ مُمْكِنًا بِنِعْمَةِ الْمَلَكُوتِ. فَبِمَجِيءِ الْمَلَكُوتِ، وَبِانْفِتَاحِ الإِنْسَانِ عَلَى حَيَاةِ الْبُنُوَّةِ لِلآبِ فِي الاِبْنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، تُعْطَى الْقُدْرَةُ عَلَى عَيْشِ الأَمَانَةِ وَالثَّبَاتِ.
وَفِي هَذَا الإِطَارِ، يَتَضِحُ مَعْنَى الاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَذْكُرُهُ يَسُوعُ: “إِلَّا فِي حَالَةِ الْفَحْشَاءِ”. فَهَذَا الاسْتِثْنَاءُ لَا يُشَكِّلُ إِذْنًا عَامًّا بِالطَّلَاقِ، بَلْ يُشِيرُ إِلَى حَالَةِ عَلاَقَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ أَصْلًا، أَيْ إِلَى عَيْشِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مَعًا مِنْ دُونِ عَقْدِ زَوَاجٍ حَقِيقِيٍّ. فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لَا يَكُونُ هُنَاكَ زَوَاجٌ قَائِمٌ لِيُنْحَلَّ، بَلْ وَضْعٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَقْصِدِ اللهِ، وَيَجُوزُ إِبْطَالُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَقْدًا صَحِيحًا مِنَ الأَسَاسِ. وَيُوَضِّحُ أوغسطينوس هَذَا الْمَنْظُورَ قَائِلًا: “إِنَّ الزَّوَاجَ عَهْدُ أَمَانَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَقُمْ أَصْلًا عَلَى الْحَقِّ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْسَبَ انْحِلَالُهُ خَرْقًا لِلأَمَانَةِ”.
وَهَكَذَا، لَا يَأْتِي تَعْلِيمُ يَسُوعَ تَشْدِيدًا قَاسِيًا، بَلْ دَعْوَةً إِلَى تَجْدِيدِ الرُّؤْيَةِ: أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الزَّوَاجِ لَا كَحَقٍّ شَخْصِيٍّ قَابِلٍ لِلتَّرَاجُعِ، بَلْ كَدَعْوَةٍ إِلَى مَحَبَّةٍ أَمِينَةٍ تَعْكِسُ مَحَبَّةَ اللهِ الأَمِينَةَ لِشَعْبِهِ. فَفِي شَرِيعَةِ الْمَلَكُوتِ، يُرْفَعُ الزَّوَاجُ إِلَى مُسْتَوَى السِّرِّ، وَيُصْبِحُ الثَّبَاتُ وَالأَمَانَةُ شَهَادَةً لِنِعْمَةِ اللهِ الْعَامِلَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَصِيَّةُ القَسَمِ (مَتَّى 5: 33–37)
يَتَنَاوَلُ يَسُوعُ فِي عِظَةِ الْجَبَلِ مَسْأَلَةَ القَسَمِ، مُكَمِّلًا تَعْلِيمَ الشَّرِيعَةِ وَمُعِيدًا تَوْجِيهَهُ مِنَ الإِطَارِ القَانُونِيِّ إِلَى نَقَاوَةِ الصِّدْقِ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. فَيَقُولُ: “سَمِعْتُمْ أَيْضًا أَنَّهُ قِيلَ لِلأَوَّلِينَ: لَا تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمَانِكَ. أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تَحْلِفُوا أَبَدًا؛ لَا بِالسَّمَاءِ، فَهِيَ عَرْشُ اللهِ؛ وَلَا بِالأَرْضِ، فَهِيَ مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ؛ وَلَا بِأُورُشَلِيمَ، فَهِيَ مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ؛ وَلَا تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لِأَنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. فَلْيَكُنْ كَلَامُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، وَلَا لَا. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مَتَّى 5: 33–37).
عِنْدَمَا تَكَلَّمَ مُوسَى عَنِ النُّذُورِ وَالأَيْمَانِ، كَانَ الْهَدَفُ أَنْ لَا يَحْنَثَ الإِنْسَانُ بِقَسَمِهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَيَذْهَبُ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ يُعَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ نُوفِيَ بِالقَسَمِ، بَلْ أَنْ نَتَجَنَّبَ أَصْلًا التَّعَهُّدَاتِ الْمُتَسَرِّعَةَ وَغَيْرَ الْمَسْؤُولَةِ أَمَامَ اللهِ. فَخُلَاصَةُ تَعْلِيمِهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَحْنَثُ بِقَسَمِهِ فَحَسْبُ، بَلْ لَا يَحْلِفُ أَبَدًا.
وَيُفَسِّرُ يَسُوعُ مَنْطِقَ هَذَا النَّهْيِ تَفْسِيرًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا: فَكُلُّ مَا يَحْلِفُ بِهِ الإِنْسَانُ يَرْتَبِطُ بِاللهِ—السَّمَاءُ عَرْشُهُ، وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَأُورُشَلِيمُ مَدِينَتُهُ—وَحَتَّى رَأْسُ الإِنْسَانِ لَيْسَ فِي سُلْطَانِهِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الأَيْمَانِ (القسم) تُخْفِي فِي أَصْلِهَا نَقْصَ الصِّدْقِ وَانْقِسَامَ الْقَلْبِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هَذَا النَّصِّ قَائِلًا:
“إِنَّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى القَسَمِ لِيُصَدَّقَ، يُقِرُّ ضِمْنًا أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَكْفِي. أَمَّا الصِّدِّيقُ فَكَلَامُهُ نَفْسُهُ يَكُونُ قَسَمًا”.
