الأَحَدُ السَّادِسُ لِلْفِصْحِ: وَعْدُ المَسِيحِ بِالرُّوحِ القُدُسِ

الأَحَدُ السَّادِسُ لِلْفِصْحِ: وَعْدُ المَسِيحِ بِالرُّوحِ القُدُسِ (يوحنّا 14: 15-21)

أ. د. لويس حزبون

النص الإنجيلي: (يوحنا 14: 15-21)

15إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي. 16وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد 17رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه لأَنَّه لا يَراه ولا يَعرِفُه. أَمَّا أَنتُم فتَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم. 18لن أَدَعَكم يَتامى، فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم. 19بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون. 20إِنَّكم في ذلك اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم. 21مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي)).

المُقَدِّمَة

في خِطابِ الوَداعِ بَعدَ العَشاءِ الأَخيرِ، وَعَدَ سَيِّدُنا يَسوعُ المَسيحُ تَلاميذَهُ، في تِلكَ اللَّحظاتِ الحَزينةِ والمُظلِمَةِ والمَأساوِيَّةِ، أَنْ يَبقى حاضِرًا مَعَهُم رُغمَ رَحيلِهِ عَنْهُم. فَلَمْ يَتْرُكْهُم يَتامى، بَلْ وَعَدَهُم بِإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ، المُعَزّي، لِيَكونَ مَعَهُم وَفيهِم، تَهيِئَةً لِحُلولِهِ عَلَيهِم في يَومِ العَنْصَرَة.

ويُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكندريُّ إلى أَنَّ المَسيحَ، بِوَعدِهِ بِالرُّوحِ القُدُسِ، لَمْ يَكُنْ يُعزّي تَلاميذَهُ تَعزِيَةً عاطفيَّةً فَحَسب، بَلْ كانَ يُعِدُّهُم لِدُخولِ شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّة، إِذْ إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ رابِطُ الاتِّحادِ بَينَ المُؤمِنينَ والمَسيح (PG 74: 545-548). أَمَّا القِدِّيسُ أوغسطينوس فَيُؤَكِّدُ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ عَلامَةُ حُضورِ المَسيحِ المُستَمِرِّ في كَنيسَتِهِ، فَالمَسيحُ “رَحَلَ بِالجَسَدِ، لٰكِنَّهُ بَقِيَ بِالرُّوح”(PL 35: 1823.).

ويَرَى القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ يَسوعَ أَرادَ أَنْ يَرفَعَ قُلوبَ تَلاميذِهِ مِنَ الخَوفِ والاضطِرابِ إِلى الرَّجاءِ والثِّقَة، لِأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَيُعَلِّمُهُم كُلَّ شَيءٍ، وَيُثَبِّتُهُم في الحَقِّ وَالشَّهادَة (PG 59: 410-412). فَالرُّوحُ القُدُسُ لَيسَ بَديلًا عَنِ المَسيح، بَلْ هُوَ حُضورُ المَسيحِ الحَيِّ وَفاعِلِيَّتُهُ المُستَمِرَّةُ في كَنيسَتِهِ وَفي قُلوبِ المُؤمِنين.

ومِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذا البَحثِ في دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِ أَبعادهِ اللاهوتيَّةِ والرُّوحيَّةِ، ثُمَّ استِخلاصِ تَطبيقاتِهِ الرَّعويَّةِ في حَياةِ المُؤمِنِ والكَنيسَة، خُصوصًا أَنَّ زَمَنَ الكَنيسَةِ بَعدَ القِيامةِ هُوَ زَمَنُ الرُّوحِ القُدُسِ، الَّذي يَقودُ المُؤمِنينَ إِلى الحَقِّ الكامِل، وَيَجعَلُهُم شُهودًا لِلمَسيحِ القائِمِ في العالَم.

أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يوحنّا 14: 15-21)

15 “إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي”

تُشيرُ عِبارَةُ يَسوع: “إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي” إِلى أُسلوبِ الشَّرط، مِن خِلالِ أَداةِ الشَّرطِ “إِذا”، وهي لا تُعبِّرُ عن إكراهٍ بل عن دَعوةٍ حُرَّة. فالمسيحُ يَستَعمِلُ الحِوارِ مَعَ الإِنسان. والفعل ἀγαπᾶτε من ἀγαπάω يدلّ على محبّةٍ عهدٍ ثابتة، لا مجرّد عاطفة.  فَهُوَ لا يَفرِضُ مَحبَّتَهُ أَو وَصاياهُ بِالقُوَّة، بَلْ يَدعو الإِنسانَ بِحُرِّيَّةٍ إِلى الاِختيارِ وَالاِتِّباع. إِنَّ يَسوعَ يَحتَرِمُ حُرِّيَّةَ الإِنسانِ، وَيَجعَلُ المَحبَّةَ أَساسَ العَلاقَةِ مَعَه، لأَنَّ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لا تَقومُ عَلى الإِكراه، بَلْ عَلى القَبولِ الحُرِّ وَالاستِجابَةِ الصّادِقَة. وَمِن هُنا، فَإِنَّ كُلَّ يَومٍ يُصبِحُ دَعوةً جَديدَةً لِنُجَدِّدَ اخْتِيارَنا لِلمَسيح، وَأَنْ نُتَرجِمَ مَحبَّتَنا لَهُ في حِفظِ وَصاياهِ وَالسَّيرِ في طَريقِهِ. وَيُؤَكِّدُ اوغسطينوس أَنَّ “اللهَ الَّذي خَلَقَكَ بِدونِكَ، لا يُخَلِّصُكَ بِدونِكَ”(PL 38: 923)، أَي إِنَّهُ يَدعو الإِنسانَ لِيُشارِكَ بِحُرِّيَّتِهِ في الاِستِجابَةِ لِنِعمَتِهِ.

تُشيرُ عِبارَةُ “إِذا كُنتُم تُحِبُّوني “Ἐὰν ἀγαπᾶτέ με الى مَحبَّتَنا لِلمَسيحِ التي تُختَبَرُ بِحِفظِ الوَصايا وَطاعَتِها. إِنَّ طَريقَ المَحبَّةِ يَتَحَوَّلُ إِلى طاعَة، لأَنَّ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لا تَبقى مُجرَّدَ مَشاعِرَ أَو كَلِمات، بَلْ تَتَجَسَّدُ في الاِستِجابَةِ لِمَشيئَةِ مَن نُحِبّ. فَمَن يُحِبُّ المَسيحَ يَحفَظُ وَصاياه، وَيَسيرُ في طَريقِهِ بِحُرِّيَّةٍ وَثِقَة. وَهٰكَذا تُصبِحُ الطّاعَةُ لَيسَت فَرضًا خارِجِيًّا، بَلْ ثَمَرَةَ مَحبَّةٍ وَاتِّحادٍ بِالله. فَالمَحبَّةُ لا تَكونُ بِالكَلامِ وَالعَواطِفِ فَحَسب، بَلْ بِالعَمَلِ وَالحَقّ، كَما يُؤَكِّدُ الكِتابُ المُقَدَّس: “لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكَلامِ ولا بِاللِّسان، بَلْ بِالعَمَلِ وَالحَقّ” (1 يوحنّا 3: 18). وَيُعَلِّقُ القديس يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائلًا: “إِنَّ اللهَ لا يَطلُبُ مَحبَّةً بِالأَلفاظ، بَلْ مَحبَّةً تَظهَرُ بِالأَعمال” (PG 59: 410-412). وَهٰذا هُوَ السَّبَبُ الَّذي لأَجلِهِ يَقولُ يوحنّا في رِسالَتِهِ: “مَن قالَ: إِنّي أَعرِفُه ولَم يَحفَظْ وَصاياه كانَ كاذِبًا ولَم يَكُنِ الحَقُّ فيه” (1 يوحنّا 2: 4).

أمَّا عِبارَةُ “حَفِظتُم” τηρήσετε فَتَعني: يَحفَظ، يَصون، يَرعى، يَلتَزِم. وَمِن هُنا، فَإِنَّ الوَصيَّةَ لا تَظهَرُ كَقانونٍ خارِجِيٍّ يُفرَضُ عَلى الإِنسان، بَلْ كَوَديعَةٍ إِلٰهيَّةٍ تُحفَظُ في القَلبِ وَتُتَرجَمُ في السُّلوكِ وَالحَياة. فَالمَحبَّةُ الحَقيقيَّةُ لا تَبقى مُجرَّدَ عاطِفَةٍ أَو شُعور، بَلْ تَتَجَسَّدُ في العَمَلِ وَالطّاعَة. فَالطّاعَةُ هِيَ الثِّقَةُ بِكَلامِ الشَّخصِ الَّذي نُحِبُّه، وَهٰذِهِ الثِّقَةُ تَقودُ إِلى اتِّباعِهِ وَالسَّيرِ في طَريقِهِ. فَمَن يُحِبُّ يُطِعِ الوَصايا، لأَنَّ المَحبَّةَ وَالطّاعَةَ لا يَنفَصِلان. لِذٰلِكَ فَالطّاعَةُ، في إِنجيلِ يوحنا، لَيسَت أَبَدًا مَسأَلَةَ خُضوعٍ قَسريّ، بَلْ حُرِّيَّةَ مَنِ اكتَشَفَ أَنَّ طَريقَ يَسوعَ هُوَ طَريقُ الحَياة. وَيُؤَكِّدُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ “المَسيحَ لا يَطلُبُ مَحبَّةً بِالكَلام، بَلْ مَحبَّةً تُثبِتُ ذاتَها بِالأَعمال” (PG 59: 410-412). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَسكُبُ المَحبَّةَ في قُلوبِ المُؤمِنين، لِكَي يَقدِروا أَنْ يَحفَظوا الوَصايا وَيَعيشوا حَسَبَ مَشيئَةِ الله. فَالإِنسانُ بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ لا يَستَطيعُ أَنْ يُتِمَّ وَصايا اللهِ تَمامًا، لٰكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُجَدِّدُ القَلبَ وَيُعطيهِ قُوَّةَ الطّاعَةِ وَالمَحبَّة. وَهٰذا ما أَعلَنَهُ اللهُ عَلى لِسانِ النَّبيِّ حزقيال: “أَجعَلُ روحي في أَحشائِكُم، وَأَجعَلُكُم تَسيرونَ عَلى فَرائِضي وَتَحفَظونَ أَحكامي وَتَعمَلونَ بِها» (حزقيال 36: 27). فَالرُّوحُ القُدُسُ لا يَكتَفي بِتَعليمِ الوَصيَّة، بَلْ يَمنَحُ القُدرَةَ عَلى تَطبيقِها وَالعَيشِ بِها. وَيُعَلِّقُ باسيليوس الكبير قائِلًا: “بِالرُّوحِ القُدُسِ يُصبِحُ القَلبُ قادِرًا عَلى مُمارَسَةِ الفَضيلَةِ وَالسَّيرِ في وَصايا الله” (PG 32: 132-136).

