Edit Content
Click on the Edit Content button to edit/add the content.

الأحَد الرَّابع مِن السَّنة: التَّطْوِيبَاتُ كَمَا رَواها مَتَّى الإنْجيلي (متى 5: 1 -12)

الأحَد الرَّابع مِن السَّنة: التَّطْوِيبَاتُ كَمَا رَواها مَتَّى الإنْجيلي (متى 5: 1 -12)

الأب لويس حزبون

النص الإنجيلي (متى 5: 1 -12)

1 فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه 2 فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال: 3 ((طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. 4 طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض. 5 طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون. 6 طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون. 7 طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون. 8 طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله. 9 طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون. 10 طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. 11 طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، 12 اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.

المُقَدِّمَةُ

يَعْرِضُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ فِي إِنْجِيلِهِ العِظَةَ الكُبْرَى لِيَسُوعَ، الَّتِي تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ الشَّرِيعَةِ المَسِيحِيَّةِ، بِوَصْفِهَا الإِطَارَ المِعْيَارِيَّ الَّذِي يُحَدِّدُ سُلُوكَ حَيَاةِ التِّلْمِيذِ الكَامِلِ، وَيَقُودُهُ إِلَى نَيْلِ سَعَادَةِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ (متى 5: 1–7: 29). وَتُمَثِّلُ هذِهِ الشَّرِيعَةُ دُسْتُورَ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ بِامْتِيَازٍ، إِذْ لا تَقْتَصِرُ عَلَى وَضْعِ قَوَاعِدَ أَخْلَاقِيَّةٍ، بَلْ تَكْشِفُ عَنْ دَعْوَةٍ جَدِيدَةٍ لِلإِنْسَانِ فِي نُورِ مَشِيئَةِ اللهِ.

وَفِي مُقَدِّمَةِ هذِهِ العِظَةِ تَرِدُ التَّطْوِيبَاتُ (متى 5: 1–12)، حَيْثُ “يُعِيدُ يَسُوعُ بِهَا مَا قُطِعَ مِنْ عُهُودٍ لِلشَّعْبِ المُخْتَارِ مُنْذُ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُكَمِّلُهَا بِتَوْجِيهِهَا لا إِلَى التَّمَتُّعِ بِالأَرْضِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 1716). فَالتَّطْوِيبَاتُ لا تُمَثِّلُ شُرُوطًا خَارِجِيَّةً لِلسَّعَادَةِ، بَلْ تَكْشِفُ عَنْ مَنْطِقِ المَلَكُوتِ الَّذِي يَقْلِبُ مَوَازِينَ القِيَمِ البَشَرِيَّةِ.

وَيُؤَكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ يَسُوعَ فِي التَّطْوِيبَاتِ “لا يَعِدُ بِسَعَادَةٍ زَائِلَةٍ، بَلْ يُرَبِّي تَلَامِيذَهُ عَلَى حُرِّيَّةِ القَلْبِ الَّتِي تَجْعَلُهُمْ غُرَبَاءَ عَنِ العَالَمِ وَمُوَاطِنِينَ فِي السَّمَاءِ” (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى). أَمَّا كيرلس الإسكندري فَيَرَى أَنَّ التَّطْوِيبَاتِ تُعْلِنُ “شَرِيعَةَ النِّعْمَةِ” الَّتِي تُجَدِّدُ الإِنْسَانَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَتُدْخِلُهُ فِي شَرَاكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ اللهِ، لا بِحَرْفِ النَّامُوسِ بَلْ بِقُوَّةِ الرُّوحِ (تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ مَتَّى). وَهٰذَا الأُسْلُوبُ فِي الْحَيَاةِ يُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى قَصْدِ اللهِ الأَوَّلِ، إِذْ لَيْسَ إِضَافَةً جَدِيدَةً عَلَى طَبِيعَتِهِ، بَلْ عَوْدَةٌ إِلَى الْجُذُورِ الأَصْلِيَّةِ، إِلَى قَصْدِ اللهِ لِلْبَشَرِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تُشَوِّهَهَا مَشَاعِرُ الْخَوْفِ وَالْمُنَافَسَةِ وَالسَّيْطَرَةِ. لِأَنَّ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ الْحَقِيقِيَّةَ، تِلْكَ الَّتِي شَاءَهَا اللهُ فِي الْبَدْءِ، هِيَ طَبِيعَةُ حَيَاةِ التَّطْوِيباتِ. وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ هذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، وَفِي أَبْعَادِهِ اللاهُوتِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَفِي تَطْبِيقَاتِهِ العَمَلِيَّةِ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ، بِوَصْفِهِ دَعْوَةً مُسْتَمِرَّةً لِلسَّيْرِ عَلَى طَرِيقِ المَلَكُوتِ وَالشَّهَادَةِ لِقِيَمِهِ فِي وَسَطِ العَالَمِ.

أولا: وقائع النص الإنجيلي (متى 5: 1 -12)

1 فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه

تُشِيرُ عِبَارَةُ “رَأَى الْجُمُوعَ” إِلَى نَظَرِ يَسُوعَ الشَّامِلِ إِلَى الْجُمُوعِ الْمَذْكُورِينَ سَابِقًا (مَتَّى 4: 24–25)، وَهُمْ جَمَاعَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ تَلَامِيذَ حَقِيقِيِّينَ لَهُ، بَلْ تَبِعَهُ كَثِيرُونَ بِدَافِعِ الْإِعْجَابِ بِعَجَائِبِهِ أَوِ الْإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَتِهِ. وَقَدْ رَأَى فِيهِمْ يَسُوعُ بَشَرًا مُحْتَاجِينَ إِلَى التَّعْلِيمِ، لِئَلَّا يَهْلِكُوا بِسَبَبِ الْجَهْلِ، إِذْ إِنَّ الْجَهْلَ الرُّوحِيَّ يَقُودُ إِلَى الضَّيَاعِ، بَيْنَمَا الْمَعْرِفَةُ الْحَقَّةُ تَفْتَحُ طَرِيقَ الْخَلَاصِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “صَعِدَ” فَتُحِيلُ بِوُضُوحٍ إِلَى صُعُودِ مُوسَى النَّبِيِّ إِلَى الْجَبَلِ لِاسْتِلَامِ شَرِيعَةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَهَكَذَا يُقَدَّمُ يَسُوعُ هُنَا كَمُشَرِّعٍ جَدِيدٍ. فَكَمَا أُعْطِيَتِ الشَّرِيعَةُ الْأُولَى عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ (خُرُوج 19: 3)، كَذَلِكَ تُعْلَنُ الشَّرِيعَةُ الْجَدِيدَةُ عَلَى الْجَبَلِ، لَا لِتَنْسَخَ الْأُولَى، بَلْ لِتُكَمِّلَهَا وَتُحَقِّقَ مِلْءَ مَعْنَاهَا. إِنَّهُ صُعُودُ إِعْلَانٍ لَا صُعُودُ انْفِصَالٍ، وَصُعُودُ تَعْلِيمٍ لَا صُعُودُ انْعِزَالٍ.

وَأَمَّا عِبَارَةُ “الْجَبَلَ” فَتُشِيرُ جُغْرَافِيًّا إِلَى جَبَلِ التَّطْوِيبَاتِ، الْوَاقِعِ قُرْبَ مَنْطِقَةِ الطَّابِغَةِ، عِنْدَ الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ أَنَّهُ جَبَلُ قَرْنِ حِطِّينَ الْقَرِيبُ مِنْ كَفَرْنَاحُومَ. غَيْرَ أَنَّ لِلْجَبَلِ، فِي اللَّاهُوتِ الْإِنْجِيلِيِّ، بُعْدًا رَمْزِيًّا عَمِيقًا؛ فَهُوَ رَمْزُ السُّمُوِّ نَحْوَ السَّمَاوِيَّاتِ، وَعَلَامَةُ الثَّبَاتِ فِي الْإِيمَانِ، وَدَعْوَةٌ إِلَى التَّرَفُّعِ عَنِ الْمَادِّيَّاتِ وَالْأَرْضِيَّاتِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “عَلَى هَذَا الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ صَعِدَ الرَّبُّ بِنَفْسِهِ لِيَتَحَدَّثَ مَعَ شَعْبِهِ، فَيَكُونَ الْجَبَلُ شَاهِدَ حَقٍّ لَهُ خِلَالَ الْحَيَاةِ الْمُقَدَّسَةِ الْعَمَلِيَّةِ”.

وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَجَلَسَ” فَتُشِيرُ إِلَى وَضْعِيَّةِ الْمُعَلِّمِ فِي التَّقْلِيدِ الْيَهُودِيِّ حِينَ يُلْقِي تَعْلِيمَهُ (مَرْقُس 4: 1). يَجْلِسُ يَسُوعُ لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ صَاحِبُ السُّلْطَانِ، لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنْ مُوسَى: فَمُوسَى، كَمُشَرِّعٍ، أَعْلَنَ شَرِيعَةَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَطَبَّقَهَا عَلَى شَعْبٍ مُعَيَّنٍ، أَمَّا يَسُوعُ، كَمُشَرِّعٍ إِلَهِيٍّ، فَيُعْلِنُ شَرِيعَةَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّتِي تُكَمِّلُ الشَّرِيعَةَ الْأُولَى وَتَفْتَحُهَا أَمَامَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَقُولُ الرَّاهِبُ السِّسْتِرْسِيَانِيُّ إِسْحَاقُ النَّجْمَةِ: “كَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَجْلِسَ مَعَ الرَّبِّ يَسُوعَ عَلَى الْجَبَلِ، وَأَنْ أَجْلِسَ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، وَأَتَلَقَّى تَعَالِيمَهُ” (الْعِظَةُ الْأُولَى لِعِيدِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ).

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَدَنَا إِلَيْهِ” فَتُشِيرُ إِلَى حَرَكَةِ الِاقْتِرَابِ الْوَاعِي مِنْ قِبَلِ التَّلَامِيذِ، لَا مُجَرَّدَ اقْتِرَابٍ جَسَدِيٍّ، بَلِ اقْتِرَابِ الْإِصْغَاءِ وَالطَّاعَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “دَنَا إِلَيْهِ تَلَامِيذُهُ لِيَكُونُوا قَرِيبِينَ مِنْهُ بِالْجَسَدِ لِسَمَاعِ كَلِمَاتِهِ، كَمَا هُمْ قَرِيبُونَ مِنْهُ بِالرُّوحِ بِتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ”. فَالِاقْتِرَابُ الْحَقِيقِيُّ مِنَ اللهِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِقَدَاسَةِ الْحَيَاةِ، وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ، وَاسْتِقَامَةِ السُّلُوكِ.

وَأَخِيرًا، تُشِيرُ عِبَارَةُ “تَلَامِيذُهُ” إِلَى أَنَّ خِطَابَ يَسُوعَ مُوَجَّهٌ أَوَّلًا إِلَى التَّلَامِيذِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَثْنِي الْجُمُوعَ السَّامِعَةَ. فَالتَّعْلِيمُ مُوَجَّهٌ إِلَى كُلِّ مَنْ يَرْغَبُ فِي أَنْ يَصِيرَ تِلْمِيذًا حَقِيقِيًّا، وَيَسْلُكَ طَرِيقَ الْكَمَالِ، لِيَبْلُغَ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.

2 فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال:

تُشِيرُ عِبَارَةُ “شَرَعَ” فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἀνοίξας τὸ στόμα وَمَعْنَاهَا: “فَتَحَ فَاهُ” إِلَى عِبَارَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ تُسْتَعْمَلُ فِي مُسْتَهَلِّ خِطَابٍ ذِي شَأْنٍ. وَهِيَ تَدُلُّ هُنَا عَلَى أَنَّ مَا يُقَالُ يَصْدُرُ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ مُبَاشَرَةً، لَا نَقْلًا عَنِ الْآخَرِينَ، أَيْ إِنَّهُ مِنْ وَحْيِ فِكْرِ يَسُوعَ وَمِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ كَلِمَةُ الْحَيَاةِ وَمَصْدَرُ الْوَحْيِ. وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ قَائِلًا: “إِنَّ اللهَ، بَعْدَمَا كَلَّمَ الْآبَاءَ قَدِيمًا بِالْأَنْبِيَاءِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي آخِرِ الْأَيَّامِ هَذِهِ بِابْنٍ، جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ”(عِبْرَانِيِّينَ 1: 1–2).

أَمَّا عِبَارَةُ “يُعَلِّمُهُمْ” فَفِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἐδίδασκεν وَمَعْنَاهَا: “عَلَّمَهُمْ”، وَهِيَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمُسْتَمِرِّ، وَكَأَنَّ يَسُوعَ فَتَحَ قَلْبَهُ وَهُوَ دَائِمُ التَّعْلِيمِ. وَفِي الْوَاقِعِ، يُقَدِّمُ لَنَا يَسُوعُ عِظَتَهُ عَلَى الْجَبَلِ بِصُورَةِ تَعْلِيمٍ. وَالتَّعْلِيمُ هُوَ نَقْلُ الْمَعْلُومَاتِ، وَالْأَفْكَارِ، وَالِاتِّجَاهَاتِ، وَالْمَهَارَاتِ، لِإِعْدَادِ الْفَرْدِ لِلْمُضِيِّ قُدُمًا عَلَى دَرْبِ التَّعَلُّمِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ التَّعَلُّمَ هُوَ النَّاتِجُ الْحَقِيقِيُّ لِعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِ. يَسُوعُ هُوَ الْمُعَلِّمُ، شَأْنُهُ شَأْنُ مُوسَى، وَشَأْنُ مُعَلِّمِي الْيَهُودِ، وَلَكِنَّ شَتَّانَ بَيْنَ تَعْلِيمٍ وَتَعْلِيمٍ. ويَتَجَلَّى فَرْقُ سُلْطَانِ تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنْ تَعْلِيمِ مُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ فِي جَوْهَرِ الْمَصْدَرِ، وَفِي طَرِيقَةِ الْإِلْقَاءِ، وَفِي الْغَايَةِ الْخَلَاصِيَّةِ لِلتَّعْلِيمِ. من حيث الْمَصْدَرِ، كَانَ مُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يَسْتَمِدُّونَ سُلْطَانَهُمْ مِنَ التَّقْلِيدِ، فَيُعَلِّمُونَ نَاقِلِينَ مَا تَسَلَّمُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ، وَيُسْنِدُونَ أَقْوَالَهُمْ إِلَى مَرَاجِعَ سَابِقَةٍ وَسُلْطَةٍ خَارِجِيَّةٍ. أَمَّا يَسُوعُ، فَيُعَلِّمُ بِسُلْطَانٍ ذَاتِيٍّ، لِأَنَّ تَعْلِيمَهُ يَنْبَعُ مِنْ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللهِ الْمُتَجَسِّدَ، لَا نَاقِلًا لِلْوَحْيِ فَقَطْ، بَلْ مَصْدَرَ الْوَحْيِ نَفْسِهِ. لِذَلِكَ يَقُولُ الْإِنْجِيلُ: كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ، لَا كَالْكَتَبَةِ” (مَتَّى 7: 29). ومن حيث طَرِيقَةِ التَّعْلِيمِ، يَتَّسِمُ تَعْلِيمُ مُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ بِالشَّرْحِ الْحَرْفِيِّ وَالْجِدَلِ التَّفْسِيرِيِّ، وَبِالِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالْفَتَاوَى، فَيَبْقَى التَّعْلِيمُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ خَارِجِيًّا وَشَكْلِيًّا. أَمَّا يَسُوعُ، فَيُعَلِّمُ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى الْقَلْبِ، مُخَاطِبًا الضَّمِيرَ، وَمُسْتَخْدِمًا سُلْطَانَ الْكَلِمَةِ الَّتِي تَكْشِفُ الْإِنْسَانَ لِنَفْسِهِ. وَيَظْهَرُ هَذَا السُّلْطَانُ فِي صِيغَتِهِ الْمُمَيَّزَةِ: “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ”، وَهِيَ صِيغَةٌ لَا تَجْعَلُ يَسُوعَ شَارِحًا لِلشَّرِيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ مُفَسِّرًا نِهَائِيًّا لِمَقْصَدِ اللهِ. ومن حيث الْغَايَةِ، كَانَ هَدَفُ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الْكَتَبَةِ هُوَ ضَبْطُ السُّلُوكِ وَالِالْتِزَامُ الْخَارِجِيُّ بِالْوَصَايَا. أَمَّا تَعْلِيمُ يَسُوعَ فَيَسْتَهْدِفُ تَحْوِيلَ الْقَلْبِ وَتَجْدِيدَ الْإِنْسَانِ مِنَ الدَّاخِلِ، لِأَنَّ الْمَلَكُوتَ الَّذِي يُعْلِنُهُ لَيْسَ نِظَامًا أَخْلَاقِيًّا فَقَطْ، بَلْ حَيَاةً جَدِيدَةً فِي شَرِكَةٍ مَعَ اللهِ. ومن حيث السُّلْطَانِ الْعَمَلِيِّ، يَتَّحِدُ تَعْلِيمُ يَسُوعَ بِحَيَاتِهِ، فَمَا يُعْلِنُهُ يَعِيشُهُ، وَمَا يَقُولُهُ يُحَقِّقُهُ بِأَعْمَالِهِ. أَمَّا مُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ، فَكَثِيرًا مَا يَقُولُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ (مَتَّى 23: 3). وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ سُلْطَانُ يَسُوعَ سُلْطَانَ الْحَقِّ الْمُعَاشِ، لَا سُلْطَانَ النَّصِّ الْمُجَرَّدِ. إِنَّ سُلْطَانَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ لَا يَقُومُ عَلَى مَا يَقُولُهُ فَقَطْ، بَلْ عَلَى مَنْ هُوَ. فَهُوَ لَيْسَ مُعَلِّمَ شَرِيعَةٍ بَيْنَ مُعَلِّمِينَ، بَلِ الِابْنُ الَّذِي يَعْرِفُ الآبَ وَيُعْلِنُهُ، وَبِذَلِكَ يَصِيرُ تَعْلِيمُهُ كَلِمَةَ حَيَاةٍ، وَسُلْطَانُهُ سُلْطَانَ خَلَاصٍ.

3 طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات

تُشِيرُ الْعِبَارَةُ “طُوبَى” فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ إِلَى كَلِمَةِ μακάριος، وَهِيَ كَلِمَةٌ مِنْ أَصْلٍ أَرَامِيٍّ טוֹבֵיהוֹן، أَيْ: “طُوبَى لَهُمْ”، “هَنِيئًا لَهُمْ”، وَفِي الْعِبْرِيَّةِ אַשְׁרֵי، وَمَعْنَاهَا: بَرَكَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ بِمُنَاسَبَةِ تَهْنِئَةِ شَخْصٍ لِعَطِيَّةٍ نَالَهَا (مَتَّى 13: 16؛ 16: 17)، أَوْ لِتَبْشِيرِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ بِالسَّعَادَةِ (مَتَّى 11: 6). وَقَدْ بَدَأَ الْمَسِيحُ دُسْتُورَهُ بِالْمُكَافَأَةِ بَدَلَ الْعِقَابِ، كَيْ يَجْذِبَ النَّاسَ إِلَى “الْحَيَاةِ الْفَاضِلَةِ”. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: “مَا دُمْنَا نُحِبُّ الْمُكَافَأَةَ، يَلْزَمُنَا عَدَمُ إِهْمَالِ الْجِهَادِ لِبُلُوغِهَا، مُلْتَهِبِينَ شَوْقًا نَحْوَ الْعَمَلِ لِلْحُصُولِ عَلَيْهَا”. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ كَلِمَةُ “طُوبَى” فِي الْأَعْدَادِ الْعَشَرَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْفَصْلِ، لِكَيْ يَجْتَهِدَ كُلُّ مَسِيحِيٍّ فِي الِاتِّسَامِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، الَّتِي لَا تَكْتَمِلُ الْفَضِيلَةُ الْمَسِيحِيَّةُ إِلَّا بِمَجْمُوعِهَا؛ فَإِنْ نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ كَامِلًا.