وَهُنَا تَتَّضِحُ السِّمَةُ الْمُمَيِّزَةُ لِلْمَسِيحِيِّ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ صِدْقًا بِلَا قَسَمٍ. فَالْكَذِبُ—فِي مَنْظُورِ الإِنْجِيلِ—لَيْسَ مُجَرَّدَ خُلُقٍ سَيِّئٍ، بَلْ انْتِمَاءٌ إِلَى مَنْطِقِ الشِّرِّيرِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: “إِذَا تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ تَكَلَّمَ بِمَا عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذِبِ” (يُوحَنَّا 8: 44).
لِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ يَسُوعُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ الْبَاطِلِ، بَلْ نَهَى عَنْ رَفْعِ كُلِّ دَعْوَى إِلَى اللهِ بِغَيْرِ لُزُومٍ. يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُنَا بِلَا قَسَمٍ، وَلَكِنْ كَأَنَّنَا نَنْطِقُ بِهِ دَائِمًا أَمَامَ اللهِ. فَالصِّدْقُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْزِيزٍ، وَالأَمَانَةُ لَا تَطْلُبُ شَاهِدًا. وَيُؤَكِّدُ يعقوب الرسول هَذَا التَّعْلِيمَ فِي الرَّسَالَةِ الْعَمَلِيَّةِ قَائِلًا: “وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، يَا إِخْوَتِي، لَا تَحْلِفُوا لَا بِالسَّمَاءِ وَلَا بِالأَرْضِ وَلَا بِيَمِينٍ أُخْرَى. لِتَكُنْ نَعَمُكُمْ نَعَمْ، وَلَاؤُكُمْ لَا، لِئَلَّا تَقَعُوا تَحْتَ وَطْأَةِ الدَّيْنُونَةِ” (يَعْقُوب 5: 12). وَيُضِيفُ باسيليوس الكبير بُعْدًا رُوحِيًّا قَائِلًا: “الصِّدْقُ هُوَ شَبَهُ اللهِ فِي الإِنْسَانِ؛ فَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِصِدْقٍ يَحْيَا فِي النُّورِ وَلَا يَخَافُ”. هَكَذَا، تُحَوِّلُ شَرِيعَةُ الْمَلَكُوتِ القَسَمَ مِنْ ضَمَانٍ خَارِجِيٍّ إِلَى أَمَانَةٍ دَاخِلِيَّةٍ، وَتَجْعَلُ الصِّدْقَ نَمَطَ حَيَاةٍ لَا تَكْتَفِي بِعَدَمِ الْحِنْثِ، بَلْ تَشْهَدُ لِلهِ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ. فَحَيْثُ يَسُودُ الصِّدْقُ، يَسْقُطُ القَسَمُ، وَحَيْثُ يَسْقُطُ القَسَمُ، يَتَجَلَّى حُرِّيَّةُ أَبْنَاءِ اللهِ.
قصارى القول، إِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتِ لِيُبْطِلَ الشَّرِيعَةَ الْمُوسَوِيَّةَ، بَلْ لِيُكَمِّلَهَا، أَيْ لِيَقُودَهَا إِلَى غَايَتِهَا النِّهَائِيَّةِ. فَالشَّرِيعَةُ الطَّقْسِيَّةُ تَجَاوَزَهَا الْمَسِيحُ بِإِتْمَامِهَا فِي ذَبِيحَتِهِ، وَالشَّرِيعَةُ الْمَدَنِيَّةُ أَظْهَرَ مَبَادِئَهَا الْخَالِدَةَ، أَمَّا الشَّرِيعَةُ الأَدَبِيَّةُ فَقَدْ بَلَغَتْ فِيهِ مِلْأَهَا، إِذْ صَارَتْ شَرِيعَةَ الْقَلْبِ وَالْمَحَبَّةِ، وَهِيَ أَسَاسُ الشَّرِيعَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ.
- مَيِّزَاتُ الشَّرِيعَةِ الجَدِيدَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ؟
تَوَقَّعَ الْيَهُودُ أَنَّ الرَّبَّ الإِلَهَ سَيُعْطِي شَرِيعَةً جَدِيدَةً عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ، كَمَا يَرِدُ فِي التَّقْلِيدِ الْيَهُودِيِّ (يَلْكُوت شِمْعُونِي 2، 296). وَفِي مَلْءِ الزَّمَانِ، تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الرُّؤْيَا فِي الشَّرِيعَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ، الَّتِي لَيْسَتْ قَطْعًا قَطِيعَةً مَعَ الشَّرِيعَةِ السَّابِقَةِ، بَلْ كَمَالَهَا وَتَتْمِيمَهَا. فَهِيَ كَمَالُ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي أُوحِيَ بِهَا إِلَى مُوسَى النَّبِيِّ، وَاكْتِمَالُهَا فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَعَطِيَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
وَلَمْ يُكْمِلْ يَسُوعُ الشَّرِيعَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْبُعْدِ الْبَاطِنِيِّ فَقَطْ، أَيْ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ، بَلْ أَظْهَرَ قُوَّتَهَا الْخَلَاصِيَّةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَأَبْرَزَ أُفُقَهَا الْجَدِيدَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَأَوْلَوِيَّةِ الْعَمَلِ الإِنْجِيلِيِّ.