أَمَّا عِبارَةُ “حَفِظتُم” τηρήσετε من τηρέω فتعني: يَحفَظ، يَصون، يَرعى، يَلتزم. إذًا، ليست الوصيّةُ هنا قانونًا خارجيًّا فقط، بل وديعةٌ تُحفَظُ في القلب وتُترجَمُ في السلوك.  فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لا تَبقى مُجرَّدَ عاطِفَةٍ أَو شُعور، بَلْ تَتَجَسَّدُ في العَمَلِ وَالطّاعَة. فَالطّاعَةُ هِيَ الثِّقَةُ بِكَلامِ الشَّخصِ الَّذي نُحِبُّه، وَهٰذِهِ الثِّقَةُ تَقودُ إِلى اتِّباعِهِ وَالسَّيرِ في طَريقِهِ. فَمَن يُحِبُّ يُطِعِ الوَصايا، لأَنَّ المَحبَّةَ وَالطّاعَةَ لا يَنفَصِلان. لِذٰلِكَ فَالطّاعَةُ، في إِنجيلِ انجيل يوحنا، لَيسَت أَبَدًا مَسأَلَةَ خُضوعٍ قَسريّ، بَلْ حُرِّيَّةَ مَنِ اكتَشَفَ أَنَّها الثَّمَرَةُ النّاضِجَةُ لِلمَحبَّةِ الَّتي نِلناها، وَالمَكانُ الَّذي تَتَجَلّى فيهِ حَياةُ يَسوعَ فينا. فَكُلَّما ثَبَتَ المُؤمِنُ في مَحبَّةِ المَسيح، أَصبَحَتِ الطّاعَةُ تَعبيرًا فَرِحًا عَنِ الشَّرِكَةِ مَعَه، لا عِبئًا يُفرَضُ مِنَ الخارِج. وَيُؤَكِّدُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ “المَسيحَ لا يَطلُبُ مَحبَّةً بِالكَلام، بَلْ مَحبَّةً تُثبِتُ ذاتَها بِالأَعمال”(PG 59: 410-412). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَسكُبُ المَحبَّةَ في قُلوبِ المُؤمِنين، لِكَي يَقدِروا أَنْ يَحفَظوا الوَصايا وَيَعيشوا حَسَبَ مَشيئَةِ الله. فَالإِنسانُ بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ لا يَستَطيعُ أَنْ يُتِمَّ وَصايا اللهِ تَمامًا، لٰكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُجَدِّدُ القَلبَ وَيُعطيهِ قُوَّةَ الطّاعَةِ وَالمَحبَّة. وَهٰذا ما أَعلَنَهُ اللهُ عَلى لِسانِ النَّبيِّ حزقيال: “أَجعَلُ روحي في أَحشائِكُم، وَأَجعَلُكُم تَسيرونَ عَلى فَرائِضي وَتَحفَظونَ أَحكامي وَتَعمَلونَ بِها” (حزقيال 36: 27). فَالرُّوحُ القُدُسُ لا يَكتَفي بِتَعليمِ الوَصيَّة، بَلْ يَمنَحُ القُدرَةَ عَلى تَطبيقِها وَالعَيشِ بِها. وَيُعَلِّقُ باسيليوس الكبير قائِلًا: “بِالرُّوحِ القُدُسِ يُصبِحُ القَلبُ قادِرًا عَلى مُمارَسَةِ الفَضيلَةِ وَالسَّيرِ في وَصايا الله” (PG 32: 132-136).

أَمَّا عِبارَةُ “وَصاياي” فَتُشيرُ إِلى الوَصايا الإِلٰهيَّةِ الَّتي أَعطاها اللهُ لِشَعبِهِ في العَهدِ القَديم، وَخاصَّةً الوَصايا العَشرَةَ (خروج 34: 28)، الَّتي تُدعَى أَيضًا “كَلِماتِ العَهد” (تثنية 29: 1). فَهِيَ مُوجَزٌ لِتَعاليمِ العَهدِ القَديمِ كُلِّها: الوَصايا الثَّلاثُ الأُولى تَختَصُّ بِواجِباتِ الإِنسانِ نَحوَ الله، وَالسَّبعُ الأَخيرَةُ بِواجِباتِهِ نَحوَ القَريب. لٰكِنَّ يَسوعَ لَم يَكتَفِ بِتَأكيدِ الوَصايا، بَلْ رَفَعَها إِلى كَمالِها، وَخَلَّصَها مِنَ التَّفسيراتِ الحَرفيَّةِ الضَّيِّقَة، وَجَعَلَ غايَتَها المَحبَّة. فَقَد لَخَّصَ النّاموسَ كُلَّهُ في وَصيَّةِ مَحبَّةِ اللهِ وَالقَريبِ (متّى 22: 37-40). وَيُؤَكِّدُ القديس اوغسطينوس أَنَّ “مَن يَملِكُ المَحبَّةَ يُتَمِّمُ النّاموسَ كُلَّه، لأَنَّ المَحبَّةَ هِيَ رُوحُ الوَصيَّة (PL 35: 2033-2035). وَقَد أَوضَحَ بولُسُ الرَّسولُ أَنَّ الإِيمانَ العامِلَ بِالمَحبَّةِ هُوَ تَكميلُ النّاموس: “في المَسيحِ يَسوعَ لا قِيمَةَ لِلخِتانِ ولا لِلقَلَف، وَإِنَّما القِيمَةُ لِلإِيمانِ العامِلِ بِالمَحبَّة” (غلاطية 5: 6). أَمَّا يوحنّا الإِنجيليُّ فَقَد وَسَّعَ مَعنى الوَصيَّةِ وَعَمَّقَها، وَدَمَغَها بِدِمغَةِ المَحبَّة، لِذٰلِكَ تَكَلَّمَ عَنِ الوَصيَّةِ الجَديدَة: “أُعطيكُم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا، كَما أَحبَبتُكُم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضًا بَعضُكُم بَعضًا” (يوحنّا 13: 34). وَمُوجَزُ القَولِ إِنَّ المَحبَّةَ هِيَ أَصلُ النّاموسِ وَتَمامُه، وَفيها يَجِدُ المُؤمِنُ مِعيارَ حَياتِهِ وَشَهادَتِهِ لِلمَسيحِ في العالَم. في هذه الآية تتجلّى لاهوتيًّا وحدةُ المَحبَّة والطّاعة: فالمحبّةُ ليست كلامًا، والطّاعةُ ليست عبوديّة، بل هي استجابةُ الحبيبِ للحبيب. لذلك يقول الذهبيُّ الفم إنّ المسيح لا يطلب محبّةً لفظيّة، بل محبّةً تظهر في الأعمال.

16 “وَأَنا سَأَسأَلُ الآبَ فَيَهَبُ لَكُم مُؤَيِّدًا آخَرَ يَكونُ مَعَكُم لِلأَبَد”

تُشيرُ عِبارَةُ “سَأَسأَلُ الآبَ” κἀγὼ ἐρωτήσω τὸν πατέρα, وهنا الفعل ἐρωτήσω من ἐρωτάω لا يعني هنا طلبَ المحتاجِ من القادر، بل طلبَ الابنِ المتّحدِ بالآب. إنّه فعلُ شفاعةٍ بنويّة، لا توسّلُ عبدٍ أمام سيّد. فالابنُ يسألُ الآبَ داخلَ وحدةِ الإرادةِ والمحبّة. وهنا يظهر البُعدُ الثالوثيّ: الابنُ يتكلّم، الآبُ يهب، والروحُ يُرسَل. وهذه هي النَّتيجَةِ الثَّانِيَةِ لِمَحبَّةِ التَّلاميذِ وَطاعَتِهِم، وَهِيَ شَفاعَةُ يَسوعَ لَدَى الآبِ مِن أَجلِهِم، لِيَهَبَهُم الرُّوحَ القُدُسَ الَّذي يُوَحِّدُهُم بِاللهِ وَيُثَبِّتُهُم في الشَّرِكَةِ الإِلٰهيَّة. فَالمَسيحُ القائِمُ مِن بَينِ الأَمواتِ لا يَزالُ يَشفَعُ في المُؤمِنين، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسول: “المَسيحُ يَسوعُ الَّذي مات، بَلْ قام، وَهُوَ الَّذي عَن يَمينِ اللهِ وَالَّذي يَشفَعُ لَنا” (رومة 8: 34). وَبِدَمِ المَسيحِ وَفِدائِهِ صارَ هُناكَ إِمكانِيَّةُ إِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ لِلإِنسان. وَهٰذا يُذَكِّرُنا بِرَئيسِ الكَهَنَةِ في العَهدِ القَديم، الَّذي كانَ بَعدَ أَنْ يُقَدِّمَ الذَّبيحَةَ يَدخُلُ بِدَمِها إِلى “قُدسِ الأَقداس” لِيَشفَعَ عَن شَعبِ العَهدِ القَديم. وَكانَ ذٰلِكَ رَمزًا إِلى ما فَعَلَهُ يَسوعُ المَسيحُ، رَئيسُ الكَهَنَةِ الأَعظَم، الَّذي دَخَلَ إِلى المَقْدِسِ السَّماويِّ بِدَمِهِ، لِيَفتَحَ لِلبَشَرِ طَريقَ المُصالَحَةِ وَنِعمَةَ الرُّوحِ القُدُس. وَيُؤَكِّدُ كيرلس الاسكندري أَنَّ شَفاعَةَ المَسيحِ لَيسَت تَوَسُّلًا مِن خادِمٍ أَمامَ سَيِّدِهِ، بَلْ هِيَ عَمَلُ الابنِ المُتَّحِدِ بِالآبِ، الَّذي يُريدُ أَنْ يَسكُبَ الحَياةَ الإِلٰهيَّةَ في المُؤمِنينَ بِالرُّوحِ القُدُس (PG 74: 549-552).

أَمَّا عِبارَةُ “فَيَهَبُ لَكُم” δώσει ὑμῖν (معناها “يَهب”، لا “يُعير” أو “يُرسِل مؤقّتًا”). فالروحُ القدسُ عطيةٌ ثابتة فَتُشيرُ إِلى الآبِ الَّذي يَمنَحُ الرُّوحَ القُدُسَ وَيُرسِلُهُ إِلى التَّلاميذ. وَلِأَنَّ مَجيءَ الرُّوحِ القُدُسِ يَرتَبِطُ بِمَوتِ المَسيحِ وَشَفاعَتِهِ وَقِيامَتِهِ، يَستَطيعُ يَسوعُ أَيضًا أَنْ يَقولَ إِنَّهُ هُوَ الَّذي يُرسِلُه: “مَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب، رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب، فَهُوَ يَشهَدُ لي” (يوحنّا 15: 26). وَمِن هُنا يُنسَبُ الرُّوحُ القُدُسُ إِلى الآبِ وَالابنِ مَعًا، لأَنَّهُما واحِدٌ في الجَوهرِ وَالعَمَلِ الخَلاصيّ. وَيُؤَكِّدُ كيرِلُّس الإِسكندري أَنَّ “الرُّوحَ القُدُسَ يَنبَثِقُ مِنَ الآب، وَيُعطى لِلعالَمِ بِوَاسِطَةِ الابن، لأَنَّ كُلَّ ما لِلآبِ هُوَ لِلابن”(PG 74: 620-624). إِنَّ هِبَةَ الرُّوحِ القُدُسِ هِيَ هِبَةُ المَسيحِ المَصلوبِ القائِمِ مِن بَينِ الأَموات. فَبِالفِصحِ، أَي بِالصَّليبِ وَالقِيامة، انْفَتَحَ لِلبَشَرِ بابُ الحَياةِ الجَديدَةِ، وَصارَ الرُّوحُ القُدُسُ عَطيَّةَ العَهدِ الجَديد. وَيُشيرُ أثناسيوس الرسولي إِلى أَنَّ “المَسيحَ بَقِيامَتِهِ لَم يَغلِبِ المَوتَ فَحَسب، بَلْ فَتَحَ أَيضًا الطَّريقَ لِسُكنى الرُّوحِ القُدُسِ في الإِنسان”(PG 26: 572-576). وَهٰذِهِ العَطيَّةُ هِيَ الَّتي تُمَيِّزُ حَياةَ الكَنيسَةِ في مَسيرَتِها عَبرَ التّاريخ، بَعدَ قِيامَةِ الرَّبِّ، بِحَسَبِ لاهوتِ الرسول يوحنا الانجيلي. فَالكَنيسَةُ لا تَعيشُ بِذِكرى المَسيحِ فَحَسب، بَلْ بِحُضورِهِ الحَيِّ وَالفَعّالِ مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُس، الَّذي يُقَدِّسُها وَيُوَحِّدُها وَيَقودُها إِلى الحَقِّ الكامِل. وَيُعَلِّقُ باسيليوس الكبير قائِلًا: “بِالرُّوحِ القُدُسِ تُصبِحُ الكَنيسَةُ جَسَدَ المَسيحِ الحَيّ، وَبِهِ تَستمِرُّ الحَياةُ الإِلٰهيَّةُ في العالَم” (PG 32: 136-140).