أَمَّا عِبَارَةُ “فُقَرَاءِ الرُّوحِ” فَفِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ πτωχοὶ τῷ πνεύματι، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ עֲנָוִים، وَتُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ يَعِيشُونَ الْفَقْرَ الْبَاطِنِيَّ، وَهُوَ شَرْطٌ ضَرُورِيٌّ لِدُخُولِ الْمَلَكُوتِ. فَاللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلَى مَوْقِفٍ نَفْسَانِيٍّ أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى أَوْضَاعٍ اقْتِصَادِيَّةٍ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةٍ (إِشَعْيَاءَ 61: 1). وَالْفَقْرُ الْبَاطِنِيُّ هُوَ شُعُورُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ بِحَاجَةٍ إِلَى اللهِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِ، لَا تَعَلُّقُ نَفْسِهِ بِالْمَالِ أَوِ التَّمَسُّكُ بِخَيْرَاتِ الدُّنْيَا، تَمَاشِيًا مَعَ قَوْلِ سُلَيْمَانَ الْحَكِيمِ:
“بَاطِلُ الْأَبَاطِيلِ، كُلُّ شَيْءٍ بَاطِلٌ” (الْجَامِعَةِ 1: 2)، وَ”كُلُّ مَا فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ”، كَمَا كَتَبَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ، مُؤَسِّسَةُ مَذْهَبِ الْحُبِّ الْإِلَهِيِّ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “الْفَقِيرُ بِالرُّوحِ هُوَ مَنْ لَا يَرْجُو سِوَى اللهِ، لِأَنَّ الرَّجَاءَ فِيهِ وَحْدَهُ لَا يُخَيِّبُ. الْفَقِيرُ بِالرُّوحِ يَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ مَالِهِ وَيَتْبَعُ الْمَسِيحَ، وَإِذْ يَتَحَرَّرُ مِنْ كُلِّ حِمْلٍ أَرْضِيٍّ يَطِيرُ إِلَيْهِ كَمَا عَلَى أَجْنِحَةٍ”. وَبِطَلَبِهِ بِانْسِحَاقٍ شَدِيدٍ وَاتِّضَاعٍ يَرْفَعُهُ اللهُ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَيَسْكُنُ عِنْدَهُ:
“هَكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الرَّفِيعُ سَاكِنُ الْخُلُودِ الَّذِي قُدُّوسٌ اسْمُهُ: أَسْكُنُ فِي الْعَلَاءِ وَفِي الْقُدْسِ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ، لِأُحْيِيَ أَرْوَاحَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأُحْيِيَ قُلُوبَ الْمُنْسَحِقِينَ” (إِشَعْيَاءَ 57: 15). وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَى فُقَرَاءِ الرُّوحِ هُوَ الْعَشَّارُ الَّذِي وَقَفَ بَعِيدًا فِي الْهَيْكَلِ وَقَرَعَ صَدْرَهُ قَائِلًا:”اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ!”
(لُوقَا 18: 9–14). فَمِنْ نَاحِيَةٍ، يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ بِالتَّوَاضُعِ أَنَّهُ بِدُونِ اللهِ يَكُونُ كَلَا شَيْءٍ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ، الْبَابَا، فِي التَّطْوِيبَاتِ: “إِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُعْطَى لِلَّذِينَ تَوَاضَعَتْ أَنْفُسُهُمْ، وَلَيْسَ لِلَّذِينَ قَلَّتْ أَمْوَالُهُمْ”
(الْعِظَةُ 95، 1–2: PL 54، 461 – 461).

وَرَدَتْ كَلِمَةُ “الْفُقَرَاءِ” خَمْسًا وَعِشْرِينَ (25) مَرَّةً فِي الإنْجِيلِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمُعْوِزِينَ وَالْبُؤَسَاءِ، الَّذِينَ يُبَشَّرُونَ بِالسَّعَادَةِ خِلَافًا لِلرَّأْيِ السَّائِدِ. فَيُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ السُّعَدَاءَ هُمْ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُونَ الْمَلَكُوتَ، لَا لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ شَيْئًا، بَلْ لِأَنَّهُمْ يَعِيشُونَ مُنْذُ الْآنَ فَرَحَ الْخَلَاصِ. وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْفَقْرِ مَا لَمْ يَرْتَبِطْ بِيَسُوعَ الَّذِي يَبْذُلُ نَفْسَهُ. فَالْفَقْرُ الرُّوحِيُّ هُوَ الِاسْتِعْدَادُ الْجَذْرِيُّ لِلسَّهَرِ وَالصَّلَاةِ، وَلِلتَّخَلِّي عَنِ الْإِرَادَةِ الشَّخْصِيَّةِ عَلَى غِرَارِ الْمُعَلِّمِ يَسُوعَ، الْفَقِيرِ الْأَوَّلِ، سَعْيًا إِلَى تَحْقِيقِ مَشِيئَةِ الْآبِ. وَمَنْ لَا يَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَفْتَقِرْ مِثْلَ الْمَسِيحِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا لَهُ، كَمَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ: “إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْوَالَكَ وَأَعْطِهَا لِلْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ فَاتْبَعْنِي” (مَتَّى 19: 21). وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ تَبْشِيرَ الْفُقَرَاءِ هُوَ الْعَلَامَةُ الثَّانِيَةُ، بَعْدَ الْمُعْجِزَاتِ، الَّتِي أَعْطَاهَا يَسُوعُ لِتَلَامِيذِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ لِلشَّهَادَةِ أَنَّهُ الْمَسِيحُ الْمُنْتَظَرُ: “اِذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعُونَ وَتَرَوْنَ: الْعُمْيَانُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ مَشْيًا سَوِيًّا، وَالْبُرْصُ يُبْرَأُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْفُقَرَاءُ يُبَشَّرُونَ” (مَتَّى 11: 5).

أَمَّا عِبَارَةُ “الرُّوحِ” فَتُشِيرُ هُنَا إِلَى قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَكِيَانِهِ، كَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: “الرَّبُّ قَرِيبٌ مِنْ مُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ مُنْسَحِقِي الْأَرْوَاحِ”(مَزْمُور 34: 19). وَلِذَلِكَ فَإِنَّ فُقَرَاءَ الرُّوحِ هُمْ الَّذِينَ تَنْتَمِي إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، عَلَّمَتْهُمُ الْمِحَنُ الْمَادِّيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ عَدَمَ الِاعْتِمَادِ إِلَّا عَلَى عَوْنِ اللهِ وَحُضُورِهِ، كَمَا رَنَّمَ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ: “أَنَا بَائِسٌ مِسْكِينٌ، السَّيِّدُ يَهْتَمُّ لِي”(مَزْمُور 40: 18).

أَمَّا عِبَارَةُ “لَهُمْ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” فَتُشِيرُ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ، وَسُمِّيَ “مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” لِأَنَّهُ نَازِلٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلِأَنَّهُ الْمَلَكُوتُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى السَّمَاءِ. وَإِنَّ سَعَادَةَ الْفُقَرَاءِ بِالرُّوحِ هِيَ هِبَةٌ لَا مُكَافَأَةٌ، يَحْمِلُهَا اللهُ إِلَيْهِمْ فِي شَخْصِ يَسُوعَ. وَقَدْ شَدَّدَ مَتَّى الْإِنْجِيلِيُّ عَلَى أَنَّ السَّعَادَةَ تُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَرْبِطُونَ حَيَاتَهُمْ بِاللهِ وَحْدَهُ. وَمِنْ هُنَا جَاءَ مَعْنَى “الْفُقَرَاءِ” فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْفُقَرَاءُ إِلَى خَيْرَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَتَقَبَّلُونَ وَضْعَهُمْ فِي ضَوْءِ الْخَلَاصِ. فَيُصْبِحُ الْفَقْرُ دَعْوَةً إِلَى انْتِظَارِ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ نِعْمَتِهِ تَعَالَى. أَمَّا مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ السَّعَادَةَ فِي الْغِنَى، فَلَنْ يَكْتَسِبَ سِوَى الْمَالِ، وَهُوَ لَا يَدُومُ. وَفِي هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ الْأُولَى، فِيمَا الْعَالَمُ يَطْلُبُ السَّعَادَةَ فِي الْكِبْرِيَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ الشَّخْصِيِّ وَالْغِنَى، يَضَعُ يَسُوعُ السَّعَادَةَ فِي الْفَقْرِ عَنْ طَرِيقِ التَّوَاضُعِ: “تَوَاضَعُوا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ فَيَرْفَعَكُمْ”(يَعْقُوبَ 4: 10). وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَى هَذَا التَّوَاضُعِ هُوَ صَلَاةُ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ: “كَشَفَ عَنْ شِدَّةِ سَاعِدِهِ، فَشَتَّتَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي قُلُوبِهِمْ. حَطَّ الْأَقْوِيَاءَ عَنِ الْعُرُوشِ، وَرَفَعَ الْوُضَعَاءَ” (لُوقَا 1: 52–53). إِنَّ رُوحَ الْفَقْرِ، أَوَّلَ التَّطْوِيبَاتِ، هُوَ الْأَسَاسُ لِكُلِّ فَضِيلَةٍ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ، الْبَابَا، قَائِلًا: “طُوبَى لِلْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَعُوقُهُ حُبُّ الْأَرْضِيَّاتِ وَلَا شَهْوَةُ الْمَزِيدِ مِنْ خَيْرَاتِ هَذَا الْعَالَمِ، بَلْ تَكُونُ رَغْبَتُهُ الِاغْتِنَاءَ بِالسَّمَاوِيَّاتِ” (الْعِظَةُ 95، 2–3: PL 54، 462). إِنَّ التَّطْوِيبَةَ الْأُولَى تُعْلِنُ أَنَّ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَنْبَعُ مِنَ الْفَرَاغِ أَمَامَ اللهِ لَا مِنَ الِامْتِلَاءِ بِالذَّاتِ، وَأَنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُعْطَى لِلَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي تَوَاضُعٍ وَثِقَةٍ وَانْتِظَارٍ، جَاعِلِينَ اللهَ وَحْدَهُ غِنَاهُمْ وَرَجَاءَهُمْ.

4 طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض

تُشِيرُ هَذِهِ الْآيَةُ “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ الْأَرْضَ:” إِلَى اقْتِبَاسٍ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ: “أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَالْأَرْضَ يَرِثُونَ” (مَزْمُور 37: 11). يُطَوِّبُ الْمَسِيحُ طَبِيعَتَنَا الَّتِي كَانَتْ قَبْلًا شَرِسَةً، فَتَحَوَّلَتْ، بِفَضْلِ خُضُوعِهَا لِلرَّبِّ، إِلَى الْوَدَاعَةِ. فَالْوُدَعَاءُ هُمْ ذَوُو الْقُلُوبِ الْمُتَّسِعَةِ الَّتِي تَحْتَمِلُ إِسَاءَاتِ الْآخَرِينَ، فَلَا تُرْبِكُهُمُ الْإِهَانَاتُ فَيَفْقِدُوا سَلَامَهُمْ، وَلَا يُقَاوِمُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، بَلْ يَضَعُونَ ثِقَتَهُمُ الْمُتَوَاضِعَةَ فِي الرَّبِّ، وَبِثِقَةٍ فِي مَسِيحِهِمْ يُقَابِلُونَ مَنْ يُعَادِيهِمْ بِابْتِسَامَةٍ، لَا عَنْ ضَعْفٍ، بَلْ عَنْ ثِقَةٍ فِي قُوَّةِ الْمَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ، الْبَابَا، قَائِلًا: “يُوعَدُ مِيرَاثُ الْأَرْضِ لِلْوُدَعَاءِ وَالْحُلَمَاءِ وَالْمُتَوَاضِعِينَ وَالصِّغَارِ، وَالْمُسْتَعِدِّينَ لِأَنْ يَتَحَمَّلُوا الْإِهَانَاتِ”(الْعِظَةُ 95، 4–6: PL 54، 462-464).

أَمَّا لَفْظَةُ “وُدَعَاء” فَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ πραεῖς، وَهِيَ كَلِمَةٌ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِوَصْفِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسْتَأْنَسَةِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ וַעֲנָוִים، وَتُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ لَا يَسْتَشِيطُونَ غَضَبًا، وَلَا يَخْصِمُونَ وَلَا يَصِيحُونَ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ (مَتَّى 12: 19)، بَلْ يَبْقَوْنَ هَادِئِينَ، سَاكِنِينَ، صَابِرِينَ، لَيْسَ فِي طِبَاعِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْقَسَاوَةِ أَوِ الْعُنْفِ. وَقَدْ صَوَّرَ أغْنَاطِيُوسُ الْأَنْطَاكِيُّ الْمَوْقِفَ الْمَسِيحِيَّ أَمَامَ الَّذِينَ لَا يُشَارِكُونَنَا إِيمَانَنَا، فَكَتَبَ: “أَمَامَ غَضَبِهِمْ، كُونُوا وُدَعَاءَ، وَأَمَامَ تَبَجُّحِهِمْ، كُونُوا مُتَوَاضِعِينَ”. وَالْوَدَاعَةُ لَا تَعْنِي حَيَاةَ خُنُوعٍ أَوْ ضَعْفٍ، بَلْ هِيَ مِنْ أُسُسِ الْعَيْشِ الْهَادِئِ وَالْمُنْسَجِمِ، فِي حِينِ أَنَّ الْغَضَبَ يَجْلِبُ الْحُرُوبَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ قَائِلًا:”يَجِبُ أَنْ نَتَمَسَّكَ بِالْوَدَاعَةِ فِي حَرَكَاتِنَا وَمَلَامِحِنَا وَفِي طَرِيقَةِ مَشْيِنَا، لِأَنَّ حَرَكَاتِ الْجَسَدِ تُفْصِحُ عَنْ حَالَةِ الْعَقْلِ”. وَالْوَدَاعَةُ قَرِيبَةٌ مِنَ التَّوَاضُعِ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا دَقِيقًا فِي الْمَعْنَى وَالْمَجَالِ. فَـالتَّوَاضُعُ (ἡ ταπεινοφροσύνη) يَتَعَلَّقُ أَسَاسًا بِعَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِذَاتِهِ وَبِاللهِ. وَهُوَ مَوْقِفٌ دَاخِلِيٌّ يَرَى فِيهِ الْإِنْسَانُ حَقِيقَتَهُ أَمَامَ اللهِ: يَعْرِفُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَيَعْتَرِفُ بِضَعْفِهِ، وَيُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ مَا لَدَيْهِ هُوَ نِعْمَةٌ. لِذَلِكَ فَالْمُتَوَاضِعُ لَا يَتَكَبَّرُ، وَلَا يَنْسِبُ الْفَضْلَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَجْعَلُ ذَاتَهُ فِي الْمَرْكَزِ. وَقَدْ قَالَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ: “تَوَاضَعُوا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ” (يَعْقُوبَ 4: 10) فَالتَّوَاضُعُ، إِذًا، هُوَ كَيْفَ يَرَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ أَمَامَ اللهِ. أَمَّا الْوَدَاعَةُ (ἡ πραΰτης) فَتَتَعَلَّقُ أَسَاسًا بِعَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِالْآخَرِينَ وَبِالْأَحْدَاثِ. وَهِيَ ثَمَرَةٌ خَارِجِيَّةٌ لِلتَّوَاضُعِ الدَّاخِلِيِّ، تُعَبِّرُ عَنْ ضَبْطِ الْغَضَبِ، وَالصَّبْرِ، وَاللُّطْفِ فِي الرَّدِّ، وَعَنْ عَدَمِ مُقَابَلَةِ الشَّرِّ بِالشَّرِّ. فَالْوَدِيعُ لَا يَنْفَجِرُ غَضَبًا، وَلَا يَنْتَقِمُ، وَلَا يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِالْعُنْفِ، بَلْ يُوَاجِهُ الْإِسَاءَةَ بِهُدُوءٍ وَقُوَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ. وَمِنْ هُنَا تَتَّضِحُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالْوَدَاعَةِ: فَالتَّوَاضُعُ هُوَ الْجَذْرُ، وَالْوَدَاعَةُ هِيَ الثَّمَرَةُ. وَلَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ وَدِيعًا حَقًّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاضِعًا فِي دَاخِلِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَبْدُو بَعْضُ النَّاسِ هَادِئِينَ خَارِجِيًّا مِنْ دُونِ تَوَاضُعٍ حَقِيقِيٍّ. وَلِذَلِكَ جَمَعَ يَسُوعُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي شَخْصِهِ وَتَعْلِيمِهِ قَائِلًا: “فَإِنِّي وَدِيعٌ مُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (مَتَّى 11: 29).  وَإِذَا كَانَ يَسُوعُ نَفْسُهُ قَدْ عَرَّفَ ذَاتَهُ قَائِلًا:”فَإِنِّي وَدِيعٌ مُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ» (مَتَّى 11: 29)، فَإِنَّ هِرْمَاسَ، النَّبِيَّ الْحَقِيقِيَّ، يُعَلِّقُ قَائِلًا: “إِنَّ الَّذِي فِيهِ رُوحُ الْعَلِيِّ وَدِيعٌ وَهَادِئٌ وَمُتَوَاضِعٌ”. لِذَلِكَ، فَعَلَى التِّلْمِيذِ أَنْ يَكُونَ وَدِيعًا عَلَى خُطَى مُعَلِّمِهِ، مَهْمَا كَانَ وَضْعُهُ الِاجْتِمَاعِيُّ أَوِ الدِّينِيُّ. وَهَذَا مَا طَبَّقَهُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ الرَّسُولُ قَائِلًا:”أَنَا بُولُسُ أُنَاشِدُكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا الْمُتَوَاضِعُ بَيْنَكُمْ” (2 قُورِنْتُسَ 10: 1). وَأَوْصَى بِهَا أَيْضًا مُؤْمِنِي قُولُسِّي قَائِلًا: “وَأَنْتُمُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ فَقَدَّسَهُمْ وَأَحَبَّهُمْ، الْبَسُوا عَوَاطِفَ الْحَنَانِ وَاللُّطْفِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْوَدَاعَةِ وَالصَّبْرِ” (قُولُسِّي 3: 12). وَيُعَلِّقُ إِقْلِيمَنْدُسُ الرُّومَانِيُّ قَائِلًا: “الْوَقَاحَةُ وَالِاعْتِدَادُ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَارَةُ لِمَنْ لَعَنَهُمُ اللهُ، وَالْعَطْفُ وَالتَّوَاضُعُ وَالْوَدَاعَةُ لِمَنْ بَارَكَهُمُ اللهُ”(1 إِقْلِيمَنْدُسَ 30: 8). وَتَبْتَعِدُ الْوَدَاعَةُ عَنْ حُبِّ الظُّهُورِ وَالصَّدَارَةِ، وَتَتَقَبَّلُ إِهَانَةَ الصَّلِيبِ وَذُلَّهُ عَلَى خُطَى الْمُعَلِّمِ الْإِلَهِيِّ:”هُوَذَا مَلِكُكِ آتِيًا إِلَيْكِ وَدِيعًا رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ”(مَتَّى 21: 5). فَالْوَدَاعَةُ هِيَ تَعْزِيَةٌ لِلْمُتْعَبِينَ وَالْمُرْهَقِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ “فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ الْأَرْضَ” فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْوُدَعَاءَ يَمْلِكُونَ الْأَرْضَ لَا بِرُوحِ الِانْتِقَامِ وَالْخِصَامِ وَالْفَسَادِ، بَلْ “بِنَفْسٍ وَدِيعَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ” (1 بُطْرُسَ 3: 4). وَأَمَّا ذَوُو الْأَخْلَاقِ الشِّرِّيرَةِ فَيُطْرَدُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَعْدَ بِالْأَرْضِ يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ بِالسَّمَاءِ، الَّتِي كَانَتِ الْأَرْضُ رَمْزًا لَهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ “الْأَرْضَ” فَتُشِيرُ إِمَّا إِلَى أَرْضِ الْمِيعَادِ، وَهِيَ رَمْزٌ لِلْمَلَكُوتِ، أَوْ إِلَى الْأَرْضِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا الْوُدَعَاءُ، كَمَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ: “غَيْرَ أَنَّنَا نَنْتَظِرُ، كَمَا وَعَدَ اللهُ، سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً يُقِيمُ فِيهَا الْبِرُّ” (2 بُطْرُسَ 3: 13). وَأَمَّا الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فَيَقُولُ إِنَّ الْأَرْضَ هُنَا تُشِيرُ إِلَى “أَرْضِ الْأَحْيَاءِ”، كَمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: «آمَنْتُ أَنِّي سَأُعَايِنُ صَلَاحَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الْأَحْيَاءِ” (مَزْمُور 27: 13). وَلَكِنَّهُ يُحَذِّرُنَا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مِيرَاثُنَا لِلْأَرْضِ بِالْمَفْهُومِ الْحَرْفِيِّ هُوَ هَدَفَنَا، فَيَقُولُ:”إِنَّكُمْ تَرْغَبُونَ فِي امْتِلَاكِ الْأَرْضِ، وَلَكِنِ احْذَرُوا مِنْ أَنْ تَمْتَلِكَكُمْ هِيَ”. وَفِي هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ، فِيمَا الْعَالَمُ يَطْلُبُ السَّعَادَةَ فِي الْقُوَّةِ، يَضَعُ يَسُوعُ السَّعَادَةَ فِي الْوَدَاعَةِ، وَذَلِكَ بِحَمْلِ نِيرِهِ:”اِحْمِلُوا نِيرِي وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَدِيعٌ مُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا الرَّاحَةَ لِنُفُوسِكُمْ”
(مَتَّى 11: 29).