الميزة الأولى: الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ شَرِيعَةُ الْكَمَالِ
لَمْ يَأْتِ يَسُوعُ لِيُقِيمَ شَرِيعَةً جَدِيدَةً بَدَلًا مِنَ الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ، بَلْ لِيُعْطِيَهَا مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيَّ وَغَايَتَهَا الْأَصْلِيَّةَ. فَالشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا تُلْغِي قِيمَةَ الْفَرَائِضِ الأَخْلَاقِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ، بَلْ تَكْشِفُ كُلَّ حَقِيقَتِهَا الإِلَهِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ، وَتَقُودُهَا إِلَى كَمَالِهَا.
إِنَّ جِدَّةَ الشَّرِيعَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ تَكْمُنُ فِي أَنَّهَا تُصْلِحُ أَصْلَ الْعَمَلِ، أَيْ الْقَلْبَ نَفْسَهُ، حَيْثُ يَتَّخِذُ الإِنْسَانُ قَرَارَهُ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالدَّنَسِ. فَكَمَا يُعَلِّمُ يَسُوعُ: “مِنَ الْقَلْبِ تَنْبَعِثُ الْمَقَاصِدُ السَّيِّئَةُ: الْقَتْلُ، وَالزِّنَى، وَالْفُحْشُ، وَالسَّرِقَةُ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَالشَّتَائِمُ” (مَتَّى 15: 19). وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس عَلَى ذَلِكَ قَائِلًا: “الشَّرِيعَةُ الْجَدِيدَةُ لَا تَكْتُبُ أَوَامِرَهَا عَلَى أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ، بَلْ عَلَى الْقُلُوبِ، لِأَنَّهَا شَرِيعَةُ الرُّوحِ وَالْمَحَبَّةِ”.
الميزة الثانية: شَرِيعَةُ الاقْتِدَاءِ بِكَمَالِ الآبِ السَّمَاوِيِّ
تَقُودُ الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ الإِنْسَانَ إِلَى كَمَالٍ جَدِيدٍ، لَا يَقُومُ عَلَى مُجَرَّدِ حِفْظِ الْوَصَايَا، بَلْ عَلَى الاقْتِدَاءِ بِاللهِ ذَاتِهِ. فَيَدْعُو يَسُوعُ تَلامِيذَهُ قَائِلًا: “كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ كَامِلٌ» (مَتَّى 5: 48). وَهَذَا الْكَمَالُ لَا يُفْهَمُ كَكَمَالٍ أَخْلَاقِيٍّ مِثَالِيٍّ بَحْتٍ، بَلْ كَكَمَالِ مَحَبَّةٍ وَرَحْمَةٍ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَبْلُغُ الشَّرِيعَةُ ذِرْوَتَهَا فِي دَعْوَةِ يَسُوعَ إِلَى مَحَبَّةِ الأَعْدَاءِ: “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَصَلُّوا مِنْ أَجْلِ مُضْطَهِدِيكُمْ” (مَتَّى 5: 44). وَيَرَى يوحنا الذهبي الفم فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ ذُرْوَةَ الشَّرِيعَةِ، إِذْ يَقُولُ: “لَا شَيْءَ يُشَبِّهُ الإِنْسَانَ بِاللهِ مِثْلَ مَحَبَّةِ الأَعْدَاءِ؛ فَبِهَا نُظْهِرُ أَنَّنَا أَبْنَاءُ الآبِ، لَا أَبْنَاءُ الْمُنْتَقِمِ”.
الميزة الثَالِثًة: شَرِيعَةُ الرُّوحِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ هِيَ فِي جَوْهَرِهَا شَرِيعَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي يُمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ. فَمَا عَجَزَ الإِنْسَانُ عَنْ تَحْقِيقِهِ فِي ظِلِّ الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ “بِسَبَبِ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ”، يُصْبِحُ مُمْكِنًا الْآنَ بِنِعْمَةِ الرُّوحِ. وَيُلَخِّصُ إيريناؤس هَذِهِ الرُّؤْيَا قَائِلًا: “حَيْثُ يَكُونُ رُوحُ اللهِ، هُنَاكَ تَكُونُ الْحُرِّيَّةُ؛ وَحَيْثُ تَكُونُ الْحُرِّيَّةُ، تَكُونُ الْمَحَبَّةُ”.
لِذَلِكَ، فَالشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا تُفْرَضُ مِنَ الْخَارِجِ كَنِيرٍ ثَقِيلٍ، بَلْ تُعَاشُ مِنَ الدَّاخِلِ كَاسْتِجَابَةِ مَحَبَّةٍ لِمَحَبَّةِ اللهِ. وَهِيَ لَا تَقُودُ إِلَى عُبُودِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ إِلَى حُرِّيَّةِ أَبْنَاءِ اللهِ، حُرِّيَّةٍ تَتَجَلَّى فِي الْعَمَلِ الْمُحِبِّ، وَفِي خِدْمَةِ الآخَرِ، وَفِي عَيْشِ الْوَصَايَا لَا خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ، بَلْ شَوْقًا إِلَى شَبَهِ الْآبِ.
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ هِيَ:
- شَرِيعَةُ الْكَمَالِ الَّتِي تُصْلِحُ الْقَلْبَ،
- شَرِيعَةُ الاقْتِدَاءِ بِكَمَالِ اللهِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ،
- شَرِيعَةُ الرُّوحِ وَالْحُرِّيَّةِ الَّتِي تُعَاشُ بِنِعْمَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
وَبِهَذَا، لَا تَكُونُ الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ ثِقْلًا يُقَيِّدُ الإِنْسَانَ، بَلْ طَرِيقًا يُحَرِّرُهُ لِيَسِيرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ شَاهِدًا لِمَحَبَّتِهِ فِي الْعَالَمِ.