أَمَّا عِبارَةُ “مُؤَيِّدًا آخَرَ” ἄλλον παράκλητον فكلمة ἄλλον، أي “آخَر”، فهي تعني آخر من النوع عينه، لا بديلًا غريبًا عن المسيح.  فَتُشيرُ إِلى الرُّوحِ القُدُس، عَلَمًا أَنَّ المُؤَيِّدَ الأَوَّلَ هُوَ يَسوعُ المَسيحُ نَفسُه، الَّذي كانَ مَعَ تَلاميذِهِ بِالجَسَد، يُعَلِّمُهُم وَيُعَزِّيهِم وَيَدافِعُ عَنهُم. لذلك يكون المسيحُ هو “الباراقليط” الأوّل، كَما وَرَدَ في رِسالَةِ يوحنّا الأُولى: “يا بَنِيَّ، أَكتُبُ إِلَيكُم بِهٰذا لِئَلّا تُخطِئوا. وَإِن خَطِئَ أَحَدٌ فَهُناكَ شَفيعٌ (παράκλητος) لَنا عِندَ الآب، وَهُوَ يَسوعُ المَسيحُ البارّ” (1 يوحنّا 2: 1). وَفي النَّصِّ اليُونانيّ، إِنَّ المُصطَلَحَ المُتَرجَمَ هُنا بِـ«شَفيع» هُوَ نَفسُهُ المُتَرجَمُ بِـ«مُؤَيِّد» في نَصِّ الإِنجيل،

وَيَحمِلُ اللَّفظُ “مُؤَيِّدًا” παράκλητος (تعني حرفيًّا: “المَدعوّ إلى جانب شخص”. وفي المجال القانوني تعني: المحامي، المدافع، الشفيع؛ وفي المجال الروحي تعني: المعزّي، المؤيّد، وَالمُدافِعِ، وَالشَّفيعِ وَالمُشَجِّع لذلك لا يأتي الروحُ القدس ليقدّم وحيًا جديدًا منفصلًا عن المسيح، بل ليجعل المسيحَ حاضرًا وفاعلًا في الكنيسة.  فَيَسوعُ هُوَ “الباراقليط” الأَوَّلُ الَّذي دافَعَ عَنِ الإِنسانِ وَفَداهُ بِذَبيحَتِهِ، أَمَّا الرُّوحُ القُدُسُ فَهُوَ “الباراقليط” الآخَرُ الَّذي يُواصِلُ حُضورَ المَسيحِ وَعَمَلَهُ في الكَنيسَة. وَقَد أَشارَ البابا فرنسيس إِلى هٰذا المَعنى قائِلًا: “إِنَّ الباراقليطَ الأَوَّلَ هُوَ يَسوعُ المَسيحُ نَفسُه، وَالآخَرُ هُوَ الرُّوحُ القُدُس”(عظة، 25 أيار 2014). إِنَّ رِسالَةَ الرُّوحِ القُدُسِ لَيسَت تَقديمَ وَحيٍ جَديدٍ أَو إِضافَةَ شَيءٍ إِلى تَجَلِّي اللهِ الَّذي اكتَمَلَ في يَسوعَ المَسيحِ، بَلْ جَعلَ هٰذا التَّجَلّي حَيًّا وَفاعِلًا في كُلِّ لَحظَةٍ مِن حَياةِ الكَنيسَة. فَالرُّوحُ القُدُسُ لا يَتَكَلَّمُ مِن عِندِهِ، بَلْ “يَأخُذُ مِمَّا لي وَيُخبِرُكُم بِهِ (يوحنّا 16: 14). وَيُؤَكِّدُ باسيليوس الكبير َنَّ “الرُّوحَ القُدُسَ لا يَفصِلُنا عَنِ المَسيح، بَلْ يَجعَلُنا أَكثَرَ اتِّحادًا بِهِ وَشَرِكَةً في حَياتِهِ (PG 32: 156-160). إِنَّ الشَّيطانَ يُتَّهِمُ الإِنسانَ وَيَجعَلُ خَطيئَتَهُ في المَركَز، وَيُعامِلُهُ كَمُذنِبٍ عاجِزٍ عَن سَدادِ دَينِهِ. أَمَّا يَسوعُ المَسيحُ، المُؤَيِّدُ وَالشَّفيع، فَقَدِ اجتازَ المَوتَ مِن أَجلِ خَطايا الإِنسان، وَفَداهُ بِذاتِهِ لِيَغفِرَ لَهُ وَيُصالِحَهُ مَعَ الآب. وَمِن هُنا يَأتي دَورُ الرُّوحِ القُدُسِ كَمُعَزٍّ وَمُدافِعٍ وَمُشَجِّعٍ لِلمُؤمِنين، يُثَبِّتُهُم في الإِيمانِ وَيُقَوِّيهِم في وَسَطِ الضِّيقات. وَيُوضِّحُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم “أَنَّ المَسيحَ، في وَعدِهِ بِإِرسالِ “المُعَزّي”، لَم يَترُكْ تَلاميذَهُ غارِقينَ في الحُزنِ وَالخَوف، بَلْ هَيَّأَهُم لِقَبولِ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُثَبِّتُهُم في الإِيمانِ وَيُحَوِّلُ ضَعفَهُم وَخَوفَهُم إِلى جُرأَةٍ رَسوليَّةٍ وَشَهادَةٍ حَيَّة. كَما يُبَيِّنُ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَأتي لِيُقَدِّمَ تَعليمًا جَديدًا مُنفَصِلًا عَنِ المَسيح، بَلْ لِيَكشِفَ عُمقَ تَعليمِهِ وَيَجعَلَ حُضورَهُ حَيًّا وَفاعِلًا في الكَنيسَة، حَيثُ يُواصِلُ المَسيحُ عَمَلَهُ الخَلاصيَّ مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُس”(PG 59: 410-414).

أَمَّا عِبارَةُ “يَكونُ مَعَكُم لِلأَبَد” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ مَوهِبَةَ الرُّوحِ القُدُسِ تُعطى بِلا حَدٍّ زَمنيّ، وَتَضمَنُ الاِتِّحادَ الدّائِمَ بِالمَسيح. فَالرُّوحُ القُدُسُ يَبقى مَعَ كُلِّ مُؤمِنٍ إِلى نِهايَةِ حَياتِهِ، وَمَعَ الكَنيسَةِ إِلى الأَبَد. وَيُؤَكِّدُ باسيليوس الكبير أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ “لا يَفارقُ الكَنيسَة، لأَنَّهُ نَفَسُ الحَياةِ فيها وَعَلامَةُ حُضورِ اللهِ الدّائِم”(PG 32: 136-140). وَنُلاحِظُ في هٰذِهِ الآيَةِ إِعلانًا واضِحًا لِسِرِّ الثّالوثِ الأَقدَس: الاِبنُ الَّذي يَسأَل، وَالآبُ الَّذي يَهَب، وَالرُّوحُ القُدُسُ المُرسَلُ المُعَزّي.

17 “رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه، لأَنَّه لا يَراهُ ولا يَعرِفُه. أَمَّا أَنتُم فَتَعلَمونَ أَنَّه يُقيمُ عِندَكُم وَيَكونُ فيكُم”

تُشيرُ عِبارَةُ “رُوحَ الحَقِّ“, τὸ πνεῦμα τῆς ἀληθείας إِلى الرُّوحِ القُدُس، الأُقنومِ الثَّالِثِ مِنَ الثّالوثِ الأَقدَس، الَّذي يَهَبُهُ الآبُ لِلمُؤمِنين. فكلمة πνεῦμα تعني “الرُّوح”، وتدلّ في الكتاب المقدّس على نَفَسِ الله وحضوره الخلّاق والمقدِّس. أمّا ἀλήθεια، أي “الحقيقة”، فلا تعني فكرةً مجرّدة، بل الحقّ الإلهي المُعلَن في المسيح. فالمسيح قال: “أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة”؛ لذلك “روح الحق” هو الروح الذي يقود إلى المسيح، ويكشف عمق سره، ويحفظ الكنيسة من روح الضلال. وَقَد سُمِّيَ “رُوحَ الحَقِّ” لأَنَّ “الرُّوحَ هُوَ الحَقّ” (1 يوحنّا 5: 6)، وَلأَنَّهُ يُعَلِّمُ التَّلاميذَ الحَقَّ وَيُرشِدُهُم إِلَيهِ وَيَحفَظُهُم مِنَ الباطِل. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ ذٰلِكَ قائِلًا: “فَمَتى جاءَ هُوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدَكُم إِلى الحَقِّ كُلِّه، لأَنَّهُ لَن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِما يَسمَع” (يوحنّا 16: 13). إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقودُ النّاسَ إِلى المَسيحِ الَّذي هُوَ الحَقّ، وَيَشهَدُ لَهُ، وَيَجذِبُ النُّفوسَ لِقَبولِ إِنجيلِهِ وَالدُّخولِ في أَسرارِهِ. وَهُوَ يُساعِدُ التَّلاميذَ عَلى التَّقَدُّمِ في المَعرِفَةِ وَالشَّهادَةِ، كَما قالَ يَسوع: “وَأَنتُم أَيضًا تَشهَدونَ لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدءِ” (يوحنّا 15: 27). وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الأُورُشليمي قائلًا: “الرُّوحُ القُدُسُ يُنيرُ العَقلَ لِكَي يَعرِفَ الإِنسانُ المَسيحَ الحَقّ، فَبِغَيرِ الرُّوحِ لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يُدرِكَ أَسرارَ الله (PG 33: 933-940). وَرُوحُ الحَقِّ يَتَعارَضُ مَعَ “رُوحِ الضَّلال” (1 يوحنّا 4: 6)، وَمَعَ الكَذِبِ المُسَيطِرِ عَلى العالَم، الَّذي “لَيسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحَقّ، فَإِذا تَكَلَّمَ بِالكَذِبِ تَكَلَّمَ بِما عِندَه، لأَنَّهُ كَذّابٌ وَأَبو الكَذِب” (يوحنّا 8: 44). وَكَما أَنَّ الرُّوحَ هُوَ الحَقّ، كَذٰلِكَ الآبُ هُوَ الإِلٰهُ الحَقّ: “وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَن يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ” (يوحنّا 17: 3)، وَالمَسيحُ أَيضًا هُوَ الحَقّ: “أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة”(يوحنّا 14: 6). فَالحَقُّ الإِلٰهيُّ يَتَجَلّى في الثّالوثِ الأَقدَس: الآبِ الحَقِّ، وَالابنِ الحَقِّ، وَالرُّوحِ رُوحِ الحَقّ.

أَمَّا عِبارَةُ “لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه” ὁ κόσμος οὐ δύναται λαβεῖν فَتُشيرُ إِلى رَفضِ العالَمِ لِلرُّوحِ القُدُس، كَما رَفَضَ يَسوعَ المَسيحَ مِن قَبلُ (يوحنّا 1: 10). وَالسَّبَبُ أَنَّ العالَمَ لا يَملِكُ نَظرَةَ الإِيمانِ، وَلا يُقَدِّرُ الأُمورَ الإِلٰهيَّة، بَلْ يَعيشُ في شَهَواتِ الجَسَدِ وَكِبرياءِ الغِنى: “لأَنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مِن شَهوَةِ الجَسَدِ وَشَهوَةِ العَينِ وَكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآب، بَلْ مِنَ العالَم” (1 يوحنّا 2: 16). إِنَّ العالَمَ لا يُدرِكُ سِوى المَحسوسات، والروح غير مرئي كَما يُعَلِّمُ بولُسُ الرَّسول: “أَعْمى بَصائِرَهُم إِلهُ هٰذِهِ الدُّنيا، لِئَلّا يُبصِروا نورَ بِشارَةِ مَجدِ المَسيح” (2 قورنتس 4: 4). فَالعالَمُ مُصابٌ بِالعَمى الرُّوحيِّ وَفَسادِ الفِكر، وَلِذٰلِكَ لا يَقدِرُ أَنْ يَرى رُوحَ الحَقِّ أَو يَعرِفَه. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قائلًا: “إِنَّ الحُبّ َ الزَّمنيَّ لا يَملِكُ تِلكَ العُيونَ غَيرَ المَنظورَة، لأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يُرى إِلَّا بِعُيونِ الإِيمان (PL 35: 1824).

