الأَحَدُ الرَّابِعُ لِلْفِصْح: يَسوعُ المَسيحُ الرَّاعِي الصَّالِح

الأَحَدُ الرَّابِعُ لِلْفِصْح: يَسوعُ المَسيحُ الرَّاعِي الصَّالِح (يوحنا 10: 1–10) 

 أ. د. لويس حزبون

 النص الإنجيلي (يوحنا 10: 1-10) 

 1 ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن لا يَدخُلُ حَظيرَةَ الخِراف مِنَ الباب بل يَتَسَلَّقُ إِلَيها مِن مَكانٍ آخَر فهُو لِصٌّ سارِق. 2 ومَن يدخُلُ مِنَ الباب فهُو راعي الخِراف. 3 لَه يَفتَحُ البَوَّاب. والخِراف إلى صوتِه تُصغي. يَدعو خِرافه كُلَّ واحدٍ مِنها بِاسمِه ويُخرِجُها 4 فإِذا أَخرَجَ خِرافه جَميعاً سارَ قُدَّامَها وهي تَتبَعُه لأَنَّها تَعرِفُ صَوتَه. 5 أَمَّا الغَريب فَلَن تَتبَعَه بل تَهرُبُ مِنه لأَنَّها لا تَعرِفُ صَوتَ الغُرَباء)). 6 ضرَبَ يسوع لَهم هذا المَثَل، فلَم يَفهَموا مَعنى ما كَلَّمَهم بِه. 7 فقالَ يسوع: ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: أَنا بابُ الخِراف. 8 جَميعُ الَّذينَ جاؤوا قَبْلي لصُوصٌ سارِقون ولكِنَّ الخِراف لم تُصْغِ إِلَيهم. 9 أَنا الباب فمَن دَخَلَ مِنِّي يَخلصّ يَدخُلُ ويَخرُجُ ويَجِدُ مَرْعًى. 10 فوَقَعَ الخِلافُ ثانِيَةً بَينَ اليهودِ بِسَبَبِ هذا الكَلام، 11 السَّارِقُ لا يأتي إِلاَّ لِيَسرِقَ ويَذبَحَ ويُهلِك. أَمَّا أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم. 

 المُقَدِّمَة 

يُعْرَفُ هٰذَا الأَحَدُ فِي التَّقْلِيدِ الكَنَسِيِّ بِـ”أَحَدِ الرَّاعِي الصَّالِح”، حَيْثُ يَكْشِفُ يسوع المسيح عَنْ ذَاتِهِ بِصُورَةٍ رَمْزِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، مُسْتَمَدَّةٍ مِنَ الحَيَاةِ الرِّعَائِيَّةِ فِي العَالَمِ القَدِيمِ، لِيُظْهِرَ عَلاَقَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ بِالمُؤْمِنِينَ. فيَصِفُ يوحنا الإنجيلي سَيِّدَنَا يسوع المسيح بِأَنَّهُ “الرَّاعِي الصَّالِح” (يوحنا 10: 1–10)، فِي إِعْلاَنٍ لاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ يَجْمَعُ بَيْنَ تَقْلِيدِ العَهْدِ القَدِيمِ وَتَحَقُّقِهِ فِي شَخْصِ المَسِيحِ. فَقَدْ أَعْلَنَ اللهُ ذَاتَهُ رَاعِيًا لِشَعْبِهِ قَائِلًا: “يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ، اِسْمَعْ” (مزمور 80: 1)، كَمَا تَنَبَّأَ حزقيال النبي عَنِ الرَّاعِي الحَقِيقِيِّ الَّذِي يُقِيمُهُ اللهُ عَلَى شَعْبِهِ: “أُقِيمُ عَلَيْهِمْ رَاعِيًا وَاحِدًا يَرْعَاهُمْ” (حزقيال 34: 23). 

وَعِنْدَمَا يَتَّخِذُ يَسوعُ هٰذَا اللَّقَبَ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لا يَسْتَعِيرُ مُجَرَّدَ صُورَةٍ رَعَوِيَّةٍ، بَلْ يُعْلِنُ هُوِيَّتَهُ الإِلَهِيَّةَ كَالرَّاعِي الَّذِي يَعْرِفُ خِرَافَهُ، وَيُحِبُّهَا، وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِهَا. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: “إِنَّ المَسِيحَ دُعِيَ رَاعِيًا لا لِأَنَّهُ يَقُودُ الخِرَافَ فَحَسْب، بَلْ لِأَنَّهُ يُحِبُّهَا حَتَّى بَذْلِ نَفْسِهِ عَنْهَا” (PL 35). 

وَيَتَضَحُ فِي هٰذَا النَّصِّ التَّقَابُلُ الحَادُّ بَيْنَ الرَّاعِي الصَّالِحِ وَالرُّعَاةِ السَّيِّئِينَ، الَّذِينَ يَصِفُهُمُ الإِنْجِيلُ بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَأُجَرَاءُ وَلُصُوصٌ، يَهْتَمُّونَ بِمَصَالِحِهِمُ الذَّاتِيَّةِ وَسُلْطَانِهِمُ الشَّخْصِيِّ، لا بِخَلاَصِ القَطِيعِ. وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلَى أَنَّ الرَّاعِي الحَقِيقِيَّ يُعْرَفُ لا بِالسُّلْطَانِ، بَلْ بِالتَّضْحِيَةِ، لأَنَّهُ يَضَعُ نَفْسَهُ عَنِ الخِرَافِ، أَمَّا الأَجِيرُ فَيَهْرُبُ PG 59)).  

وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، لَيْسَ فَقَطْ عَلَى المُسْتَوَى التَّفْسِيرِيِّ، بَلْ أَيْضًا عَلَى المُسْتَوَى الرُّوحِيِّ وَالرَّعَوِيِّ، لِفَهْمِ هُوِيَّةِ المَسِيحِ الرَّاعِي، وَطَبِيعَةِ العَلاَقَةِ الَّتِي يَدْعُونَا إِلَيْهَا، وَكَذٰلِكَ لِتَمْيِيزِ الصَّوْتِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الحَيَاةِ، مِنَ الأَصْوَاتِ المُضَلِّلَةِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الهَلاَكِوَبِذٰلِكَ، يُصْبِحُ هٰذَا النَّصُّ دَعْوَةً مَفْتُوحَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لِيَدْخُلَ فِي خِبْرَةِ المَسِيحِ الرَّاعِي الصَّالِحِ، وَيَتْبَعَ صَوْتَهُ، وَيَحْيَا مَعَهُ حَيَاةً بِفَيْضٍ (يوحنا 10: 10). 

  أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يوحنّا 10: 1–10) 

  1.  الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لا يَدْخُلُ حَظِيرَةَ الخِرَافِ مِنَ البَابِ، بَلْ يَتَسَلَّقُ إِلَيْهَا مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، فَهُوَ لِصٌّ سَارِقٌ”. 

تُعَدُّ عِبَارَةُ “الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ” (ἀμὴν ἀμὴν λέγω ὑμῖν) صِيغَةً يُوحَنّاِويَّةً مُمَيَّزَةً، يَفْتَتِحُ بِهَا يسوع المسيح إِعْلاَنًا ذَا سُلْطَانٍ إِلَهِيٍّ، لِلتَّأْكِيدِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الحَقِيقَةِ المُعْلَنَةِ. وَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَمْهِيدٍ بَلَاغِيٍّ، بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَسِيحَ يَتَكَلَّمُ بِسُلْطَانِ الحَقِّ الإِلَهِيِّ نَفْسِهِ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ تَكْرَارَ “آمِينَ” يُفِيدُ “تَثْبِيتَ الحَقِّ وَتَوْكِيدَهُ، لِأَنَّ المَسِيحَ هُوَ الحَقُّ نَفْسُهُ” (PG 59). أَمَّا الأُسْلُوبُ الأَدَبِيُّ فِي النَّصِّ، فَهُوَ صِيغَةُ اِسْتِعَارَةٍ مُرَكَّبَةٍ، لا يُسَمِّيهَا يوحنا الإنجيلي “مَثَلًا” (παραβολή)، بَلْ يَعْرِضُهَا كَتَشْبِيهٍ لاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ (παροιμία؛ يوحنا 10: 6)، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُ يَسوعُ صُوَرًا رَعَوِيَّةً لِيُعَبِّرَ عَنْ ذَاتِهِ: الرَّاعِي، وَالبَابُ، وَخُبْزُ الحَيَاةِ، وَالكَرْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ. 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ “حَظِيرَةُ الخِرَافِ” (αὐλή) إِلَى فِضَاءٍ مَفْتُوحٍ مُسَوَّرٍ بِالحِجَارَةِ أَوِ الأَغْصَانِ، تُجْمَعُ فِيهِ الخِرَافُ لَيْلًا لِحِمَايَتِهَا. وَلَهَا بَابٌ وَاحِدٌ يُحْرَسُ مِنْ قِبَلِ بَوَّابٍ (θυρωρός)، وَلا يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَّا الرَّاعِي الشَّرْعِيُّ. وَهٰذَا الوَصْفُ يُعَبِّرُ عَنْ نِظَامٍ مَعْرُوفٍ فِي الحَيَاةِ الرِّعَوِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ القَدِيمَةِ. وَتَحْمِلُ الحَظِيرَةُ بُعْدًا رَمْزِيًّا: فَهِيَ تُمَثِّلُ إِسْرَائِيلَ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، وَالكَنِيسَةَ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، وَمَلَكُوتَ اللهِ فِي بُعْدِهِ الأُخْرَوِيِّ.  وَيُسَاعِدُ هٰذَا الفَهْمُ عَلَى إِدْرَاكِ دَوْرِ الحَظِيرَةِ فِي الحِفْظِ وَالحِمَايَةِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي شَهَادَةِ دَاوُدَ الرَّاعِي أَمَامَ شَاوُلَ: كَانَ عَبْدُكَ يَرْعَى غَنَمَ أَبِيهِ، فَكَانَ يَأْتِي أَسَدٌ أَوْ دُبٌّ وَيَخْطَفُ شَاةً” (1 صموئيل 17: 34)، فَالحَظِيرَةُ تُحَافِظُ عَلَى القَطِيعِ مِنَ الضَّيَاعِ وَمِنَ الأَخْطَارِ. 

 أَمَّا عِبَارَةُ مَنْ لا يَدْخُلُ مِنَ البَابِ فَتُشِيرُ إِلَى غِيَابِ الشَّرْعِيَّةِ، إِذْ إِنَّ الرَّاعِي الحَقِيقِيَّ يَدْخُلُ مِنَ البَابِ، أَمَّا الدَّخِيلُ فَيَسْلُكُ طُرُقًا مُلْتَوِيَةً. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ إِلَى القَطِيعِ بِغَيْرِ المَسِيحِ، فَهُوَ لِصٌّ، لأَنَّهُ لا يَدْخُلُ بِالمَحَبَّةِ بَلْ بِالكِبْرِيَاءِ” PL 35)).  

  أَمَّا “البَابُ” (θύρα)، فَيَحْمِلُ بُعْدًا لاهُوتِيًّا عَمِيقًا، إِذْ يُشِيرُ فِي سِيَاقِ الإِنْجِيلِ إِلَى يسوع المسيح نَفْسِهِ (يوحنا 10: 7)، الَّذِي بِهِ وَحْدَهُ يَتِمُّ الدُّخُولُ إِلَى شَعْبِ اللهِ. وَفِي بُعْدٍ تَفْسِيرِيٍّ مُكَمِّلٍ، تَبْقَى الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ هِيَ الطَّرِيقَةَ الَّتِي تُدْخِلُنَا فِي مَعْرِفَةِ هٰذَا “البَابِ”، إِذْ تَفْتَحُ لَنَا سِرَّ اللهِ وَتُقُودُنَا إِلَيْهِ، كَمَا قِيلَ فِي خِبْرَةِ يعقوب: “هٰذَا بَابُ السَّمَاءِ!” (تكوين 28: 17). وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “المَسِيحُ هُوَ البَابُ، وَمَنْ يَدْخُلُ بِهِ يَدْخُلُ إِلَى الحَيَاةِ؛ أَمَّا مَنْ يَتَجَاوَزُهُ فَلا يَدْخُلُ بَلْ يَسْقُطُ” PL 35)).  

 وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، تَأْتِي عِبَارَةُ يَتَسَلَّقُ” (ἀναβαίνειν) لِتُعَبِّرَ عَنْ سُلُوكِ السَّارِقِ الَّذِي يَلْجَأُ إِلَى الخِدَاعِ وَالغِشِّ وَالطُّرُقِ المُلْتَوِيَةِ لِلدُّخُولِ، فِي حِينِ أَنَّ الرَّاعِي الحَقِيقِيَّ يَدْخُلُ بِوُضُوحٍ وَشَرْعِيَّةٍ. وَيُشِيرُ القديس غريغوريوس الكبير إِلَى أَنَّ مَنْ يَطْلُبُ السُّلْطَانَ الرُّوحِيَّ لِمَجْدِهِ الشَّخْصِيِّ، يَتَسَلَّقُ لا يَدْخُلُ” (Hom. in Evang. 14). 

 أَمَّا التَّعْبِيرُ لِصٌّ سَارِقٌ ” (κλέπτης καὶ λῃστής)، فَيَحْمِلُ بُعْدًا مُزْدَوِجًا 

  • “κλέπτης” (لِصٌّ): يَعْمَلُ فِي الخَفَاءِ وَبِالخِدَاعِ،  
  • “λῃστής” (سَارِقٌ/قَاطِعُ طَرِيقٍ): يَعْمَلُ بِالعُنْفِ وَالعَلَنِيَّةِ. 

 وَبِذٰلِكَ يَشْمَلُ الوَصْفُ كُلَّ مَنْ يُضَلِّلُ الشَّعْبَ، سِرًّا أَوْ جَهْرًاوَهٰذَا يَتَوَافَقُ مَعَ نُبُوءَةِ إرميا النبي: “وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُبِيدُونَ وَيُشَتِّتُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي (إرميا 23: 1)، حَيْثُ يُدِينُ اللهُ الرُّعَاةَ السَّيِّئِينَ الَّذِينَ لا يَخْدِمُونَ القَطِيعَ بَلْ يَسْتَغِلُّونَهُوَيُقَدِّمُ التَّقْلِيدُ الصُّوفِيُّ الغَرْبِيُّ تَأْمُّلًا عَمِيقًا فِي هٰذَا المَوْضُوعِ، إِذْ يَقُولُ يوهانس تاولر: “إِنَّ هٰذِهِ الحَظِيرَةَ هِيَ قَلْبُ الآبِ، وَبَابُهَا هُوَ المَسِيحُ… وَفِيهَا يَجْتَمِعُ جَمِيعُ القِدِّيسِينَ” (Sermon 27).  إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ مِعْيَارٍ لاهُوتِيٍّ وَرُوحِيٍّ أَسَاسِيٍّالدُّخُولُ الشَّرْعِيُّ إِلَى شَعْبِ اللهِ يَكُونُ فَقَطْ بِالمَسِيحِ وَمِنْ خِلَالِهِ، أَمَّا كُلُّ طَرِيقٍ آخَرَ فَهُوَ طَرِيقُ ضَلاَلٍ وَتَشْتِيتٍ. 

  1. “وَأَمَّامَنْيَدْخُلُ مِنَ البَابِ فَهُوَ رَاعِي الخِرَافِ”. 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ “مَنْ يَدْخُلُ” (ὁ εἰσερχόμενος) إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي لَهُ سُلْطَانٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الخِرَافِ، أَيْ صَاحِبُ القَطِيعِ وَمُدَبِّرُهُ، الَّذِي لا يَسْتَعْمِلُ الطُّرُقَ المُلتَوِيَةَ، بَلْ يَدْخُلُ بِوُضُوحٍ وَحَقٍّ. وَهٰذَا يَكْشِفُ عَنْ طَبِيعَةِ السُّلْطَانِ الرُّوحِيِّ فِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ: سُلْطَانٌ قَائِمٌ عَلَى الخِدْمَةِ وَالمَحَبَّةِ، لا عَلَى التَّسَلُّطِ. 

 لَقَبُ “الرَّاعِي” يُطْلَقُ َفِي العَهْدِ القَدِيمِ، تَارَةً عَلَى اللهِ نَفْسِهِ: “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلا يَنْقُصُنِي شَيْءٌ” (مزمور 23: 1)، وَتَارَةً أُخْرَى عَلَى قَادَةِ الشَّعْبِ (إرميا 2: 8). أَمَّا فِي شَخْصِ يسوع المسيح، فَقَدْ تَحَقَّقَ مَعْنَى الرِّعَايَةِ بِكَمَالِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالقِيَادَةِ، بَلْ “بَذَلَ نَفْسَهُ” مِنْ أَجْلِ خِرَافِهِ (يوحنا 10: 11). وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلَى فَرَادَةِ هٰذِهِ الرِّعَايَةِ قَائِلًا: “لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ عَنْ رَاعٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ طَوْعًا عَنْ خِرَافِهِ؛ أَمَّا المَسِيحُ فَقَدْ فَعَلَ ذٰلِكَ بِإِرَادَتِهِ”(PG 59) . وَمِنْ هُنَا يُعْلِنُ العَهْدُ الجَدِيدُ أَنَّهُ “رَاعِي الرُّعَاةِ” (1 بطرس 5: 4)، وَ “رَاعِي الخِرَافِ العَظِيمُ” (عبرانيين 13: 20)، أَيْ المِعْيَارُ الأَسْمَى لِكُلِّ خِدْمَةٍ رَعَوِيَّةٍ 

 أَمَّا عِبَارَةُ “رَاعِي الخِرَافِ” فَتُشِيرُ أَوَّلًا وَبِالمَعْنَى الكَامِلِ إِلَى يسوع المسيح نَفْسِهِ، الَّذِي يُتِمُّ نُبُوءَاتِ العَهْدِ القَدِيمِ، خَاصَّةً مَا وَرَدَ عِنْدَ حزقيال النبي: “أَنَا أَرْعَى خِرَافِي وَأَنَا أُرْبِضُهَا… أَبْحَثُ عَنِ الضَّالَّةِ وَأَرُدُّ الشَّارِدَةَ” (حزقيال 34: 15–16). فَالرَّاعِي هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ قَائِدٍ، بَلْ مُخَلِّصٌ وَمُعِيدُ الحَيَاةِ لِلقَطِيعِ. وَتَتَّسِعُ هٰذِهِ الصُّورَةُ فِي التَّقْلِيدِ الكَنَسِيِّ، حَيْثُ تُشَبَّهُ الكَنِيسَةُ بِمَرْعًى رُوحِيٍّ يَجْمَعُ أَبْنَاءَ اللهِ المُشَتَّتِينَ (يوحنا 11: 52)، وَيُقِيمُهُمْ فِي وَحْدَةٍ. وَيُؤَكِّدُ القديس توما الأكويني أَنَّ “الرَّاعِي الصَّالِحَ يَحْتَمِلُ المَشَقَّةَ وَيَسْهَرُ عَلَى قَطِيعِهِ، لا لِمَنْفَعَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ بَلْ لِخَيْرِهِم” (Super Ioannem, cap. 10).  إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ لا تُعَرِّفُ فَقَطْ هُوِيَّةَ الرَّاعِي، بَلْ تَضَعُ مِعْيَارًا رُوحِيًّا حَاسِمًاالرَّاعِي الحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ المَسِيحِ، وَيَخْدِمُ القَطِيعَ بِالمَحَبَّةِ، وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِهِ، لا مَنْ يَسْعَى إِلَى مَصَالِحِهِ الذَّاتِيَّةِ. 

3. “لَهُ يَفْتَحُ البَوَّابُ، وَالخِرَافُ إِلَى صَوْتِهِ تُصْغِي، يَدْعُو خِرَافَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاسْمِهِ وَيُخْرِجُهَا”.

 تُشِيرُ عِبَارَةُ “لَهُ يَفْتَحُ البَوَّابُ” (ὁ θυρωρὸς ἀνοίγει αὐτῷ) إِلَى شَرْعِيَّةِ دُخُولِ الرَّاعِي، إِذْ يَعْرِفُهُ الحَارِسُ وَيَعْتَرِفُ بِسُلْطَانِهِ. وَفِي تَفْسِيرٍ آبَائِيٍّ، يَرَى القديس أوغسطينوس أَنَّ “البَوَّابَ” يُمْكِنُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يَفْتَحُ القُلُوبَ لِتَقْبَلَ المَسِيحَ، أَوْ إِلَى الخِدْمَةِ الكَنَسِيَّةِ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ” PL 35) ).  

أَمَّا عِبَارَةُ “الخِرَافُ إِلَى صَوْتِهِ تُصْغِي” (τὰ πρόβατα τῆς φωνῆς αὐτοῦ ἀκούει)، فَتُبَيِّنُ أَنَّ الِانْتِمَاءَ إِلَى الرَّاعِي لَيْسَ خَارِجِيًّا، بَلْ قَائِمٌ عَلَى مَعْرِفَةٍ دَاخِلِيَّةٍ وَعَلاَقَةِ ثِقَةٍ. فَالفِعْلُ “ἀκούει” لا يَعْنِي مُجَرَّدَ السَّمْعِ، بَلِ الإِصْغَاءَ المُطِيعَ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الاِتِّبَاعِ. وَيُعَلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري: “الخِرَافُ تَعْرِفُ صَوْتَ رَاعِيهَا، أَيْ تَتَقَبَّلُ تَعْلِيمَهُ بِإِيمَانٍ، لأَنَّهَا تَمْتَلِكُ حَسًّا رُوحِيًّا يُمَيِّزُ الحَقَّ” (PG 73).  وَتُظْهِرُ هٰذِهِ العِبَارَةُ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ أشعيا النبي: “عَرَفَ الثَّوْرُ مَالِكَهُ وَالحِمَارُ مَعْلَفَ صَاحِبِهِ (أشعيا 1: 3)، فَكَمْ بِالأَحْرَى الإِنْسَانُ المَدْعُوُّ لِمَعْرِفَةِ اللهِ! 

أَمَّا الخِرَافُ فَتُشِيرُ إِلَى شَعْبِ اللهِ، الَّذِينَ يَنْتَمُونَ إِلَى يسوع المسيح وَيَسْمَعُونَ صَوْتَهُ. وَيُبَيِّنُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَنَّ الخِرَافَ لا تَتْبَعُ الرَّاعِي قَسْرًا، بَلْ بِالمَحَبَّةِ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ وَتَثِقُ بِهِ” (PG 59).  

وَتَبْلُغُ العِبَارَةُ ذِرْوَتَهَا فِي قَوْلِهِ: بِاسْمِهِ” (κατ’ ὄνομα)، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَكْشِفُ عَنْ عَلاَقَةٍ شَخْصِيَّةٍ عَمِيقَةٍ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ. فَاللهُ لا يَعْرِفُ الجَمَاعَةَ فَقَطْ، بَلْ كُلَّ فَرْدٍ فِيهَا بِاسْمِهِ وَهُوِيَّتِهِ. وَهٰذَا مَا تَنَبَّأَ بِهِ أشعيا النبي: “دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ، إِنَّكَ لِي(أشعيا 43: 1). وَيُعَلِّقُ القديس غريغوريوس الكبير: “يَدْعُو خِرَافَهُ بِاسْمِهَا، أَيْ يَعْرِفُ كُلَّ وَاحِدٍ بِمَحَبَّةٍ خَاصَّةٍ، لا كَجُمْلَةٍ مُجَرَّدَةٍ” (Hom. in Evang. 14). 