الميزة الرابعة: الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ شَرِيعَةُ العَمَلِ
ظَنَّ الْفَرِّيسِيُّونَ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ تَعْلِيمَ الآخَرِينَ هُوَ الْهَدَفُ الأَسْمَى فِي الْحَيَاةِ الدِّينِيَّةِ، وَأَنَّ مَعْرِفَةَ النَّامُوسِ وَشَرْحَهُ تَكْفِي لِلْبِرِّ. أَمَّا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فَقَدْ صَحَّحَ هَذِهِ الذِّهْنِيَّةَ، مُبَيِّنًا أَنَّ الطَّاعَةَ لِلَّهِ فِي الْعَمَلِ هِيَ الْغَايَةُ الأَعْظَمُ، وَأَنَّ تَعْلِيمَ الشَّرِيعَةِ مِنْ دُونِ مُمَارَسَتِهَا يُفْضِي إِلَى رِيَاءٍ خَطِيرٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ يَسُوعُ: “فَمَنْ خَالَفَ وَصِيَّةً مِنْ أَصْغَرِ تِلْكَ الْوَصَايَا، وَعَلَّمَ النَّاسَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَهُ، عُدَّ أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 5: 19).
إِنَّ شَرِيعَةَ النِّظَامِ الْجَدِيدِ لَا تَكْتَفِي بِالْقَوْلِ، بَلْ تَطْلُبُ تَطَابُقَ الْكَلِمَةِ مَعَ الْفِعْلِ. فَفِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ، لَا تَكُونُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا طَاعَةٍ فَضِيلَةً، بَلْ دَيْنُونَةً. وَفِي هَذَا يُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: “لَا يَنْفَعُ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا لِلْحَقِّ إِذَا كُنْتَ أَوَّلَ مَنْ يَخُونُهُ فِي عَمَلِهِ”.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ هِيَ شَرِيعَةُ الحُرِّيَّةِ الْكَامِلَةِ، لَا شَرِيعَةُ السَّمَاعِ الْعَابِرِ. فَكَمَا يَكْتُبُ يعقوب الرسول: “أَمَّا الَّذِي أَكَبَّ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ، شَرِيعَةِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَزِمَهَا، لَا شَأْنَ مَنْ يَسْمَعُ ثُمَّ يَنْسَى، بَلْ شَأْنَ مَنْ يَعْمَلُ، فَذَاكَ الَّذِي سَيَكُونُ سَعِيدًا فِي عَمَلِهِ” (يَعْقُوب 1: 25).
فَالْحُرِّيَّةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا تُلْغِي الطَّاعَةَ، بَلْ تُحَوِّلُهَا مِنْ فَرْضٍ خَارِجِيٍّ إِلَى خِيَارٍ مَحَبِّيٍّ. وَهَكَذَا تُصْبِحُ الشَّرِيعَةُ دَعْوَةً إِلَى الْعَمَلِ الْمُتَّسِقِ مَعَ الإِيمَانِ، كَمَا يُؤَكِّدُ يَسُوعُ: “لَيْسَ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 7: 21).
وَتَقْتَضِي هَذِهِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا اخْتِيَارًا حَاسِمًا بَيْنَ طَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: طَرِيقِ الْحَيَاةِ وَطَرِيقِ الْهَلَاكِ. فَيَدْعُو يَسُوعُ قَائِلًا: “اُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ؛ فَإِنَّ الْبَابَ رَحْبٌ وَالطَّرِيقَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الْهَلَاكِ وَاسِعٌ، وَالَّذِينَ يَسْلُكُونَهُ كَثِيرُونَ. مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَحْرَجَ الطَّرِيقَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ قَلِيلُونَ” (مَتَّى 7: 13–14).
فَالْعَمَلُ الإِنْجِيلِيُّ لَيْسَ مَجْرَىً آليًّا، بَلْ قَرَارٌ يَوْمِيٌّ بِالسَّيْرِ فِي الطَّرِيقِ الصَّعْبِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْحَيَاةِ. وَيُلَخِّصُ أوغسطينوس هَذَا الْمَنْطِقَ قَائِلًا: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكَ بِغَيْرِكَ، لَا يُخَلِّصُكَ بِغَيْرِكَ؛ فَلَا مَجَالَ لِلْخَلَاصِ بِلَا عَمَلِ الْمَحَبَّةِ”. وَتَبْلُغُ الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ خُلَاصَتَهَا الْعَمَلِيَّةَ فِي الْقَاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ، الَّتِي يَضَعُهَا يَسُوعُ كَمِفْتَاحٍ لِتَطْبِيقِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا: “فَكُلُّ مَا أَرَدْتُمْ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ لَكُمْ، اِفْعَلُوهُ أَنْتُمْ لَهُمْ؛ هَذِهِ هِيَ الشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ” (مَتَّى 7: 12).
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ، بِوَصْفِهَا شَرِيعَةَ العَمَلِ: تَرْفُضُ الفَصْلَ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَالطَّاعَةِ، وَتَجْعَلُ الحُرِّيَّةَ مَسْؤُولِيَّةً، لَا ذَرِيعَةً لِلتَّقَاعُسِ، وَتُتَرْجَمُ فِي عَمَلِ الْمَحَبَّةِ الْمُلْمُوسِ وَاخْتِيَارِ طَرِيقِ الْحَيَاةِ. وَبِهَذَا، لَا تَبْقَى الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ نَصًّا يُتْلَى، بَلْ حَيَاةً تُعَاشُ، وَشَهَادَةً تُعْطَى لِمَلَكُوتِ اللهِ فِي العَالَمِ.