أَمَّا عِبارَةُ “العالَم” κόσμος في يوحنّا لا تعني الخليقةَ كعملٍ صالحٍ لله فقط، بل كثيرًا ما تعني العالمَ المنغلقَ على ذاته، الرافضَ للنور.  العالم تعني أَهلِ العالَمِ المُتكبِّرينَ الطَّمّاعينَ، الَّذينَ اتَّخَذوا الدُّنيا نَصيبًا لَهُم. فَهٰؤُلاءِ لا يَستَطيعونَ قَبولَ الرُّوحِ القُدُسِ مُعَزِّيًا لَهُم، كَما يُوضِحُ بولُسُ الرَّسول: “الإِنسانُ البَشَرِيُّ لا يَقبَلُ ما هُوَ مِن رُوحِ الله، فَإِنَّهُ حَماقَةٌ عِندَه، وَلا يَستَطيعُ أَنْ يَعرِفَه، لأَنَّهُ لا حُكمَ في ذٰلِكَ إِلَّا بِالرُّوح” (1 قورنتس 2: 14).

وَالفِعلُ “لا يَستَطيعُ” οὐ\δύναται لا يُشيرُ إِلى عَجزٍ جَسَدِيٍّ أَو نَقصٍ في القُدرَةِ البَشَرِيَّة، بَلْ إِلى عَجزٍ رُوحيٍّ وَداخِلِيّ. فَالعالَمُ لا يَستَطيعُ أَنْ يَتَلَقّى الرُّوحَ القُدُس، لأَنَّهُ لا يَعيشُ في مَنطِقِ الإِيمان، بَلْ في مَنطِقِ الاِكتِفاءِ بِالمَحسوسِ وَالمَرئيّ. إِنَّهُ يَرى بِعَينِ الجَسَدِ، لٰكِنَّهُ لا يُمَيِّزُ بِبَصيرَةِ القَلبِ الأُمورَ غَيرَ المَنظورَة. وَمِن هُنا، فَإِنَّ رَفضَ العالَمِ لِلرُّوحِ القُدُسِ لَيسَ ناتِجًا عَن غِيابِ الرُّوح، بَلْ عَن انغِلاقِ الإِنسانِ عَن نُورِ الله. وَيُؤَكِّدُ اوغسطينوس أَنَّ “العُيونَ الجَسَدِيَّةَ تَرى المَرئيّات، أَمَّا الرُّوحُ القُدُسُ فلا يُدرَكُ إِلَّا بِعَينِ الإِيمان”(PL 35: 1824-1825).

أَمَّا عِبارَةُ “لأَنَّهُ لا يَراه” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ إِنسانَ العالَمِ لا يَرى سِوى المَحسوس، وَلا يَسُرُّ بِالرُّوحِيّات، وَلا يَشعُرُ بِحَقيقَتِها، بَلْ يَعتَبِرُ المُؤمِنينَ أَهلَ أَوهامٍ لأَنَّهُم يَتَكَلَّمونَ عَن أُمورٍ لا تُرى إِلَّا بِعَينِ الإِيمان.

وَأَمَّا عِبارَةُ “وَلا يَعرِفُه” فَتُشيرُ إِلى عَدَمِ إِدراكِ إِنسانِ العالَمِ لِلرُّوحِ القُدُس، لأَنَّهُ لا يَقبَلُهُ لِكَي يَنالَ بِهِ التَّوبَةَ وَالإِيمانَ وَالرَّجاءَ وَالمَحبَّة.

أَمَّا عِبارَةُ “أَمَّا أَنتُم فَتَعلَمون” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ التَّلاميذَ يَعرِفونَ الرُّوحَ القُدُس، لأَنَّ المَسيحَ أَعَدَّهُم لِذٰلِكَ. وَهٰكَذا كُلُّ مُؤمِنٍ يَعرِفُ الابنَ يَعرِفُ الرُّوحَ أَيضًا. وَيُشيرُ كاتِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيِّينَ إِلى هٰذِهِ البَصيرَةِ الرُّوحيَّةِ قائِلًا: “رُوِّضَت بَصائِرُهُم عَلَى التَّمييزِ بَينَ الخَيرِ وَالشَّرّ” (عبرانيين 5: 14). وَيُؤَكِّدُ باسيليوس الكبير أَنَّ “الرُّوحَ القُدُسَ يَمنَحُ النَّفسَ عَينًا جَديدَةً تُبصِرُ بِها نُورَ الحَقّ” (PG 32: 108-109).

أَمَّا عِبارَةُ “يُقيمُ عِندَكُم وَيَكونُ فيكُم” παρ’ ὑμῖν μένει καὶ ἐν ὑμῖν ἔσται فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المُؤمِنينَ يُصبِحونَ هَيكَلًا لِلرُّوحِ القُدُس، الَّذي يُغَيِّرُ قُلوبَهُم وَيُقَدِّسُها وَيُمَكِّنُها مِن حَملِ الثِّمارِ الرُّوحيَّة. “فَمَن حَفِظَ وَصاياه أَقامَ في اللهِ وَأَقامَ اللهُ فيه، وَإِنَّما نَعلَمُ أَنَّهُ مُقيمٌ فينا مِنَ الرُّوحِ الَّذي وَهَبَهُ لَنا” (1 يوحنّا 3: 24). وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النيصصي قائلًا: “حينَ يَسكُنُ الرُّوحُ القُدُسُ في الإِنسانِ، يَجعَلُ القَلبَ هَيكَلًا لِحُضورِ الله، وَيُحَوِّلُهُ إِلى صُورَةِ المَسيح (PG 45: 1325-1328).

عِبارة “يُقيمُ ” μένει من μένω هو من أهمّ أفعال يوحنّا، ويعني: يثبت، يمكث، يقيم. إنّه فعلُ الشركة والثبات. أمّا الانتقال من παρ’ ὑμῖν، أي “عندكم”، إلى ἐν ὑμῖν، أي “فيكم”، فيكشف انتقالًا لاهوتيًا عميقًا: الروح لا يكون فقط رفيقًا خارجيًا، بل ساكنًا داخليًا في المؤمنين. هنا يتحقّق وعد العهد الجديد: “أَجعَلُ روحي في أَحشائِكم” (حزقيال 36: 27).

18″لَنْ أَدَعَكُم يَتامى، فَإِنِّي أَرجِعُ إِلَيكُم”

تُشيرُ عِبارَةُ “لَنْ أَدَعَكُم يَتامى” οὐκ ἀφήσω ὑμᾶς ὀρφανούς إِلى النَّتيجَةِ الثَّالِثَةِ الَّتي تُمنَحُ لِلَّذينَ يُحِبّونَ الرَّبَّ يَسوعَ وَيَحفَظونَ وَصاياه. فَالمَسيحُ لا يَترُكُ تَلاميذَهُ في وَحدَتِهِم وَضَعفِهِم، بَلْ يَهَبُهُم حَياتَهُ وَيُدخِلُهُم في العَلاقَةِ البُنُوِيَّةِ ذاتِها الَّتي تَجمَعُهُ بِالآب. وَهٰكَذا يَنتَقِلُ المُؤمِنونَ مِن حالَةِ اليُتمِ الرُّوحيِّ إِلى شَرِكَةِ البُنوَّةِ الإِلٰهيَّة. وَيُعَزِّي يَسوعُ تَلاميذَهُ هُنا بِأَلّا يَترُكَهُم يَتامى، أَي كَمَن لا أَبَ لَهُم يُسندُهُم وَيَحميهِم وَيَعتَني بِهِم. وَكانَ اليَهودُ يَدعُونَ المُعَلِّمينَ “آباءً”، وَالتَّلاميذَ “َبناءً”، لِذٰلِكَ فَإِنَّ غِيابَ المَسيحِ عَن تَلاميذِهِ كانَ يُمكِنُ أَنْ يَجعَلَهُم يَشعُرونَ بِأَنَّهُم مَتروكونَ كَالأَيتام. غَيرَ أَنَّ يَسوعَ يُؤَكِّدُ لَهُم أَنَّ غِيابَهُ الجَسَدِيَّ لَن يَعني انقِطاعَ حُضورِهِ وَمَحبَّتِهِ. وَيُعَلِّقُ الباب فرنسيس قائِلًا: “تَنقُلُ هٰذِهِ الكَلِماتُ فَرَحَ مَجيءٍ جَديدٍ لِلمَسيح: فَهُوَ، قائِمًا مِن بَينِ الأَمواتِ وَمُمَجَّدًا، يُقيمُ في الآبِ وَفي الوَقتِ نَفسِهِ يَأتي إِلَينا بِالرُّوحِ القُدُس”(كلمة في صلاة «افرحي يا ملكة السماء»، 21 أيار 2017).

قوله “ يَتامى ” ὀρφανούς تعني بلا أب، بلا معلّم، بلا سند. يسوع هنا لا يقدّم تعزيةً نفسيّة فحسب، بل وعدًا كنسيًا وخلاصيًا: بعد صعوده لن تُترَك الجماعة بلا حضور إلهي، لأنّ الروح سيجعل المسيحَ حاضرًا فيها. فالكنيسة لا تعيش على ذكرى يسوع الغائب، بل على حضور المسيح القائم بالروح.

أَمَّا عِبارَةُ “فَإِنِّي أَرجِعُ إِلَيكُم” فَتُشيرُ إِلى وَعدِ يَسوعَ لِتَلاميذِهِ بِظُهورِهِ لَهُم بَعدَ القِيامة، تَأكيدًا لِحَياتِهِ الغالِبَةِ لِلمَوتِ وَلوَحدَتِهِ الجَوهَرِيَّةِ مَعَ الآب. وَلا يَقتَصِرُ هٰذا “الرُّجوع” عَلى ظُهوراتِهِ الفِصحيَّة، بَلْ يَشمَلُ أَيضًا مَجيئَهُ المُستَمِرَّ بِالرُّوحِ القُدُسِ، وَكَذٰلِكَ مَجيئَهُ الأَخيرَ في المَجدِ لِيَحمِلَ المُؤمِنينَ إِلى شَرِكَةِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة. إِنَّ المَسيحَ يَأتي إِلَينا عَلى الدَّوامِ بِرُوحِهِ الحاضِرِ في قُلوبِنا وَفي وَسَطِ كَنيسَتِهِ. وَهُوَ يَقتَرِبُ خُصوصًا حِينَ يَصرُخُ المُؤمِنون: “تَعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع” (رؤيا 22: 20). وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ المَسيحَ “رَحَلَ عَنَّا بِالجَسَد، لٰكِنَّهُ لَم يَبتَعِد عَنّا بِلاهوتِهِ، بَلْ بَقِيَ حاضِرًا في قُلوبِ المُؤمِنين” (PL 35: 1825). وَفي الواقِع، لَولا عَطيَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ لَبَقِيَ الإِنسانُ وَحيدًا في العالَم. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ إِنَّهُ لَنْ يَدَعَ تَلاميذَهُ يَتامى، لأَنَّهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ يَصيرُ المُؤمِنونَ أَبناءَ الله، وَيُصبِحُ اللهُ آبًا لَهُم. وَيُشِيرُ القديس باسيليوس الكبير إِلى أَنَّ “الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ خَتْمُ البُنُوَّةِ الإِلٰهيَّة، فَبِهِ نَصرُخ: يا أَبّا، أَيُّها الآب “(PG 32: 132-133). فَالآبُ شاءَ وَيَشاءُ الخَلاص، وَالابنُ تَمَّمَ وَيُتَمِّمُ عَمَلَ الفِداء، أَمَّا الرُّوحُ القُدُسُ فَلا يَزالُ يُكَمِّلُ مَشيئَةَ الآبِ وَعَمَلَ الابنِ في المُؤمِنين. إِنَّهُ “المُعَزّي” الَّذي يُحَقِّقُ استِمراريَّةَ حُضورِ المَسيحِ في حَياةِ الكَنيسَة، فَيُوقِنُ التَّلاميذُ أَنَّهُم لَيسوا يَتامى في العالَم، بَلْ يَحيَونَ بِالرُّوحِ بَعدَ ارتِفاعِ الابنِ إِلى يَمينِ الآب. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النزينزي قائلًا: “إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَجعَلُ غِيابَ المَسيحِ الجَسَدِيِّ حُضورًا أَعمَقَ وَأَغنَى في قُلوبِ المُؤمِنين” (PG 36: 161-164).