أَمَّا وَيُخْرِجُهَا” (ἐξάγει αὐτά)، فَلا تَعْنِي فَقَطْ إِخْرَاجًا مَادِّيًّا مِنَ الحَظِيرَةِ، بَلْ قِيَادَةً رُوحِيَّةً إِلَى الحُرِّيَّةِ وَالحَيَاةِ فِي مَرَاعِي اللهِ. فَالرَّاعِي لا يَحْبِسُ القَطِيعَ، بَلْ يُطْلِقُهُ نَحْوَ مَرَاعِي النِّعْمَةِ وَمَلَكُوتِ اللهِ. 

إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ سِمَاتِ العَلاَقَةِ بَيْنَ الرَّاعِي وَخِرَافِهِ: 

  • مَعْرِفَةٌ شَخْصِيَّةٌ: “يَدْعُو بِاسْمِهِ”  
  • إِصْغَاءٌ مُطِيعٌ: “تُصْغِي لِصَوْتِهِ 
  • قِيَادَةٌ إِلَى الحُرِّيَّةِ يُخْرِجُهَا”  

وَبِهٰذَا يَتَجَلَّى أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِمَاءٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ هُوَ دَعْوَةٌ شَخْصِيَّةٌ وَاسْتِجَابَةٌ حَيَّةٌ لِصَوْتِ يسوع المسيح الرَّاعِي الصَّالِحِ. 

  1. “إِذَاأَخْرَجَخِرَافَهُ جَمِيعًا سَارَ قُدَّامَهَا، وَهِيَ تَتْبَعُهُ لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ”. 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ سَارَ قُدَّامَهَا” (ἔμπροσθεν αὐτῶν πορεύεται) إِلَى دَوْرِ الرَّاعِي كَدَلِيلٍ وَقَائِدٍ، لا كَمُجَرَّدِ مُرَاقِبٍ. فَالرَّاعِي لا يَكْتَفِي بِحِفْظِ القَطِيعِ، بَلْ يَسِيرُ أَمَامَهُ لِيُرِيهِ الطَّرِيقَ وَيَقُودَهُ نَحْوَ المَرَاعِي الخَصِيبَةِ، كَمَا يُرَنِّمُ المَزْمُورُ: “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلا يَنْقُصُنِي شَيْءٌ… فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي” (مزمور 23: 1–2). وَفِي السِّيَاقِ الرِّعَوِيِّ الفِلَسْطِينِيِّ، كَانَ الرَّاعِي أَحْيَانًا يَسِيرُ خَلْفَ القَطِيعِ لِيُرَاقِبَهُ، وَلٰكِنَّهُ فِي الأَمَاكِنِ الخَطِرَةِ يَتَقَدَّمُهُ لِيَحْمِيَهُ وَيَقُودَهُ. وَهٰذَا البُعْدُ يَأْخُذُ مَعْنًى خَلاَصِيًّا عِنْدَ يسوع المسيح، إِذْ لَمْ يَسِرْ خَلْفَنَا فَقَطْ، بَلْ تَقَدَّمَنَا فِي طَرِيقِ الخَلاَصِ، فَاجْتَازَ الصَّلِيبَ وَالمَوْتَ، لِيَفْتَحَ لَنَا طَرِيقَ الحَيَاةِ وَالمَجْدِ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: “لَمْ يَقُدْهُمْ مِنَ الخَلْفِ، بَلْ تَقَدَّمَهُمْ، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ لا يَأْمُرُ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ، بَلْ يَسِيرُ أَوَّلًا فِي الطَّرِيقِ” (PG 59). وَيُضِيفُ القديس أوغسطينوس: “سَبَقَنَا المَسِيحُ، لِكَيْ نَتْبَعَهُ، لا لِنَسْبِقَهُ؛ فَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي نَسِيرُ فِيهِ” (PL 35). 

 أَمَّا عِبَارَةُ “وَهِيَ تَتْبَعُهُ” (ἀκολουθεῖ αὐτῷ)، فَتُعَبِّرُ عَنْ جَوْهَرِ التَّلْمَذَةِ: الِاتِّبَاعِ الحُرِّ القَائِمِ عَلَى الثِّقَةِ وَالمَعْرِفَةِ، لا عَلَى الإِكْرَاهِ. فَالخِرَافُ لا تُدْفَعُ بلجم، بَلْ تَتْبَعُ بِإِرَادَتِهَا، لأَنَّهَا “تَعْرِفُ صَوْتَهُ”. 

 تُظْهِرُ عِبَارَةُ “لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ” أَنَّ مِحْوَرَ العَلاَقَةِ هُوَ المَعْرِفَةُ الشَّخْصِيَّةُ (γινώσκει)، وَهِيَ مَعْرِفَةٌ لَيْسَتْ ذِهْنِيَّةً فَقَطْ، بَلْ عَلاَقَةُ ثِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ. وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ “مَعْرِفَةَ صَوْتِ المَسِيحِ هِيَ قَبُولُ تَعْلِيمِهِ وَالسَّيْرُ وَفْقَ الحَقِّ الَّذِي يُعْلِنُهُ” (PG 73). 

إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ بُعْدًا خَلاَصِيًّا عَمِيقًا: 

  • يسوع المسيح يَتَقَدَّمُ القَطِيعَ لِيَفْتَحَ الطَّرِيقَ  
  • الخِرَافُ تَتْبَعُهُ بِثِقَةٍ وَحُرِّيَّةٍ  
  • المِحْوَرُ هُوَ صَوْتُهُ كَكَلِمَةٍ تُنِيرُ وَتُرْشِدُ  

وَبِهٰذَا، فَإِنَّ التَّلْمَذَةَ المَسِيحِيَّةَ هِيَ مَسِيرَةُ اتِّبَاعٍ لِلْمَسِيحِ الَّذِي سَبَقَنَا فِي طَرِيقِ الصَّلِيبِ لِنَشْتَرِكَ مَعَهُ فِي مَجْدِ القِيَامَةِ. 

5.  “أَمَّاالغَرِيبُفَلَنْ تَتْبَعَهُ، بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لا تَعْرِفُ صَوْتَ الغُرَبَاءِ”.  

 تُشِيرُ عِبَارَةُ “الغَرِيبُ” (ἀλλότριος) إِلَى شَخْصٍ لَا يَنْتَمِي إِلَى القَطِيعِ، وَلَا يَحْمِلُ صِفَةَ الرَّاعِي الحَقِيقِيِّ، بَلْ يَدَّعِي السُّلْطَانَ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي يسوع المسيح أَوْ شَرِكَةٌ مَعَهُ. فَهُوَ “غَرِيبٌ” لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنِ الرَّاعِي الصَّالِحِ، وَعَنْ مَحَبَّتِهِ وَحَقِّهِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “الغَرِيبُ هُوَ كُلُّ مَنْ لا يَجْمَعُ مَعَ المَسِيحِ، بَلْ يُفَرِّقُ، وَلِذٰلِكَ لا تَتْبَعُهُ الخِرَافُ” PL 35)). 

 أَمَّا عِبَارَةُ فَلَنْ تَتْبَعَهُ” (οὐ μὴ ἀκολουθήσουσιν)، فَتُؤَكِّدُ بِأُسْلُوبٍ قَاطِعٍ فِي اللُّغَةِ اليُونَانِيَّةِ رَفْضَ الخِرَافِ لِاتِّبَاعِ هٰذَا الصَّوْتِ الغَرِيبِ. فَالتَّلْمَذَةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَقُومُ عَلَى الإِنْجِرَافِ وَرَاءَ كُلِّ صَوْتٍ، بَلْ عَلَى التَّمْيِيزِ الرُّوحِيِّ. وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ الخِرَافَ الحَقِيقِيَّةَ تَرْفُضُ التَّعَالِيمَ الغَرِيبَةَ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَ الحَقِّ وَتَثْبُتُ فِيهِ” PG 73)).  

 وَتَزِيدُ العِبَارَةُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ” (φεύξονται) بُعْدًا حَرَكِيًّا، فَلا يَكْفِي عَدَمُ الِاتِّبَاعِ، بَلْ يَجِبُ أَيْضًا الِابْتِعَادُ وَالهَرَبُ مِنَ الضَّلاَلِ. وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبي الفم إِلَى أَنَّ الخِرَافَ لا تَكْتَفِي بِرَفْضِ الغَرِيبِ، بَلْ تَفِرُّ مِنْهُ، لِأَنَّ صَوْتَهُ غَيْرُ مَأْلُوفٍ وَمُخِيفٍ” (PG 59).  

 أَمَّا العِلَّةُ فِي ذٰلِكَ فَتَتَجَلَّى فِي قَوْلِهِ: لأَنَّهَا لا تَعْرِفُ صَوْتَ الغُرَبَاءِ“. فَالمِعْيَارُ الحَاسِمُ هُوَ مَعْرِفَةُ الصَّوْتِ، أَيْ التَّمْيِيزُ بَيْنَ صَوْتِ يسوع المسيح الَّذِي يُعْطِي الحَيَاةَ، وَأَصْوَاتٍ أُخْرَى تُضَلِّلُ وَتُشَتِّتُ. وَيُعَلِّقُ القديس غريغوريوس الكبير: “مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ، يَمْيِّزُ البَاطِلَ، وَمَنْ يَحْمِلُ مَحَبَّةَ المَسِيحِ فِي قَلْبِهِ، لا يَنْجَذِبُ إِلَى صَوْتٍ غَرِيبٍ” (Hom. in Evang. 14). إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ بُعْدٍ رُوحِيٍّ أَسَاسِيٍّ: 

  • هُنَاكَ صَوْتٌ حَقِيقِيٌّ (صَوْتُ الرَّاعِي)  
  • وَأَصْوَاتٌ غَرِيبَةٌ (تَعَالِيمٌ مُضَلِّلَةٌ)  
  • وَالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ يُمَيِّزُ وَيَرْفُضُ وَيَهْرُبُ  

وَبِهٰذَا، فَإِنَّ الِانْتِمَاءَ إِلَى القَطِيعِ لا يَتَجَلَّى فَقَطْ فِي الِاتِّبَاعِ، بَلْ أَيْضًا فِي القُدْرَةِ عَلَى رَفْضِ كُلِّ مَا هُوَ غَرِيبٌ عَنِ الحَقِّ، وَالثَّبَاتِ فِي صَوْتِ يسوع المسيح الرَّاعِي الصَّالِحِ. 

 6″ ضَرَبَ يسوع المسيح لَهُمْ هذا المَثَل، فَلَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَى مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ”. 

 تَرِدُ كَلِمَةُ “المَثَل” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ بِصِيغَةِ παροιμία (الصُّورَةَ)، وَهِيَ لا تُطَابِقُ كَلِمَةَ “مَثَل” (παραβολή) المُسْتَخْدَمَةِ فِي الأَنَاجِيلِ الإِزَائِيَّةِ، بَلْ تُشِيرُ إِلَى قَوْلٍ رَمْزِيٍّ أَوْ صُورَةٍ اِسْتِعَارِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، تَحْمِلُ مَعَانِيَ أَكْثَرَ مِنْ مُسْتَوَى وَاحِدٍ. فَهِيَ أَشْبَهُ بِـ”تَشْبِيهٍ بَلِيغٍ” أَوْ “تَعْبِيرٍ رَمْزِيٍّ مُكَثَّفٍ”، يَتَجَاوَزُ المَعْنَى الحَرْفِيَّ إِلَى مَعْنًى رُوحِيٍّ أَعْمَقَ.  أَمَّا كَلِمَةُ “παραβολή” “ المَثَل ” فَتَدُلُّ عَلَى قِصَّةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ، تُقَدَّمُ لِتَوْضِيحِ حَقِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ خِلَالِ صُورَةٍ مَأْلُوفَةٍ مِنَ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ “παροιμία” فِي إِنْجِيلِ يوحنا الإنجيلي تُعَبِّرُ عَنْ اِسْتِعَارَةٍ لاهُوتِيَّةٍ مُوَسَّعَةٍ، تَحْتَاجُ إِلَى إِضَاءَةٍ دَاخِلِيَّةٍ لِفَهْمِهَا. 