5 طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون

تُشِيرُ عِبَارَةُ “الْمَحْزُونِينَ” إِلَى الَّذِينَ يَحْزَنُونَ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالشُّرُورِ النَّاتِجَةِ عَنْهَا (زَكَرِيَّا 12: 10). وَبِالتَّالِي فَهِيَ لَا تَدُلُّ هُنَا عَلَى الْحُزْنِ الْمَادِّيِّ، بَلْ عَلَى الْحُزْنِ الرُّوحِيِّ، حَيْثُ يُدْرِكُ الْمَرْءُ خَطَايَاهُ وَيَشْعُرُ بِحَاجَتِهِ إِلَى تَوْبَةٍ صَادِقَةٍ. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ:”لِأَنَّ الْحُزْنَ لِلهِ يُورِثُ تَوْبَةً تُؤَدِّي إِلَى الْخَلَاصِ وَلَا نَدَمَ عَلَيْهَا، فِي حِينِ أَنَّ حُزْنَ الدُّنْيَا يُورِثُ الْمَوْتَ”(2 قُورِنْتُسَ 7: 10). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ، الْبَابَا، فِي شَرْحِهِ لِلتَّطْوِيبَاتِ قَائِلًا: “إِنَّ الْحُزْنَ الَّذِي يُكَافَأُ بِالْعَزَاءِ الْأَبَدِيِّ لَيْسَ الْحُزْنَ النَّاجِمَ عَنْ هُمُومِ هَذَا الْعَالَمِ، إِنَّمَا هُوَ الْبُكَاءُ أَمَامَ اللهِ، إِمَّا بُكَاءٌ عَلَى الذَّاتِ أَوْ عَلَى خَطِيئَةِ الْغَيْرِ. يَحْزَنُ الْمُؤْمِنُ لِمَا يَرْتَكِبُهُ النَّاسُ مِنْ مَعَاصٍ” (الْعِظَةُ 95، 4–6: PL 54، 462-464). وَلَا تَدُلُّ عِبَارَةُ “الْمَحْزُونِينَ” أَيْضًا عَلَى أَصْحَابِ الْمِزَاجِ السُّودَاوِيِّ، بَلْ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ تَبْكِيتِ الْخَطِيئَةِ، أَوِ الَّذِينَ “يَتَنَهَّدُونَ” وَ”يَنُوحُونَ” عَلَى حَالَةِ الْعَالَمِ الْخَاطِئَةِ. وَكَانَتْ هَذِهِ حَالَةَ بُولُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي أَمْضَى سِنِينَ خِدْمَتِهِ يَبْكِي دُمُوعًا مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ إِخْوَتِهِ، كَمَا صَرَّحَ هُوَ نَفْسُهُ قَائِلًا: “إِنَّ فِي قَلْبِي لَغَمًّا شَدِيدًا وَأَلَمًا مُلَازِمًا. لَقَدْ وَدِدْتُ لَوْ كُنْتُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا وَمُنْفَصِلًا عَنِ الْمَسِيحِ فِي سَبِيلِ إِخْوَتِي بَنِي قَوْمِي بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ” (رُومِيَةَ 9: 2–3)، وَكَذَلِكَ:”لِأَنِّي مِنْ حُزْنٍ كَثِيرٍ وَكُآبَةِ قَلْبٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ (2 قُورِنْتُسَ 2: 4). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ قَائِلًا: “إِنَّ يَسُوعَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْزَنَ لَا عَلَى أَنْفُسِنَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ شُرُورِ الْآخَرِينَ. وَهَذِهِ النِّزْعَةُ لِلْحُزْنِ بِسَبَبِ خَطَايَا الْغَيْرِ اتَّسَمَتْ بِهَا نُفُوسُ الْقِدِّيسِينَ مِثْلَ مُوسَى وَبُولُسَ وَدَاوُدَ”.

أَمَّا عِبَارَةُ “يُعَزَّوْنَ” فَتُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ يَتَعَزَّوْنَ لِشُعُورِهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْمَزْمُورِ:”طُوبَى لِمَنْ مَعْصِيَتُهُ غُفِرَتْ، وَخَطِيئَتُهُ سُتِرَتْ. طُوبَى لِمَنْ لَا يَحْسِبُ عَلَيْهِ الرَّبُّ إِثْمًا، وَلَا فِي رُوحِهِ خِدَاعٌ”(مَزْمُور 32: 1–2). وَسَيَتَعَزَّوْنَ أَيْضًا فِي السَّمَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا (رُؤْيَا 7: 13–17). وَقَدْ عَبَّرَ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ عَنْ شُعُورِ الْمَحْزُونِينَ وَتَعْزِيَتِهِمْ قَائِلًا: “الَّذِينَ بِالدُّمُوعِ يَزْرَعُونَ، بِالِابْتِهَاجِ يَحْصُدُونَ”(مَزْمُور 126: 5). إِنَّ هَذَا الْحُزْنَ مُقَدَّسٌ، وَالرَّبُّ يُحَوِّلُهُ إِلَى فَرَحٍ رُوحِيٍّ، كَمَا وَعَدَ تَلَامِيذَهُ قَائِلًا:”أَنْتُمْ أَيْضًا تَحْزَنُونَ الْآنَ، وَلَكِنِّي سَأَعُودُ فَأَرَاكُمْ، فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يَسْلُبُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ”(يُوحَنَّا 16: 22). وَهَذِهِ التَّعْزِيَةُ وَحْدَهَا قَادِرَةٌ أَنْ تُنَجِّيَ الْمَحْزُونِينَ مِنْ أَحْزَانِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ:”لِأُعَزِّيَ جَمِيعَ النَّائِحِينَ” (إِشَعْيَاءَ 61: 2). فَالْعَزَاءُ الْحَقِيقِيُّ يَأْتِي مِنَ الرَّبِّ. وَالْحُزْنُ هُنَا لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ شُعُورًا سَلْبِيًّا، بَلْ تَعْبِيرٌ عَنْ حَرَكَةٍ دَاخِلِيَّةٍ تَمْتَازُ بِالْبَحْثِ عَنْ يَسُوعَ الْعَرِيسِ، وَبِالسَّعْيِ الْمُسْتَمِرِّ إِلَى اللِّقَاءِ بِهِ، عَلَى مِثَالِ سِمْعَانَ الشَّيْخِ، الرَّجُلِ الْبَارِّ، الَّذِي الْتَقَى بِيَسُوعَ الطِّفْلِ فِي الْهَيْكَلِ، فَعَبَّرَ عَنْ تَعْزِيَتِهِ قَائِلًا:”الْآنَ تُطْلِقُ، يَا سَيِّدُ، عَبْدَكَ بِسَلَامٍ، وَفْقًا لِقَوْلِكَ، فَقَدْ رَأَتْ عَيْنَايَ خَلَاصَكَ”(لُوقَا 2: 29–30). وَيُمْكِنُ تَطْبِيقُ هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ أَيْضًا عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ الَّذِينَ يُعَانُونَ الِاضْطِهَادَ أَوِ التَّعْيِيرَ بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ، إِذْ إِنَّ التَّعْزِيَةَ تَأْتِيهِمْ أَوَّلًا بِالْإِيمَانِ السَّاكِنِ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ يَنَالُونَهَا عَلَنًا فِي الْعَالَمِ الْآتِي، فِي السَّمَاءِ. وَفِي هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ الثَّالِثَةِ، فِيمَا الْعَالَمُ يَطْلُبُ السَّعَادَةَ بِأَيِّ ثَمَنٍ، يَضَعُ يَسُوعُ السَّعَادَةَ فِي الْحُزْنِ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ طَلَبِ رَحْمَةِ اللهِ:”ارْحَمْنِي يَا اللهُ بِحَسَبِ رَحْمَتِكَ، وَبِكَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ”(مَزْمُور 51: 3).

6 طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون

تُشِيرُ عِبَارَةُ “الْجِيَاعِ” إِلَى الْجُوعِ إِلَى الطَّعَامِ الرُّوحِيِّ، أَيْ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ، كَمَا قَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ:”وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقَّ وَحْدَكَ، وَيَعْرِفُوا الَّذِي أَرْسَلْتَهُ يَسُوعَ الْمَسِيحَ” (يُوحَنَّا 17: 3). فَالْجُوعُ هُنَا هُوَ جُوعٌ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ: “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ” (مَتَّى 4: 4).

أَمَّا عِبَارَةُ “الْعِطَاشِ” فَتُشِيرُ إِلَى الْعَطَشِ الرُّوحِيِّ، أَيْ إِلَى الِاشْتِيَاقِ الْعَمِيقِ إِلَى اللهِ، كَمَا يُرَنِّمُ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ:”كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَلُ إِلَى مَجَارِي الْمِيَاهِ، كَذَلِكَ تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ” (مَزْمُور 42: 1). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ، الْبَابَا، قَائِلًا:”لَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا عَلَى جُوعِ الْجَسَدِ، وَلَا يَتَوَقَّعُ الْعِطَاشُ الْمَشَارُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ، وَلَكِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَشْبَعُوا مِنْ صَلَاحِ الْبِرِّ، وَأَنْ يَلِجُوا أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ الْخَفِيَّةَ، وَرَغْبَتُهُمْ هِيَ أَنْ يَمْتَلِئُوا بِالرَّبِّ نَفْسِهِ. فَقَدْ سَمِعَتِ الرُّوحُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ تَقُولُ: ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ”(مَزْمُور 34: 9؛ الْعِظَةُ 95، 6–8: PL 54،464- 465).

أَمَّا عِبَارَةُ “الْبِرِّ” في الأصل اليوناني δικαιοσύνην فَلَا تُشِيرُ إِلَى بِرِّ الشَّرِيعَةِ الْحَرْفِيِّ، بَلْ إِلَى بِرِّ اللهِ نَفْسِهِ (إِشَعْيَاءَ 51: 5). وَالْبِرُّ هُوَ احْتِرَامُ حُقُوقِ اللهِ، وَالِاسْتِمْرَارُ فِي الأَمَانَةِ لَهُ، وَيَتَضَمَّنُ الدِّيَانَةَ الْقَلْبِيَّةَ، وَالْقَدَاسَةَ، وَالتَّسْلِيمَ لِإِرَادَةِ اللهِ، وَالأَمَانَةَ الْجَدِيدَةَ وَالْجَذْرِيَّةَ لِلْعَمَلِ وَفْقَ شَرِيعَتِهِ، خَاصَّةً فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّدَقَةِ (مَتَّى 6: 2–4)، وَالصَّلَاةِ (مَتَّى 6: 5–6)، وَالصِّيَامِ (مَتَّى 6: 16–18). وَلِكَلِمَةِ “بِرّ” أَهَمِّيَّةٌ كُبْرَى فِي مُفْرَدَاتِ إِنْجِيلِ مَتَّى، إِذْ تَكَرَّرَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ، بَيْنَمَا لَا يَسْتَعْمِلُهَا إِنْجِيلُ مَرْقُسَ، وَيَسْتَعْمِلُهَا إِنْجِيلُ لُوقَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ فِي التَّطْوِيبَاتِ. وَفِي سِيَاقِ النَّصِّ، فَإِنَّ الْبِرَّ هُوَ التَّطَلُّعُ الْكُلِّيُّ إِلَى حَيَاةٍ مُطَابِقَةٍ لِمَشِيئَةِ اللهِ، مَعَ مُرَاعَاةِ حُقُوقِهِ عَلَيْنَا. أَلَمْ يَقُلِ الْمَسِيحُ:”فَاطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَهُ وَبِرَّهُ، فَتُزَادَ لَكُمْ هَذِهِ كُلُّهَا؟” (مَتَّى 6: 33). وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ إِلَى الْبِرِّ هُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، كَمَا شَهِدَ لَهُ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ قَائِلًا:”فَقَدْ جَاءَكُمْ يُوحَنَّا سَالِكًا طَرِيقَ الْبِرِّ” (مَتَّى 21: 32). وَفِي الرَّمْزِ الرُّوحِيِّ، فَإِنَّ الْبِرَّ هُوَ شَخْصُ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، الَّذِي هُوَ بِرُّنَا الْكَامِلُ. وَمَنْ تَذَوَّقَ حُضُورَ الرَّبِّ فِي حَيَاتِهِ يَتَرَنَّمُ مَعَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ: “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ” (مَزْمُور 34: 9). لِذَلِكَ نَحْنُ فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ إِلَى الْمَسِيحِ، كَمَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِهِ:”مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَنْ يَجُوعَ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَنْ يَعْطَشَ أَبَدًا”(يُوحَنَّا 6: 35).

أَمَّا عِبَارَةُ “يُشْبَعُونَ” فَلَهَا صَدًى نَبَوِيٌّ فِي سِفْرِ إِشَعْيَاءَ:”لَا يَجُوعُونَ وَلَا يَعْطَشُونَ، لِأَنَّ رَاحِمَهُمْ يَهْدِيهِمْ” (إِشَعْيَاءَ 49: 10). فَاللهُ يُشْبِعُ الْجِيَاعَ وَالْعِطَاشَ إِلَى الْبِرِّ، أَيْ إِلَى الْحَيَاةِ وَفْقَ مَشِيئَتِهِ وَكَلِمَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي نُبُوءَةِ عَامُوسَ: “هَا إِنَّهَا سَتَأْتِي أَيَّامٌ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أُرْسِلُ فِيهَا الْجُوعَ عَلَى الأَرْضِ، لَا الْجُوعَ إِلَى الْخُبْزِ وَلَا الْعَطَشَ إِلَى الْمَاءِ، بَلْ إِلَى اسْتِمَاعِ كَلِمَةِ الرَّبِّ” (عَامُوسَ 8: 11). وَكَذَلِكَ تَتَّخِذُ إِشْبَاعَةُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بُعْدًا عَمَلِيًّا كَعَمَلِ رَحْمَةٍ وَخَيْرٍ تُجَاهَ كُلِّ إِنْسَانٍ، كَمَا صَرَّحَ يَسُوعُ: “لِأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وَعَطِشْتُ َسَقَيْتُمُونِي… الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلَّمَا صَنَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِي هَؤُلَاءِ الصِّغَارِ، فَلِي قَدْ صَنَعْتُمُوهُ” (مَتَّى 25: 35، 40). وَيَكْتَمِلُ هَذَا الْإِشْبَاعُ فِي الْحَيَاةِ الأُخْرَوِيَّةِ، كَمَا يُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: “هُنَاكَ أَرُدُّ لَهُ مَا يُحِبُّ، وَأَرُدُّ لَهُ مَا يَشْتَهِي. هُنَاكَ يَرَى مَا يُؤْمِنُ بِهِ الآنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ. إِذَا جَاعَ سَيَأْكُلُ، وَإِذَا عَطِشَ سَيَرْتَوِي… أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الآخِرِ”(فِي إِنْجِيلِ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا 26، 4–6: CCL 36، 261-262). وَفِي هَذِهِ التَّطْوِيبَةِ، فِيمَا يَطْلُبُ الْعَالَمُ السَّعَادَةَ فِي السَّعْيِ وَرَاءَ الْحَاجَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، يَضَعُ يَسُوعُ السَّعَادَةَ فِي الْعَدَالَةِ وَالصَّلَاحِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ عَمَلِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، كَمَا قَالَ:”فَإِنْ لَمْ أَذْهَبْ لَا يَأْتِيكُمُ الْمُؤَيِّدُ… وَمَتَى جَاءَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالْبِرِّ وَالدَّيْنُونَةِ”(يوحنا 16: 7-8).

7 طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون

تُشيرُ عبارةُ “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ” إلى صيغةٍ كتابيّةٍ موازيةٍ وردت في رسالةِ يعقوبَ الرسول:
“لِأَنَّ الدَّيْنُونَةَ لا رَحْمَةَ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يَرْحَم”(يعقوب 2: 13). فالرحمةُ التي يُطالِبُ بها متّى الإنجيلي ليست شعورًا عاطفيًّا عابرًا، بل موقفًا إنجيليًّا شاملًا، يتجسّد في الغفرانِ، وفي إسعافِ مَن يعانونَ من الضِّيقِ والحاجة. ويُعلِّقُ القديسُ أوغسطينوس على هذه التطويبة قائلًا:”إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُرْحَمَ، فَارْحَمْ؛ وَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو مَغْفِرَةَ اللَّهِ، فَاغْفِرْ، لِأَنَّكَ تَسْتَعْدِلُ الْمِيزَانَ الَّذِي سَيُوزَنُ بِهِ قَلْبُكَ” (العظة على التطويبات). فالرحمةُ، في نظره، ليست فضيلةً إضافيّة، بل المِعيارُ الذي به يُقاسُ الإنسانُ أمامَ الله. وأفضلُ توضيحٍ إنجيليٍّ لموضوعِ الغفرانِ نجده في مَثَلِ العبدِ القليلِ الشَّفَقَة، حيث يقول السيّدُ المسيح: “أَفَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَرْحَمَ صَاحِبَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟” (متى 18: 33). ويُفسِّرُ القديسُ يوحنّا الذهبيّ الفم هذا المَثَل بقوله:”لَمْ يُعَاقَبِ الْعَبْدُ لأَنَّهُ طَلَبَ الْحَقَّ، بَلْ لِأَنَّهُ طَلَبَهُ بِلَا رَحْمَةٍ، بَعْدَمَا نَالَ هُوَ رَحْمَةً عَظِيمَةً”(العظة 61 على متّى). فالذي يختبرُ رحمةَ الله ولا يَرحم، إنّما يُغلِقُ بابَ الرحمةِ على نفسِه. أمّا إسعافُ المحتاجينَ إلى العَوْنِ، فيتجلّى بوضوحٍ في وصفِ الدَّينونةِ الأخيرة، حيث يقول الربّ:”لِأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي… وَمَرِيضًا فَعُدْتُمُونِي، وَسَجِينًا فَجِئْتُمْ إِلَيَّ” (متى 25: 31–46).  ويُشدِّدُ الذهبيّ الفم على أنّ هذه الأعمال ليست خيارًا، بل طريقُ الخلاص، قائلًا: “إِنْ كُنْتَ قَدْ أَغْلَقْتَ بَابَ بَيْتِكَ دُونَ الْفَقِيرِ، فَلَا تَتَعَجَّبْ إِنْ وُجِدَ بَابُ السَّمَاءِ مُغْلَقًا أَمَامَكَ” (العظة على متّى 25).