19 “بَعدَ قَليلٍ لَنْ يَراني العالَم، أَمَّا أَنتُم فَسَتَرَونَني، لِأَنِّي حَيٌّ وَلأَنَّكُم أَنتُم أَيضًا سَتَحيَون”

تُشيرُ عِبارَةُ “بَعدَ قَليلٍ” إِلى مُدَّةٍ زَمَنِيَّةٍ قَصيرَة، لأَنَّ يَسوعَ قالَ هٰذا الكَلامَ في اللَّيلَةِ السّابِقَةِ لِآلامِهِ وَمَوتِهِ. فَبَعدَ ساعَاتٍ قَليلَةٍ سَيُوقَفُ وَيُصلَبُ وَيُدفَن، وَبِذٰلِكَ يَختَفي عَن أَنظارِ العالَم. وَيُعَلِّقُ كيرلس الاسكندري أَنَّ المَسيحَ يُهَيِّئُ تَلاميذَهُ لِعُبورِهِ مِنَ الحُضورِ المَنظورِ إِلى الحُضورِ الفِصحيِّ المُمَجَّد، حَتّى لا يَسقُطوا في اليَأسِ عِندَ مَشاهَدَةِ آلامِهِ (PG 74: 556-560).

أَمَّا عِبارَةُ “لَنْ يَراني العالَم” فَتُشيرُ إِلى عَجزِ العالَمِ عَن مَعرِفَةِ يَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ (يوحنّا 6: 36؛ 8: 21). فَبَعدَ أَنْ يُصلَبَ يَسوعُ وَيَموتَ، لا يَعودُ العالَمُ يَراهُ، لا بِحَسَبِ جَسَدِهِ وَلا بِحَسَبِ لاهوتِهِ، لأَنَّ العالَمَ الرّافِضَ لِلإِيمانِ يَبقى غَيرَ قادِرٍ عَلى إِدراكِ سِرِّ القِيامة. وَالعَلاقَةُ بَينَ يَسوعَ وَالآبِ تَبقى غَيرَ مَرئيَّةٍ لِمَن لا يُؤمِنُ وَلا يُحِبّ. وَيُؤَكِّدُ القديس اوغسطينوس أَنَّ “العالَمَ يَرَى الجَسَدَ، أَمَّا الإِيمانُ فَيُدرِكُ اللاهوت؛ لِذٰلِكَ حُجِبَ المَسيحُ عَن عُيونِ غَيرِ المُؤمِنين” (PL 35: 1830-1831).

أَمَّا عِبارَةُ “أَمَّا أَنتُم فَسَتَرَونَني” فَتُشيرُ إِلى اختِبارِ التَّلاميذِ حُضورَ يَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ خِلالَ الأَربَعينَ يَومًا بَعدَ القِيامة (أعمال الرُّسل 10: 41)، وَكَذٰلِكَ إِلى كُلِّ الَّذينَ سَيُؤمِنونَ بِناءً عَلى شَهادَتِهِم. وَهٰذِهِ الرُّؤيَةُ لا تَقتَصِرُ عَلى مُشاهَدَةٍ حِسِّيَّة، بَلْ تَحمِلُ بُعدًا رُوحيًّا عَميقًا، إِذ يَكتَشِفُ التَّلاميذُ حُضورَ المَسيحِ في داخِلِهِم وَشَرِكَتَهُم في حَياتِهِ الجَديدَة. وَيُشيرُ غريغوريوس الكبير إِلى أَنَّ “العُيونَ الجَسَدِيَّةَ رَأَتِ المَسيحَ القائِم، أَمَّا عُيونُ القَلبِ فَأَدرَكَت مَجدَهُ الإِلٰهيّ” (PL 76: 1214-1216). وَهٰذِهِ المَعرِفَةُ وَالمُشارَكَةُ في حَياةِ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ تُمهِّدانِ لِما سَيَتِمُّ عِندَ مَجيءِ المَسيحِ في المَجد، كَما يَقولُ يوحنّا الرَّسول: “نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِهِ أَشباهَه، لأَنَّنا سَنَراهُ كَما هُو” (1 يوحنّا 3: 2). وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: “إِنَّ المَسيحَ أَبلَغَ تَلاميذَهُ أَنَّهُ سَيَعودُ إِلَيهِم، وَأَنَّ الافتِراقَ سَيَكونُ قَصيرًا، أَمَّا اللِّقاءُ فَسَيَدومُ إِلى الأَبَد” (PG 59: 414).

أَمَّا عِبارَةُ “لِأَنِّي حَيٌّ” ὅτι ἐγὼ ζῶ    (الفعل ζῶ في صيغة الحاضر: “أنا حيّ”، يدلّ على حياة المسيح الإلهيّة الدائمة، لا فقط على قيامته كحدثٍ ماضٍ) فَتُشيرُ إِلى المَسيحِ الحَيِّ بِلاهوتِهِ، فَهُوَ مِنذُ الأَزَلِ وَإِلى الأَبَدِ “اللهُ الحَيّ”. وَإِن كانَ المَوتُ قَدِ اعتَرى جَسَدَهُ وَقتيًّا، إِلَّا أَنَّهُ لَم يُؤَثِّرْ في لاهوتِهِ، بَلْ قامَ مِنَ المَوتِ وَلا يَذوقُهُ ثانِيَة. وَكَما يَقولُ بولُسُ الرَّسول: “قَضى عَلَى المَوتِ وَجَعَلَ الحَياةَ وَالخُلودَ مُشرِقَينِ بِالبِشارَة” (2 طيموثاوس 1: 10). وَيُؤَكِّدُ أثناسيوس الاسكندري الرسولي أَنَّ “المَوتَ لَم يَستَطِع أَنْ يُمسِكَ بِالمَسيح، لأَنَّهُ الحَياةُ بِذاتِها” (PG 25: 161-164).

أَمَّا عِبارَةُ “وَلأَنَّكُم أَنتُم أَيضًا سَتَحيَون” καὶ ὑμεῖς ζήσετε فَتُشيرُ إِلى الحَياةِ الجَديدَةِ الَّتي يَنالُها المُؤمِنونَ بِاتِّحادِهِم بِالابنِ، وَبِوَاسِطَتِهِ بِالآب. فعل ζήσετε، “ستحيون” يشير إلى اشتراك المؤمنين في حياة المسيح القائم. حياة التلميذ ليست استقلالًا عن المسيح، بل اتحادٌ به: “فما أَنا أَحيا بَعدَ ذلك، بلِ المسيحُ يَحيا فِيَّ”. وَهٰذِهِ الحَياةُ قائِمَةٌ عَلى المَعرِفَةِ وَالمَحبَّةِ المُتَبادَلَةِ، وَهِيَ مَضمُونَةٌ بِصُورَةٍ نِهائِيَّة. وَقَد اختَبَرَ بولُسُ الرَّسولُ هٰذِهِ الحَياةَ قائِلًا: “فَما أَنا أَحيا بَعدَ ذٰلِكَ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ” (غلاطية 2: 20). وَيُعَلِّقُ القديس إيريناؤس قائِلًا: “حَياةُ الإِنسانِ هِيَ في شَرِكَتِهِ مَعَ الله، وَقِيامةُ المَسيحِ هِيَ بَدءُ حَياتِنا الجَديدَة” (PG 7: 1037-1040). فَحَياةُ المَسيحِ هِيَ عَربونُ حَياةِ تَلاميذِهِ: “إِنَّ المَسيحَ قَد قامَ مِن بَينِ الأَموات، وَهُوَ بِكرُ الَّذينَ ماتوا” (1 قورنتس 15: 20). وَكَما أَنَّ الكَرمَةَ تَضمَنُ حَياةَ الأَغصان، وَالرَّأسَ يَضمَنُ حَياةَ الأَعضاء، كَذٰلِكَ قِيامةُ المَسيحِ هِيَ تَأكيدٌ لِحَياتِنا وَقِيامَتِنا. وَهُنا يَظهَرُ التَّمييزُ الواضِحُ بَينَ التَّلاميذِ وَالعالَم: فَالتَّلاميذُ يَختَبِرونَ حُضورَ المَسيحِ القائِمِ وَيُشارِكونَهُ حَياتَهُ الجَديدَة، أَمَّا العالَمُ فَلا يَستَطيعُ أَنْ يُدرِكَ يَسوعَ أَو يَعرِفَهُ (يوحنّا 7: 34).

20“إِنَّكُم في ذٰلِكَ اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي، وَأَنَّكُم فِيَّ، وَأَنِّي فِيكُم”

تُشيرُ عِبارَةُ “إِنَّكُم في ذٰلِكَ اليَومِ” إِلى تَعبيرٍ مَألوفٍ في العَهدِ القَديمِ لِلدَّلالَةِ عَلى زَمَنِ الخَلاصِ وَمَجيءِ المَسيحِ في آخِرِ الأَزمِنَة، كَما وَرَدَ في نُبوءاتِ أشعيا: “في ذٰلِكَ اليَومِ يَتَعالَى الرَّبُّ وَحدَه” (أشعيا 2: 17). وَتَبتَدِئُ هٰذِهِ الأَزمِنَةُ الجَديدَةُ بِقِيامةِ يَسوعَ المَسيح، الَّتي يَشتَرِكُ فيها المُؤمِنون. وَتُشيرُ العِبارَةُ أَيضًا إِلى يَومِ قِيامةِ الرَّبِّ، حِينَ ظَهَرَ لِتَلاميذِهِ حَيًّا في أَماكِنَ مُختَلِفَة، وَبِصُورَةٍ أَخصَّ إِلى يَومِ الخَمسين، حِينَ أَرسَلَ الرُّوحَ القُدُسَ وَأَظهَرَ حَياتَهُ الجَديدَةَ في الكَنيسَة. وَيُؤَكِّدُ غريغوريوس النزينزي أَنَّ “يَومَ الرُّوحِ القُدُسِ هُوَ اكْتِمالُ سِرِّ الفِصح، فِيهِ يَتَجَلَّى المَسيحُ حَيًّا في المُؤمِنين”(PG 36: 432-436).

أَمَّا عِبارَةُ “تَعرِفونَ” فَتُشيرُ إِلى التَّبَدُّلِ العَميقِ في فِكرِ التَّلاميذِ وَقُلوبِهِم، إِذ سَيَنتَقِلونَ مِنَ الحَيرَةِ وَعَدَمِ الفَهمِ إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ الإِلٰهيِّ. فَبِالقِيامةِ وَحُضورِ الرُّوحِ القُدُسِ يَعرِفونَ العَلاقَةَ الَّتي تَربِطُ الآبَ بِالابن، وَالعَلاقَةَ الَّتي تَربِطُهُم بِالابنِ، وَبِواسِطَتِهِ بِالآب. وَهٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مَعرِفَةً عَقليَّةً فَحَسب، بَلْ هِيَ خِبرَةُ شَرِكَةٍ وَاتِّحادٍ وَحَياة. وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري قائلًا: “لَم يَكُنِ التَّلاميذُ قادِرينَ عَلى إِدراكِ هٰذِهِ الأَسرارِ قَبلَ القِيامة، أَمَّا بَعدَ أَنْ نالوا الرُّوحَ القُدُس، فَقَد أُعطُوا مَعرِفَةَ الشَّرِكَةِ الَّتي بَينَ الآبِ وَالابن” (PG 74: 561-564).

أَمَّا عِبارَةُ “أَنِّي في أَبي” فَتُشيرُ إِلى الوَحدَةِ القائِمَةِ بَينَ الآبِ وَالابن، وَهِيَ وَحدَةُ الطَّبيعَةِ وَالجَوهر. فَجَوهرُ اللهِ هُوَ الأُلوهِيَّةُ الواحِدَةُ الَّتي يَشتَرِكُ فيها الآبُ وَالابنُ وَالرُّوحُ القُدُس. وَقَد أَكَّدَ يَسوعُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ سابِقًا قائِلًا: “فَتَعلَموا وَتوقِنوا أَنَّ الآبَ فيَّ وَأَنِّي في الآب” (يوحنّا 10: 38). وَيُشَدِّدُ أثناسيوس الاسكندري الرسولي عَلى أَنَّ “الابنَ لَيسَ خارِجًا عَن جَوهرِ الآب، بَلْ هُوَ واحِدٌ مَعَهُ في اللاهوتِ وَالمَجد”(PG 26: 376-380). وَهٰذا يُؤَكِّدُ صِحَّةَ دَعوى يَسوعَ أَنَّهُ رَسولُ اللهِ وَالمَسيحُ المُنتَظَر، بَلْ أَكثَرَ مِن ذٰلِكَ: الابنُ الأَزَلِيُّ المُتَّحِدُ بِالآبِ.