 وَيُضِيفُ النَّصُّ: فَلَمْ يَفْهَمُوا” (οὐκ ἔγνωσαν)، وَهٰذَا الجَهْلُ لَيْسَ نَقْصًا فِي القُدْرَةِ الذِّهْنِيَّةِ، بَلْ هُوَ عَدَمُ إِدْرَاكٍ رُوحِيٍّفَالمَعْنَى الحَقِيقِيُّ لِكَلَامِ يسوع المسيح لا يُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ سِرِّهِ الفِصْحِيِّ: الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ وَعَطِيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ (يوحنا 2: 22)وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: لَمْ يَفْهَمُوا لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ قَادِرِينَ عَلَى فَهْمِ الأَسْرَارِ، فَالكَلِمَةُ كَانَتْ أَمَامَهُمْ، لٰكِنَّ قُلُوبَهُمْ لَمْ تَكُنْ مُنْفَتِحَةً” (PL 35).  كَمَا يُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ المَسِيحَ تَكَلَّمَ بِصُوَرٍ(أمثال)، لِأَنَّ الحَقَّ يَحْتَاجُ إِلَى تَهْيِئَةِ القَلْبِ لِكَيْ يُدْرَكَ” (PG 73). إِذًا، فَإِنَّ عَدَمَ الفَهْمِ لا يَنْبَعُ فَقَطْ مِنْ صُعُوبَةِ الصُّورَةِ (المثل)، بَلْ أَحْيَانًا مِنْ رَفْضٍ دَاخِلِيٍّ لِقَبُولِ الحَقِّفَالصُّورَةُ وَاضِحَةٌ، لٰكِنَّ الإِنْسَانَ لا يُرِيدُ أَنْ يَتَعَمَّقَ فِيهَاوَبِهٰذَا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ قَانُونٍ رُوحِيٍّ أَسَاسِيٍّكَلِمَةُ اللهِ تُعْلَنُ لِلْجَمِيعِ، لٰكِنَّهَا لا تُفْهَمُ إِلَّا لِمَنْ يَنْفَتِحُ قَلْبُهُ بِنِعْمَةِ الرُّوحِ وَيَقْبَلُ سِرَّ المَسِيحِ فِي ضَوْءِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ. 

 7. “فَقَالَ يسوع المسيح:الحَقَّالحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنَا بَابُ الخِرَافِ“. 

 تُفْتَتَحُ الآيَةُ مَرَّةً أُخْرَى بِالصِّيغَةِ اليُوحَنِّاويَّةِ “الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ” (ἀμὴν ἀμὴν λέγω ὑμῖν)، فِي إِعْلاَنٍ يَحْمِلُ سُلْطَانَ الحَقِّ الإِلَهِيِّ وَيُهَيِّئُ لِكَشْفٍ لاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ. 

 أَمَّا قَوْلُهُ أَنَا (ἐγώ εἰμι)، فَهُوَ تَعْبِيرٌ يَتَجَاوَزُ الهُوِيَّةَ البَشَرِيَّةَ لِيَحْمِلَ بُعْدًا إِلَهِيًّا، مُرْتَبِطًا بِإِعْلاَنِ اللهِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ“؛ (خروج 3: 14). وَفِي إِنْجِيلِ يوحنا الإنجيلي، تَرِدُ عِبَارَاتُ أَنَا هُوَ كَصِيَغٍ إِعْلاَنِيَّةٍ تُعَرِّفُ بِشَخْصِ المَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ:
أَنَا خُبْزُ الحَيَاة” (يو 6: 35)،  

أَنَا نُورُ العَالَم” (يو 8: 12)،  

أَنَا الرَّاعِي الصَّالِح” (يو 10: 11)،  

أَنَا القِيَامَةُ وَالحَيَاة” (يو 11: 25)،  

أَنَا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاة” (يو 14: 6). 

 أَمَّا عِبَارَةُ بَابُ الخِرَافِ” (ἡ θύρα τῶν προβάτων)، فَلا تُشِيرُ إِلَى بَابِ الحَظِيرَةِ فَحَسْب، بَلْ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي بِهِ وَحْدَهُ يَتِمُّ الدُّخُولُ وَالخُرُوجُفَالمَسِيحُ هُوَ البَابُ الَّذِي: 

  • يُدْخِلُ الخِرَافَ إِلَى الحَظِيرَةِ (الأَمَانِ وَالشَّرِكَةِ)  
  • وَيُخْرِجُهَا إِلَى المَرَاعِي (الحُرِّيَّةِ وَالحَيَاةِ)  

وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “المَسِيحُ هُوَ البَابُ، فَمَنْ يَدْخُلُ بِهِ يَجِدُ الحَيَاةَ، وَمَنْ يَطْلُبُ طَرِيقًا آخَرَ يَبْقَى فِي الخَارِجِ” PL 35)). وَفِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ، يُرْمَزُ إِلَى البَابِ كَمَدْخَلٍ إِلَى الحَضْرَةِ الإِلَهِيَّةِ، كَمَا فِي خِبْرَةِ يعقوب: “هٰذَا بَابُ السَّمَاءِ! (تكوين 28: 17). أَمَّا فِي الإِنْجِيلِ، فَيُصْبِحُ هٰذَا الرَّمْزُ مُتَجَسِّدًا فِي شَخْصِ يسوع المسيح، الَّذِي يَفْتَحُ لِلإِنْسَانِ طَرِيقَ الدُّخُولِ إِلَى الآبِ: لا يَمْضِي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلَّا بِي (يوحنا 14: 6)وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ المَسِيحَ دُعِيَ بَابًا، لأَنَّهُ يُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ إِلَى مَعْرِفَةِ الآبِ وَإِلَى الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ” (PG 73).  

 كَذٰلِكَ يَحْمِلُ البَابُ بُعْدًا دِينَامِيًّا: فَهُوَ لَيْسَ بَابَ دُخُولٍ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا بَابُ خُرُوجٍ إِلَى الحُرِّيَّةِ وَالرِّسَالَةِ. فَالمُؤْمِنُ يَدْخُلُ لِيَلْتَقِيَ بِاللهِ، وَيَخْرُجُ لِيَشْهَدَ لَهُ فِي العَالَمِوَيُعَبِّرُ التَّقْلِيدُ الرُّوحِيُّ عَنْ هٰذَا السِّرِّ بِعُمْقٍ، إِذْ يَقُولُ غيّوم دو سان تييري: “أَنْتَ هُوَ البَابُ… اِفْتَحْ لَنَا ذَاتَكَ، لِنَدْخُلَ إِلَى المَسْكَنِ الَّذِي هُوَ الآبُ” (صلوات تأمّليّة PL 180). إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا الإِعْلاَنُ عَنْ حَقِيقَةٍ لاهُوتِيَّةٍ جَوْهَرِيَّةٍيسوع المسيح هُوَ البَابُ الوَحِيدُ لِلخَلاَصِ، الَّذِي يَفْتَحُ لِلإِنْسَانِ الدُّخُولَ إِلَى الحَيَاةِ الإِلَهِيَّةِ، وَيُحَرِّرُهُ لِيَحْيَا فِي مَلْءِ النِّعْمَةِ وَالخِدْمَةِ. 

 8.”جَمِيعُ الَّذِينَ جَاؤُوا قَبْلِي لُصُوصٌ وَسَارِقُونَ، وَلٰكِنَّ الخِرَافَ لَمْ تُصْغِ إِلَيْهِم“.  

 تُثِيرُ عِبَارَةُ جَمِيعُ الَّذِينَ جَاؤُوا قَبْلِي” (πάντες ὅσοι ἦλθον πρὸ ἐμοῦ) تَسَاؤُلًا لاهوتيًّا، إِذْ لا يُمْكِنُ فَهْمُهَا عَلَى أَنَّهَا تَشْمَلُ أَنْبِيَاءَ العَهْدِ القَدِيمِ، بَلْ تُشِيرُ إِلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ خَارِجًا عَنْ يسوع المسيح وَبِمَعْزِلٍ عَنْهُ، مُدَّعِيًا السُّلْطَانَ الرُّوحِيَّ دُونَ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنَ اللهِوَيُوَضِّحُ القديس أوغسطينوس هٰذَا المَعْنَى قَائِلًا: لَمْ يَكُنِ الأَنْبِيَاءُ لُصُوصًا، لأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ المَسِيحِ، بَلْ كَانُوا مَعَهُ وَشَهِدُوا لَهُ. أَمَّا الَّذِينَ جَاؤُوا خَارِجًا عَنْهُ، فَهُمْ لُصُوصٌ وَسَارِقُونَ“PL 35)).  

 أَمَّا التَّعْبِيرُ «لُصُوصٌ وَسَارِقُونَ” (κλέπται καὶ λῃσταί)، فَيَحْمِلُ بُعْدًا مُزْدَوِجًا: 

  • “κλέπται” (لُصُوصٌ): يَعْمَلُونَ فِي الخَفَاءِ وَبِالخِدَاعِ،  
  • “λῃσταί” (سَارِقُونَ/قُطَّاعُ طُرُقٍ): يَعْمَلُونَ بِالعُنْفِ وَالعَلَنِيَّةِ 

وَهٰذَا يَشْمَلُ الأَنْبِيَاءَ الكَذَبَةَ وَالقَادَةَ الدِّينِيِّينَ الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ الشَّعْبَ، وَيَسْعَوْنَ إِلَى مَصَالِحِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ بَدَلًا مِنْ خَلاَصِ القَطِيعِ، كَمَا حَذَّرَ إرميا النبي: “وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُبِيدُونَ وَيُشَتِّتُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي (إرميا 23: 1)، وَكَذٰلِكَ حزقيال النبي (حزقيال 34). وَفِي السِّيَاقِ الإِنْجِيلِيِّ، يُمْكِنُ رَبْطُ هٰذَا التَّوْبِيخِ بِمَوْقِفِ الفِرِّيسِيِّينَ فِي شِفَاءِ الأَعْمَى (يوحنا 9: 1–40)، حَيْثُ أَخْرَجُوا المُؤْمِنَ مِنَ الجَمَاعَةِ، فِي حِينِ أَنَّهُ وَجَدَ حَيَاتَهُ الحَقِيقِيَّةَ فِي يسوع المسيح.  وَهٰذَا يُظْهِرُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الرَّاعِي الكَاذِبُ إِلَى عَائِقٍ أَمَامَ الإِيمَانِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لَهُوَيُعَلِّقُ القديس توما الأكويني: “الرَّاعِي الصَّالِحُ يَطْلُبُ خَيْرَ القَطِيعِ، أَمَّا السَّيِّئُ فَيَطْلُبُ مَصْلَحَتَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ: أَلَيْسَ عَلَى الرُّعَاةِ أَنْ يَرْعُوا الخِرَافَ؟” (حزقيال 34: 2) Super Ioannem, cap. 10)).  