ولا تُشيرُ عبارةُ “الرُّحَمَاء” في الأصِل اليُونَاني οἱ ἐλεήμονεςإلى الذين يُقدِّمونَ المالَ فقط، بل تشملُ الذين يتصرّفونَ برحمةٍ في سلوكِهم، وعملِهم، ومعاملتِهم للغير. فالرحمةُ ليست مجرّدَ عطاءٍ مادّيّ، بل مشاركةٌ حقيقيّةٌ لآلامِ الآخر. وهذا ما يؤكّده القديسُ كيرلس الإسكندري بقوله: “الرَّحْمَةُ هِيَ أَنْ تَجْعَلَ بُؤْسَ أَخِيكَ بُؤْسَكَ، وَأَنْ تَرَى فِي جُرْحِهِ جُرْحَكَ”(تفسير إنجيل لوقا، 6). وهكذا فعل السيّدُ المسيحُ نفسُه، إذ رحمَنا باقترابِه إلينا، وقبولِه طبيعتَنا، وحملِه آلامَنا. لذلك يوصينا الرسولُ بولس قائلًا:”اُذْكُرُوا الْمَسْجُونِينَ كَأَنَّكُمْ مَسْجُونُونَ مَعَهُمْ” (عبرانيين 13: 3). ويُعلِّقُ أوغسطينوس هنا قائلًا: “مَنْ لَا يَتَأَلَّمْ مَعَ الْمُتَأَلِّمِ، فَقَدْ نَسِيَ أَنَّهُ أَيْضًا جَسَدٌ ضَعِيف” (شرح الرسالة إلى العبرانيين).

أمّا عبارةُ “يُرْحَمُونَ” فتشيرُ إلى اللهِ نفسِه، الذي يرحمُ الرحماءَ في يومِ الدَّينونة. وهذه الرحمةُ ليست أُجرةً، لأنّ الأُجرةَ تُطالَبُ بحقّ، أمّا الرحمةُ فتُعطى مجّانًا. ويقول كيرلس الإسكندري:”اللَّهُ لَا يُكَافِئُ الرَّحْمَاءَ كَأُجَرَاء، بَلْ يَحْتَضِنُهُمْ كَأَبْنَاء”(شرح التطويبات). لذلك يدعو يسوعُ تلاميذَه قائلًا:”كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ رَحِيم” (لوقا 6: 36). ويشرح الذهبيّ الفم هذه العبارة بقوله: “لَا يَقُولُ: كُونُوا صَالِحِينَ فَقَط، بَلْ رُحَمَاءَ، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ أَقْرَبُ صِفَةٍ تُشَبِّهُ الْإِنْسَانَ بِاللَّهِ” (العظة 18 على لوقا). غير أنّ هذه الدَّينونةَ ستكون قاسيةً على الذين لا يعرفونَ الرحمة، كما يقول يعقوب الرسول: “لِأَنَّ الدَّيْنُونَةَ لا رَحْمَةَ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يَرْحَم” (يعقوب 2: 13). ويختم أوغسطينوس محذّرًا:”مَنْ أَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ دُونَ أَخِيهِ، أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ أَحْشَاءَ اللَّهِ” (العظة على رسالة يعقوب). وهكذا، فيما يطلبُ العالمُ السعادةَ في القوّةِ الخاليةِ من الرحمة، يضعُ يسوعُ السعادةَ في الرحمةِ عبرَ المحبّة: “وسِيرُوا فِي الْمَحَبَّةِ سِيرَةَ الْمَسِيحِ الَّذِي أَحَبَّنَا وَجَادَ بِنَفْسِهِ لأَجْلِنَا” (أفسس 5: 1–2).

8 طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله

تُشيرُ عبارةُ “طُوبَى لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللهَ” إلى اقتباسٍ واضحٍ من سفرِ المزامير، حيثُ نقرأ:
“النَّقِيُّ الْكَفَّيْنِ وَالطَّاهِرُ الْقَلْبِ، الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ عَلَى الْبَاطِلِ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَحْلِفْ خَادِعًا” (مز 24: 4).  فشروطُ التَّقَرُّبِ إلى اللهِ ومُعايَنَتِه هي: نقاءُ الْكَفَّيْنِ، وطهارةُ الْقَلْبِ، وعدمُ دفعِ النَّفْسِ إلى الْبَاطِلِ والكذبِ. فلا يَسْتَحِقُّ الإنسانُ الاقترابَ من اللهِ إلّا بقدرِ ما في حياتِه من قداسةٍ أخلاقيّةٍ وتطهيرٍ داخليٍّ. ويُؤكِّدُ الرَّسولُ يعقوبُ هذا الترابطَ الجوهريَّ بين الفكرِ والعملِ بقوله:”اقْتَرِبُوا مِنَ اللهِ فَيَقْتَرِبْ مِنْكُمْ. طَهِّرُوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخَاطِئُونَ، وَنَقُّوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي النَّفْسَيْنِ”(يع 4: 8). فالقلبُ والكفُّ يُشَكِّلانِ معًا مركزَ الأفكارِ وأداةَ الأَعْمَالِ.  وفي هذا السِّياقِ يُعَلِّقُ القدِّيسُ ثيوفيلس الأنطاكي قائلًا:”مِثْلَ الْمِرْآةِ النَّقِيَّةِ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الإِنْسَانِ نَقِيَّةً. فَإِذَا وُضِعَتِ الْخَشَبَةُ أَمَامَ الْمِرْآةِ، لَا يَقْدِرُ الإِنْسَانُ أَنْ يَرَى وَجْهَهُ فِيهَا. كَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى اللهَ” (PG 6، 1026-1027).

فَإِنَّ عِبَارَةَ “لِأَطْهَارِ الْقُلُوبِ” لا تُشِيرُ إِلَى طَهَارَةٍ طَقْسِيَّةٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ إِلَى طَهَارَةِ الْقَلْبِ، وَالْكَمَالِ الأَخْلَاقِيِّ، وَاسْتِقَامَةِ الْحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، الَّتِي تُبْعِدُ الإِنْسَانَ عَنِ الْقَلْبِ الْمُلْتَوِي وَالأُمُورِ الْخَاطِئَةِ. وَبِالتَّحْدِيدِ، لَيْسَتْ طَهَارَةً أَخْلَاقِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ وَحْدَةُ الدَّاخِلِ، قَلْبٌ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ، مُحَرَّرٌ مِنَ الرِّيَاءِ وَالْخَطِيئَةِ. وَهذِهِ النَّقَاوَةُ تُؤَهِّلُ الإِنْسَانَ لِأَنْ يُقْبَلَ فِي حَضْرَةِ اللهِ الْمُبَاشِرَةِ.  فطهارةُ القلبِ لا تتمّ عن طريقِ غسلِ الجسدِ بالتطهيرِ الطقسيّ بحسب شريعةِ موسى، بل عن طريقِ تطهيرِ القلبِ بالتوبةِ والإيمانِ وفعلِ الروحِ القدسِ، كما يعلنُ كاتبُ الرسالةِ إلى العبرانيّين: “فَكَمْ بِالْحَرِيِّ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَرَّبَ نَفْسَهُ إِلَى اللهِ بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قُرْبَانًا لَا عَيْبَ فِيهِ، أَنْ يُطَهِّرَ ضَمَائِرَنَا مِنَ الأَعْمَالِ الْمَيْتَةِ لِنَعْبُدَ اللهَ الْحَيَّ!” (عب 9: 14).  ويُوضِّحُ هذه الحقيقةَ أيضًا المفكِّرُ الأخلاقيّ والفيلسوفُ الروسيّ ليو تولستوي بقوله: “لَيْسَ الْكَمَالُ الأَخْلَاقِيُّ الَّذِي يَبْلُغُهُ الْمَرْءُ هُوَ الَّذِي يُهِمُّنَا، بَلِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَبْلُغُهُ بِهَا”. فاللهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ، بينما ينظرُ الإنسانُ إلى الظواهرِ الخارجيّةِ: “لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ” (1 صم 16: 7). ويُعَلِّقُ القدِّيسُ يوحنّا الذهبي الفم قائلًا: “أَطْهَارُ الْقُلُوبِ، أَوِ الأَتْقِيَاءُ، هُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا كُلَّ فَضِيلَةٍ، أَوِ الَّذِينَ لَا يَحْمِلُونَ فِي دَاخِلِهِمْ أَيَّ شُعُورٍ شِرِّيرٍ، أَوِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي الْعِفَّةِ. فَلَيْسَ شَيْءٌ نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِمُعَايَنَةِ اللهِ مِثْلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ”. فاستقامةُ حياةِ الإنسانِ الشخصيّةِ تَدُلُّ على نِيَّتِه الصافيةِ ونزاهتِه الداخليّةِ (راجع رو 12: 8). فطاهرُ القلبِ ينظرُ إلى اللهِ وشريعتِه (متى 6: 22)، ويصونُ نفسَهُ من النجاساتِ الآتيةِ من باطنِه، كالأقوالِ الجارحةِ أو الكاذبةِ (متى 15: 8)، لأنَّ: “مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ الْمَقَاصِدُ السَّيِّئَةُ، وَالْقَتْلُ، وَالزِّنَى، وَالْفُحْشُ، وَالسَّرِقَةُ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَالتَّجْدِيفُ” (متى 15: 19). ويُعَدِّدُ القدِّيسُ أوغسطينوس الأمورَ الّتي تُعَكِّرُ صفاءَ القلبِ قائلًا: “الشَّهْوَةُ، وَالْبُخْلُ، وَالإِثْمُ، وَاللَّذَّةُ الْعَالَمِيَّةُ؛ كُلُّهَا تُعَكِّرُ عَيْنَ الْقَلْبِ، وَتُغْلِقُهَا، وَتُعْمِيهَا”. لذلك تُشيرُ طهارةُ القلبِ أيضًا إلى الامتناعِ عن الخطيئةِ وعدمِ الاحتكاكِ بها، وهي تقومُ على الزُّهدِ والتجرُّدِ والابتعادِ الجذريِّ عن كلِّ أمرٍ مُدَنِّسٍ للقلبِ. وهذه الانحرافاتُ ليست مجرَّدَ فسادٍ شخصيٍّ يُنظَرُ إليه من زاويةِ تأثيرِه في الأفرادِ فقط، بل هي أيضًا نَيْلٌ من كرامةِ القريبِ. فالتلميذُ الحقيقيُّ يُعَبِّرُ عن طهارتِه الشخصيّةِ في علاقتِه مع القريبِ. وبعبارةٍ جامعةٍ، إنَّ اللهَ يطلبُ النقاوةَ في الكيانِ الجوهريِّ للإنسانِ، ولا ينالُ الإنسانُ ذلك إلّا عبر الولادةِ الجديدةِ، أي المعموديّةِ.

أمَّا لفظةُ “اَطْهَار” في الأصلِ اليونانيّ καθαροὶ، فَتَعني التَّطهيرَ والغَسْلَ، أي إزالةَ الأوساخِ، كما تُشيرُ أيضًا إلى تنقيةِ ما هو صالحٌ ممّا هو رديءٌ، كفصلِ الحنطةِ عن التِّبن. فهي لا تَعني فقط الامتناعَ عن الشرِّ، بل التَّجَرُّدَ من الرذائلِ والميولِ المنحرفةِ والابتعادَ عن كلِّ شرٍّ. وهكذا يُغْسَلُ قلبُ المؤمنِ بدمِ ربّنا يسوعَ المسيحِ من كلِّ شائبةٍ. يُرَكِّزُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى الْبُعْدِ الأَخْلَاقِيِّ وَالْكَنَسِيِّ لِلطَّهَارَةِ، وَيَرَى أَنَّ النَّقَاوَةَ تَفْتَحُ بَابَ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ، إِذْ يَقُولُ: “لَمْ يَقُلْ: طُوبَى لِمَنْ يَرَوْنَ عَجَائِبَ، بَلْ طُوبَى لِمَنْ نَقَّوْا قُلُوبَهُمْ، لأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَصِيرُونَ أَهْلًا لِلاقْتِرَابِ مِنَ اللهِ” (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى).

أمَّا “القلب“، ففي مفهومِ الكتابِ المقدّسِ يُشيرُ إلى مركزِ حياةِ الإنسانِ في صميمِه: فكرِه، وذاكرتِه، ومشاعرِه، وقراراتِه (راجع لوقا 2: 19، 35، 51). فالقلبُ يشملُ العقلَ والإرادةَ والشعورَ. ولذلك يقولُ القدِّيسُ كيرلس الإسكندري إنَّ “القلبَ إذا نَقِيَ صارَ موضعَ سُكنى اللهِ، أمّا إذا تَنَجَّسَ أَظْلَمَ على الإنسانِ مَعرفةَ الحقّ”. مِنْ هُنَا،

أَمَّا عِبَارَةُ “يُشَاهِدُونَ اللهَ” τὸν θεὸν ὄψονται (فَمَعْنَاهَا الدُّخُولُ إِلَى حَضْرَةِ اللهِ الْقَرِيبَةِ) فتشير الى مُعَايَنَتَهُ، لا رُؤْيَةً جَسَدِيَّةً حِسِّيَّةً، بَلْ مُعَايَنَةَ شَرِكَةٍ وَحُضُورٍ. فَهِيَ رُؤْيَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ، تَتَحَقَّقُ فِي الْقُرْبِ مِنَ اللهِ وَالدُّخُولِ إِلَى قُدْسِ حَضْرَتِهِ، كَمَا يُعَلِّمُ كِتَابُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ: «فَلَنَا… ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ… فَلْنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ» (عِبْرَانِيِّينَ 10: 19–22)، وَ”قَدْ دَنَوْتُمْ… إِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ” (عِبْرَانِيِّينَ 12: 22–24). يُعايِن

أطهارِ القلوبِ الّذين اللهَ بالإيمانِ منذُ الآنِ، كما ترنَّم داودُ النبيُّ قائلًا: “جَعَلْتُ الرَّبَّ كُلَّ حِينٍ أَمَامِي، فَلِأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي لَنْ أَتَزَعْزَعَ” (مز 16: 8). فنحنُ نُعايِنُه هنا على الأرضِ بالإيمانِ، أمَّا في السماءِ فَتَكُونُ هذه الرؤيةُ عِيانًا، كما يُعلِّمُنا القدِّيسُ يوحنّا الرسول:”نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ نُشْبِهُهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” (1 يو 3: 2). ويُوضِّحُ بولسُ الرسولُ هذا البُعدَ الإسكاتولوجيَّ قائلًا: “فَإِنَّنَا الآنَ نَنْظُرُ فِي مِرْآةٍ رُؤْيَةً مُلْتَبِسَةً، وَأَمَّا حِينَئِذٍ فَوَجْهًا لِوَجْهٍ” (1 قور 13: 12). وهذه الرؤيةُ لوجهِ اللهِ هي مُعَايَنَةٌ طقسيّةٌ سماويّةٌ بالمثولِ أمامَ اللهِ لتأديةِ العبادةِ في الهيكلِ السماويّ، والتمتّعِ بألفةٍ بنويّةٍ، كما يؤكِّدُ صاحبُ سفرِ الرؤيا: “عَرْشُ اللهِ وَالْحَمَلِ يَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ، وَعِبَادُهُ يَعْبُدُونَهُ، وَيَرَوْنَ وَجْهَهُ، وَيَكُونُ اسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ” (رؤ 22: 3–4). وفي هذا الإطارِ يقولُ القدِّيسُ غريغوريوس النيصصي: “فِي مَفْهُومِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الرُّؤْيَةُ تَعْنِي الِاقْتِنَاءَ. فَمَنْ رَأَى اللهَ، فَقَدْ حَصَلَ عَلَى كُلِّ الْخَيْرَاتِ: الْحَيَاةَ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَعَدَمَ الْفَسَادِ الأَبَدِيَّ، وَالسَّعَادَةَ الْخَالِدَةَ، وَالْمُلْكَ الَّذِي لَا يَزُولُ” (العِظَةُ السَّادِسَةُ في التَّطْوِيبَات). ولهذا يكتبُ بولسُ الرسولُ أيضًا:”اطْلُبُوا السَّلَامَ مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِغَيْرِهَا لَا يَرَى الرَّبَّ أَحَدٌ”(عب 12: 14). وقالَ يسوعُ نفسُه: “مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو 14: 9). ويُعَلِّقُ القدِّيسُ إيرينيوس أسقف ليون قائلًا: “لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَرَى اللهَ وَيَحْيَا (خر 33: 20)، لِعَظَمَتِهِ وَمَجْدِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ، بِمَحَبَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، يَمْنَحُ هَذِهِ النِّعْمَةَ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ، لِأَنَّ مَا يُعْجِزُ النَّاسَ فَاللهُ عَلَيْهِ قَدِيرٌ” (ضدّ الهرطقات، الكتاب الرابع، 20). وهكذا، فيما يطلبُ العالَمُ السعادةَ في الخداعِ والمظاهرِ، يضعُ يسوعُ السعادةَ الحقيقيّةَ في نقاءِ القلبِ، أي في أن نكونَ “مُنْذُ الآنِ أَبْنَاءَ اللهِ” (1 يو 3: 2). ولذلك يوصينا القدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا:”لِنُنَقِّ قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ، لِنَتَهَيَّأَ لِلرُّؤْيَةِ غَيْرِ الْمَنْظُورَةِ، أَيْ لِمُعَايَنَةِ اللهِ الَّذِي لَا يُوصَفُ”.

أَمَّا عِبَارَةُ “يُشَاهِدُونَ” فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ هُنَا لَيْسَتْ “نَظَرًا بِالْعَيْنِ”، بَلْ مُعَايَنَةً وُجُودِيَّةً، أَيْ اشْتِرَاكًا فِي حَيَاةِ اللهِ وَنُورِهِ، كَمَا يَقُولُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ: «سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ» (1 يُوحَنَّا 3: 2). وَهكَذَا، فَإِنَّ الَّذِينَ تَطَهَّرَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْمَسِيحِ يُسْمَحُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَى حَضْرَةِ اللهِ الْقَرِيبَةِ، لا كَغُرَبَاءَ بَلْ كَأَبْنَاءَ، فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ تُدْعَى «مُعَايَنَةَ اللهِ». إِنَّ أَنْقِيَاءَ الْقُلُوبِ يُسْمَحُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَى حَضْرَةِ اللهِ الْقَرِيبَةِ، أَيْ مُعَايَنَتِهِ، لا رُؤْيَةً جَسَدِيَّةً، بَلْ مُعَايَنَةَ شَرِكَةٍ وَحُضُورٍ. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النيصي قَائِلًا:”مُعَايَنَةُ اللهِ لَيْسَتْ حَدًّا يُبْلَغُ، بَلْ تَقَدُّمٌ دَائِمٌ نَحْوَ مَنْ لا حَدَّ لَهُ. فَالنَّفْسُ النَّقِيَّةُ تَدْخُلُ فِي حُضُورِ اللهِ وَتَزْدَادُ اشْتِيَاقًا إِلَيْهِ”(عَنْ تَطْوِيبَاتِ الإِنْجِيلِ). تُبَيِّنُ هذِهِ الآيَةُ أَنَّ نَقَاوَةَ الْقَلْبِ، الْمُتَحَقِّقَةَ بِالنِّعْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ، تُـمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى حُضُورِ اللهِ الأَقْرَبِ، لا كَرُؤْيَةٍ حِسِّيَّةٍ، بَلْ كَشَرِكَةٍ حَيَّةٍ، وَمُعَايَنَةٍ وُجُودِيَّةٍ لِنُورِ اللهِ. وَيَرْبِطُ أوغسطينوس بِوُضُوحٍ بَيْنَ نَقَاوَةِ الْقَلْبِ وَالرُّؤْيَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلَّهِ، مُعْتَبِرًا أَنَّ الرُّؤْيَةَ هِيَ ثَمَرَةُ تَطْهِيرِ الدَّاخِلِ، إِذْ يَقُولُ: “إِنَّ اللهَ لا يُرَى بِعَيْنِ الْجَسَدِ، بَلْ بِعَيْنِ الْقَلْبِ. فَحَيْثُ يَكُونُ الْقَلْبُ طَاهِرًا، يَكُونُ قَادِرًا عَلَى مُعَايَنَةِ نُورِ اللهِ” (العِظَاتُ عَلَى الْجَبَلِ، 1: 2).

9 طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون.