أَمَّا عِبارَةُ “وَأَنَّكُم فِيَّ” فَتُشيرُ إِلى اتِّحادِ المُؤمِنينَ بِالمَسيحِ، كَما تَتَّحِدُ الأَغصانُ بِالكَرمَةِ (يوحنّا 15: 5). فَالمُؤمِنونَ يَحيَونَ مِن حَياةِ المَسيح، وَيَستَمِدّونَ مِنهُ نِعمَةَ البُنُوَّةِ وَالخَلاص. وَهٰذِهِ الشَّرِكَةُ لَيسَت خَارِجِيَّة، بَلْ دَاخِلِيَّةٌ وَحَيَّة، يَصيرُ فيها المَسيحُ مَنبَعَ حَياةِ المُؤمِن. وَيُعَلِّقُ القديس اوغسطينوس قائلًا: “إِنَّنا نَكونُ في المَسيحِ بِالإِيمانِ وَالمَحبَّة، وَهُوَ يَكونُ فينا بِنِعمَةِ رُوحِهِ”(PL 35: 1834-1835).

أَمَّا عِبارَةُ “وَأَنِّي فِيكُم” فَتُشيرُ إِلى حُضورِ المَسيحِ الدّاخِلِيِّ في قُلوبِ المُؤمِنينَ بِواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُس. فَلَيسَ المَسيحُ بَعيدًا عَن كَنيسَتِهِ، بَلْ يَسكُنُ فيها وَفي أَبنائِها. وَهٰذِهِ الإِقامَةُ المُتَبادَلَةُ بَينَ المَسيحِ وَالمُؤمِنِ هِيَ أَساسُ الحَياةِ المَسيحيَّة. وَيُؤَكِّدُ هيلاري أسقف بواتييه أَنَّ “المَسيحَ يَسكُنُ فينا لا كَضيفٍ عابِر، بَلْ كَمَنبَعِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ الَّتي تُجَدِّدُ الإِنسان” (PL 10: 248-250). وَهٰكَذا تَكشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ سِرَّ الشَّرِكَةِ الثّالوثِيَّة: الآبُ في الابن، وَالمُؤمِنونَ في الابن، وَالابنُ في المُؤمِنين. إِنَّهَا دَعوةٌ إِلى الدُّخولِ في حَياةِ اللهِ ذاتِها، حَيثُ تَصيرُ الكَنيسَةُ شَعبًا مُتَّحِدًا بِالمَسيحِ وَحَيًّا بِرُوحِهِ. هٰذِهِ الآيَةُ هِيَ قِمَّةُ النَّصِّ اللّاهوتِيَّة. تَتَكَرَّرُ أَداةُ ἐν، أَي “في”، لِتَدُلَّ عَلى الاتِّحادِ وَالشَّرِكَة. أَوَّلًا: الِابنُ في الآب، وَهٰذا إِعلانٌ لِلوَحدَةِ الجَوْهَرِيَّةِ بَينَ الآبِ وَالِابن. ثانِيًا: المُؤمِنونَ في المَسيح، أَي إِنَّهُم يَدخُلونَ في حَياتِهِ. ثالِثًا: المَسيحُ في المُؤمِنين، أَي إِنَّهُ يَسكُنُ فيهِم بِرُوحِهِ. وَهُنا لا نَتَكَلَّمُ عَن تَشابُهٍ أَخلاقيٍّ فَقَط، بَلْ عَن شَرِكَةٍ حَقيقيَّةٍ بِالنِّعمَة.

21 “مَن تَلَقَّى وَصايايَ وَحَفِظَها فَذاكَ الَّذي يُحِبُّني، وَالَّذي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أَبي، وَأَنا أَيضًا أُحِبُّهُ فَأُظهِرُ لَهُ نَفسي”

تُشيرُ عِبارَةُ “مَن تَلَقَّى وَصايايَ وَحَفِظَها” إِلى تَوَجُّهِ يَسوعَ إِلى جَميعِ المُؤمِنينَ الَّذينَ قَبِلوا وَصاياهُ وَاعْتَرَفوا جَهرًا أَنَّهُم تَلاميذُه. وَهٰذا الأَمرُ يَدُلُّ عَلى مَعنى مُزدَوَج: المَعرِفَةُ وَالعَمَل، أَو السَّماعُ وَالحِفظ، كَما وَرَدَ في قَولِ يَسوع: “مَن سَمِعَ كَلامي وَآمَنَ بِالَّذي أَرسَلَني فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة” (يوحنّا 5: 24). فَالطّاعَةُ هِيَ التَّعبيرُ الحَقيقيُّ عَنِ المَحبَّة، وَهِيَ الَّتي تُدخِلُ المُؤمِنَ في مَعرِفَةِ الآبِ وَشَرِكَتِهِ. وَيُؤَكِّدُ كيرِلُّس الإِسكندري أَنَّ “المَعرِفَةَ الحَقيقيَّةَ لِلمَسيحِ لا تَقومُ عَلى السَّماعِ فَحَسب، بَلْ عَلى الطّاعَةِ الَّتي تُحَوِّلُ الكَلِمَةَ إِلى حَياة” (PG 74: 568-572.).

أَمَّا عِبارَةُ “حَفِظَها” فَفي الأَصلِ اليُونانيِّ: τηρεω فتُشيرُ إِلى الحِفظِ الأَمينِ لِلوَصيَّةِ في الفِكرِ وَالقَلبِ كَوَديعَةٍ مُقَدَّسَة، ثُمَّ العَمَلِ بِها وَتَطبيقِها في الحَياةِ. فَالمَحبَّةُ الحَقيقيَّةُ لا تَنفَصِلُ عَنِ الطّاعَة، بَلْ تَتَجَلّى فيها. وَحينَ يُحِبُّ الإِنسانُ شَخصًا، يَستَطيعُ بِحُرِّيَّةٍ أَنْ يَتَخَلّى عَن إِرادَتِهِ الذّاتِيَّةِ لِيَتَّحِدَ بِإِرادَةِ مَن يُحِبّه. لِذٰلِكَ فَإِنَّ حُبَّ المَسيحِ يَعني السَّيرَ في طَريقِهِ وَالإِصغاءَ إِلى صَوتِهِ وَالثَّباتَ في كَلِمَتِهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: “لَيسَتِ المَحبَّةُ بِالكَلِمات، بَلْ بِالطّاعَةِ الَّتي تُظهِرُ اتِّحادَ التِّلميذِ بِمُعَلِّمِهِ” (PG 59: 418-420).

أَمَّا عِبارَةُ “فَذاكَ الَّذي يُحِبُّني” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الشَّهادَةَ الحَقيقيَّةَ لِمَحبَّتِنا لِلمَسيحِ تَظهَرُ في الطّاعَةِ لِوَصيَّتِهِ. وَقَد وَضَّحَ يوحنّا الرَّسولُ شَرطَ هٰذِهِ المَحبَّةِ قائِلًا: “مَن قالَ إِنَّهُ مُقيمٌ فيه وَجَبَ عَلَيهِ أَنْ يَسيرَ هُوَ أَيضًا كَما سارَ يَسوع” (1 يوحنّا 2: 6). فَمَحبَّةُ المَسيحِ لَيسَت مَشاعِرَ مُجرَّدَة، بَلْ حَياةُ اتِّباعٍ وَاقتِداء.

أَمَّا عِبارَةُ “وَالَّذي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أَبي، وَأَنا أَيضًا أُحِبُّه” فَتُشيرُ إِلى ثَمَرَةِ المَحبَّةِ العَمَلِيَّة، أَي تَمَتُّعِ المُؤمِنِ بِمَحبَّةِ الآبِ وَالابنِ مَعًا. فَالآبُ يُحِبُّ الابن، وَالابنُ يُحِبُّ مُحِبِّيه، وَالمَحبَّةُ تُدخِلُ المُؤمِنَ في سِلسِلَةِ الصَّداقَةِ الإِلٰهيَّةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالتِّلميذ. وَيُؤَكِّدُ القديس اوغسطينوس أَنَّ “المَحبَّةَ تَفتَحُ القَلبَ لِسُكنى الله، فَحَيثُ تَكونُ المَحبَّةُ يَكونُ اللهُ حاضِرًا”(PL 35: 1837-1839). وَقَد أَشارَ الباب فرنسيس إِلى هٰذِهِ الحَقيقَةِ قائِلًا: “المَحبَّةُ هِيَ الَّتي تُدخِلُنا في مَعرِفَةِ يَسوع، بِفَضلِ عَمَلِ المُؤَيِّدِ الَّذي أَرسَلَهُ يَسوع، أَي الرُّوحِ القُدُس. وَالرَّبُّ يَدعونا أَنْ نَتَوافَقَ بِسَخاءٍ مَعَ دَعوَةِ الإِنجيلِ إِلى المَحبَّة، واضِعينَ اللهَ مِحوَرًا لِحَياتِنا وَمُكَرِّسينَ أَنفُسَنا لِلإِخوَة” (كلمة في صلاة “افرحي يا ملكة السماء، 21 أيار 2017).

أَمَّا عِبارَةُ “فَأُظهِرُ لَهُ نَفسي” καὶ ἐμφανίσω αὐτῷ ἐμαυτόν فَتُشيرُ إِلى ظُهورِ يَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ وَالمُمَجَّدِ كَجَزاءٍ لِطاعَةِ التِّلميذِ وَحِفظِهِ الوَصايا. الفعل ἐμφανίσω من ἐμφανίζω يعني: أُظهر، أُعلن، أُجلي. هذا الظهور لا يقتصر على ظهورات القيامة الحسيّة، بل يشير أيضًا إلى إعلانٍ داخليّ يختبره المؤمن في الإيمان والمحبّة. وَهٰذا الظُّهورُ لا يَعني مُجرَّدَ رُؤيَةٍ خارِجِيَّةٍ لِلحَواس، بَلْ ظُهورًا داخِلِيًّا في أَعماقِ القَلب، حَيثُ يُشرِقُ المَسيحُ بِنورِهِ عَلى فِكرِ المُؤمِنِ وَقَلبِهِ، فَيَمتَلِئُ بِالاِستنارَةِ الرُّوحيَّةِ وَالسَّلامِ وَالرَّجاءِ. فمَن يحفظ الوصيّة يرى المسيح لا بعين الجسد فقط، بل بعين القلب المستنير بالروح.  وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النيصصي قائِلًا: “إِنَّ النَّفسَ الَّتي تُحِبُّ المَسيحَ وَتَحفَظُ وَصاياهُ تُعايِنُهُ في داخِلِها كَنورٍ يُنيرُ أَعماقَها” (PG 44: 941-944). وَهٰكَذا يَربِطُ يَسوعُ بَينَ المَحبَّةِ وَالطّاعَةِ وَالشَّرِكَةِ الإِلٰهيَّة. فَمَن يَحفَظُ وَصاياهُ لا يَنالُ فَقَط مَعرِفَةً عَنِ الله، بَلْ يَدخُلُ في عَلاقَةِ مَحبَّةٍ حَيَّةٍ مَعَ الآبِ وَالابن، وَيَختَبِرُ حُضورَ المَسيحِ المُتَجَلِّي في داخِلِهِ.

ثانياً: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليّ (يوحنّا 14: 15-21)

بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ عَن وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليّ (يوحنّا 14: 15-21)، يُمكِنُ أَنْ نَستَنتِجَ أَنَّهُ يَتمَحوَرُ حَولَ وَعدِ يَسوعَ بِحُضورِهِ المُستَمِرِّ مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَحَولَ دَعوتِهِ إِلى حِفظِ الوَصايا كَطَريقٍ لِلثَّباتِ في مَحبَّتِهِ.