 أَمَّا عِبَارَةُ وَلٰكِنَّ الخِرَافَ لَمْ تُصْغِ إِلَيْهِم” (οὐκ ἤκουσαν αὐτῶν τὰ πρόβατα)، فَتُبَيِّنُ أَنَّ هُنَاكَ تَمْيِيزًا رُوحِيًّا لَدَى الخِرَافِ الحَقِيقِيَّةِ، الَّتِي تَعْرِفُ صَوْتَ الرَّاعِي وَتَرْفُضُ الصَّوْتَ الغَرِيبَ. وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ: “النُّفُوسَ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَى المَسِيحِ لا تَنْخَدِعُ بِالتَّعَالِيمِ الغَرِيبَةِ، لأَنَّهَا مُمْتَلِئَةٌ مِنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ” (PG 73). وَقَدْ تَجَلَّى هٰذَا فِي شَهَادَةِ أُنَاسٍ أَمْثَالِ سِمْعَانَ الشَّيْخِ، وَحنة النبيَّة، وَالتَّلاَمِيذِ، بَلْ وَبَعْضِ جُنُودِ الهَيْكَلِ (يوحنا 7: 45–46)، الَّذِينَ مَيَّزُوا صَوْتَ الحَقِّ وَاسْتَجَابُوا لَهُ. 

إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ حَقِيقَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ: 

  • وُجُودُ رُعَاةٍ كَذَبَةٍ يُضَلِّلُونَ وَيُشَتِّتُونَ  
  • وَوُجُودُ خِرَافٍ حَقِيقِيَّةٍ تُمَيِّزُ وَلا تَتْبَعُ  

وَبِذٰلِكَ، تُدْعَى الكَنِيسَةُ إِلَى التَّمْيِيزِ الدَّائِمِ، وَإِلَى إِرْشَادِ المُؤْمِنِينَ لِمَعْرِفَةِ الصَّوْتِ الحَقِيقِيِّ، وَالحَذَرِ مِنْ كُلِّ تَعْلِيمٍ غَرِيبٍ عَنِ يسوع المسيح الرَّاعِي الصَّالِحِ. 

9.  “أَنَا البَابُ؛ فَمَنْ دَخَلَ بِي يَخْلُصُ، وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ، وَيَجِدُ مَرْعًى“. 

 عِبَارَةُ يسوع المسيح: “أَنا هُوَ كَما وَرَدَت فِي النَّصِّ اليونانيِّ ἐγώ εἰμι، فَلَيْسَت مُجَرَّدَ تَعريفٍ ذاتيٍّ، بَلْ تَحمِلُ صَدًى لِلإِعلانِ الإِلٰهيِّ فِي العَهدِ القَديمِ، حَيْثُ يُعلِنُ اللهُ ذاتَهُ لِموسى: أَنا هُوَ الكائِن (خروج 3: 14)فِي إِنجيلِ يوحنّا، تَتَكَرَّرُ عِبَارَةُ “أنا هُوَ لِتَكشِفَ هُوِيَّةَ المَسيحِ الإِلٰهيَّةَ.  وَهٰكَذا يَتَّضِحُ أَنَّ صِيغَةَ ἐγώ εἰμι فِي إِنجيلِ يوحنّا تَحمِلُ بُعدًا كِريستولوجيًّا عَميقًا، إِذ تُعلِنُ أَنَّ يسوع المسيح هُوَ حُضورُ اللهِ ذاتُهُ فِي التَّاريخِ، وَالبابُ الوَحيدُ الَّذي يَعبُرُ بِهِ الإِنسانُ مِنَ المَوتِ إِلَى الحَياةِ. 

 تُعيدُ عِبَارَةُ يسوع المسيحأَنا البَابُ” (ἐγώ εἰμι ἡ θύρα) تَأْكيدَ الإِعلانِ الكِرِيسْتولوجيِّ فِي إِنجيلِ يوحنّا، حَيْثُ يُعَرِّفُ المَسيحُ نَفسَهُ لَيْسَ كَطَريقٍ فَحَسب، بَلْ كَمَدخَلٍ وَحيدٍ إِلَى الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ. وَعِندَما يَقولُ: “أَنا هُوَ البابُ” (يو 10: 7)، فَهُوَ لا يُقَدِّمُ تَعليميًّا أَخلاقيًّا فَحَسب، بَلْ يَكشِفُ أَنَّ شَخصَهُ هُوَ مَوضِعُ العُبورِ الخَلاصيِّ. فَالمَسيحُ لَيْسَ فَقَطْ مَن يَدُلُّنا عَلَى البابِ، بَلْ هُوَ البابُ ذاتُهُ؛ أَي الطَّريقُ الحَيُّ الَّذي بِهِ نَدخُلُ إِلَى شَرِكَةِ اللهِ وَنَبلُغُ إِلَى مِلءِ الحَياةِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قائلًا: “لَم يَقُلِ الرَّبُّ: أُرِيكُم البابَ، بَلْ قالَ: أَنا هُوَ البابُ؛ لِأَنَّهُ بِهِ نَدخُلُ، وَفِيهِ نَثبُتُ، وَمِنهُ نَنطَلِقُ” (In Io. Evang. Tract).  فَالبابُ فِي التَّقليدِ الكِتابيِّ يُشيرُ إِلَى مَدخَلِ الحُضورِ الإِلٰهيِّ، كَما يَظهَرُ فِي قَولِ يَعقوبَ: ما أَرْهَبَ هذا المَكان! ما هذا إِلَّا بَيتُ الله، وَهذا بابُ السَّماءِ (تكوين 28: 17). أَمَّا فِي إِنجيلِ يوحنّا، فَيَتَجاوَزُ الرَّمزُ مَعنَاهُ المَجازيَّ لِيُصبِحَ مُتَجَسِّدًا فِي شَخصِ يسوع المسيح نَفسِهِ، الَّذي بِهِ يَتِمُّ الدُّخولُ إِلَى شَرِكَةِ اللهِوَيَرى القديس أوغسطينوس أَنَّ المَسيحَ هُوَ البابُ، لِأَنَّهُ بِهِ نَدخُلُ إِلَى الآبِ، وَبِهِ نَدخُلُ إِلَى الكَنيسَةِ، وَبِهِ نَبْلُغُ إِلَى الحَياةِ الأَبديَّةِ. وَيُضيفُ أَنَّ مَن يُحاوِلُ الدُّخولَ مِن غَيرِهِ، أَي مِن طَريقِ الكِبرياءِ أَوِ السُّلطَةِ أَوِ الخِداعِ، لا يَكونُ راعيًا بَلْ لِصًّا (In Io. Evang. Tract. 45). أَمَّا القديس كيرلس الإسكندري فَيَربِطُ البابَ بِسِرِّ التَّجسُّدِ، إِذ يَرى أَنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهيَّةَ صارَ جَسَدًا (يوحنّا 1: 14) لِيَفتَحَ فِي بَشَرِيَّتِهِ طَريقًا جَديدًا إِلَى اللهِ. وَبِذٰلِكَ أَصبَحَ جَسَدُ المَسيحِ، أَي شَخصُهُ المُتَجَسِّدُ، بابًا حَيًّا يَعبُرُ بِهِ الإِنسانُ إِلَى حِضنِ الآبِ“. وَهٰكَذا يَتَّضِحُ أَنَّ البابَ لَيْسَ مُجرَّدَ رَمزٍ، بَلْ حَقيقَةٌ كِرِيسْتولوجيَّةٌ: فَـيسوع المسيح هُوَ مَدخَلُ الحُضورِ الإِلٰهيِّ، وَسَبيلُ الشَّرِكَةِ، وَالطَّريقُ الوَحيدُ الَّذي يَعبُرُ بِهِ الإِنسانُ مِنَ المَوتِ إِلَى الحَياةِ. 

 أمَّا قَوْلُ يسوع المسيح: “البَابُ، فَيَرِدُ فِي الأَصلِ اليونانيِّ: ἡ θύρα، أَي البابُ المُعَيَّنُ، الوَحيدُ، الحَقيقيُّ. إِنَّ أَداةَ التَّعريفِ (ἡ) لَيْسَت تَفصيلًا لُغَوِيًّا عابِرًا، بَلْ تَحمِلُ بُعدًا لاهوتيًّا عَميقًا: فَيَسوعُ لا يَقولُ أَنا بابٌ، بَلْ أَنا البابُ، أَي المَدخَلُ الحَقِيقِيُّ وَالشَّرعيُّ الوَحيدُ إِلَى الحَياةِ وَالخَلاصِ. “للبابِ فِي الكِتابِ المُقَدَّس أَبْعادُ رَمْزِيَّةِ: 

  • البُعدُ الخَلاصيّيَرتَبِطُ البابُ بِالخَلاصِ وَالحِمايَةِ، كَما فِي خِروجِ الشَّعبِ مِن مِصرَ: الدَّمُ يَكونُ لَكُم عَلامَةً… فَلا يَكونُ عَلَيكُم ضَربَةُ هَلاكٍ (خروج 12: 13)فَالبابُ هُنا هُوَعُبورٌ مِنَ المَوتِ إِلَى الحَياةِ، وَانتِقالٌ مِنَ الخَطيئةِ إِلَى النِّعمَةِ.  وَيَتحقَّقُ هٰذا العُبورُ بِصورةٍ كامِلَةٍ فِي يسوع المسيح، الَّذي بِدَمِهِ يَفتَحُ لَنا بابَ الحَياةِ 
  • البُعدُ المسيحاني يَتَجَسَّدُ البابُ فِي شَخصٍ حَيٍّ: هُوَ يسوع المسيح نَفسُهُ (يوحنّا 10: 9)المَدخَلُ الوَحيدُ إِلَى الخَلاصِ، وَالطَّريقُ إِلَى الآبِ: لا يَمضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي (يوحنّا 14: 6)، وَبابُ اللِّقاءِ مَعَ اللهِ وَالدُّخولِ إِلَى القَداسَةِ وَالعِبادَةِ.  وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “المَسيحُ هُوَ البابُ، وَمَنْ يُحاوِلُ الدُّخولَ مِن غَيرِهِ فَهُوَ لِصٌّ“.  
  • البُعدُ الشَّخصيّ: يُصبِحُ البابُ صُورَةً لِقَلبِ الإِنسانِ، الَّذي يُمكِنُ أَنْ يَنفتِحَ أَو يُغلَقَيَقولُ يسوع المسيح: “هاءَنَذا واقِفٌ عَلَى البابِ وَأَقرَعُ (رؤيا 3: 20)فَالعَلاقَةُ مَعَ اللهِ هِيَ مُبادَرَةٌ إِلَهِيَّةٌ (اللهُ يَقرَعُ)، وَاستِجابَةٌ إِنسانِيَّةٌ حُرَّةٌ (الإِنسانُ يَفتَحُ)وَهٰكَذا يَغدو البابُ رَمزًا لِلشَّرِكَةِ وَالمَحبَّةِ بَينَ اللهِ وَالإِنسانِ. 
  • البُعدُ الكَنَسيّ: يَمتَدُّ مَعنى البابِ إِلَى رِسالَةِ الكَنيسَةِيَقولُ بولس الرسول: “فَتَحَ اللهُ بابَ الإِيمانِ لِلأُمَمِ (أعمال 14: 27)فَالبابُ هُنافُرصَةُ الخَلاصِ المَمنوحَةُ لِلعالَمِ، وَدَعوةُ الكَنيسَةِ إِلَى فَتحِ الأَبوابِ لا إِغلاقِها، وَدُخولٌ حَقيقيٌّ فِي الحَياةِ الإِلَهِيَّةِ، لا مَظهَرِيٌّ أَو شَكليٌّ 

لِذٰلِكَ، لا يُقَدِّمُ يسوع المسيح نَفسَهُ فَقَطْ كَرَاعٍ، بَلْ كَـالبابِ ذاتِهِهُوَ الطَّريقُ الَّذي نَدخُلُ بِهِ، وَالحَياةُ الَّتي نَحياها، وَالمَلجَأُ الَّذي نَحتمي فيهِ.  فِيهِ يَلتَقِي الإِنسانُ بِاللهِ، وَبِهِ يَعبُرُ مِنَ المَوتِ إِلَى الحَياةِ، وَمِنهُ يَنطَلِقُ إِلَى مِلءِ الشَّرِكَةِ وَالخَلاصِإِنَّ البابَ لَيسَ مُجرَّدَ رَمزٍ، بَلْ هُوَ شَخصُ يسوع المسيح نَفسُهُ، الَّذي بِهِ نَدخُلُ إِلى الخَلاصِ، وَنَحيا في الأَمانِ، وَنَتَّحِدُ في الشَّرِكَةِ، وَنَبلُغُ إِلى مِلءِ الحَياةِ. 