تُشيرُ عبارةُ “لِلسَّاعِينَ إِلى السَّلامِ” εἰρηνοποιοί إِلى أُولئكَ الَّذينَ لا يَعيشونَ لِأَنْفُسِهِم، بَلْ يَهُمُّهُم مَصيرُ الآخَرينَ، وَيَحْمِلونَ في قُلوبِهِم رَغبةً عَميقَةً في أَنْ يَعيشَ الجَميعُ حَياةَ سَلامٍ وَوِئامٍ. فَهُم لا يَكْتَفونَ بِالسَّلامِ الشَّخْصِيِّ، بَلْ يَسْعَوْنَ إِلى خَيْرِ الجَماعَةِ، وَيَجْعَلونَ أَنْفُسَهُم أَدَواتٍ لِمُصالَحَةِ النَّاسِ بَعْضِهِم مَعَ بَعْضٍ، وَمَعَ اللهِ. وَبِهذَا المَعْنَى يَقُولُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير إِنَّ “”صانِعَ السَّلامِ هُوَ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ جِسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ الآخَرونَ نَحْوَ الوِفاقِ”. وَهُم يَجْتَهِدونَ، بِحَسَبِ تَعْبيرِ الرَّسولِ بولس، في “المُحافَظَةِ عَلَى وَحْدَةِ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلامِ” (أَفَسُس 4: 3)، سَائِرينَ عَلَى خُطى السَّيِّدِ الْمَسيحِ، رَئيسِ السَّلامِ، الَّذي جاءَ لِيُؤَسِّسَ مَلَكوتَهُ عَلَى الأَرْضِ، وَهُوَ مَلَكوتُ السَّلامِ. فَقَدْ دُعِيَ اسْمُهُ “رَئيسَ السَّلامِ” (أَشَعْياء 9: 5)، وَإِنجيلُهُ هُوَ “بِشارَةُ السَّلامِ” (أَفَسُس 6: 15)، وَمَلَكوتُهُ “مَلَكوتُ بِرٍّ وَسَلامٍ وَفَرَحٍ في الرُّوحِ القُدُسِ” (رومة 14: 17). وَفي هذَا السِّياقِ يُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس قائلًا: “الْمَسيحُ نَفْسُهُ هُوَ سَلامُنا، وَمَنْ يَثْبُتْ فِيهِ يَثْبُتْ فِي السَّلامِ”. لِذلِكَ لا تَنْطَبِقُ هذِهِ التَّطْويبَةُ عَلَى كُلِّ تَفاهُمٍ بَشَرِيٍّ أَوِ اتِّفاقٍ مَصْلَحِيٍّ، بَلْ عَلَى السَّلامِ الَّذي يَنْبَعُ مِنَ الْمُصالَحَةِ مَعَ اللهِ. وَهذَا ما يُشيرُ إِلَيْهِ الرَّسولُ بولسُ حِينَ يَقولُ:” فَإِذْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمانِ، لَنا سَلامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسوعَ الْمَسيحِ” (رومة 5: 1). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ “السَّلامَ الحَقِيقِيَّ لا يُوهَبُ إِلّا لِمَنْ صَالَحَ اللهَ أَوَّلًا، فَصَارَ قَلْبُهُ مَسْكَنًا لِلنِّعْمَةِ”. وَلِذلِكَ فَإِنَّ “السَّلامَ” لا يَعْني فَقَط عَدَمَ الحَرْبِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى حَالَةِ امْتِلَاءِ وَهَنَاءٍ، يَعِيشُ فِيهَا الإِنْسانُ فِي وِئامٍ مَعَ اللهِ، وَمَعَ نَفْسِهِ، وَمَعَ الخَلِيقَةِ. وَهُوَ، بِتَعْبيرِ القِدِّيسِ غريغوريوس النيصصي، “مُشارَكَةٌ مُسْبَقَةٌ فِي نِعْمَةِ الْمَجْدِ الآتِي”.

وَلِهذَا يَخْتِمُ يَسوعُ هذِهِ التَّطْويبَةَ بِقَوْلِهِ: “فَإِنَّهُمْ أَبْناءُ اللهِ يُدْعَوْنَ“، لأَنَّ صانِعي السَّلامِ، المُتَّحِدينَ فِي الخَيْرِ وَالمُتَّفِقينَ فِي القَداسَةِ، يَشْتَرِكونَ فِي صِفَةِ اللهِ نَفْسِهِ. فَهُم يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يُدْعَوْا بِالاسْمِ الأَبَدِيِّ، أَيْ “أَبْناءَ اللهِ وَوَرَثَةَ الْمَسيحِ” (رومة 8: 17).

“وَأَبْناءُ اللهِ” يَتَرْجِمونَ هذَا السَّلامَ الإِلَهِيَّ إِلى وَاقِعٍ مَعاشٍ، فَيَعمَلونَ عَلَى نَشْرِ السَّلامِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمُساعَدَتِهِم عَلَى التَّصالُحِ وَالعَيْشِ في انْسِجامٍ. وَفي هذَا المَعْنَى يَقُولُ القِدِّيسُ يوحنّا الذهبي الفم: “عَمَلُ الابْنِ الوَحيدِ أَنْ يُوَحِّدَ الْمُنْقَسِمينَ وَيُصالِحَ الْغُرَباءَ، وَمَنْ يَعْمَلُ ذلِكَ يَشْتَرِكُ فِي عَمَلِ الْمَسيحِ نَفْسِهِ”. أَمَّا ثَمَنُ هذَا السَّلامِ فَهُوَ دَمُ الْمَسيحِ الثَّمينُ الْمَبْذولُ عَلَى الصَّليبِ، كَما يَشْهَدُ الرَّسولُ بولس: “وَقَدْ حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِهِ” (قولسي 1: 20). وَصُنْعُ السَّلامِ، لِذلِكَ، لَيْسَ عَمَلًا سَطْحِيًّا أَوْ مَظْهَرِيًّا، بَلْ هُوَ ثِمَارُ سَلامٍ داخِلِيٍّ يُحَقِّقُهُ الرُّوحُ القُدُسُ فِي الإِنْسانِ. وَفي هذَا الصَّدَدِ يُعَلِّمُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: “يَكونُ كَمالُ السَّلامِ حَيْثُ لا تُقاوِمُ الشَّهْوَةُ العَقْلَ، وَلا يَثورُ الجَسَدُ عَلَى الرُّوحِ. ذلِكَ هُوَ سَلامُ أَبْناءِ اللهِ، وَهِيَ حَياةُ الإِنْسانِ الحَكيمِ صانِعِ السَّلامِ”. فَلا يُمْكِنُ لِلإِنْسانِ أَنْ يَحْكُمَ مَا هُوَ دُونَهُ إِنْ لَمْ يَخْضَعْ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ. وَهذَا الخُضوعُ للهِ هُوَ مَنْبَعُ السَّلامِ الحَقِيقِيِّ الَّذي يَهَبُهُ اللهُ لِذَوِي الإِرادَةِ الصّالِحَةِ. وَيُضيفُ القِدِّيسُ أمبروسيوس أَنَّ “السَّلامَ الَّذي لا يُبْنَى عَلَى العَدْلِ وَالطَّاعَةِ للهِ يَبْقى وَهْمًا، أَمَّا سَلامُ الْمَسيحِ فَهُوَ ثابِتٌ لأَنَّهُ مَغْروسٌ فِي الحَقِّ”. وَفِي التَّطْويبَةِ السّابِعَةِ، فِيمَا يَطْلُبُ العالَمُ السَّعادَةَ فِي الأَمْنِ الذّاتِيِّ وَالانْعِزالِ، يَضَعُ يَسوعُ السَّعادَةَ فِي السَّلامِ العَامِّ، أَيْ فِي مُسالَمَةِ الجَميعِ، وَعَدَمِ الِانْتِقامِ، وَالتَّغَلُّبِ عَلَى الشَّرِّ بِالخَيْرِ: “سالِموا جَميعَ النَّاسِ إِنْ أَمْكَنَ، عَلَى قَدْرِ ما الأَمْرُ بِيَدِكُمْ… لا تَدَعِ الشَّرَّ يَغْلِبُكَ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالخَيْرِ” (رومة 12: 18–21).

10 طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات

تُشيرُ عبارةُ “الْمُضْطَهَدِينَ عَلَى الْبِرِّ” في الأصلِ اليونانيّ δεδιωγμένοι إلى الَّذينَ يَتَكَبَّدونَ العَذابَ مِنْ أَجْلِ الْمَسيحِ، وَيُطْرَدونَ وَيُرْفَضونَ لِتَمَسُّكِهِم بِالْحَقِّ، وَأَمانَتِهِم لِلهِ وَلِوَاجِباتِهِم. فَهُم يَدْخُلونَ، مِنْ خِلالِ الِاضْطِهادِ، فِي بُنُوَّةِ اللهِ، لأَنَّ الِاضْطِهادَ يَكْشِفُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدِ اتَّحَدَ بِالابْنِ الْوَحِيدِ. وَلِهذَا يَقُولُ يَسوعُ: “أَحِبُّوا أَعْداءَكُمْ، وَصَلُّوا مِنْ أَجْلِ مُضْطَهِدِيكُمْ، لِتَصِيرُوا بَنِي أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَواتِ” (متى 5: 44–45). فَأَبْناءُ اللهِ هُمُ الْمُتَّحِدونَ بِالابْنِ الْبِكْرِ يَسوعَ الْمَسيحِ، وَالَّذينَ يَسيرونَ فِي الطَّريقِ نَفْسِهِ الَّذِي سَلَكَهُ. وَلِذلِكَ يُحَذِّرُ الرَّبُّ تَلامِيذَهُ قائلًا:
“إِذا أَبْغَضَكُمُ الْعالَمُ، فَاعْلَموا أَنَّهُ أَبْغَضَنِي قَبْلَ أَنْ يُبْغِضَكُمْ”(يو 15: 18)، وَ”إِذا اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدونَكُمْ أَيْضًا” (يو 15: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذهبي الفم عَلَى هذِهِ التَّطْويبَةِ قائلًا إِنَّ «الِاضْطِهادَ لَيْسَ عَلامَةَ هَزِيمَةٍ، بَلْ بُرْهانُ الشَّبَهِ بِالْمَسيحِ، فَحَيْثُ يَكونُ الصَّليبُ يَكونُ الْمَجْدُ”. فَالْمُضْطَهَدُ عَلَى الْبِرِّ يَحْمِلُ سِمَةَ الْمَسيحِ، وَيُصْبِحُ شَريكًا فِي آلَامِهِ. وَبِكَلِمَةٍ أُخْرَى، طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِ الَّذِي يَعْمَلُ الْبِرَّ وَيَقُومُ بِالأَعْمالِ الصَّالِحَةِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قُتِلَ يُعْتَبَرُ شَهِيدًا لِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ، بَلْ مَنْ تَأَلَّمَ وَماتَ مِنْ أَجْلِ إِيمانِهِ، وَمَنْ احْتَمَلَ الْعَذابَ لِيَجْعَلَ الْعالَمَ مَكانًا أَفْضَلَ لِلْعَيْشِ، فَيَقْرُبُ الْبَشَرُ بِسَبَبِهِ مِنَ اللهِ. وَفِي هذَا السِّياقِ يَقُولُ القِدِّيسُ إيرينيوس أسقف ليون إِنَّ “مَجْدَ اللهِ هُوَ الإِنْسانُ الْحَيّ، وَحَياةُ الإِنْسانِ هِيَ مُعايَنَةُ اللهِ”، وَهذِهِ الْمُعايَنَةُ تَتَحَقَّقُ أَحْيانًا مِنْ خِلالِ الشَّهادَةِ وَالآلَامِ. وَمِنْ هذَا الْمُنْطَلَقِ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ الأَعْداءِ وَالصَّلاةَ مِنْ أَجْلِ الْمُضْطَهِدِينَ تُشَكِّلانِ بابَيْنِ أَساسِيَّيْنِ لِلدُّخولِ فِي الشَّرِكَةِ الإِلَهِيَّةِ. فَنَصِيرُ إِخْوَةً لِيَسوعَ بِقَدْرِ مَا نَتَضامَنُ مَعَهُ فِي تَحَمُّلِ نِيرِ الِاضْطِهادِ وَفِي مَحَبَّةِ مَنْ يُسيئونَ إِلَيْنا. َيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس ذلِكَ قائلًا: “لا يَكْتَمِلُ الْبِرُّ إِلّا إِذا احْتَمَلَ الِاضْطِهادَ، فَالْبِرُّ الَّذِي لا يُمْتَحَنُ بِالْأَلَمِ يَبْقى ناقِصًا”. وَالْمَسيحِيُّ يُوصَفُ، بِحَسَبِ تَعْليمِ الْكَنيسَةِ، كَشَخْصٍ مُعَرَّضٍ دَائِمًا لِلطَّرْدِ وَالِاضْطِهادِ فِي سُمْعَتِهِ وَمالِهِ وَحَياتِهِ، لأَنَّهُ لا يَنْتَمِي كُلِّيًّا إِلى هذَا الْعالَمِ.

وَفِي هذَا الإِطارِ تَأْتِي عبارةُ “فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكوتَ السَّمَواتِ” لِتُشِيرَ إِلى الَّذينَ احْتَمَلُوا الْمَظالِمَ مِنْ أَجْلِ الإِنْجيلِ، وَبَرْهَنُوا، بِأَمانَتِهِم وَثَباتِهِم، أَنَّهُمْ مَسيحِيُّونَ حَقًّا. وَفِي هذِهِ التَّطْويبَةِ، فِيمَا يَطْلُبُ الْعالَمُ السَّعادَةَ فِي الِالْتِزاماتِ الضَّعيفَةِ وَالْحُلولِ السَّهْلَةِ، يَضَعُ يَسوعُ السَّعادَةَ فِي الأَمانَةِ وَالتَّقْوَى وَالثَّباتِ، كَما يَقُولُ الرَّسولُ بولسُ:
“فَجَميعُ الَّذينَ يُريدونَ أَنْ يَحْيَوْا حَياةَ التَّقْوَى فِي الْمَسيحِ يَسوعَ يُضْطَهَدونَ”(2 طيموتاوس 3: 12). وَهكَذا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاضْطِهادَ لَيْسَ نِهايَةَ الطَّريقِ، بَلْ هُوَ عَلامَةُ الْبُنُوَّةِ وَبِدايَةُ الْمَجْدِ، لأَنَّ مَنْ يَشْتَرِكُ فِي آلَامِ الْمَسيحِ يَشْتَرِكُ أَيْضًا فِي مَلَكوتِهِ.

11 طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي

تُشيرُ عبارةُ “طُوبَى لَكُمْ” إلى تَطْبيقٍ مُباشِرٍ وشَخْصيٍّ على التَّلاميذ، الَّذينَ يُواصِلونَ عَمَلَ الأَنْبِياءِ وَعَمَلَ يَسوعَ الْمَسيحِ نَفْسِهِ في زَمَنِهِ. فَهُنا يَنْتَقِلُ متّى الإِنْجيليُّ مِنْ صِيغَةِ الغائِبِ “طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِينَ” إلى صِيغَةِ المُخاطَبِ “طُوبَى لَكُمْ”، بَعْدَما وَجَّهَ السَّيِّدُ كَلامَهُ، فيما تَقَدَّمَ، إلى عُمومِ التَّلاميذ، يُصَرِّحُ الآنَ أَنَّ هذِهِ التَّطْويبَةَ تُطْلَقُ على سامِعيهِ فَرْدًا فَرْدًا؟  وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذهبي الفم قائلًا إِنَّ “الْمَسيحَ، إِذْ يَنْتَقِلُ مِنَ الْعُمومِ إِلى الْخُصوصِ، يُحَوِّلُ التَّطْويبَةَ مِنْ تَعْليمٍ إِلى دَعْوَةٍ شَخْصِيَّةٍ، لِيَجْعَلَ كُلَّ سامِعٍ مَسْؤولًا عَنِ الشَّهادَةِ”. فَيُوَجِّهُ السَّيِّدُ الْمَسيحُ كَلامَهُ بِصِفَةٍ خاصَّةٍ إلى الحاضِرينَ، تَشْجيعًا لَهُمْ كَيْ يَحْتَمِلوا ما سَيُواجِهونَهُ مِنْ ضِيقٍ وَاضْطِهادٍ كَأَبْناءٍ لِلَّهِ، وَبِذلِكَ يُصْبِحونَ شُرَكاءَ الِاضْطِهادِ وَشُرَكاءَ الْمَجْدِ. وَفي هذا الإطارِ يقولُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري إِنَّ “الِاضْطِهادَ لا يَنْزِعُ بُنُوَّةَ الْمُؤْمِنِ، بَلْ يَخْتِمُها بِخاتَمِ الشَّبَهِ بِالابْنِ، فَمَنْ يُهانُ مِنْ أَجْلِ الْمَسيحِ يُكْرَمُ مَعَهُ”. وَيُوَضِّحُ الرَّسولُ بولسُ هذِهِ الحقيقَةَ بقوله: “فَإِذا كُنَّا أَبْناءَ اللهِ فَنَحْنُ وَرَثَةٌ: وَرَثَةُ اللهِ وَشُرَكاءُ الْمَسيحِ فِي الْمِيراثِ، لأَنَّنا إِذا شارَكْناهُ فِي آلامِهِ نُشارِكُهُ فِي مَجْدِهِ أَيْضًا” (رومة 8: 17).

أمَّا عبارةُ “شَتَمُوكُمْ”، ففي الأصلِ اليونانيّ ὀνειδίσωσιν، فَتَعني عَيَّروا، أَي أَلْصَقوا بِهِم أَلْقابًا مُهينَةً وَشِرِّيرَةً عَلانيةً وَهُمْ حاضِرونَ. وَيَرى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ “التَّعييرَ مِنْ أَجْلِ الْمَسيحِ يَصيرُ إِكْليلًا، لأَنَّ الإِهانَةَ الَّتي تُقْبَلُ بِالْمَحَبَّةِ تَتَحَوَّلُ إِلى شَراكَةٍ فِي صَلِيبِ الرَّبِّ”.

وَأمَّا عبارةُ “افْتَرَوْا عَلَيْكُمْ“، فَتُشيرُ إِلى ما يُقالُ عَنْهُمْ فِي غِيابِهِم كَذِبًا.

وَأمَّا “كُلَّ كَذِبٍ” فَتُشيرُ إِلى تَلْفِيقِ التُّهَمِ، وَنِسْبَةِ أَنْواعِ الشَّرِّ إِلَيْهِم، وَتَزْييفِ الْحَقائِقِ قَصْدَ الخِداعِ. وَفي هذا يقولُ القِدِّيسُ إيرينيوس أسقف ليون إِنَّ “الْحَقَّ لا يُهْزَمُ بِالْكَذِبِ، بَلْ يَتَجَلّى أَكْثَرَ كُلَّما احْتَمَلَ الِافْتِراءَ”، لأَنَّ شَهادَةَ الْمُؤْمِنِ لا تُقاسُ بِكَلامِ النَّاسِ، بَلْ بِثَباتِهِ فِي الْحَقِّ. وَلَيْسَتِ السَّعادَةُ فِي الِاضْطِهادِ بِحَدِّ ذاتِهِ، إِلَّا إِذا لَمْ يَكُنْ ناتِجًا عَنْ أَعْمالٍ شِرِّيرَةٍ.