الميزة الخامسة: الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ شَرِيعَةُ الْحُرِّيَّةِ
تُوصَفُ الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ بِأَنَّهَا شَرِيعَةُ الْحُرِّيَّةِ، لَا بِمَعْنَى التَّفَلُّتِ مِنَ الْوَصَايَا، بَلْ بِمَعْنَى التَّحَرُّرِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يُمَكِّنُ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ الصَّالِحَ طَوْعًا وَمَحَبَّةً، لَا خَوْفًا وَإِلْزَامًا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ يعقوب الرسول:
«وَأَمَّا الَّذِي أَكَبَّ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ، شَرِيعَةِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَزِمَهَا، لا شَأْنَ مَنْ يَسْمَعُ ثُمَّ يَنْسَى، بَلْ شَأْنَ مَنْ يَعْمَلُ، فَذَاكَ الَّذِي سَيَكُونُ سَعِيدًا فِي عَمَلِهِ» (يَعْقُوب 1: 25).
إِنَّ هَذِهِ الْحُرِّيَّةَ تَنْبُعُ، أَوَّلًا، مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ تُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِمَّا فِي الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ مِنْ رُسُومٍ طَقْسِيَّةٍ وَقَوَانِينِ خَارِجِيَّةٍ، كَانَتْ تَفْرِضُ الطَّاعَةَ مِنَ الْخَارِجِ، دُونَ أَنْ تُغَيِّرَ الْقَلْبَ. أَمَّا فِي الْإِنْجِيلِ، فَتُصْبِحُ الطَّاعَةُ نَتِيجَةَ عَمَلِ النِّعْمَةِ فِي الدَّاخِلِ، حَيْثُ يَمِيلُ الْمُؤْمِنُ تِلْقَائِيًّا إِلَى مَا يُرْضِي اللهَ. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يُوَصِي يَعْقُوبُ الرَّسُولُ: “تَكَلَّمُوا وَاعْمَلُوا مِثْلَ مَنْ سَيُدَانُ بِشَرِيعَةِ الْحُرِّيَّةِ” (يَعْقُوب 2: 12). وَيُعَلِّقُ القدّيس أُوغسطينوس عَلَى هَذَا الْبُعْدِ قَائِلًا: “أَحِبِبْ، وَافْعَلْ مَا تَشَاء؛ فَإِنْ صَمَتَّ فَاصْمُتْ بِمَحَبَّةٍ، وَإِنْ نَطَقْتَ فَانْطِقْ بِمَحَبَّةٍ، وَإِنْ أَصْلَحْتَ فَأَصْلِحْ بِمَحَبَّةٍ، وَإِنْ عَفَوْتَ فَاعْفُ بِمَحَبَّةٍ”. فَالْمَحَبَّةُ، فِي مَنْطِقِ الْإِنْجِيلِ، هِيَ قَانُونُ الْحُرِّيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ تُدْخِلُ الْمُؤْمِنَ فِي عَلَاقَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ اللهِ، إِذْ تَنْقُلُهُ مِنْ حَالَةِ الْعَبْدِ إِلَى حَالَةِ الصَّدِيقِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَقُولُ يسوع المسيح: “لا أَدْعُوكُمْ خَدَمًا بَعْدَ الْيَوْم، لِأَنَّ الْخَادِمَ لا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، فَقَدْ دَعَوْتُكُمْ أَحِبَّائِي، لِأَنِّي أَطْلَعْتُكُمْ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي” (يُوحَنَّا 15: 15). وَيُفَسِّرُ القدّيس يوحنّا الذَّهَبِيّ الفَم هَذِهِ الْعِبَارَةَ قَائِلًا: “إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَأْمُرُهُمْ كَعَبِيدٍ، بَلْ يُشَارِكُهُمْ أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ كَأَحِبَّاءَ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ أَسْمَى مِنَ الطَّاعَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْخَوْفِ”.
وَلَا تَقِفُ هَذِهِ الْحُرِّيَّةُ عِنْدَ حَدِّ الصَّدَاقَةِ، بَلْ تَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا فِي الْبُنُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ، حَيْثُ يَصِيرُ الْمُؤْمِنُ وَارِثًا مَعَ الْمَسِيحِ. وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ بولس الرسول قَائِلًا: “وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِكُمْ أَبْنَاءَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِنَا، الرُّوحَ الَّذِي يُنَادِي: أَبَّا، يَا أَبَتِ. فَلَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنٌ، وَإِذَا كُنْتَ ابْنًا فَأَنْتَ وَارِثٌ بِفَضْلِ اللهِ” (غَلاطِيَةَ 4: 6–7). وَيُعَلِّقُ القدّيس إيريناؤس عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ قَائِلًا: “مَجْدُ اللهِ هُوَ الإِنْسَانُ الْحَيّ، وَحَيَاةُ الإِنْسَانِ هِيَ مُعَايَنَةُ اللهِ”،
أَيْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَتَحَقَّقُ عِنْدَمَا يَحْيَا الإِنْسَانُ فِي شَرِكَةِ الْبُنُوَّةِ مَعَ اللهِ.