 أَمَّا قَوْلُهُ فَمَنْ دَخَلَ بِي يَخْلُصُ” (σωθήσεται)، فَيُؤَكِّدُ أَنَّ الخَلاَصَ لَيْسَ مَفْهُومًا مُجَرَّدًا، بَلْ دُخُولٌ شَخْصِيٌّ فِي عَلاَقَةٍ مَعَ المَسِيحِفَهُوَ وَحْدَهُ الوَسِيطُ الَّذِي بِهِ يَنْجُو الإِنْسَانُ مِنَ المَوْتِ وَالهَلاَكِ، كَمَا يَتَضِحُ فِي قَوْلِهِ: لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ لِيَدِينَ العَالَمَ بَلْ لِيُخَلِّصَ بِهِ العَالَمَ (يوحنا 3: 17)وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “اُدْخُلُوا بِالإِيمَانِ، لِتَبْلُغُوا بِالرُّؤْيَةِ؛ فَالدُّخُولُ الآنَ إِيمَانٌ، أَمَّا الخُرُوجُ فَهُوَ الِانْتِقَالُ إِلَى المَجْدِ” PL 35)). 

 أَمَّا قَوْلُ يسوع المسيح: “بِي” (δι’ ἐμοῦ)، أَي مِن خِلالي أَو بِوَاسِطَتي، فَيُشيرُ إِلى أَنَّ المَسيحَ هُوَ الوَسيطُ الحَيُّ بَينَ الإِنسانِ وَالآبِفَهٰذِهِ العِبَارَةُ لا تَحمِلُ مَعنى وَسِيلَةٍ خَارِجِيَّةٍ فَحَسب، بَلْ تَدلُّ عَلَى شَرِكَةٍ حَيَّةٍ وَوُجودِيَّةٍ مَعَ شَخصِ المَسيحِ نَفسِهِ. فَالخَلاصُ، وَفْقَ اللاهوتِ اليوحنّاويّ، لا يُفْهَمُ كَفِكرَةٍ مُجَرَّدَةٍ أَو كَمَبدَإٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ كَدُخولٍ فِي عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ مَعَ يسوع المسيح، الَّذي بِهِ وَفِيهِ وَمِنهُ يَتَحَقَّقُ الخَلاصُوَيَتَأَكَّدُ هٰذا المَعنى فِي قَولِهِ: لا يَمضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي (يوحنّا 14: 6)، حَيْثُ يَظهَرُ أَنَّ المَسيحَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَليلٍ إِلَى اللهِ، بَلْ هُوَ الطَّريقُ الحَيُّ الَّذي يَحمِلُ الإِنسانَ إِلَى شَرِكَةِ الآبِوَيُعَلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائلًا: بِالمَسيحِ وَحدَهُ نَحصُلُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الآبِ، لِأَنَّهُ هُوَ الوَسيطُ وَالطَّريقُ الَّذي يَجْمَعُ الإِنسانَ بِاللهِ” (In Ioannem).  وَهٰكَذا تَكشِفُ عِبَارَةُ «بِي” (δι’ ἐμοῦ) أَنَّ الخَلاصَ هُوَ اتِّحادٌ شَخصيٌّ بِالمَسيحِ، وَمُشارَكَةٌ فِي حَياتِهِ الإِلٰهيَّةِ، لا مُجرَّدُ مَعرفةٍ أَو انتماءٍ ظاهِريّ 

 أَمَّا عِبَارَةُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ εἰσελεύσεται καὶ ἐξελεύσεται، فَتَحْمِلُ بُعْدًا دِينَامِيًّا يُشِيرُ إِلَى: 

  • الدُّخُولِ إِلَى شَرِكَةِ اللهِ وَحِمَايَتِهِ،  
  • وَالخُرُوجِ إِلَى الحُرِّيَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِي العَالَمِ 

وَهٰذَا يُحِيلُ إِلَى صُورَةِ الرَّاعِي فِي العَهْدِ القَدِيمِ (عدد 27: 17)، حَيْثُ يَقُودُ الشَّعْبَ فِي كُلِّ مَسِيرَةٍ. فَالمَسِيحُ لا يَحْبِسُ خِرَافَهُ، بَلْ يُدْخِلُهُمْ إِلَى الحَيَاةِ وَيُرْسِلُهُمْ لِلشَّهَادَةِ. وَيُؤَكِّدُ القديس غريغوريوس الكبير: «يَدْخُلُ المُؤْمِنُ بِالإِيمَانِ، وَيَخْرُجُ إِلَى المُشَاهَدَةِ، فَيَجِدُ مَرْعًى فِي الوَلِيمَةِ الأَبَدِيَّةِ” (Hom. in Evang. 14). الحَيَاةُ المَسِيحِيَّةُ لَيْسَتِ انْغِلاَقًا، بَلْ مَسِيرَةٌ دَائِمَةٌ بَيْنَ اللِّقَاءِ بِاللهِ وَالشَّهَادَةِ لَهُ. 

 أَمَّا العِبَارَةُ الأَخِيرَةُ وَيَجِدُ مَرْعًى” (νομήν)، فَتُشِيرُ إِلَى الغِذَاءِ الرُّوحِيِّ وَالشِّبَعِ الدَّائِمِ. فَالمَرْعَى هُوَ: 

كَلِمَةُ اللهِ الَّتِي تُغَذِّي، وَنِعْمَةُ اللهِ الَّتِي تُحْيِي، وَأَيْضًا الفَرَحُ الأُخْرَوِيُّ فِي رُؤْيَةِ اللهِ.  وَيَقُولُ القديس يوحنا الذهبي الفم: “المَرْعَى هُنَا يَعْنِي الرِّعَايَةَ وَالغِذَاءَ وَالسُّلْطَانَ الَّذِي يَمْلِكُهُ الرَّاعِي عَلَى خِرَافِهِ” (PG 59). كَمَا يُضِيفُ القديس غريغوريوس الكبير أَنَّ المَرَاعِي هِيَ رُؤْيَةُ وَجْهِ اللهِ، حَيْثُ يَجِدُ العَقْلُ شِبَعَهُ بِلا نِهَايَةٍ“. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا المَعْنَى بِصُورَةِ الرَّاعِي فِي المَزَامِيرِ: الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلا شَيْءَ يُعْوِزُنِي… فِي مَرَاعٍ نَضِرَةٍ يُرِيحُنِي (مزمور 23)إِذًا، يَكْشِفُ هٰذَا الإِعْلاَنُ عَنْ سِرٍّ خَلاَصِيٍّ مُتَكَامِلٍالدُّخُولُ بِالمَسِيحِ يَقُودُ إِلَى الخَلاَصِ، وَالحَيَاةِ فِي حُرِّيَّةٍ، وَالشِّبَعِ الرُّوحِيِّ، وَأَخِيرًا إِلَى المَرْعَى الأَبَدِيِّ فِي مَجْدِ اللهِإذا كانَ يسوع المسيح هُوَ البابَ، فَإِنَّ الكَنيسَةَ لا تَملِكُ أَنْ تَجعَلَ نَفسَها بَديلاً عَنهُ، بَلْ أَنْ تَكونَ خادِمَةً لِهٰذا البابِ. فَهِيَ لا تُقَدِّمُ ذاتَها كَغايَةٍ، بَلْ كَوَسِيلَةٍ تُشيرُ إِلَى المَسيحِ وَتَقودُ إِلَيْهِرِسالَتُها الجَوهَرِيَّةُ هِيَ أَنْ تَقودَ النَّاسَ إِلَى يسوع المسيح، لا إِلَى ذاتِها، وَأَنْ تُدخِلَهُم مِن خِلالِهِ إِلَى شَرِكَةِ الآبِ. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ الرُّعاةَ الصّالِحينَ لا يَملِكونَ القَطيعَ، بَلْ يَخدِمونَهُ لِيَكُونَ لِلمَسيحِ وَحدَهُ” (Sermones). وَمِن هُنا، فَإِنَّ الرَّاعِيَ الحَقيقيَّ لا يُغلِقُ البابَ فِي وَجهِ الخِرافِ، وَلا يَستَعمِلُهُ وَسيلَةً لِلسَّيطَرَةِ أَوِ التَّمَلُّكِ، بَلْ يَقودُهَا نَحوَ يسوع المسيح، حَيثُ تَجِدُمَرعًى (غِذاءً رُوحيًّا)، وَحَياةً (شَرِكَةً إِلٰهيَّةً)، وَأَمانًا (حِمايَةً مِنَ الشَّرِّ)، وَخَلاصًا (دُخولًا إِلَى مِلءِ الحَياةِ).  وَيُعَلِّقُ القديس غريغوريوس الكبير قائلًا: الرَّاعِي الحَقِيقِيّ هُوَ الَّذي يَفتَحُ الطَّريقَ أَمامَ الخِرافِ، لا الَّذي يَحبِسُهَا فِي ذاتِهِ” (Regula Pastoralis). وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يُصبِحُ كُلُّ عَمَلٍ رَعَوِيٍّ صَحيحٍ مِحكًّا لاهوتيًّا وَرُوحيًّا لِهٰذِهِ الحَقيقَةِهَل يَقودُ النَّاسَ إِلَى يسوع المسيح البابِ“؟ أَم يَحبِسُهُم فِي أَشكالٍ خارِجيَّةٍ مِنَ التَّدَيُّنِ، تَفتَقِدُ إِلَى الحَياةِ وَالشَّرِكَةِ؟ فَالرِّسالَةُ الحَقيقِيَّةُ لِلكَنيسَةِ هِيَ أَنْ تَكونَ شَفَّافَةً لِلمَسيحِ، لا بَديلاً عَنهُ، وَأَنْ تُساعِدَ الإِنسانَ عَلَى الدُّخولِ مِن خِلالِهِ” (δι’ ἐμοῦ) إِلَى سِرِّ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ. 

  10. السَّارِقُ لا يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ الحَيَاةُ لِلنَّاسِ وَلِتَفِيضَ فِيهِم”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “السَّارِقُ” (ὁ κλέπτης) إِلَى كُلِّ قِيَادَةٍ كَاذِبَةٍ أَوْ مُعَلِّمٍ مُضَلِّلٍ يَدَّعِي الخَلاَصَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِالمَسِيحِ. وَيُوَصِّفُ النَّصُّ عَمَلَهُ بِثَلاَثَةِ أَفْعَالٍ مُتَتَابِعَةٍ: 

  • “لِيَسْرِقَ” (κλέψῃ): أَيْ يَسْلُبَ الحَقَّ وَالإِيمَانَ،  
  • “وَيَذْبَحَ” (θύσῃ): أَيْ يُحَطِّمَ الحَيَاةَ الرُّوحِيَّةَ،  
  • “وَيُهْلِكَ” (ἀπολέσῃ): أَيْ يَقُودَ إِلَى الهَلاَكِ النِّهَائِيِّ.   