أَمَّا عبارةُ “مِنْ أَجْلِي” فَتُشيرُ إِلى الِاضْطِهادِ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسانِ (راجع لوقا 6: 22). فَالآلامُ هُنا لا تَكونُ عَبَثًا، بَلْ تَعودُ بِمُكافَأَةٍ خاصَّةٍ، لأَنَّها تُحْتَمَلُ وَفاءً لِلْمَسيحِ، كَما قالَ هو نَفْسُهُ: “وَأَمَّا الَّذِي يَفْقِدُ حَياتَهُ فِي سَبِيلِي فَإِنَّهُ يَجِدُها” (متى 16: 25). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيصصي قائلًا إِنَّ “فُقْدانَ الْحَياةِ مِنْ أَجْلِ الْحَقِّ هُوَ في الحَقيقَةِ دُخولٌ إِلى حَياةٍ أَسْمَى”. وَيُوَضِّحُ الرَّسولُ بولسُ هذَا التَّضامُنَ بَيْنَ الأَلَمِ وَمَجْدِ الْمَسيحِ قائلًا:
“لأَنَّهُ أُنعِمَ عَلَيْكُمْ، بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَسيحِ، أَنْ تَتَأَلَّموا مِنْ أَجْلِهِ، لا أَنْ تُؤْمِنوا بِهِ فَحَسْبُ” (فيلبّي 1: 29)، وَيَقُولُ أَيْضًا: ” وَلِذلِكَ فَإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعْفِ وَالإِهاناتِ وَالشَّدائِدِ وَالِاضْطِهاداتِ وَالْمَضايِقِ فِي سَبِيلِ الْمَسيحِ” (2 قورنتس 12: 10). وَيَرَى القِدِّيسُ أُوغسطينوس أَنَّ “الصَّبْرَ عَلَى هذِهِ الآلامِ هُوَ عَيْنُهُ دَليلُ الْبُنُوَّةِ، لأَنَّ الابْنَ يَتَشَبَّهُ بِابْنِ اللهِ فِي الصَّلِيبِ لِيَتَشَبَّهَ بِهِ أَيْضًا فِي الْقِيامَةِ”. وَهكَذا يُؤَكِّدُ الرَّسولُ بطرسُ هذِهِ التَّطْويبَةَ قائلًا:
“افْرَحوا بِقَدْرِ ما تُشارِكونَ الْمَسيحَ فِي آلامِهِ، حتَّى إِذا تَجَلَّى مَجْدُهُ كُنْتُمْ فِي فَرَحٍ وَابْتِهاجٍ. طُوبَى لَكُمْ إِذا عَيَّرَكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ اسْمِ الْمَسيحِ” (1 بطرس 4: 13–14). وَبِذلِكَ تَتَّضِحُ هذِهِ التَّطْويبَةُ كَدَعْوَةٍ إِلى الشَّهادَةِ الأَمِينَةِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الِاضْطِهادُ إِلى طَريقِ بُنُوَّةٍ، وَالأَلَمُ إِلى عَرْبونِ مَجْدٍ، وَالْعَيْبُ فِي نَظَرِ العالَمِ إِلى كَرامَةٍ أَبَدِيَّةٍ عِنْدَ اللهِ.

12 اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.

تُشيرُ عبارةُ “اِفْرَحوا وابْتَهِجوا” إلى الفرحِ باللهِ والابتهاجِ به، على مثالِ الرُّسُلِ الَّذينَ فَرِحوا وابْتَهَجوا، لأَنَّهم حُسِبوا أَهْلًا أَنْ يُهانوا مِنْ أَجْلِ اسْمِ الْمَسيحِ، كما يَرْوي سفرُ أعمالِ الرُّسُلِ: “أَمَّا هُمْ فانْصَرَفوا مِنَ الْمَجْلِسِ فَرِحينَ بِأَنَّهُمْ وُجِدوا أَهْلًا لأَنْ يُهانوا مِنْ أَجْلِ الِاسْمِ” (أع 5: 41). فالفرحُ ههُنا ليس فَرَحًا عاطفيًّا عابرًا، بل فرحُ الشَّرِكَةِ معَ الْمَسيحِ في آلامِهِ. وفي هذا المعنى يُعَلِّقُ توما الأكويني قائلًا: “لا يَسْتَطيعُ أَيُّ إِنْسانٍ أَنْ يَعيشَ دُونَ فَرَحٍ، ولِذلِكَ فَإِنَّ مَنْ يُحْرَمُ الفَرَحَ الرُّوحيَّ يَنْجَرُّ إلى مُلاحَقَةِ الْمَلَذّاتِ الْجَسَدِيَّةِ”. فالفَرَحُ الرُّوحيُّ هُوَ بَديلُ الفَراغِ الدَّاخِلِيِّ، وَعَلامَةُ حُضورِ اللهِ في القَلْبِ.

أمَّا عبارةُ “وابْتَهِجوا” فتُشيرُ إلى أَقْصى دَرَجاتِ الفَرَحِ، أي إلى الفَرَحِ المُنْتَصِرِ الَّذي يَحُلُّ مَحَلَّ الخَوفِ وَالْكَآبَةِ. فهذِهِ الكَلِماتُ كانَت، وَما زالَت، تَعْزِيَةً لِآلافِ الْمُؤْمِنينَ في أَزْمِنَةِ الضِّيقِ وَالِاضْطِهادِ.

وأمَّا عبارةُ “أَجْرُكُمْ في السَّمَواتِ عَظيمٌ” فتُشيرُ إلى الْحَياةِ الْوافِرَةِ الَّتي وَعَدَ بِها يَسوعُ قائلًا:
“أَنا قَدْ أَتَيْتُ لِتَكونَ الْحَياةُ لِلنَّاسِ، وَتَفيضَ فيهِم” (يو 10: 10). فالِاضْطِهادُ في ذاتِهِ لَيْسَ سَبَبَ فَرَحٍ، بَلْ إِنَّ نَتيجَتَهُ الْمَوْعودَ بِها هِيَ الَّتي تُوَلِّدُ فَرَحًا. وَهذَا الأَجْرُ لَيْسَ كَأَنَّهُ اسْتِحْقاقٌ بَشَرِيٌّ، بَلْ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ، أَو كَرِبْحٍ يُعادِلُ ما خَسِرَهُ الْمُؤْمِنُ في سَبيلِ أَمانَتِهِ.

وأمَّا عبارةُ “في السَّمَواتِ” فتُشيرُ إلى مَكانِ خَيْرِ الْجَزاءِ وَكَمالِ الثَّوابِ، لأَنَّ الأَرْضَ هِيَ مَكانُ التَّعَبِ وَالضِّيقِ، أَمَّا السَّماءُ فَهِيَ مَكانُ الرَّاحَةِ وَالْمَجْدِ. فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ وَعْدُ اللهِ حَيْثُ لا اضْطِهادَ بَعْدُ.

وأمَّا عبارةُ “اضْطَهَدوا الأَنْبِياءَ” فتُشيرُ إلى تَاريخِ الِاضْطِهادِ الَّذي مارَسَهُ الَّذينَ لَمْ يُؤْمِنوا مِنَ الْيَهودِ ضِدَّ أَنْبِياءِ اللهِ، كَإِيليَّا، وَإِرْمِيا، وَدانيال، حتَّى اسْتِشْهادِ كَثيرينَ مِنْهُمْ. وَكَثيرًا ما يُذَكِّرُ يَسوعُ بِاسْتِشْهادِ الأَنْبِياءِ (راجع لو 11: 47–51؛ 13: 33)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ طَريقَ الأَمانَةِ كانَ دَومًا طَريقَ الصَّليبِ. ولِذلِكَ يَطْلُبُ مِنّا يَسوعُ أَنْ نَفْرَحَ عِنْدَ الِاضْطِهادِ، لأَنَّهُ قَدْ يَكونُ خَيْرًا لَنا: فَهُوَ يُقَوِّي إِيمانَ الَّذينَ يَحْتَمِلونَ، وَيُقَدِّمُ مِثالًا لِلآخَرينَ لِيَحْذوا حَذْوَهُمْ، وَيُعَزِّينا بِأَنَّ أَعْظَمَ الأَنْبِياءِ قَدِ اضْطُهِدوا. فَكَما اضْطَهَدوا الأَنْبِياءَ، كَذلِكَ سَيَتَعَرَّضُ التَّلاميذُ لِلِاضْطِهاداتِ (راجع متى 23: 34). وفي نِهايَةِ المَسيرَةِ، يَكونُ مَكافَأَةُ مَلَكوتِ السَّماواتِ، حَيْثُ لا أَلَمَ وَلا اضْطِهادَ بَعْدُ. وَفي هذَا السِّياقِ تَقُولُ تريزا من آفيلا:”لا تَدَعْ شَيْئًا يُزْعِجُكَ، لا تَدَعْ شَيْئًا يُخِيفُكَ؛ جَميعُ الأَشْياءَ تَمْضي، أَمَّا الرَّبُّ فلا يَتَغَيَّر. يَصْنَعُ الصَّبْرُ كُلَّ شَيْءٍ. مَنْ لَهُ الرَّبُّ لا يُعْوِزُهُ شَيْءٌ؛ الرَّبُّ وَحْدَهُ يَكْفي”. وفي هذِهِ التَّطْويبَةِ يُشيرُ يَسوعُ إلى أَنَّ مَنْ يَرْغَبُ أَنْ يَسْلُكَ طَريقَ التَّطْويباتِ، لا بُدَّ أَنْ يُواجِهَ اضْطِهادًا وَمُعارَضَةً. فَإِذا شَعَرْنا بِالْحُزْنِ، فَلْنَسْتَغِثْ بِروحِ الْمَسيحِ السَّاكِنِ فينا، وَلْنُصَلِّ مَعَ صاحِبِ الْمَزاميرِ: “لِماذا تَكْتَئِبينَ يا نَفْسي، وعلَيَّ تَنوحين؟ اِرْجِي اللهَ، فَإِنِّي سَأَعودُ أَحْمَدُهُ، وَهُوَ خَلاصُ وَجْهي” (مز 42: 6). وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الَّذينَ يُفارِقونَ الجَسَدَ يَعيشونَ مَعَ إِلهِ الْكُلِّ، كَما يُعَلِّمُ الرَّسولُ بولسُ: “فَنَحْنُ إِذًا واثِقونَ، ونَرى مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ نَهْجُرَ هذَا الجَسَدَ لِنُقيمَ في جِوارِ الرَّبِّ” (2 قور 5: 8).

وأمَّا عبارةُ “الأَنْبِياءَ مِنْ قَبْلِكُمْ” فتُشيرُ إلى أَتْباعِ الْعَهْدِ الْجَديدِ الَّذينَ أَصْبَحوا خُلَفاءَ أَنْبِياءِ الْعَهْدِ الْقَديمِ في آلامِهِم وَشَهادَتِهِم. وَما يُقَوِّي الْمُؤْمِنينَ وَقْتَ الِاضْطِهادِ هُوَ شُعورُهُمْ بِأَنَّهُمْ أَبْرِياءُ، وَأَنَّ الْمَسيحَ مَعَهُمْ وَيُعَزِّيهم. فَالْمَسيحيّونَ يُشارِكونَ فِي آلامِ الأَنْبِياءِ وَالرُّسُلِ، بَلْ فِي آلامِ الْمَسيحِ نَفْسِهِ، لأَنَّهُمْ يَشْرَبونَ مِنَ الْكَأْسِ الَّتي شَرِبَها هُوَ. وَهكَذا تُكَمِّلُ هذِهِ الآيَةُ ما وَرَدَ في الآيَةِ السّابِقَةِ: فَالضِّيقُ الَّذي يَتَعَرَّضُ لَهُ التَّلاميذُ لا يَسْتَوْجِبُ الْحُزْنَ، بَلِ الْفَرَحَ، لأَنَّ السَّيِّدَ نَفْسَهُ أَمَرَ بِذلِكَ، وَوَعَدَ بِمَجْدٍ لا يَزول.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 5: 1-12)

بعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجيليِّ (متى 5: 1–12)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ التَّطْوِيباتِ بِوَصْفِها دُسْتورَ الحَياةِ الْمَسيحيَّةِ، الَّذي يُحَدِّدُ سُلوكَ التِّلميذِ الْكامِلِ كَيْ يَنالَ سَعادَةَ الْمَلَكوتِ (متى 5: 1–7: 29). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: “فيها جَميعُ المَبادِئِ السَّامِيَةِ اللّازِمَةِ لِلحَياةِ الْمَسيحيَّةِ الْكامِلَةِ”. ومِنْ هُنا يَطْرَحُ النَّصُّ أَسْئِلَةً أَساسِيَّةً: ما هو مَفْهومُ التَّطْوِيباتِ كَطَريقٍ لِلسَّعادَةِ الْحَقَّةِ؟ وَأَيْنَ تَمَّتْ عِظَةُ التَّطْوِيباتِ؟

التَّطْوِيباتُ: طَريقٌ إِلَى السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ

أوّلًا: السَّعَادَةُ فِي مَفْهُومِ أَسْفَارِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ

تُعَبِّرُ التَّطْوِيباتُ في أَسْفارِ العَهْدِ القَديمِ عَنِ البُشْرى بالفَرَحِ المُقْبِلِ، كما جاءَ في نُبوءَةِ دانيال: “طُوبَى لِمَن يَنْتَظِرُ” (دانيال 12: 12)، أَو عَنِ الشُّكْرِ عَلى فَرَحٍ مُرْتَقَبٍ، كما في سِفْرِ الْمَزاميرِ: “طُوبَى لِمَن مَعْصِيَتُهُ غُفِرَتْ وخَطيئَتُهُ سُتِرَتْ. طُوبَى لِمَن لا يَحْسِبُ عَلَيْهِ الرَّبُّ إِثْمًا ولا في رُوحِهِ خِداعٌ” (مزمور 32: 1–2)، أَو عَنِ وَعْدٍ بِمُكافَأَةٍ، كما في سِفْرِ الأَمْثالِ: “طُوبَى لِلإِنْسانِ الَّذي وَجَدَ الحِكْمَةَ، ولِلإِنْسانِ الَّذي نالَ الفِطْنَةَ ” (أمثال 3: 13).

فالتَّطْوِيبةُ في العَهْدِ القَديمِ تَقْصِدُ دَائِمًا فَرَحًا يَمْنَحُهُ اللهُ، لا فَرَحًا يَصْنَعُهُ الإِنْسانُ بِقُدْراتِهِ الذَّاتِيَّةِ. ومع ذلك، فإنَّ مَفْهومَ السَّعادَةِ العَهْدِيَّ كانَ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ مُرْتَبِطًا بِغِنَى الإِنْسانِ وَنَجاحِهِ الظّاهِرِيِّ. فأَبْناءُ شَعْبِ العَهْدِ القَديمِ كانوا مُقْتَنِعينَ أَنَّ السَّعادَةَ تَأْتي مِنَ اللهِ، وتَتَجَلّى في أَنْ يَكونَ الإِنْسانُ غَنِيًّا، قادِرًا، ذَا بَنينَ عديدين، وَمُتَمِّمًا لِلشَّريعَةِ، وَخادِمًا لِقَريبِهِ، وَمُتَمَتِّعًا بِالخَيْراتِ الأَرْضِيَّةِ.

غيرَ أَنَّ أَيّوبَ البارَّ رَفَضَ هذَا التَّفْسيرَ رَفْضًا جَذْرِيًّا، مُؤْمِنًا بِأَنَّ اللهَ لا يُنْزِلُ المَصائِبَ عَلى الإِنْسانِ كَعِقابٍ آليٍّ، وبِأَنَّ الأَلَمَ لا يَنْفِي عَلاقَةَ الإِنْسانِ بِاللهِ. ولِهؤُلاءِ الَّذينَ يَعيشونَ وَفْقَ هذَا المَفْهومِ التَّقْلِيدِيِّ لِلسَّعادَةِ، يَتَوَجَّهُ يَسوعُ بِرِسالَةِ التَّطْوِيباتِ قائلًا: طُوبَى لِلْفُقَراءِ، وَلِلْحُزْنَى، وَلِلْجِياعِ وَالعِطاشِ، وَلِلْوُدَعاءِ…، مُقَلِّبًا مِقاييسَ السَّعادَةِ السّائِدَةَ رَأْسًا عَلى عَقِبٍ.

ثانيًا: السَّعَادَةُ فِي مَفْهُومِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ

  1. مفهوم السَّعادَة

لَفْظَةُ “طُوبَى”، بِاليونانيَّةμακάριος، هِيَ كَلِمَةٌ ذاتُ أَصْلٍ عِبْرِيٍّ אַשְׁרֵי، وَمَعْناها: بَرَكَةٌ أَو سَعادَةٌ. وتُسْتَعْمَلُ لِتَهْنِئَةِ شَخْصٍ عَلَى عَطِيَّةٍ نالَها (متى 13: 16؛ 16: 17)، أَو لِتَبْشيرِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ بِالسَّعادَةِ (متى 11: 6). وكَثيرًا ما وَرَدَتْ فِي الأَناجيلِ، مِثْلَ: “فَطُوبَى لِمَن آمَنَتْ” (لوقا 1: 45)، وَقَوْلِ يَسوعَ: “بَلْ طُوبَى لِمَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ اللهِ وَيَحْفَظُها” (لوقا 11: 27–28). كما تُعَبِّرُ التَّطْوِيباتُ في الإِنْجيلِ المُقَدَّسِ عَن تَهْنِئَةٍ لِعَطِيَّةٍ تَمَّ مَنْحُها، أَو وَعْدٍ لِمَنْ يَتَقَبَّلُ رِسالَةَ سَيِّدِنا يَسوعَ الْمَسيحِ، كما جاءَ في قولِهِ: “طُوبَى لِمَنْ لا أَكونُ لَهُ حَجَرَ عَثْرَةٍ” (متى 11: 6). ومِنْ هُنا جاءَ لَقَبُ “طُوباويّ” الَّذي يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَنْ عاشَ سِيرَةً صالِحَةً عَلَى خُطى السَّيِّدِ الْمَسيحِ. وَعَلى هذَا الأَساسِ، لا يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ إِنْسانًا يَكونُ تِلْميذًا لِلْمَسيحِ وَلا يَكونُ سَعيدًا، لأَنَّ السَّعادَةَ هِيَ ثَمَرَةُ السَّيْرِ مَعَهُ.

السَّعادَةُ في التَّطْوِيباتِ لا تَعْني مُجَرَّدَ غِبْطَةٍ أَو شُعورٍ عابِرٍ بِالفَرَحِ، بَلْ هِيَ سِمَةٌ تَمَسُّ طَبيعَةَ الشَّخْصِ وَحَياتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ. فالرَّبُّ لا يُقَدِّمُ لِتَلامِيذِهِ مُكَافَآتٍ خارِجِيَّةً فَقَط، بَلْ عَطايا تُغَيِّرُ دَاخِلَهُمْ: يَحْمِلونَ رَحْمَتَهُ، وَسَلامَهُ، وَنَقاوَتَهُ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أُوغسطينوسُ ذلِكَ قائلًا: “جَميعُ الْمُطَوَّبينَ سَيُعايِنونَ اللهَ، لَكِنَّهُمْ لا يُعايِنونَهُ بِسَبَبِ فَقْرِهِمْ بِالرُّوحِ أَو وَداعَتِهِمْ أَو حُزْنِهِمْ أَو جُوعِهِمْ وَعَطَشِهِمْ إِلَى الْبِرِّ أَو رَحْمَتِهِمْ، بَلْ بِسَبَبِ نَقاوَةِ قُلوبِهِمْ. فالتَّواضُعُ يُؤَهِّلُ لِمَلَكوتِ السَّماواتِ، وَالوَداعَةُ لِامْتِلاكِ الأَرْضِ، وَالحُزْنُ لِنَوالِ التَّعْزِيَةِ، وَالجُوعُ وَالعَطَشُ إِلَى الْبِرِّ لِلشِّبَعِ، وَالرَّحْمَةُ لِنَوالِ الرَّحْمَةِ، أَمَّا نَقاوَةُ القَلْبِ فَلِمُعايَنَةِ اللهِ”. وبِكَلِمَةٍ أُخْرَى، فَالتَّطْوِيباتُ تَصِفُ مَعْنَى تَبَعِيَّةِ الْمَسيحِ، وَهِيَ مِعْيارٌ لِلسُّلوكِ، إِذْ “تُنيرُ الأَفْعالَ وَالْمَواقِفَ الَّتي تُميِّزُ الحَياةَ الْمَسيحيَّةَ، وَتَدْعَمُ الرَّجاءَ في وَسَطِ الْمُضايِقِ”(التَّعْليمُ المَسيحيّ، 1717).

  1. السَّعادَةُ عَلَى الأَرْضِ

لا تَقْتَصِرُ السَّعادَةُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ هذِهِ الحَياةِ الأَرْضِيَّةِ، حينَ تَنْتَهي المُشْكِلاتُ وتُحَلُّ العُقَدُ، بَلْ نَجِدُ بُذورَ السَّعادَةِ هُنا على الأَرْضِ، عِندَما نَعيشُ رِسالَةَ التَّطْوِيباتِ. فَقَدْ أَعْلَنَ يَسوعُ السَّعادَةَ لِلْفُقَراءِ، والوُدَعاءِ، والمَحْزونينَ، والمَظْلومينَ، والمُضْطَهَدينَ، والرُّحَماءِ، والسّاعِينَ إِلى السَّلامِ. غيرَ أَنَّهُ يَكْفي أَنْ نُلْقيَ نَظْرَةً حَوْلَنا لِنُلاحِظَ أَنَّ الفُقَراءَ ما زالوا فُقَراءَ، وكَأَنَّ تَبْشيرَ يَسوعَ بِالسَّعادَةِ قَدْ باءَ بِالفَشَلِ.