إِذًا، الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ هِيَ شَرِيعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهَا: تُحَرِّرُ مِنَ الْإِلْزَامِ الْخَارِجِيِّ، وَتُحَوِّلُ الطَّاعَةَ إِلَى فِعْلِ مَحَبَّةٍ، وَتَنْقُلُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى الصَّدَاقَةِ، وَمِنَ الصَّدَاقَةِ إِلَى بُنُوَّةٍ وَارِثَةٍ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ حُرِّيَّةَ الْإِنْجِيلِ لَا تُلْغِي الشَّرِيعَةَ، بَلْ تُكَمِّلُهَا فِي الْقَلْبِ، وَتَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَسْلُكُ فِي طَرِيقِ اللهِ بِفَرَحِ الأَبْنَاءِ، لَا بِخَوْفِ الْعَبِيدِ.
المميزة السَّادسِة: الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ شَرِيعَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ
إِنَّ جِدَّةَ الشَّرِيعَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ تَكْمُنُ فِي أَنَّهَا شَرِيعَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَلَمْ تَعُدْ مَكْتُوبَةً عَلَى أَلْوَاحٍ مِنْ حَجَرٍ، بَلْ مَحْفُورَةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِفِعْلِ الرُّوحِ، كَمَا يُعْلِنُ كِتَابُ الْعِبْرَانِيِّينَ: “إِنِّي أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا» (عِبْرَانِيِّينَ 8: 10). وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ الَّذِي يَمْنَحُ الْقُوَّةَ لِعَيْشِ هَذِهِ “الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ”، إِذْ يُعَلِّمُ:”مَنْ تَلَقَّى وَصَايَايَ وَحَفِظَهَا فَذَاكَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّهُ وَأُظْهِرُ لَهُ نَفْسِي” (يُوحَنَّا 14: 21). فَبِهَذَا، يُكَمِّلُ يَسُوعُ النَّامُوسَ فِينَا، لَا كَنَصٍّ خَارِجِيٍّ، بَلْ كَحَيَاةِ بِرٍّ تُعَاشُ. فَغَايَةُ الشَّرِيعَةِ لَيْسَتِ الإِلْزَامَ، بَلْ أَنْ نَحْيَا حَيَاةَ الْبِرِّ وَالشَّبَهِ بِاللهِ.
المميزة السَّابِعَة: الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ شَرِيعَةُ الْمَحَبَّةِ
أَكْمَلَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ الشَّرِيعَةَ كَمَالًا نِهَائِيًّا، لَا بِإِضَافَةِ أَحْكَامٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ بِكَشْفِ رُوحِهَا الْعَمِيقِ، أَيْ رُوحِ الْمَحَبَّةِ، فِي وَصِيَّتِهِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي تُشَكِّلُ قَلْبَ الإِنْجِيلِ: “أُعْطِيكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً: أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ، أَحِبُّوا أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (يُوحَنَّا 13: 34).
وَلِذَلِكَ تُدْعَى الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ بِحَقٍّ شَرِيعَةَ الْمَحَبَّةِ، لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْمُؤْمِنَ عَلَى الطَّاعَةِ بِدَافِعِ الْخَوْفِ، بَلْ تَدْعُوهُ إِلَى التَّصَرُّفِ بِفِعْلِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي يَبُثُّهَا الرُّوحُ الْقُدُسُ فِي الْقَلْبِ. فَالطَّاعَةُ، فِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ، لَا تَنْبُعُ مِنَ الرَّهْبَةِ مِنَ الْعِقَابِ، بَلْ مِنَ الْعَلَاقَةِ الْحَيَّةِ مَعَ اللهِ. وَيُؤَكِّدُ بولس الرسول هَذِهِ الْحَقِيقَةَ قَائِلًا: “لِأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدْ أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي وُهِبَ لَنَا” (رُومَةَ 5: 5). فَبِسَكْبِ رُوحِ الْمَحَبَّةِ فِينَا، يُمَكِّنُنَا اللهُ مِنْ أَنْ نُتِمَّمَ الشَّرِيعَةَ عَنْ حُبٍّ وَلَا عَنْ إِلْزَامٍ، وَأَنْ نَحْيَا الْوَصَايَا كَتَعْبِيرٍ عَنْ شَرِكَتِنَا مَعَهُ. وَهَكَذَا، تَتَلَخَّصُ الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ كُلُّهَا فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، الَّتِي تَحْمِلُ مِيزَانَ كُلِّ سُلُوكٍ مَسِيحِيٍّ: “أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ، أَحِبُّوا أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا (يُوحَنَّا 13: 34).
وَتَتَّضِحُ شَرِيعَةُ الْمَحَبَّةِ أَيْضًا فِي الْمَشُورَاتِ الإِنْجِيلِيَّةِ، الَّتِي لَا تُفْرَضُ فَرْضًا، بَلْ تُقَدَّمُ طَرِيقًا لِكَمَالِ الْمَحَبَّةِ. وَفِي هَذَا يَقُولُ توما الأكويني إِنَّ هَذِهِ الْمَشُورَاتِ “تَهْدِفُ إِلَى إِقْصَاءِ كُلِّ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيقَ نُمُوَّ الْمَحَبَّةِ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ”. وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْمَشُورَاتُ: الْعِفَّةَ فِي حَيَاةِ الْعُزُوبَةِ مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ، وَالْفَقْرَ، وَالطَّاعَةَ، وَهِيَ مَعْرُوضَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ دُعِيَ لِتَكْرِيسِ حَيَاتِهِ فِي سَبِيلِ كَمَالِ الْمَحَبَّةِ.