  1. حُضورُ يَسوعَ لِتَلاميذِهِ مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُس

إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ الَّذي يُؤَمِّنُ حُضورَ المَسيحِ بِطَريقَةٍ جَديدَةٍ وَدائِمَة: “أَنا سَأَسأَلُ الآبَ فَيَهَبُ لَكُم مُؤَيِّدًا آخَرَ يَكونُ مَعَكُم لِلأَبَد” (يوحنّا 14: 16). فَكانَ حُضورُ اللهِ المَنظورُ في المَسيحِ عَلى الأَرضِ حُضورًا زَمانيًّا بِحَسَبِ الجَسَد، لأَنَّ المَسيحَ مِن حَيثُ إِنَّهُ إِنسانٌ لَم يَكُنْ سَيَبقى عَلى الأَرضِ إِلى الأَبَد مَعَ المُؤمِنين. لٰكِن، بِالرَّغمِ مِن صُعودِ يَسوعَ بِالجَسَدِ إِلى الآب، بَقِيَ حُضورُهُ مُستَمِرًّا بِطَريقَةٍ جَديدَةٍ مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُس. وَيُعَلِّقُ يوحنّا الأَبِلّي قائِلًا: “كَما كانَ الرَّبُّ يَسوعُ يَعِظُ، فَإِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَعِظُ الآن؛ وَكَما كانَ يُعَلِّمُ، فَإِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُعَلِّم؛ وَكَما كانَ المَسيحُ يُعَزّي، فَإِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُعَزّي وَيُعطي السُّرور” (العظة الرابعة عن الروح القدس، العظة 30).

إِنَّ المُعَزّي، رُوحَ اللهِ ذاتَهُ، جاءَ بَعدَ صُعودِ يَسوعَ لِيَهتَمَّ بِتَلاميذِهِ وَيَرعاهُم وَيُرشِدَهُم. وَقَد تَحَقَّقَ ذٰلِكَ في يَومِ العَنصَرَة (أعمال الرُّسل 2: 1-4)، حِينَ قَطَعَ اللهُ عَهدًا جَديدًا مَعَ البَشَرِيَّةِ وَخَتَمَهُ بِسُكنى رُوحِهِ القُدُّوسِ في المُؤمِنين. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ بولُسُ الرَّسول: “أَما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وَأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكُم؟” (1 قورنتس 3: 16). فَحُضورُ الرُّوحِ في حَياتِنا هُوَ تَتميمٌ لِمُخطَّطِ اللهِ الخَلاصيّ. وَيَقولُ أثناسيوس الرسولي: “لَقَد أَصبَحَ اللهُ إِنسانًا لِيَجعَلَنا أَهلًا لِقَبولِ الرُّوحِ القُدُس (PG 25: 192-193).

وَكَشَفَ الرُّوحُ القُدُسُ عَن ذاتِهِ مِن خِلالِ صُوَرٍ وَرُموزٍ مُتَعَدِّدَة. فَقَد ظَهَرَ بِصُورَةِ “حَمامَة” في عِمادِ يَسوعَ في الأُردُنّ: “فَرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كَأَنَّهُ حَمامَةٌ وَيَنزِلُ عَلَيه” (متّى 3: 16). وَظَهَرَ أَيضًا بِصُورَةِ “ريحٍ وَأَلسِنَةِ نار” يَومَ العَنصَرَة: “فَامتَلأُوا جَميعًا مِنَ الرُّوحِ القُدُس” (أعمال الرُّسل 2: 4). فَالرِّيحُ تُشيرُ إِلى القُوَّةِ وَالحَياة، وَالنّارُ إِلى التَّطهيرِ وَالإِضاءةِ وَالحَماسِ الرَّسوليّ.

وَقَد شَبَّهَ الأَنبِياءُ الرُّوحَ بِالمَسحَةِ الَّتي تُكَرِّسُ المُختارين. وَتَكتَمِلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ في سِرِّ المِيرونِ المُقَدَّس (سِرِّ التَّثبيت)، حَيثُ يُختَمُ المُؤمِنُ بِالرُّوحِ القُدُس. وَيَقولُ بولُسُ الرَّسول: “لا تُحزِنوا رُوحَ اللهِ القُدُّوسَ الَّذي بِهِ خُتِمتُم لِيَومِ الفِداء” (أفسس 4: 30). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ “عُربونُ المِيراث” وَ”باكورَةُ الخَيراتِ الأَبَدِيَّة”، كَما تُعلِنُ اللِّيتورجيا الإِلٰهيَّة.

إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَترُكُنا، بَلْ يَبقى مَعَنا إِلى الأَبَد، وَيَقودُنا إِلى الحَقِّ كُلِّهِ: “رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَنْ يَتَلَقّاه” (يوحنّا 14: 17). إِنَّهُ يُقيمُ مَعَنا وَفينا، وَيُعينُنا عَلى أَنْ نَحيا حَسَبَ مَشيئَةِ الله. وَهُوَ يُعَلِّمُنا كُلَّ شَيءٍ وَيُذَكِّرُنا بِكَلامِ يَسوع: “المُؤَيِّدُ، الرُّوحُ القُدُسُ… هُوَ يُعَلِّمُكُم جَميعَ الأَشياء وَيُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُهُ لَكُم” (يوحنّا 14: 26).

وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ مَصدَرُ الحَقِّ، لأَنَّهُ “رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب” (يوحنّا 15: 26). وَهُوَ الَّذي يُقنِعُ العالَمَ بِالخَطيئَةِ وَالبِرِّ وَالدَّينونَةِ (يوحنّا 16: 8)، وَيَشهَدُ لِلمَسيح، وَيُرشِدُ المُؤمِنينَ إِلى أَحداثِ المُستَقبَلِ وَمَجدِ المَسيح: “سَيُمَجِّدُني لأَنَّهُ يَأخُذُ مِمَّا لي وَيُخبِرُكُم بِه” (يوحنّا 16: 14).

وَقَد كانَ الرُّوحُ القُدُسُ عامِلًا مُنذُ بَدءِ الخَليقَة، لٰكِنَّهُ بَعدَ العَنصَرَةِ صارَ يَسكُنُ في المُؤمِنينَ بِصُورَةٍ جَديدَةٍ وَدائِمَة. فَهُوَ اللهُ في داخِلِنا، وَهُوَ الَّذي يَجعَلُنا أَبناءً لِلآب. كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسول: “لَم تَتَلَقَّوا رُوحَ عُبودِيَّةٍ لِتَعودوا إِلى الخَوف، بَلْ رُوحَ تَبَنٍّ بِهِ نُنادي: أَبًّا، يا أَبَتِ!» (رومة 8: 15). فَبِالرُّوحِ القُدُسِ نَصيرُ أَبناءَ اللهِ وَإِخوَةً بَعضِنا لِبَعض.

وَالرُّوحُ القُدُسُ قَريبٌ مِنّا بِصُورَةٍ خاصَّةٍ في الصَّلاة، لأَنَّهُ يَحمِلُ ضُعفَنا وَيُصَلّي فينا وَمَعَنا: “الرُّوحُ نَفسُه يَشفَعُ لَنا بِأَنّاتٍ لا تُوصَف” (رومة 8: 26). وَيُعَلِّقُ العلاَّمة أوريجانوس قائِلًا: “حِينَما نُصَلّي نَكونُ دائِمًا اثنَين: نَحنُ وَالرُّوحُ القُدُس. وَبِواسِطَتِهِ نَدخُلُ في حِوارٍ أَبَديٍّ مَعَ الآبِ وَالابن”(PG 11: 416-417).

وَمِن هُنا نَتَساءَل: ما هُوَ دَورُ الرُّوحِ القُدُسِ اليَومَ في حَياةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا؟ ماذا فَعَلنا بِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أُعطِيَ لَنا يَومَ عِمادِنا؟ هَل نَسمَحُ لَهُ أَنْ يَعمَلَ في حَياتِنا؟ هَل لَهُ مَكانٌ حَقيقيٌّ في قُلوبِنا وَقَراراتِنا؟ لِنَطلُبْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، الرُّوحِ المُعَزّي، أَنْ يَأتيَ وَيَسكُنَ في قُلوبِنا، فَنَشعُرَ بِحُضورِ المَسيحِ فينا، وَنَتَذَكَّرَ تَعاليمَهُ، وَنَحفَظَ وَصاياهُ، وَنَحيا أَبناءً لِلآبِ في المَحبَّةِ وَالحَقّ.

  1. حُضورُ يَسوعَ لِتَلاميذِهِ مِن خِلالِ حِفظِ وَصاياه

يَدعونا يوحنا الإنجيلي، في بُشارَتِهِ، إِلى استِقبالِ كَلامِ المَسيحِ مِن كُلِّ القَلب. فَبِاستِقبالِنا لِكَلامِهِ وَحِفظِ وَصاياه، نَجعَلُ المَسيحَ نَفسَهُ حاضِرًا في حَياتِنا، كَما قالَ: “مَن تَلَقَّى وَصايايَ وَحَفِظَها فَذاكَ الَّذي يُحِبُّني، وَالَّذي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أَبي، وَأَنا أَيضًا أُحِبُّهُ فَأُظهِرُ لَهُ نَفسي” (يوحنّا 14: 21).

وَيَنشَأُ رِباطٌ وَثيقٌ بَينَ يَسوعَ وَالتِّلميذِ الأَمينِ لِوَصاياه، حَيثُ يَدخُلُ التِّلميذُ في حِوارِ مَحبَّةٍ وَشَرِكَةٍ مَعَ الرَّبّ، فَيُظهِرُ لَهُ يَسوعُ نَفسَهُ وَيَكشِفُ لَهُ أَسرارَهُ. وَحَيثُ إِنَّ يَسوعَ لا يَنفَصِلُ عَنِ الآب، فَإِنَّ وُجودَ الواحِدِ يَستلزِمُ وُجودَ الآخَر: “أَنِّي في الآبِ وَأَنَّ الآبَ فيَّ (يوحنّا 14: 10). لِذٰلِكَ يَنتهي وَعدُ يَسوعَ بِمَجيءِ الآبِ وَالابنِ إِلى المُؤمِن: “إِذا أَحَبَّني أَحَدٌ حَفِظَ كَلامي، فَأَحَبَّهُ أَبي، وَنَأتي إِلَيهِ فَنَجعَلُ لَنا عِندَهُ مُقامًا” (يوحنّا 14: 23). وَهٰكَذا يُصبِحُ المُؤمِنُ هَيكَلًا وَمَقامًا لِلأَقانيمِ الثَّلاثَة. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ “اللهَ لا يَسكُنُ في هَيكَلٍ مِن حِجارَة، بَلْ في القَلبِ الَّذي يَحفَظُ المَحبَّةَ وَالوَصيَّة”(PL 35: 1832).

وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ أَيضًا جَوابَ يَسوعَ لِفيلُبُّس: “يا رَبّ، أَرِنا الآبَ وَحَسبُنا” (يوحنّا 14: 8). وَهِيَ تُعيدُنا إِلى العَهدِ القَديم، إِلى طَلَبِ موسى مُعايَنَةَ مَجدِ الرَّبّ: “أَرِني مَجدَكَ” (خروج 33: 18). غَيرَ أَنَّ اللهَ أَجابَهُ: “وَجهي لا تَستَطيعُ أَنْ تَراه، لأَنَّهُ لا يَراني الإِنسانُ وَيَحيا” (خروج 33: 20). فَاللهُ الَّذي “مَسكِنُهُ نورٌ لا يُقتَرَبُ مِنه” (1 طيموثاوس 6: 16)، لا يُدرَكُ بِالمُعايَنَةِ الحِسِّيَّةِ أَو بِالعَقلِ وَحدَه، بَلْ بِالإِيمانِ وَالمَحبَّة.

لِذٰلِكَ أَدخَلَ يَسوعُ تَلاميذَهُ في عالَمِ الإِيمان، لا في عالَمِ الرُّؤيَةِ الحِسِّيَّةِ. فَالإِنسانُ يُريدُ أَنْ يَرى لِيُؤمِن، أَمَّا الرَّبُّ فَيَطلُبُ الإِيمانَ أَوَّلًا لِيُظهِرَ ذاتَه. وَمِن هُنا نَفهَمُ سُؤالَ يَهوذا، غَيرِ الإِسخَريوطيّ: “يا رَبّ، ما الأَمرُ حتّى إِنَّكَ تُظهِرُ نَفسَكَ لَنا وَلا تُظهِرُها لِلعالَم؟” (يوحنّا 14: 22).