غيرَ أَنَّ الواقِعَ يُبيِّنُ أَنَّ يَسوعَ افْتَتَحَ رِسالَةَ التَّطْوِيباتِ، لَكِنَّهُ عَهِدَ إِلى تَلامِيذِهِ أَنْ يُتابِعوا تَحْقيقَها في العالَمِ. لِذلِكَ فَإِنَّ مُكافَحَةَ الفَقْرِ، وإِدانَةَ الظُّلْمِ، وإِلغاءَ الِاضْطِهادِ، وإِنْهاءَ الحُروبِ، لا تَعودُ إِلى اللهِ وَحْدَهُ، بَلْ تَعودُ إِلَيْنا نَحْنُ، إِلَى الإِنْسانِيَّةِ. غيرَ أَنَّ اللهَ يَهْدي، وَيَهَبُ القُوَّةَ، وَيُحَرِّكُ القُلوبَ الَّتي تَبْذُلُ نَفْسَها بِمَحَبَّةٍ في نَشْرِ تَطْوِيباتِ الإِنْجيلِ. وهكَذا يَنْتَشِرُ، مِنْ خِلالِهِم، نُورُ هذِهِ الرِّسالَةِ في العالَمِ.

لِذلِكَ لا يَحِقُّ لأَحَدٍ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلى “فَشَلِ” رِسالَةِ التَّطْوِيباتِ على الأَرْضِ، ما دامَ لَمْ يَبْذُلْ كُلَّ ما في إِمْكانِهِ—وبِجَميعِ الوَسائِلِ المُتاحةِ في دائرَةِ نُفوذِهِ—مِنْ تَقادُمِ الأَموالِ والمَسْؤولِيّاتِ، وَالعَمَلِ المِهْنيِّ، وَالنِّقابيِّ، َالسِّياسيِّ، كَيْ لا يَبْقى فُقَراءُ ولا مَظْلومونَ ولا مُضْطَهَدونَ. ويَتَوَجَّبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُضْفِيَ مَعْنًى مَسيحيًّا على مُخْتَلَفِ نَشاطاتِهِ البَشَرِيَّةِ في سَبيلِ كَرَامَةِ الإِنْسانِ وَنُموِّ الشُّعوبِ، وبِذلِكَ يَكونُ قَدْ ساهَمَ حَقًّا في تَحْقيقِ رِسالَةِ التَّطْوِيباتِ على الأَرْضِ.

  1. السَّعادَةُ في السَّماءِ

تَقومُ السَّعادَةُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ على دُخولِ مَلَكوتِ اللهِ في مَجْدِ الْمَسيحِ وفَرَحِهِ وراحَتِهِ وبُنُوَّتِهِ والحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وقد صَرَّحَ الرَّسولُ بولسُ أَنَّ السَّعادَةَ تَكْمُنُ في مَجْدِ الْمَسيحِ قائلًا: “أَرى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجْدَ الَّذي سَيَتَجَلَّى فينا” (رومة 8: 18). فالسَّعادَةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ عَطِيَّةٌ مَجانِيَّةٌ مِنَ اللهِ ونِعْمَتِهِ تَعالى، لا أُجْرَةً تُشْتَرى.

وفي سِياقِ مُعايَنَةِ اللهِ يَقُولُ القِدِّيسُ إيرينيوس أسقف ليون: “لا أَحَدَ يَراهُ وَيَحيا”، لأَنَّ الآبَ لا يُمْكِنُ إِدْراكُهُ؛ ولكِنَّهُ بِحَسَبِ مَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ لِلبَشَرِ وبِحَسَبِ قُدْرَتِهِ، يَبْلُغُ إِلى حَدِّ مَنْحِ مُحِبّيهِ مَزِيَّةَ مُعايَنَةِ اللهِ، لأَنَّ ما هُوَ مُسْتَحيلٌ عِندَ النّاسِ مُمْكِنٌ عِندَ اللهِ. ولا تَقْتَصِرُ سَعادَةُ السَّماءِ على مُعايَنَةِ اللهِ فَحَسْبُ، بَلْ تَشْمَلُ الدُّخولَ في فَرَحِ الْمَسيحِ، كَما جاءَ في مَثَلِ الوَكيلِ الأَمينِ: “أَحْسَنْتَ أَيُّها الخادِمُ الصّالِحُ الأَمين! كُنْتَ أَمينًا على القَليلِ فَسَأُقيمُكَ على الكَثير: اُدْخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ” (متى 25: 21).

وتَشْمَلُ أَيْضًا الدُّخولَ في راحَتِهِ، كَما يَقُولُ كاتِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبْرانِيّينَ: “مَن دَخَلَ راحَتَه يَسْتَريحُ هُوَ أَيْضًا مِن أَعْمالِهِ كَما اسْتَراحَ اللهُ مِن أَعْمالِهِ؛ فَلْنُبادِرْ إِلى الدُّخولِ في تِلْكَ الرّاحَةِ” (عبرانيين 4: 10–11).

وتَشْمَلُ أَيْضًا بُنُوَّةَ اللهِ والتمتُّعَ بِرُؤْيَتِهِ ومُعايَنَتِهِ:”طُوبَى لِأَطْهارِ القُلوبِ فَإِنَّهُمْ يُشاهِدونَ اللهَ”(متى 5: 8)،
والتَّمَتُّعَ بِحَياةِ الثّالوثِ، فَنُصْبِحُ شُرَكاءَ في الطَّبيعَةِ الإِلهِيَّةِ، كَما يَقولُ الرَّسولُ بطرسُ:”إِنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ مَنَحَتْنا كُلَّ ما يَؤولُ إِلى الحَياةِ وَالتَّقْوى… لِتَصيروا بِها شُرَكاءَ الطَّبيعَةِ الإِلهِيَّةِ في ابْتِعادِكُمْ عَمَّا في الدُّنْيا مِن فَسادِ الشَّهْوَةِ” (2 بطرس 1: 3–4).

وتَكْمُنُ السَّعادَةُ أَيْضًا في الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، كَما جاءَ في تَعْليمِ يَسوعَ: “الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَنْ يَعْرِفوكَ أَنْتَ الإِلهَ الحَقَّ وَحْدَكَ، وَيَعْرِفوا الَّذي أَرْسَلْتَهُ يَسوعَ الْمَسيحَ” (يوحنا 17: 3). ويُلَخِّصُ القِدِّيسُ أوغسطينوس غايَةَ هذِهِ السَّعادَةِ قائلًا: “هُناكَ نَسْتَريحُ وَنُعايِنُ؛ نُعايِنُ وَنُحِبّ؛ نُحِبّ وَنُسَبِّحُ. ذلِكَ ما سَيَكونُ في النِّهايَةِ بِلا نِهايَةٍ. وأَيَّةُ غايَةٍ أُخْرى تَكونُ لَنا سِوَى البُلوغِ إِلى المَلَكوتِ الَّذي لا نِهايَةَ لَهُ؟”.

  1. التَّطْوِيباتُ َدَعْوَةٌ إِلَى السَّعادَةِ

التَّطْوِيباتُ هِيَ إِعْلانٌ وَدَعْوَةٌ إِلَى السَّعادَةِ. فَالتَّطْوِيباتُ هِيَ مَبادِئُ رُوحيَّةٌ، وَكُلُّ مَبْدَإٍ يَتَكَوَّنُ مِنْ وَسيلَةٍ وَهَدَفٍ. الوَسيلَةُ هِيَ هُوِيَّةُ الأَشْخاصِ الَّذينَ يَنالونَ التَّطْوِيبةَ: “طُوبَى لِلْفُقَراءِ، لِلْوُدَعاءِ، لِلْمَحْزونينَ، لِلْجِياعِ وَالعِطاشِ إِلى الْبِرِّ، لِلرُّحَماءِ، لِأَطْهارِ القُلُوبِ، لِلسّاعِينَ إِلى السَّلامِ، وَلِلْمُضْطَهَدينَ”.

أَمَّا الهَدَفُ فَهُوَ السَّعادَةُ، أَو الْمُكافَأَةُ الْمَوْعودُ بِها: مَلَكوتُ السَّماواتِ، التَّعْزِيَةُ، الرَّحْمَةُ، وَمُعايَنَةُ اللهِ. وَالسَّعادَةُ لا تَكْمُنُ فِي الغِنَى، وَلا في التَّسَلُّطِ، وَلا في الِانْتِصارِ عَلَى الآخَرينَ، وَلا في اخْتِفاءِ الأَلَمِ أَو الِاضْطِهادِ، بَلْ فِي الاتِّحادِ مَعَ الآخَرينَ، وَالسُّلُوكِ في طَريقِ الْكَمالِ، وَفي أَنْ لا نُسَلِّمَ قُلوبَنا لِلْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَلا شِفاهَنا لِلنَّميمَةِ وَتَشْويهِ صُورَةِ القَريبِ، كَما يَقُولُ الْمَزْمورُ:”مَنْ بِلِسانِهِ لا يَغْتابُ، وَبِصاحِبِهِ لا يَصْنَعُ شَرًّا، وَبِقَريبِهِ لا يُنْزِلُ عارًا” (مزمور 15: 3).

إِنَّ اللهَ يَدْعونا، مِنْ خِلالِ التَّطْوِيباتِ، إِلى سَعادَتِهِ الخَاصَّةِ، وَهذِهِ الدَّعْوَةُ مُوَجَّهَةٌ إِلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا شَخْصيًّا. وَتَقُومُ السَّعادَةُ عَلى الإِيمانِ وَالعَمَلِ بِمَشيئَةِ اللهِ: الإِيمانِ بِرِسالَةِ يَسوعَ عَنِ الْمَلَكوتِ:”والفُقَراءُ يُبَشَّرونَ، وطُوبَى لِمَنْ لا أَكونُ لَهُ حَجَرَ عَثْرَةٍ” (متى 11: 6)، وَبِالعَمَلِ بِمَشيئَتِهِ:”طُوبَى لِذلِكَ الخادِمِ الَّذي إِذا جاءَ سَيِّدُهُ وَجَدَهُ مُنْصَرِفًا إِلى عَمَلِهِ هذا!” (متى 24: 46).

وتُبَيِّنُ عِظَةُ التَّطْوِيباتِ هُوِيَّةَ الَّذينَ هُمْ في أَفْضَلِ حالٍ لِنَيْلِ مَلَكوتِ اللهِ. فَهُمْ يَنْقَسِمونَ إِلى فِئَتَيْنِ:
فِئَةِ الفُقَراءِ، وَالوُدَعاءِ، وَالرُّحَماءِ، وَالسّاعِينَ إِلى السَّلامِ (متى 5: 3–9)؛ وَالفِئَةِ الأُخْرَى، فِئَةِ الْمُضْطَهَدينَ (متى 5: 10–12)، الَّتي تَرْتَبِطُ بِواقِعِ الكَنيسَةِ في أَيّامِ متّى، حَيْثُ عَرَفَتِ الِاضْطِهادَ. وَسَيَكونُ الدَّيْنُونَةُ عَلَى تَصَرُّفِنا نَحْوَ الجِياعِ وَالعِطاشِ، وَالعُراةِ، وَالمُشَرَّدينَ، وَالمَرْضى، وَالسُّجَناءِ، لأَنَّ “كُلَّما صَنَعْتُم شَيْئًا مِنْ ذلِكَ لِواحِدٍ مِنْ إِخْوَتي هؤُلاءِ الصِّغارِ، فَلي قَدْ صَنَعْتُموهُ” (متى 25: 40).

ثالثًا: السَّعَادَةُ غَايَةُ الإِنْسَانِ وَمَطْلَبُ قَلْبِهِ

السَّعادَةُ هِيَ هَدَفُ وُجودِ الإِنْسانِ وَغايَةُ أَعْمالِهِ الإِنْسانِيَّةِ، وَهِيَ غايَةٌ في حَدِّ ذاتِها. وَيَقولُ أرسطو: “إِنَّ السَّعادَةَ هِيَ الهَدَفُ النِّهائيُّ، وَالنّاسُ يَبْحَثونَ عَنْها أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ”. فاللهُ خَلَقَ الإِنْسانَ لِلسَّعادَةِ لا لِلشَّقاءِ، وَالإِنْسانُ يَميلُ في طَبيعَتِهِ إِلى السَّعادَةِ. وفي هذا يَقُولُ التَّعْليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكِيَّةِ: “التَّطْوِيباتُ تُلَبِّي الرَّغْبَةَ الطَّبيعِيَّةَ في السَّعادَةِ. وهذِهِ الرَّغْبَةُ مِنْ أَصْلٍ إِلَهِيٍّ، وَضَعَها اللهُ في قَلْبِ الإِنْسانِ لِيَجْتَذِبَهُ إِلَيْهِ” (البند 1718). ويُصَرِّحُ توما الأكويني أَنَّ “اللهَ وَحْدَهُ قادِرٌ عَلى إِشْباعِها”، ويُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغسطينوسُ ذلِكَ في اعْتِرافاتِهِ: “بِما أَنَّني في سَعْيي إِلَيْكَ، يا إِلهي، أَسْعى إِلى الحَياةِ السَّعيدَةِ، فَاعْمَلْ عَلى أَنْ أَسْعى إِلَيْكَ حتّى تَحْيا نَفْسي؛ لأَنَّ جَسَدي يَحْيا مِنْ نَفْسي، وَنَفْسي تَحْيا مِنْكَ”.

وتَضَعُنا التَّطْوِيباتُ أَمامَ تَحَدٍّ جِذْرِيٍّ، لِكَونِها دُسْتورًا أَخْلاقِيًّا لِلتَّلاميذِ، وَمِعْيارًا لِسُلوكِ كُلِّ مُؤْمِنٍ. فَهِيَ تَضَعُ الإِنْسانَ في مَوقِفِ اخْتِيارٍ حاسِمٍ بَيْنَ قِيَمِ مَلَكوتِ اللهِ الأَبَدِيَّةِ (الوَداعَةِ، الرَّحْمَةِ، السَّلامِ)، وَبَيْنَ قِيَمِ العالَمِ الزَّمَنِيَّةِ (المالِ، العُنْفِ، السُّلْطَةِ)؛ وَبَيْنَ الإِيمانِ السَّطْحِيِّ الَّذي مَثَّلَهُ بَعْضُ الفِرِّيسِيّينَ، وَالإِيمانِ الْحَقِيقِيِّ الَّذي يُريدُهُ يَسوعُ.

تُعَلِّمُنا التَّطْوِيباتُ أَنَّ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي الغِنَى، وَلا في الرَّفاهِيَّةِ، وَلا في المَجْدِ البَشَرِيِّ، وَلا في السُّلْطَةِ، وَلا في أَيِّ عَمَلٍ بَشَرِيٍّ مَهْما كانَ نَافِعًا، كَالْعُلُومِ وَالتِّقْنِيّاتِ وَالفُنُونِ، وَلا في أَيِّ خَلِيقَةٍ مِنَ الخَلائِقِ، بَلْ فِي اللهِ وَحْدَهُ، يَنْبوعِ كُلِّ خَيْرٍ وَكُلِّ مَحَبَّةٍ. لِذلِكَ تَضَعُنا التَّطْوِيباتُ أَمامَ خِياراتٍ أَخْلاقِيَّةٍ حاسِمَةٍ. وفي هذا السِّياقِ يُعَلِّمُ التَّعْليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكِيَّةِ: “تُعْلِنُ التَّطْوِيباتُ ما يَنالُهُ التَّلاميذُ مِنَ الآنِ، بِصُورَةٍ غامِضَةٍ، مِنَ البَرَكاتِ وَالْمُكافَآتِ، وَقَدْ بَدَأَتْ تَتَحَقَّقُ في حَياةِ العَذْراءِ مَرْيَمَ وَجَميعِ القِدِّيسينَ”» (البند 1717).

ولَيْسَ الْمَقْصودُ بِـ”طُوبَى” أُمنِيَّةً أَو وَعْدًا مُؤَجَّلًا فَقَط، بَلْ مُعايَنَةَ السَّعادَةِ وَالإِعْلانَ عَنْها. فالسَّعادَةُ في التَّطْوِيباتِ لا تُساوي الِامْتِلاكَ، إِذْ لَيْسَ السَّعيدُ مَنْ يَمْلِكُ ما يَشْتَهِي، ولا هِيَ مُجَرَّدَ قَناعَةٍ بِما لَدَى الإِنْسانِ. فالسَّعادَةُ الَّتي تُعْلِنُها التَّطْوِيباتُ لا تُناقِضُ الْمُعاكَساتِ وَالآلامَ وَالِاضْطِهاداتِ.

رابعًا: الْمَسِيحُ مُفَسِّرُ التَّطْوِيباتِ بِحَيَاتِهِ

لَيْسَتِ التَّطْوِيباتُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ أَوْ تَعَالِيمَ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ حَيَاةُ يَسُوعَ بِحَدِّ ذَاتِهَا؛ إِذْ تَتَمَرْكَزُ التَّطْوِيباتُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى حَوْلَ شَخْصِ الْمَسِيحِ، وَهُوِيَّتِهِ، وَرِسَالَتِهِ، وَمَلَكُوتِهِ. فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِشَخْصِ الْمَسيحِ رِباطًا جَوْهَرِيًّا، كَما يَظْهَرُ في تَعْليمِ يَسوعَ نَفْسِهِ:”فَطُوبَى لِعُيونِكُمْ لأَنَّها تُبْصِرُ، وَلِآذانِكُمْ لأَنَّها تَسْمَعُ” (متى 13: 16). فَجَميعُ مُتَطَلَّباتِ الإِنْجيلِ تَعُودُ في جَوْهَرِها إِلى مُطابَقَةِ مَشاعِرِنا لِمَشاعِرِ الْمَسيحِ، الَّذي هُوَ مِثالُ كُلِّ حَياةٍ مَسيحيَّةٍ.

وتَكْمُنُ السَّعادَةُ أَيْضًا في الكَشْفِ عَنْ هُوِيَّةِ الْمَسيحِ، كَما يَظْهَرُ مِنْ جَوابِ بُطْرُسَ عِنْدَما أَعْلَنَ إِيمانَهُ قائِلًا:
“أَنْتَ الْمَسيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيّ” (متى 16: 16)، فَأَجابَهُ يَسوعُ: “طُوبَى لَكَ يا سِمْعانُ بْنَ يُونا” (متى 16: 17).
وَفي هذا السِّياقِ يُؤَكِّدُ التَّعْليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكِيَّةِ أَنَّ: “التَّطْوِيباتِ تَرْسِمُ وَجْهَ يَسوعَ الْمَسيحِ وَتَصِفُ مَحَبَّتَهُ” (البند 1717).

فَالْمَسيحُ نَفْسُهُ هُوَ أَفْضَلُ تَفْسيرٍ لِلتَّطْوِيباتِ، إِذْ إِنَّهُ يُفَسِّرُها بِحَياتِهِ. وَفي هذا المَعْنى يَقُولُ الرّاهِبُ السِّسْتِرْسيانيُّ إسحق النجمة: “فَتَحَ يَسوعُ فاهُ لِيُحَدِّثَ قَلْبَ أُورَشَليمَ: الغِبْطَةُ ذَاتُها تَتَكَلَّمُ عَنِ السَّعادَةِ؛ وَالفَقيرُ الِاخْتِياريُّ عَنِ الفَقْرِ؛ وَالْمَلِكُ عَنِ الْمَمْلَكَةِ؛ وَالوَديعُ عَنِ الوَداعَةِ؛ وَالْمُعَزِّي عَنِ التَّعْزِيَةِ؛ وَالخُبْزُ الْحَقُّ عَنِ الشِّبَعِ؛ وَحَتّى الرَّحْمَةُ تَتَكَلَّمُ عَنِ الرَّحْمَةِ؛ وَنَقاوَةُ القُلُوبِ عَنْ تَنْقِيَتِها؛ وَالسَّلامُ الْحَقُّ وَالابْنُ مِنْ حَيْثُ الطَّبيعَةِ عَنِ الْمُصالَحَةِ وَعِبادَةِ الابْنِ”(العِظَةُ الأُولى لِعيدِ جَميعِ القِدّيسين).