وَأَخِيرًا، تَتَلَخَّصُ شَرِيعَةُ الْمَلَكُوتِ فِي الْوَصِيَّةِ الْمُزْدَوِجَةِ: “أَحْبِبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَبِكُلِّ نَفْسِكَ، وَبِكُلِّ ذِهْنِكَ، وَبِكُلِّ قُوَّتِكَ… وَأَحْبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ” (مَرْقُس 12: 30–31). وَيُؤَكِّدُ بولس الرسول هَذَا الْمَعْنَى قَائِلًا: “لَا يَكُونَنَّ عَلَيْكُمْ لِأَحَدٍ دَيْنٌ إِلَّا مَحَبَّةُ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ… فَالْمَحَبَّةُ إِذًا كَمَالُ الشَّرِيعَةِ” (رُومَةَ 13: 8–10).
وَفِي عَلاقَاتِ الْبَشَرِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، تَتَجَسَّدُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ فِي الْقَاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ: “فَكُلُّ مَا أَرَدْتُمْ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ لَكُمْ، اِفْعَلُوهُ أَنْتُمْ لَهُمْ؛ هَذِهِ هِيَ الشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ” (مَتَّى 7: 12). وَيُوَضِّحُ يعقوب الرسول: “فَإِذَا عَمِلْتُمْ بِالشَّرِيعَةِ السَّامِيَةِ… أَحْبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ، تُحْسِنُونَ عَمَلًا” (يَعْقُوب 2: 8).
وَحِفْظُ الْوَصَايَا هُوَ العَلَامَةُ الْوَاضِحَةُ لِلْحُبِّ الْحَقِيقِيِّ، كَمَا أَكَّدَ يَسُوعُ: “مَنْ تَلَقَّى وَصَايَايَ وَحَفِظَهَا فَذَاكَ الَّذِي يُحِبُّنِي” (يُوحَنَّا 14: 21). وَهَكَذَا وُلِدَتْ شَرِيعَةٌ جَدِيدَةٌ تَرْتَبِطُ بِشَخْصِ يَسُوعَ ذَاتِهِ، شَرِيعَةُ الْمَحَبَّةِ، الَّتِي تَبْقَى مَدَى الدُّهُورِ قَاعِدَةَ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَمِعْيَارَ الشَّهَادَةِ لِلْمَلَكُوتِ فِي الْعَالَمِ.
الخُلاصَةُ
يُتَابِعُ يَسُوعُ عَلَى جَبَلِ التَّطْوِيبَاتِ أُولَى عِظَاتِهِ الكُبْرَى بِحَسَبِ إنجيل متّى (متى 5–7)، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الشَّرِيعَةَ المُوسَوِيَّةَ، بَلْ يُوصِلُهَا إِلَى ذُرْوَتِهَا. فَالعِظَةُ عَلَى الجَبَلِ لَيْسَتْ تَشْرِيعًا جَدِيدًا يُبْطِلُ مَا سَبَقَ، بَلْ إِعْلَانًا لِكَمَالِ مَقَاصِدِ اللهِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ هذَا المَنْهَجَ بِصَرَاحَةٍ: “مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ” (متى 5: 17). فَالكَمَالُ هُنَا هُوَ إِظْهَارُ الغَايَةِ الأَخِيرَةِ لِلشَّرِيعَةِ. لَا فِي تَكَاثُرِ الوَصَايَا، بَلْ فِي وَحْدَتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ فِي المَحَبَّةِ. وَيَرَى يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسِيحَ “لَمْ يَضَعْ شَرِيعَةً أُخْرَى، بَلْ رَفَعَ المُسْتَوَى إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ”. كَمَا يُشِيرُ أوغسطينوس إِلَى أَنَّ في العِظَةَ عَلَى الجَبَلِ يَتَجَلَّى كَمَالُ البِرِّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ البِرَّ الكِتَابِيَّ الشَّكْلِيَّ إِلَى بَرِّ القَلْبِ.
لَمْ يَأْتِ يَسُوعُ لِيُبْطِلَ الشَّرِيعَةَ أَوْ يَهْدِمَهَا، بَلْ لِيَبْنِيَ وَيُوَاصِلَ عَمَلَ اللهِ فِيهَا وَيُكَمِّلَهَا. فَالْبِرُّ الْقَدِيمُ، كَمَا كَانَ يُفْهَمُ فِي إِطَارِ الِالْتِزَامِ الْحَرْفِيِّ بِالْقَوَانِينِ وَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، لَمْ يَعُدْ كَافِيًا. لَا يَكْفِي الِالْتِزَامُ الظَّاهِرِيُّ، وَلَا الِاكْتِفَاءُ بِتَنْفِيذِ الْفَرَائِضِ، بَلْ يَدْعُونَا الْإِنْجِيلُ إِلَى طَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ لِلْحَيَاةِ، قِوَامُهَا الْقَلْبُ، وَالنِّيَّةُ، وَالْمَجَّانِيَّةُ، وَالْمَحَبَّةُ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُنَبِّهُ البابا فرنسيس إِلَى خَطَرِ تَحْوِيلِ الشَّرِيعَةِ إِلَى عِبْءٍ قَانُونِيٍّ، قَائِلًا: “خَلَاصُ اللهِ، فِي نَظَرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْكُتَبَةِ، هُوَ فِي كُومَةِ قَوَانِين. بَيْدَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هِيَ عَلَى الدَّوَامِ جَوَابٌ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ الْمَجَّانِيَّةِ؛ وَعِنْدَمَا نَنْسَى مَجَّانِيَّةَ الْخَلَاصِ نَسْقُطُ، وَنَفْقِدُ مِفْتَاحَ حِكْمَةِ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، وَنَفْقِدُ مَعْنَى قُرْبِ اللهِ” (تعليم بابوي، 19/10/2017).