إِنَّهُ مَسَارُ تَدْرِيجِيٌّ لِلتَّدْمِيرِ: مِنَ الخِدَاعِ إِلَى القَتْلِ ثُمَّ إِلَى الهَلاَكِ. وَيُعَلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ الَّذِينَ يَقُودُونَ النُّفُوسَ بِغَيْرِ الحَقِّ يَنْزِعُونَ عَنْهَا الحَيَاةَ الحَقِيقِيَّةَ وَيَدْفَعُونَهَا إِلَى الضَّلاَلِ“(PG 73). 

 فِي المُقَابِلِ، يَقُولُ يسوع المسيح: ” أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ…”. وَهُنَا يَتَجَلَّى هَدَفُ رِسَالَتِهِ: “لِتَكُونَ الحَيَاةُ لِلنَّاسِ” (ζωὴν ἔχωσιν). وَالحَيَاةُ هُنَا لا تَعْنِي الوُجُودَ البِيُولُوجِيَّ فَقَطْ، بَلْ الحَيَاةَ الإِلَهِيَّةَ، أَيْ الشَّرِكَةَ مَعَ الآبِ. 

 وَتَتَعَمَّقُ العِبَارَةُ أَكْثَرَ فِي قَوْلِهِ: وَلِتَفِيضَ فِيهِم” (καὶ περισσὸν ἔχωσιν)، أَيْ لِتَكُونَ الحَيَاةُ فِيهِم بِفَيَضٍ وَامْتِلَاءٍ، لا بِحَدٍّ أَدْنَى. فَالمَسِيحُ لا يُعْطِي حَيَاةً فَقَطْ، بَلْ حَيَاةً مُتَفَجِّرَةً بِالنِّعْمَةِ وَالفَرَحِ وَالخَلاَصِوَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم: “وَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الحَيَاةِ؟ إِنَّهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ، الَّذِي جَاءَ المَسِيحُ لِيَهَبَهُ لَنَا” (PG 59). كَمَا يُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ هٰذِهِ الحَيَاةَ هِيَ المَسِيحُ نَفْسُهُ، لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُنَا“PL 35)).  

إِذًا، يَتَّضِحُ أَنَّ: 

  • السَّارِقَ يَسْلُبُ الحَيَاةَ وَيُدَمِّرُهَا،  
  • أَمَّا يسوع المسيح فَيَهَبُ الحَيَاةَ وَيُفِيضُهَا 

وَهٰذِهِ المُقَابَلَةُ لا تَخُصُّ المَاضِي فَقَطْ، بَلْ هِيَ وَاقِعٌ دَائِمٌ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ وَالإِنْسَانِ: بَيْنَ صَوْتٍ يُفْقِرُ وَيُضَلِّلُ، وَصَوْتٍ يُحْيِي وَيُخَلِّصُ. وَخُلاَصَةُ القَوْلِإِنَّ رِسَالَةَ يسوع المسيح لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعْلِيمٍ، بَلْ عَطِيَّةَ حَيَاةٍ إِلَهِيَّةٍ مُتَفَاضِلَةٍ، تُحَوِّلُ الإِنْسَانَ مِنَ الفَقْرِ إِلَى المِلْءِ، وَمِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. تُقَدِّمُ هٰذِهِ الآيَةُ مُقَابَلَةً حَادَّةً بَيْنَ طَبِيعَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِطَبِيعَةِ السَّارِقِ وَطَبِيعَةِ يسوع المسيح.  وكَيْفَ يَمنَحُ يسوع المسيح القائِمُ مِن بَينِ الأَمواتِ خاصَّتَهُ فَيضَ الحَياةِ؟ إِنَّهُ يَستَطيعُ ذٰلِكَ لِأَنَّهُ، قَبلَ أَن يَكونَ راعِيًا، هُوَ البابُ (يوحنّا 10: 7، 9). وَفِي هٰذِهِ الآياتِ يُكَرِّرُ يَسوعُ هٰذَا الإِعلانَ مَرَّتَينِ، مُؤَكِّدًا هُوِيَّتَهُ الكِرِيسْتولوجيَّةَ كَمَدخَلٍ وَحيدٍ إِلَى الحَياةِ وَالخَلاصِفَهُوَ بابُ الخِرافِ، أَي المَدخَلُ الشَّرعيُّ إِلَى حَظيرَةِ اللهِ، وَكُلُّ مَن يَدخُلُ مِن خِلالِهِ” (δι’ ἐμοῦ) يَنالُ الخَلاصَ وَيَجِدُ الحَياةَ. فَالدُّخولُ إِلَيهِ لَيْسَ مُجرَّدَ عُبورٍ خَارِجيٍّ، بَلْ اتِّحادٌ شَخصيٌّ بِهِ، وَمُشارَكَةٌ فِي حَياتِهِ الإِلٰهيَّةِوَبِما أَنَّ يسوع المسيح هُوَ البَابُ، فَإِنَّ الحَياةَ الَّتي يَهَبُها لَيْسَت حَياةً مَحدودَةً أَو زَمَنيَّةً، بَلْ حَياةٌ وافِرَةٌ (يوحنّا 10: 10)، أَي شَرِكَةٌ فِي حَياةِ اللهِ ذاتِهِ. وَمِن هُنا، يَتَّضِحُ أَنَّ الرِّعايةَ الَّتي يُمارِسُها المَسيحُ كَرَاعٍ صالِحٍ تَنبُعُ أَساسيًّا مِن كَونِهِ البابَ: فَهُوَ يَجمَعُ الخِرافَ، وَيُدخِلُهَا إِلَى الحَياةِ، وَيَحميها، وَيَقودُها إِلَى مَراعٍ خُصبَةٍوَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قائلًا: إِنَّهُ لا يَقولُ إِنَّهُ يُعطي الحَياةَ فَحَسب، بَلْ حَياةً بِوَفرَةٍ، لِيُظهِرَ أَنَّ عَطِيَّتَهُ تَفوقُ كُلَّ قِياسٍ” (Hom. in Ioannem). وَهٰكَذا، فَإِنَّ يسوع المسيح، بِكونِهِ البابَ، يَفتَحُ لِخاصَّتِهِ طَريقَ الحَياةِ، وَيُدخِلُهُم إِلَى مِلءِ الشَّرِكَةِ مَعَ الآبِ، وَيَمنَحُهُم فَيضَ النِّعمَةِ الَّذي لا يَزولُ. 

 ثانِيًا: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجيليّ (يوحنّا 10: 1–10) 

 بَعدَ دِراسَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجيليّ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ المِحْوَرَ الأَساسيَّ يَتَمَثَّلُ في شَخْصِ يسوع المسيح الرَّاعِي الصَّالِحِ، الَّذِي يَهْتَمُّ بِقَطِيعِهِ وَيُخَلِّصُهُ. وَيَتَمَيَّزُ الرَّاعِي الحَقِيقِيُّ عَنِ الرُّعَاةِ الكَذَبَةِ بِثَلاَثَةِ عَنَاصِرَ جَوْهَرِيَّةٍ: طَرِيقَةِ الدُّخُولِ، وَالصَّوْتِ، وَالهَدَفِ. 

  الميزةُ الأُولى: طَريقَةُ الدُّخولِ مِنَ البابِ (الشَّرْعِيَّةُ وَالدَّعْوَةُ) 

 إِنَّ الرَّاعِي الحَقِيقِيَّ يَدْخُلُ مِنَ البَابِ، أَيْ بِسُلْطَانٍ إِلَهِيٍّ وَدَعْوَةٍ أَصِيلَةٍ، لَا بِالِاغْتِصَابِ أَوِ الِالتِوَاءِ. فَالمَسِيحُ هُوَ “البَابُ”، وَمَنْ لَا يَدْخُلُ بِهِ يَبْقَى غَرِيبًا عَنِ الحَقِّ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “مَنْ يَدْخُلُ بِالمَسِيحِ يَكُونُ رَاعِيًا حَقِيقِيًّا، أَمَّا مَنْ يَدْخُلُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ لِصٌّ وَسَارِقٌ” PL 35)).  

 مَن لا يَدخُلُ حَظيرَةَ الخِرافِ مِنَ البابِ، بَل يَتَسَلَّقُ إِلَيها مِن مَكانٍ آخَرَ، فَهُوَ لِصٌّ سارِقٌ” (يوحنّا 10: 1). يَسْتَعْمِلُ يسوع المسيح صُورَةً مَأْلُوفَةً فِي البِيئَةِ الشَّرْقِيَّةِ: فِي المَساءِ، كانَ الرُّعاةُ يَجْمَعونَ قُطعانَهُم فِي حَظيرَةٍ واحِدَةٍ، قَدْ تَكونُ كَهْفًا أَو مَغارَةً أَو سَاحَةً مُسَوَّرَةً بِالحِجارَةِ أَو الأَغْصانِ، يَحْرُسُها بَوّابٌ، بَيْنَما “رُعاةٌ يَبيتونَ في البَرِّيَّةِ، يَتناوَبونَ السَّهَرَ في اللَّيلِ على رَعِيَّتِهم” (لوقا 2: 8). وَفِي الصَّباحِ يَعُودُ الرُّعاةُ، فَيَفْتَحُ لَهُم البَوّابُ البابَ، فَيَدْخُلونَ إِلَى خِرافِهِم بِطَريقَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَواضِحَةٍ. 

 مِنْ هٰذِهِ الصُّورَةِ يَنْبُثِقُ تَمْيِيزٌ لاهوتيٌّ عَميقٌ بَيْنَ طَريقَيْنِ: 

  • طَريقِ الرَّاعِي الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ البابِ،  
  • وَطَريقِ اللِّصِّ الَّذِي يَتَسَلَّقُ وَيَتَخَفَّى 

فَالرَّاعِي يَدْخُلُ بِسُلْطانٍ إِلَهِيٍّ وَدَعْوَةٍ صادِقَةٍ، أَمَّا اللِّصُّ فَيَعْمَلُ فِي الخَفاءِ، وَيَسْتَعْمِلُ الغِشَّ وَالعُنْفَ لِيُحَقِّقَ مَصالِحَهُ الشَّخْصِيَّةَ. وَهُوَ لا يَهْتَمُّ بِالخِرافِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى اسْتِغْلالِها وَتَبْدِيدِها. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس“الرَّاعِي يُحِبُّ، وَالأَجِيرُ يُحْتَمَلُ، أَمَّا اللِّصُّ فَيُحْذَرُ مِنْهُ” (PL 35).  فَالمَحَبَّةُ هِيَ مِعيارُ الرَّاعِي الحَقِيقِيِّ، أَمَّا الأَجِيرُ فَيَخْدِمُ مِنْ أَجْلِ الأُجْرَةِ، وَاللِّصُّ يُدَمِّرُ القَطِيعَ. 

 أَمَّا السُّؤَالُ: مَنْ هُمُ “للُّصوصُ وَالسَّارِقونَ”؟ 

فَيُجِيبُ يسوع المسيح: “جَميعُ الَّذينَ جاؤوا قَبْلي لُصوصٌ وَسارِقون” (يوحنّا 10: 8). وَلا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِأَنْبِياءِ العَهْدِ القَديمِ، بَلْ بِكُلِّ مَنْ يَدَّعِي السُّلْطانَ الرُّوحِيَّ بِمَعْزِلٍ عَنِ المَسِيحِ. وَيُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبي الفم: “لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ عَنِ الأَنْبِياءِ، بَلْ عَنْ الَّذِينَ أَثَارُوا الفِتَنَ وَخَدَعُوا الشَّعْبَ” (PG 59)، مِثْلَ ثَوْدَاسَ وَيَهُوذَا الجَلِيلِيِّ (أعمال 5: 36–37). إِنَّهُمْ: 

  • الفِرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ حَجَبُوا تَعْلِيمَ اللهِ،  
  • وَالقِيَادَاتُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي اسْتَبْدَلَت وَصايا اللهِ بِتَقاليدِ البَشَرِ،  
  • وَكُلُّ مُعَلِّمٍ كاذِبٍ يَلْبَسُ “ثَوْبَ الخِرافِ” (متّى 7: 15) 

وَيُعْطِي يسوع المسيح مِعيارًا واضِحًا لِلتَّمْييزِ: «مِن ثِمارِهِم تَعرِفونَهُم» (متّى 7: 16). 