فَيَسوعُ هُوَ الفَقيرُ الَّذي “لَيْسَ لَهُ ما يَضَعُ عَلَيْهِ رَأْسَهُ” (متى 8: 20)، وَهُوَ الحَزينُ الَّذي صارَ عَرَقُهُ كَقَطَراتِ دَمٍ مُتَخَثِّرٍ تَتَساقَطُ عَلَى الأَرْضِ (لوقا 22: 44)،وَهُوَ الرَّحيمُ الَّذي ماتَ عَلى الصَّليبِ وَطَلَبَ الغُفْرانَ لِصالِبيهِ قائِلًا:”يا أَبَتِ اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ ما يَفْعَلونَ” (لوقا 23: 34)، وَهُوَ الوَديعُ المُتَواضِعُ القَلْبِ:
“اِحْمِلوا نِيرِي وَتَتَلْمَذوا لي، فَإِنِّي وَديعٌ مُتَواضِعُ القَلْبِ، فَتَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكُمْ”(متى 11: 29)، وَهُوَ الجائِعُ وَالعَطْشانُ إِلى خَلاصِ النُّفوسِ:”يا رَبّ، مَتَى رَأَيْناكَ جائعًا فَأَطْعَمْناكَ، أَو عَطْشانًا فَسَقَيْناكَ؟” (متى 25: 37) ، وَهُوَ صانِعُ السَّلامِ بَيْنَ اللهِ وَالنّاسِ:” السَّلامَ أَسْتَودِعُكُمْ، وَسَلامي أُعْطيكُمْ” (يوحنا 14: 27) ، وَالَّذي هَدَمَ حاجِزَ العَداوَةِ (أفسس 2: 14) ، وَهُوَ الطّاهِرُ القَلْبِ القائِلُ: “مَنْ مِنْكُمْ يُثْبِتُ عَلَيَّ خَطيئَةً؟: (يوحنا 8: 46).

وَهكَذَا، فَإِنَّ التَّطْوِيباتِ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى الْمَسِيحِ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِهِ ارْتِبَاطًا جَوْهَرِيًّا، لِأَنَّ السَّعَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي أَنْ يَكُونَ مَا نُفَكِّرُ بِهِ، وَمَا نَقُولُهُ، وَمَا نَفْعَلُهُ فِي انْسِجَامٍ كَامِلٍ مَعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ غَايَتُهَا وَمِحْوَرُهَا. وَهٰذَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ العَالِمُ أَلْبِرْتُ أَيْنْشْتَايْنَ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ سَعِيدًا، فَارْبِطْ حَيَاتَكَ بِهَدَفٍ لا بِشَخْصٍ أَوْ بِشَيْءٍ». أَمَّا فِي الْمَنْظُورِ الإِنْجِيلِيِّ، فَالسَّعَادَةُ لَيْسَتْ فِي الزَّمَانِ وَلا فِي الْمَكَانِ، بَلْ فِي الإِيمَانِ، وَفِي طَاعَةِ الدَّيَّانِ، وَفِي الْقَلْبِ، لِأَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ الرَّبِّ. فَلْنَطْلُبْ مِنَ الرَّبِّ نِعْمَةَ الْقَلْبِ الْجَدِيدِ، قَلْبًا يُحِبُّ كَمَا يُحِبُّ هُوَ، وَيَرَى كَمَا يَرَى هُوَ، وَيَخْتَارُ كَمَا اخْتَارَ هُوَ طَرِيقَ الصَّلِيبِ، وَاثِقًا أَنَّ الصَّلِيبَ يَقُودُ إِلَى الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْفَقْرَ يَقُودُ إِلَى الْغِنَى الْحَقِيقِيِّ، وَأَنَّ الدُّمُوعَ تُفْضِي إِلَى التَّعْزِيَةِ، وَأَنَّ السَّعْيَ إِلَى الْبِرِّ يَنْتَهِي بِالشِّبَعِ، وَأَنَّ أَطْهَارَ الْقُلُوبِ يُعَايِنُونَ اللهَ.

خامسًا: سَعَادَةُ الْمَسِيحِيِّينَ بِحَسَبِ التَّطْوِيباتِ

تَتَضَمَّنُ سَعادَةَ الْمَسيحيّينَ، بِحَسَبِ التَّطْوِيباتِ ثَلاثَةَ أَبْعادٍ أَساسِيَّةٍ:

  1. بُعْدُ الرَّجاءِ وَالمُسْتَقْبَلِ.

فالسَّعادَةُ التَّطْوِيبيَّةُ تَتَّجِهُ نَحْوَ الْمُسْتَقْبَلِ، لأَنَّ الشِّطْرَ الثّاني مِنْ كُلِّ تَطْوِيبةٍ يَحْمِلُ وَعْدًا إِلَهِيًّا. لِذلِكَ يَقُولُ الرَّسولُ بولسُ: “كُونوا في الرَّجاءِ فَرِحينَ” (رومة 12: 12). فَمَثَلًا، التَّطْوِيبةُ السّابِعَةُ تَعِدُ السَّاعِينَ إِلَى السَّلامِ بِأَنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ أَبْناءَ اللهِ. وهكذا تَبْدو التَّطْوِيباتُ سَعادَةً مُرْتَبِطَةً بِرَجاءٍ، تَسْبِقُ بِالإِيمانِ ما لا بُدَّ أَنْ يَأْتي.

  1. بُعْدُ الدَّعْوَةِ الشَّخْصِيَّةِ.

التَّطْوِيباتُ مُوَجَّهَةٌ إِلَى فِئاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأَشْخاصِ، يَتَّسِمونَ بِأَوْضاعٍ أَو أَحْوالٍ باطِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ (الفَقْرِ بالرُّوحِ، الوَداعَةِ، الحُزْنِ، الجُوعِ إِلَى الْبِرِّ…). عَلَى هؤُلاءِ يُعْرَضُ الرَّجاءُ، وَفيه يُدْعَوْنَ إِلَى طَريقِ السَّعادَةِ.

  1. بُعْدُ الِاخْتِبارِ الْمَسيحيِّ الْمُتَجَسِّدِ.

فالسَّعادَةُ في التَّطْوِيباتِ مُتَجَذِّرَةٌ أَيْضًا في ماضٍ مُعَيَّنٍ، هُوَ اخْتِبارُ يَسوعَ الْمَسيحِ نَفْسِهِ. فَيَسوعُ يَعْلَمُ بِما يَتَكَلَّمُ، وَالسَّعادَةُ الَّتي يُعْلِنُها هِيَ سَعادَتُهُ الشَّخْصِيَّةُ، سَعادَةٌ لَها مَكانٌ لِلصَّليبِ، وَتَنْبَعُ نِسْبَةً إِلَيْنا مِنَ الرَّجاءِ الَّذي يَهَبُهُ لَنا بِصَليبِهِ. وَهِيَ سَعادَةٌ تَكونُ عَلى قَدْرِ إِيمانِنا بِهِ. أَلَمْ يَقُلْ لِتَلامِيذِهِ: “لِيَكونَ بِكُمْ فَرَحي، فَيَكونَ فَرَحُكُمْ تامًّا” (يوحنا 15: 11)؟

ومِنْ هذَا الْمُنْطَلَقِ، فَإِنَّ التَّطْوِيباتِ هِيَ في النِّهايَةِ رِسالَةٌ: رِسالَةٌ سَلَّمَنا إِيّاها يَسوعُ لِنُتِمَّ ما بَدَأَهُ هُوَ. وهذا يَعْني أَنَّهُ لا يُمْكِنُنا أَنْ نَنْتَظِرَ مِنَ اللهِ أَنْ يُلْغِيَ الفَقْرَ وَالْفُقَراءَ، بَلْ إِنَّ مَسْؤوليَّةَ مُواجَهَةِ الفَقْرِ وَصُنْعِ العَدالَةِ هِيَ مَسْؤوليَّتُنا نَحْنُ. ولِذلِكَ لا يَجوزُ لِلسُّلُطاتِ السِّياسِيَّةِ وَالِاقْتِصادِيَّةِ أَنْ تَسْتَخْدِمَ التَّطْوِيباتِ اسْتِخْدامًا مِيكْيافيليًّا لِلْمُحافَظَةِ عَلى النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ القائِمِ، أَو لِلتَّخَلِّي عَنِ الأَعْمالِ البَشَرِيَّةِ بِذَريعَةِ الهُروبِ إِلى العالَمِ الآخَرِ. فَيَسوعُ يَتَكَلَّمُ في التَّطْوِيباتِ عَنِ اللهِ، إِلهِ الفُقَراءِ، الآتي لِيُقيمَ مَلَكوتَهُ.

لِذلِكَ تَدْعونا التَّطْوِيباتُ إِلى تَنْقِيَةِ قُلوبِنا مِنَ الغَرائِزِ الشِّرِّيرَةِ، وَإِلى التِماسِ مَحَبَّةِ اللهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ. وَفي هذا السِّياقِ يُعَلِّقُ جون هنري نيومان في خِطابِهِ عَنِ السَّعادَةِ قائِلًا: “إِنَّ الغِنَى في يَوْمِنا هذا هُوَ الإِلَهُ الأَكْبَرُ، وَكُلُّ الْجَماعَةِ البَشَرِيَّةِ تَقيسُ السَّعادَةَ بِمِقْياسِ الغِنَى، وَبِمِقْياسِ الغِنَى أَيْضًا تَقيسُ الكَرامَةَ. ويَأْتي ذلِكَ مِنَ الِاعْتِقادِ أَنَّ الإِنْسانَ الَّذي يَملِكُ الغِنَى يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. فَالغِنَى إِذًا هُوَ صَنَمٌ مِنْ أَصْنامِ الْيَوْمِ”. وهكَذا يَبْدو الغِنَى أَحَدَ أَكْبَرِ التَّحَدِّياتِ الَّتي تُواجِهُ الإِنْسانَ أَمامَ السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتي تَعْرِضُها عِظَةُ التَّطْوِيباتِ، سَعادَةٍ لا تُنالُ إِلّا بِالسَّيْرِ فِي طَريقِ اللهِ، وَبِالِانْتِصارِ عَلى أَصْنامِ العالَمِ.

ولا يَسَعُنا أَخيرًا إِلّا أَنْ نَخْتِمَ بِكَلِماتِ البابا القِدِّيس يوحنا بولس الثاني في عِظَتِهِ عَلى جَبَلِ التَّطْوِيباتِ يَومَ 24 آذار 2000:”اِعْتَبِروا، أَيُّها الإِخْوَةُ، دَعْوَتَكُمْ” (1 قورنتس 1: 26). ويَبْدو وكَأَنَّ عَيْشَ التَّطْوِيباتِ في عالَمِ الْيَوْمِ مُغامَرَةٌ تَفوقُ طاقاتِكُمْ. لَكِنَّ الْمَسيحَ لا يَقِفُ مُتَفَرِّجًا، ولا يَدَعُكُمْ تُواجِهونَ وَحْدَكُمْ هذَا التَّحَدِّي! هُوَ دائِمًا مَعَكُمْ لِيُحَوِّلَ ضَعْفَكُمْ إِلى قُوَّةٍ. آمِنوا وَلْتَكُنْ لَكُمُ الثِّقَةُ بِهِ؛ هُوَ القائِلُ: “حَسْبُكَ نِعْمَتي، فَإِنَّ القُدْرَةَ تَبْلُغُ الكَمالَ في الضُّعْفِ” (2 قورنتس 12: 9). فَلَا يَسَعُنَا بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَّا أَنْ نَعْقِدَ الْعَزْمَ عَلَى أَنْ نُتَرْجِمَ التَّطْوِيباتِ إِلَى حَيَاةٍ مَلْمُوسَةٍ، فِي بُيُوتِنَا، وَفِي أَعْمَالِنَا، وَفِي شَهَادَتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، لِنَكُونَ، مُنْذُ الآنَ، عَلامَاتِ مَلَكُوتِ اللهِ الْحَاضِرِ بَيْنَ الْبَشَرِ.

الخُلاصَة

إِنَّ هذِهِ العِظَةَ الكُبْرَى تُشَكِّلُ قَلْبَ كِرَازَةِ يَسوعَ وَجَوْهَرَ تَعْلِيمِهِ، إِذْ يُظْهِرُ فِيها أَنَّ الفُقَرَاءَ، وَالوُدَعَاءَ، وَالمَحْزُونِينَ، وَالرُّحَمَاءَ، وَصَانِعِي السَّلامِ، وَالمُضْطَهَدِينَ مِنْ أَجْلِ البِرِّ، هُم أَصْحَابُ الطُّوبَى الحَقِيقِيَّةِ، سَواءٌ فِي هذِهِ الأَرْضِ أَمْ فِي المَلَكُوتِ السَّماوِيِّ. فَالتَّطْوِيباتُ لا تُقَدِّمُ وَعْدًا مُؤَجَّلًا فَحَسْبُ، بَلْ تَكْشِفُ عَن نَمَطِ حَياةٍ جَدِيد يَبْدَأُ هُنا وَيَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي الآخِرَةِ.

وفي هذا السِّياقِ يَرى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ التَّطْوِيباتِ هِيَ “سُلَّمُ الِارْتِقَاءِ الرُّوحِيِّ الَّذِي بِهِ يَصْعَدُ الإِنْسانُ مِنْ فَقْرِ الرُّوحِ إِلَى مُعَايَنَةِ اللهِ”، وَأَنَّها تُجَسِّدُ المَسارَ الكامِلَ لِحَياةِ الإِيمانِ، مِنَ البِدايَةِ فِي التَّواضُعِ وَالتَّجَرُّدِ، إِلَى الغايَةِ فِي الشَّرِكَةِ وَالرُّؤْيا (العِظَةُ عَلَى الجَبَل).

إِنَّ يَسوعَ يَقْلِبُ فِي التَّطْوِيباتِ كُلَّ فِكْرَةِ العالَمِ عَنِ السَّعادَةِ رَأْسًا عَلى عَقِبٍ. فَبَيْنَما يَرْبِطُ العالَمُ السَّعادَةَ بِالصِّحَّةِ الجَيِّدَةِ، وَالدَّخْلِ الكافِي، وَالأَمْنِ العاطِفِيِّ، وَالإِنْتاجِيَّةِ، وَتَحْقيقِ الأَهْدافِ، يَكْشِفُ يَسوعُ أَنَّ هذِهِ العَوامِلَ—عَلى أَهَمِّيَّتِها—لا تَكْفِي لِمَنْحِ الإِنْسانِ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ. فَالتَّطْوِيباتُ لا تُنْكِرُ القِيمَ البَشَرِيَّةَ، بَلْ تُعَمِّقُها وَتُطَهِّرُها، وَتَجْعَلُها مُنْفَتِحَةً عَلى اللهِ، مَصْدَرِ كُلِّ فَرَحٍ حَقِيقِيٍّ.

ومِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، تَتَعارَضُ التَّطْوِيباتُ مَعَ أُسْلوبِ الحَياةِ السّائِدِ فِي المُجْتَمَعِ، إِذْ تَقِفُ فِي وَجْهِ السَّعْيِ المُطْلَقِ إِلى المَالِ، وَالسُّلْطَةِ، وَالعُنْفِ، وَتَدْعُو بَدَلًا مِنْ ذلِكَ إِلى التَّواضُعِ، وَالرَّحْمَةِ، وَصُنْعِ السَّلامِ، وَنَقاوَةِ القَلْبِ. إِنَّها مُقارَنَةٌ واضِحَةٌ بَيْنَ قِيَمِ المَلَكوتِ الأَبَدِيَّةِ وَقِيَمِ العالَمِ الزَّمَنِيَّةِ، تُبَيِّنُ ما يَتَوَقَّعُهُ تابِعُ المَسيحِ مِنَ العالَمِ، وَما يَنالُهُ مِنَ اللهِ، وَكَيفَ تَتَحَقَّقُ فِي مَلَكوتِ اللهِ كُلُّ تَوَقُّعاتِ الإِنْسانِ العَميقَةِ.

إِنَّ هَدَفَ رِسالَةِ التَّطْوِيباتِ فِي إِنْجيلِ مَتّى هُوَ أَنْ نَكونَ سُعَداءَ حَقًّا. وَلِذلِكَ لا يَدْعُو يَسوعُ إِلى ثَوْرَةٍ خَارِجِيَّةٍ تُحَرِّضُ الفُقَراءَ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ الأَغْنِياءِ، بَلْ إِلى ثَوْرَةٍ دَاخِلِيَّةٍ، ثَوْرَةِ القَلْبِ وَالوِجْدانِ. إِنَّهُ تَحَوُّلٌ جَذْرِيٌّ مِنَ الظَّاهِرِ إِلى الباطِنِ، يَقْلِبُ القِيَمَ وَالمَفاهِيمَ، وَيُظْهِرُ أَنَّ عَظَمَةَ الإِنْسانِ الحَقِيقِيَّةَ مُتَأَصِّلَةٌ فِي اللهِ. وَلِكَيْ يَنالَ الإِنْسانُ السَّعادَةَ، لا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ وَالعَمَلِ بِمَشيئَتِهِ، الَّتي كَشَفَها فِي ابْنِهِ، سَيِّدِنا يَسوعَ المَسيحِ.

وأَخيرًا، فَإِنَّ التَّطْوِيباتِ هِيَ زَمَنُ تَحْقيقِ النُّبُوءَاتِ وَمَواعِيدِ اللهِ، تُعْلِنُ مِنَ الآنِ ما سَيَنالُهُ التَّلاميذُ مِنَ البَرَكاتِ وَالمُكافَأَةِ، وَتَكْشِفُ عَنْ هَدَفِ الوُجودِ الإِنْسانِيِّ وَالغايَةِ القُصْوَى لِلأَعْمالِ الإِنْسانِيَّةِ، أَلَا وَهِيَ أَنَّ اللهَ يَدْعُونا إِلى سَعادَتِهِ الخَاصَّةِ. يَكشِفُ لنا يسوع طريقَ السعادةِ الحقَّة، ويَدعونا إلى نمطِ حياةٍ جديد، هو حياةُ الملكوت. وهذِهِ الدَّعْوَةُ مُوَجَّهَةٌ إِلى كُلِّ واحِدٍ شَخْصِيًّا، فَالسَّعادَةُ لَيْسَتْ قَدَرًا مَفْروضًا، بَلْ اخْتِيارًا حُرًّا. فَلْنَبْدَأْ، إِذًا، بِعَيْشِ مَزيدٍ مِنَ التَّطْوِيباتِ، لِنُصْبِحَ أَكْثَرَ قُرْبًا مِنَ اللهِ، وَأَكْثَرَ فَرَحًا فِي العالَمِ. فالتطويباتُ تُنقِّي قلوبَنا، وتُحرِّرُنا من أوهامِ العالم، وتُعَلِّمُنا أنَّ السعادةَ لا تُمتَلَك، بل تُعاش؛ لا تُؤخَذ، بل تُوهَب؛ لا تُبنى على القوَّةِ والمجدِ الزائل، بل على التواضعِ، والرحمةِ، وصُنعِ السلام، والأمانةِ في الضيق.

دُعَــاء

أَيُّها الآبُ السَّماويُّ، يا مَنْ دَعَوْتَنا إِلى مُتابَعَةِ رِسالَةِ التَّطْوِيباتِ الَّتي حَمَلَها ابْنُكَ، يسوع المسيح، فِي حَياتِهِ عَلى هذِهِ الأَرْضِ، هَبْنا نِعْمَةَ القُوَّةِ وَالشَّجاعَةِ، لِنُجاهِدَ ضِدَّ الفَقْرِ وَالشَّقاءِ، وَنُقاوِمَ الِاضْطِهادَ وَالظُّلْمَ، وَنَكُونَ أَدَواتِ سَلامٍ وَرَحْمَةٍ فِي عالَمٍ مُتَأَلِّم، فَنُساهِمَ، بِحَياتِنا وَشَهادَتِنا، فِي إِقامَةِ مَلَكوتِكَ بَيْنَ البَشَرِ، وَنَذوقَ سَعادَةَ التَّطْوِيباتِ هُنا عَلَى الأَرْضِ، لِنَبلُغَ، يَومًا، سَعادَتَها الكامِلَةَ فِي الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، بِشَفاعَةِ ابْنِكَ يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي لَكَ مَعَكَ، وَمَعَ الرُّوحِ القُدُسِ، المَجْدُ إِلى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِين.

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email