إِنَّ الْعَهْدَ الْجَدِيدَ هُوَ الشَّاهِدُ الأَوْضَحُ عَلَى هَذَا التَّجْدِيدِ الْجِذْرِيِّ، تَجْدِيدٍ لَا يَقْطَعُ مَعَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، بَلْ يَتَمَسَّكُ بِجَوْهَرِهِ وَيُظْهِرُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ. فَالْعَهْدُ الْجَدِيدُ هُوَ فِي آنٍ وَاحِدٍ اسْتِمْرَارٌ وَإِكْمَالٌ، كَمَا يُعْلِنُ كِتَابُ الْعِبْرَانِيِّينَ:
“إِنَّ اللهَ، بَعْدَمَا كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي آخِرِ هَذِهِ الأَيَّامِ بِالِابْنِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ” (عِبْرَانِيِّينَ 1: 1–2).
لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَسِيحِيَّةَ لَا تُؤَسِّسُ دِينَا جَدِيدًا مَنْفَصِلًا عَمَّا سَبَقَهُ، بَلْ تُعْلِنُ كَلِمَةَ اللهِ النِّهَائِيَّةَ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَهُوَ لَيْسَ مُشَرِّعًا يُضِيفُ قَوَانِين، بَلْ الِابْنُ الَّذِي يَكْشِفُ إِرَادَةَ الآبِ، وَإِرَادَةُ الآبِ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَيْسَتْ “شَرِيعَةً” بِالْمَعْنَى الْقَانُونِيِّ، بَلْ مَطْلَبَ مَحَبَّةٍ. وَيُعَبِّرُ أَحَدُ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: “فِي صُلْبِ كُلِّ عَمَلٍ نِيَّةٌ دِينِيَّةٌ، وَفِي صُلْبِ كُلِّ عَمَلٍ دِينِيٍّ مَحَبَّةٌ، وَفِي صُلْبِ كُلِّ فِعْلِ مَحَبَّةٍ كَائِنٌ مُطْلَق”.
فَمَتَى شَعَرَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ مَحْبُوبٌ، وُلِدَ فِي دَاخِلِهِ مَطْلَبٌ بَاطِنِيٌّ لِلتَّشَبُّهِ بِمَنْ يُحِبُّهُ. وَهَكَذَا، يَدْعُونَا يَسُوعُ، نَحْنُ أَحِبَّاءَ اللهِ الآبِ، أَنْ نَحْيَا تَحْتَ نَظَرِ اللهِ، وَأَنْ نَدْخُلَ فِي عِلَاقَةِ الْبُنُوَّةِ مَعَ الآبِ، فَنُعْلِنَ أَوَّلِيَّةَ حُبِّ اللهِ الْخَلَاصِيِّ، لِيَأْتِيَ بَعْدَهُ كُلُّ الِالْتِزَامِ الأَخْلَاقِيِّ وَالدِّينِيِّ.
وَمِنْ هُنَا، يَتَغَيَّرُ مَنْظُورُنَا إِلَى الآخَرِ: فَنَنْظُرُ إِلَيْهِ بِنَظْرَةِ الآبِ نَفْسِهِ، وَنُحِبُّهُ بِالِاحْتِرَامِ ذَاتِهِ وَبِالرَّغْبَةِ ذَاتِهَا، فَنَسْلُكَ فِي طَرِيقِ الْكَمَالِ، كَمَا أَعْلَنَ يَسُوعُ: “كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ كَامِل” (مَتَّى 5: 48). وَبِهَذَا، تَتَجَلَّى الشَّرِيعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا كَنِيرٍ يُثْقِلُ الإِنْسَانَ، بَلْ كَطَرِيقِ حَيَاةٍ يُقَادُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ بِنِعْمَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، لِيَحْيَا حُرِّيَّةَ الأَبْنَاءِ، وَكَمَالَ الْمَحَبَّةِ، وَفَرَحَ الْمَلَكُوتِ.
دُعَاء
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ أَرْسَلْتَ ٱبْنَكَ ٱلْحَبِيبَ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ لِيُكْمِلَ ٱلشَّرِيعَةَ وَيَرْفَعَهَا إِلَى مَسْتَوَى ٱلْكَمَالِ ٱلْإِنْجِيلِيِّ، ٱمْنَحْنَا نِعْمَةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، لِنَقْرَأَ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ فِي ضَوْءِ يَسُوعَ، وَبِمَفْهُومِ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، فَنُطَابِقَ حَيَاتَنَا مَعَ مُتَطَلَّبَاتِ ٱلْإِنْجِيلِ بِٱلْمَحَبَّةِ وَٱلْحُرِّيَّةِ وَٱلْمَجَّانِيَّةِ، وَنُصْبِحَ أَبْنَاءَ ٱللهِ وَوَرَثَةَ ٱلْمَلَكُوتِ، وَشُهُودًا لَكَ فِي ٱلْعَالَمِ، لَا سِيَّمَا فِي مَحَبَّةِ ٱلْآخَرِ.