إِنَّ شَرطَ مُعايَنَةِ اللهِ لَيسَ الرَّغبَةَ في المَعرِفَةِ العَقليَّةِ أَو اللَّمسِ وَالإِدراكِ الحِسِّيّ، بَلِ الدُّخولَ في عَلاقَةِ حُبٍّ مَعَ الرَّبّ. فَقَط مَن يُحِبُّ اللهَ يَستَطيعُ أَنْ يُعايِنَه، “لأَنَّ اللهَ مَحبَّة” (1 يوحنّا 4: 8). وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النيصصي

قائِلًا: “إِنَّ النَّفسَ لا تُبصِرُ اللهَ بِالعَين، بَلْ بِالقَلبِ المُتَّحِدِ بِالمَحبَّة” (PG 44: 1270-1273).

فَالإِيمانُ إِذًا لَيسَ عَمَلَ مَعرِفَةٍ عَقليَّةٍ مُجرَّدَة، بَلْ عَمَلَ حُبٍّ وَثِقَة. وَالمَحبَّةُ الَّتي تُدخِلُنا في المَعرِفَةِ الإِلٰهيَّةِ تُصبِحُ الطَّريقَ إِلى الفَهمِ الحَقيقيِّ. وَحِفظُ الوَصايا هُوَ التَّطبيقُ العَمَليُّ لِهٰذِهِ المَحبَّة. فَنَحنُ نُؤمِنُ أَوَّلًا، ثُمَّ نَستَسلِمُ بِلا تَحفُّظٍ لِوَصايا الرَّبّ. وَكَما قالَت الام تريزا: “ثَمَرَةُ الإِيمانِ هِيَ المَحبَّة”.

فَمَن يُؤمِن يَرى المَسيح، وَمَن يَرى المَسيحَ يُحِبُّه، وَمَن يُحِبُّه يَحفَظُ وَصاياه. وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَسكُبُ هٰذِهِ المَحبَّةَ في القُلوب، كَما يُعَلِّمُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّة: “المَحبَّةُ، الَّتي هِيَ ثَمَرَةُ الرُّوحِ وَكَمالُ النّاموس، تَحفَظُ وَصايا اللهِ وَمَسيحِهِ” (رقم 1824).

الخُلاصَةُ

يقَعُ هذا النَّصُّ في قلبِ خِطابِ الوَداع، حيثُ يَنتَقِلُ يسوعُ مِن الحديثِ عن رَحيلِهِ إلى وَعدِهِ بِحُضورٍ جديدٍ لا يَرتَبِطُ بِالجَسَدِ المَنظور، بل بِالرُّوحِ القُدُس. “وَيُعَلِّقُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ المَسيحَ “لَم يَترُكْ تَلاميذَهُ في الحُزن، بَلْ وَعَدَهُم بِقُوَّةِ الرُّوحِ الَّتي تُحَوِّلُ خَوفَهُم إِلى جُرأَةٍ رَسوليَّة” (PG 59: 410-414). فَيَسوعُ لا يَترُكُ تَلاميذَهُ يَتامى، بَلْ يَهَبُهُم حُضورًا جَديدًا وَدائِمًا يُثَبِّتُهُم وَيَقودُهُم إِلى الحَقِّ الكامِل. ويُمكِنُ اختصارُ بُنيةِ النَّصِّ في ثلاثِ حركات: المَحبَّةُ تُثمِرُ الطّاعة، والابنُ يَسألُ الآبَ فيَهَبُ الرُّوح، والرُّوحُ يُدخِلُ المؤمنَ في شَرِكةِ الآبِ والابن.

وَيُبَيِّنُ يَسوعُ أَنَّ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لَهُ لا تَقومُ عَلى المَشاعِرِ وَالكَلامِ فَحَسب، بَلْ تَظهَرُ في حِفظِ وَصاياه وَالعَمَلِ بِها، لأَنَّ الطّاعَةَ هِيَ البُرهانُ العَمَليُّ لِلمَحبَّة. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ “مَن يُحِبُّ المَسيحَ يَحفَظُ وَصاياه، وَمَن يَحفَظُ وَصاياه يَسكُنُ اللهُ فيه”(PL 35: 1832-1835). فَمَن يُحِبُّ المَسيحَ يَنالُ مَحبَّةَ الآبِ وَالابن، وَيُصبِحُ هَيكَلًا لِسُكنى اللهِ وَحُضورِهِ.

كَما يُعلِنُ النَّصُّ سِرَّ العَلاقَةِ الثّالوثِيَّة: الآبُ يُرسِلُ الرُّوحَ القُدُسَ بِطَلَبِ الابن، وَالرُّوحُ يُواصِلُ عَمَلَ المَسيحِ في الكَنيسَة. وَيُشيرُ باسيليوس الكبير إِلى أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ “هُوَ الَّذي يَجعَلُنا نَشتَرِكُ في حَياةِ اللهِ وَيُدخِلُنا في شَرِكَةِ الآبِ وَالابن” (PG 32: 132-136). وَبِذٰلِكَ يَدخُلُ المُؤمِنُ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ، فَيَحيا بِالمَسيحِ وَيَختَبِرُ حُضورَهُ وَسَلامَهُ وَرَجاءَهُ.

إِنَّ هٰذا النَّصَّ هُوَ دَعوةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ أَنْ يَعيشَ الإِيمانَ لا كَمُجرَّدِ مَعرِفَةٍ نَظَرِيَّة، بَلْ كَعَلاقَةِ مَحبَّةٍ وَطاعَةٍ وَشَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الله، بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النيصصي قائِلًا: “إِنَّ النَّفسَ الَّتي يَسكُنُ فيها الرُّوحُ القُدُسُ تُصبِحُ مَسكَنًا لِنورِ المَسيح”(PG 45: 1328-1332).

فَالمَحبَّةُ تُقاسُ بِحِفظِ الوَصايا، وَحِفظُ الوَصايا لا يَتِمُّ بِقُوَّةِ الإِنسانِ وَحدَه، بَلْ بِعَطيَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وَالرُّوحُ القُدُس، “الباراقليطُ الآخَر”، لا يَحُلُّ مَحَلَّ المَسيحِ بِمَعنى الِانفِصالِ عَنه، بَلْ يَجعَلُ المَسيحَ حاضِرًا وَفاعِلًا في الكَنيسَةِ وَفي المُؤمِنين. وَهٰكَذا يُدخَلُ المُؤمِنُ في سِرِّ الشَّرِكَةِ الثّالوثِيَّة: الِابنُ في الآب، وَالمُؤمِنونَ في الِابن، وَالِابنُ فيهِم بِالرُّوحِ القُدُس

دُعاء

أَيُّها الآبُ السَّماويّ، نَحنُ نَضَعُ ثِقَتَنا في ابنِكَ يَسوعَ المَسيح، الَّذي قالَ: “مَن تَلَقَّى وَصايايَ وَحَفِظَها فَذاكَ الَّذي يُحِبُّني، وَالَّذي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أَبي، وَأَنا أَيضًا أُحِبُّهُ فَأُظهِرُ لَهُ نَفسي” (يوحنّا 14: 21).

أَرسِلْ إِلَينا رُوحَكَ القُدُس، رُوحَ الحَقِّ وَالمَحبَّة، لِيُجدِّدَ قُلوبَنا وَيَجعَلَنا أَبناءً لَكَ بِالحَقّ. عَلِّمنا أَنْ نُحِبَّكَ مِن كُلِّ قُلوبِنا، وَأَنْ نَحفَظَ وَصاياكَ بِأَمانَةٍ وَفَرَح، حَتّى نَبقى ثابِتينَ في المَسيحِ، وَيَبقى المَسيحُ فينا.

اِجعَلْ حُضورَكَ في حَياتِنا مَصدَرَ سَلامٍ وَرَجاء، وَثَبِّتْنا في وَسَطِ تَجارِبِ العالَمِ وَمَخاوِفِهِ، لِنَعيشَ بِثِقَةِ الأَبناءِ وَبِفَرَحِ القِيامة. وَهَبْ لَنا أَنْ نَكونَ شُهودًا لِمَحبَّتِكَ، وَحامِلينَ نُورَكَ إِلى كُلِّ إِنسانٍ مُحتاجٍ إِلى العَزاءِ وَالرَّجاءِ. فَنَظلَّ ثابِتينَ في الرَّبّ، وَاثِقينَ بِمَواعيدِكَ، وَآمِنينَ لِمُستَقبَلِنا بَينَ يَدَيكَ. آمين.

قِصَّةٌ وَعِبْرَةٌ مُستَوْحاةٌ مِن نَصِّ وَعْدِ المَسِيحِ بِالرُّوحِ القُدُسِ (يوحنّا 14: 15-21)

كانَ هُناكَ شابٌّ يَعيشُ في قَريةٍ صَغيرة، يُحِبُّ والِدَهُ جِدًّا، لأَنَّهُ كانَ رَجُلًا حَكيمًا وَمُحِبًّا. وَكانَ الأَبُ يَأخُذُ ابنَهُ مَعَهُ كُلَّ يَومٍ إِلى الحَقل، وَيُعَلِّمُهُ كَيفَ يَزرَعُ وَيَعتَني بِالأَرض، وَكَيفَ يُعامِلُ النّاسَ بِالمَحبَّةِ وَالصِّدق.

وذاتَ يَومٍ، مَرِضَ الأَبُ وَشَعَرَ أَنَّ وَقتَ رَحيلِهِ قَدِ اقتَرَب. فَنادى ابنَهُ وَقالَ لَهُ: “يا بُنَيّ، قَد لا تَرانِي بَعدَ اليَوم، لٰكِنِّي لَنْ أَترُكَكَ وَحيدًا. إِذا حَفِظتَ كَلامي وَعِشتَ بِالمَحبَّة، فَسَتَجِدُني مَعَكَ في كُلِّ خُطوَة”.

حَزِنَ الشّابُّ جِدًّا بَعدَ رَحيلِ أَبيه، وَشَعَرَ فِي البِدايَةِ أَنَّهُ صارَ يَتيمًا. وَفي أَحَدِ الأَيّام، وَهُوَ يَعمَلُ وَحدَهُ في الحَقل، تَذَكَّرَ وَصايا أَبيه: “لا تَظلِمْ أَحَدًا، ساعِدِ الفَقير، وَلا تَكذِب، وَازرَعِ الخَيرَ حَيثُما ذَهَبت”.

فَبَدَأَ يَعيشُ وَصايا أَبيهِ بِأَمانَة. وَكُلَّما عَمِلَ بِها، كانَ يَشعُرُ بِسَلامٍ عَجيبٍ وَقُوَّةٍ في داخِلِهِ، كَأَنَّ أَباهُ ما زالَ يَسيرُ مَعَهُ. وَبَعدَ سَنواتٍ، قالَ لَهُ أَحَدُ أَصدقائِهِ: “الغَريبُ أَنَّ أَباكَ رَحَل، وَلكِنَّ كَلامَهُ وَحُضورَهُ ما زالا حَيَّينِ فيكَ”.

فَابتَسَمَ الشّابُّ وَقالَ: “نَعَم، لأَنَّ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لا تَموت، وَمَن يَحفَظُ الكَلِمَةَ يَبقى الحَبيبُ حاضِرًا في قَلبِهِ”.

العِبْرَة

هٰكَذا أَرادَ يَسوعُ أَنْ يُفَهِّمَ تَلاميذَهُ في خِطابِ الوَداع: إِنَّهُ لَنْ يَترُكَهُم يَتامى. فَبِالرُّوحِ القُدُسِ يَبقى حاضِرًا في كَنيسَتِهِ وَفي قُلوبِ الَّذينَ يُحِبّونَهُ وَيَحفَظونَ وَصاياه.

فَالمَسيحيُّ لا يَعيشُ إِيمانَهُ بِمُجرَّدِ الذِّكرياتِ أَو العَواطِف، بَلْ بِحُضورِ المَسيحِ الحَيِّ فيه. وَكُلَّما حَفِظَ الإِنسانُ وَصايا الرَّبِّ وَعاشَ المَحبَّةَ وَالغُفرانَ وَالخِدمَة، اختَبَرَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقودُهُ وَيُعَزِّيهِ وَيَمْلأُ قَلبَهُ سَلامًا.

فَيَسوعُ لَم يَغِبْ عَنّا، بَلْ يَعيشُ فينا وَمَعَنا، وَيَقولُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنّا: “لَنْ أَدَعَكَ يَتيمًا… إِنِّي آتٍ إِلَيك”.

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email