 فِي المُقابِلِ، يُعْلِنُ المَسِيحُ هُوِيَّتَهُ: ἐγώ εἰμι ἡ θύρα “أَنَا هُوَ البَابُ”. وصِيغَةُ “ἐγώ εἰμι” هِيَ صِيغَةٌ لاهُوتِيَّةٌ تَرْتَبِطُ بِإِعْلاَنِ اللهِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ (خروج 3: 14). وَيُضِيفُ“مَنْ يَدْخُلْ بِي يَخْلُصْ، وَيَدْخُلْ وَيَخْرُجْ وَيَجِدْ مَرْعًى”.  هٰذَا التَّعْبِيرُ يَدُلُّ عَلَى الأَمَانِ (الخَلاَص) والحُرِّيَّةِ (يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ) والشِّبَعِ (المَرْعَى).  

 لِماذا يُعَدُّ تَشبيهُ “البابِ” ذا أَهمِّيَّةٍ؟ 

يَتَّضِحُ جَوهرُ الجَوابِ في شَخصِ يسوع المسيح نَفسِهِ: فَهُوَ “البابُ” الَّذي بِهِ نَدخُلُ، وَنَحيا، وَنُحفَظُ، وَنَبلُغُ إِلى مِلءِ الحَياةِ. يَقولُ: “أَنا بابُ الخِراف” (يوحنّا 10: 7). وَفي اللُّغَةِ اليونانيّةِ، تَدُلُّ كَلِمَةُ θύρα (باب) لا على المَدخَلِ المادّيِّ فَحَسب، بَلْ أَيضًا على الوَسيلَةِ الشَّرعيَّةِ وَالوَحيدَةِ لِلدُّخول.  وَهٰكذا يَكشِفُ المَسيحُ أَنَّهُ لَيسَ مُرشِدًا إِلى الطَّريقِ فَحَسب، بَلْ الطَّريقُ نَفسُهُ.  وتَكمُنُ أَهمِّيَّةُ هٰذا التَّشبيهِ في عِدَّةِ أَبعادٍ لاهوتيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ: 

 

  • أوَّلًا، البابُ هُوَ طَريقُ الدُّخولِ إِلى اللهِ.  فَلا يُمكِنُ الوُصولُ إِلى الحَظيرَةِ (أَي شَعبِ اللهِ وَمَلكوتِهِ) إِلّا عَبرَهُ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ يسوع المسيح قائلًا: “لا يَمضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي” (يوحنّا 14: 6). فَهُوَ الوَسيطُ الوَحيدُ وَالطَّريقُ الحَقِيقِيُّ لِلخَلاصِ. 

 

  • ثانيًا، البابُ يُمَيِّزُ بَينَ الشَّرعيِّ وَغَيرِ الشَّرعيِّفَمَن يَدخُلُ مِنَ البابِ يَكونُ مِن أَهلِ البَيتِ، أَمَّا الَّذي “َتَسَلَّقُ مِن مَكانٍ آخَر” فَهُوَ لِصٌّ (يوحنّا 10: 1). وَبِذٰلِكَ يُعلِنُ المَسيحُ أَنَّ كُلَّ دُخولٍ إِلى الحَياةِ الإِلَهِيَّةِ لا يَتِمُّ عَبرَهُ هُوَ دُخولٌ زائِفٌ. 

 

  • ثالثًا، البابُ يَمنَحُ الأَمانَ وَالحِمايَةَ.  فَالدُّخولُ في المَسيحِ يَعني الاحتماءَ بِهِ مِنَ الضَّياعِ وَقُوى الشَّرِّ. وَهٰذا ما تَحمِلُهُ صُورَةُ الحَظيرَةِ الَّتي تُحفَظُ فِيها الخِرافُ. يسوع بابٌ يُغلِقُ في وَجهِ الشَّرِّ، فيَحمي وَيَضمَنُ الأَمانَ (يوحنّا 20: 19)، أَو يُعبِّرُ عَنِ الرَّفضِ النِّهائيِّ (متّى 25: 10). 

 

  • رابعًا، البابُ يَفتَحُ على الحُرِّيَّةِ وَالحَياةِ.  فَالمَسيحُ لا يَحبِسُ الإِنسانَ، بَلْ يُدخِلُهُ وَيُخرِجُهُ إِلى مَراعِي الحَياةِ: “يَدخُلُ وَيَخرُجُ وَيَجِدُ مَرعًى” (يوحنّا 10: 9). إِنَّها حُرِّيَّةُ الأَبناءِ الَّذينَ يَعيشونَ في الأَمانِ وَيَنطَلِقونَ إِلى العالَمِ لِلشَّهادَةِ. 

 

  • خامسًا، البابُ يُعلِنُ سِرَّ التَّجسُّدِفَاللهُ فَتَحَ ذَاتَهُ لِلبَشَرِ فِي إِنسانيَّةِ يسوع المسيح.  وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس أَنَّ “إِنسانيَّةَ المَسيحِ هِيَ البابُ الَّذي نَدخُلُ بِهِ إِلى اللاهوت” أي أنّ الله فتح لنا ذاته عبر جسد المسيح. ما كان مغلقًا صار مفتوحًا فيه، فصار هو “باب السماء”. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا بِرُؤْيَا يعقوب: “هٰذا بابُ السَّماءِ!” (تكوين 28: 17)، إِذْ يَصِيرُ المَسِيحُ فِي تَجَسُّدِهِ البَابَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي يُدْخِلُ الإِنْسانَ إِلَى حُضْنِ الآبِ 

 

وَفِي اعْتِمادِ يسوع المسيح انْفَتَحَتِ السَّماءُ، وَصارَ بِذاتِهِ “بابَ ” الحَقِيقِيَّ النَّازِلَ إِلَى الأَرضِ (يوحنّا 1: 51)، وَالبابَ الَّذي يَقودُ إِلَى مَراعِي الخَيْراتِ الإِلَهِيَّةِ (يوحنّا 10: 9). وَبِذٰلِكَ أَصبَحَ الوَسيطَ الوَحيدَ الَّذي بِهِ يُقَدِّمُ اللهُ ذاتَهُ لِلنّاسِ، وَبِهِ يَجِدُ الإِنسانُ سَبيلَهُ إِلَى الآبِ، كَما يُؤَكِّدُ بولس الرسول: “لأَنَّ لَنا بِهِ جَميعًا سَبيلًا إِلَى الآبِ في رُوحٍ واحِدٍ” (أفسس 2: 18). إِنَّهُ يَستَقبِلُ الجَميعَ بِرُوحِ الضِّيافَةِ، عَلَى مِثالِ أيوب البارِّ: “لَم يَبِتْ غَريبٌ في الخارِجِ، بَل كُنتُ أَفتَحُ بابي لابنِ السَّبيل” (أيوب 31: 32)، وَيُعطي فُرصَةً لِلجَميعِ (1 قورنتس 16: 9). 

 خُلاصَةٌ القول، إِنَّ تَشبيهَ “البابِ لَيسَ مُجرَّدَ صُورَةٍ بَلاغيَّةٍ، بَلْ إِعلانٌ عَن حَقيقَةٍ خَلاصِيَّةٍ جَوهرِيَّةٍ:
أَنَّ يسوع المسيح هُوَ المَدخَلُ الوَحيدُ إِلى الحَياةِ مَعَ اللهِ، وَبِهِ وَحدَهُ يَدخُلُ الإِنسانُ إِلى شَرِكَةِ الآبِ، وَيَنالُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ. 

 وَقَدْ وَضَعَ الرَّبُّ شُروطًا لِلدُّخولِ مِنْ هٰذا البابِ، أَهمُّها: 

  • التَّوبةُ وَالاهتِداءُ: “اُدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّق” (متّى 7: 13)،  
  • وَالإِيمانُ: “فَتَحَ بابَ الإِيمانِ” (أعمال 14: 27)،  
  • وَالثِّقَةُ: “بِهِ نَجرُؤُ… على التَّقرُّبِ إِلَى اللهِ مُطمَئِنِّين” (أفسس 3: 12) 

 وَلا يَقتَصِرُ يسوع المسيح عَلَى كَونِهِ “بابًا”، بَلْ هُوَ أَيْضًا «الرَّاعِي الصَّالِحُ» (يوحنّا 10: 11). وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس: “المَسيحُ في الرَّأسِ هُوَ البابُ، وَفي الجَسَدِ هُوَ الرَّاعِي” PL 35)).  فَهُوَ يَفتَحُ الطَّريقَ، وَفي الوَقتِ عَينِهِ يَقودُ القَطيعَ فِي المَسيرَةِ. وَيُؤَكِّدُ القديس يوحنا الذهبي الفم: “عِندما يُدخِلُنا إِلَى الآبِ يَدعو نَفسَهُ بابًا، وَعِندما يَرعانا يَدعو نَفسَهُ راعيًا” (PG 59). فَهُوَ لا يَكتَفي بِفَتحِ الطَّريقِ، بَلْ يَرافِقُ خِرافَهُ بِمَحبَّةٍ وَأَمانةٍ، حتّى يَبذُلَ نَفسَهُ عَنْها (يوحنّا 10: 11–13)، وَيَقودَها إِلَى المَراعِي الخَصيبَةِ، أَي إِلَى الفَرَحِ الحَقِيقِيِّ وَالغِذاءِ الرُّوحِيِّ. 

وَمِن هٰذا المَنطَلَقِ، نَستَنتِجُ أَنَّ “اللِّصَّ السّارِقَ” هُوَ كُلُّ مَنْ لَم يَدخُلْ خِدمَتَهُ الرَّعَوِيَّةَ مِن بابِ المَسيحِ، بَل:”تَسَلَّقَ مِن مَكانٍ آخَر” (يوحنّا 10: 1)، أَمَّا الرَّاعِي الحَقِيقِيُّ فَهُوَ مَنْ يَتَقَلَّدُ خِدمَتَهُ مَحبَّةً لِلمَسيحِ، وَيَسعى لِتَمْجيدِهِ، وَيَعمَلُ بِقُوَّتِهِ، وَيُعَلِّمُ تَعْليمَهُ، وَيَسيرُ في خُطاهُ، وَيَجتَهِدُ لِيَقودَ النُّفوسَ إِلَيْهِ 

 إِنَّ يسوع المسيح هُوَ البَابُ وَالرَّاعِي مَعًا؛ بِهِ نَدخُلُ إِلَى الحَياةِ، وَمَعَهُ نَسيرُ في الطَّريقِ، وَمِنهُ نَنالُ الأَمانَ وَالخَلاصَ، وَنَبلُغُ المَراعِي الأَبَدِيَّةَ في حُضورِ الآبِ. إِنَّ الدُّخولَ إِلَى حَياةِ اللهِ لا يَتِمُّ إِلَّا مِنْ خِلالِ يسوع المسيح. فَكُلُّ طَريقٍ آخَرَ، مَهْمَا بَدا جَذّابًا، يَبْقَى طَريقًا مُلْتَوِيًا. أَمَّا مَنْ يَدْخُلُ بِهِ، فَيَجِدُ الأَمانَ وَالحَياةَ وَالوَحْدَةَ، وَيَنْطَلِقُ لِيَحْيا فِي الحُرِّيَّةِ وَالشَّهادَةِ. يدعو يسوع كُلِّ خَادِمٍ وَمُؤْمِنٍ أَنْ يَفْحَصَ أَسَاسَ دُخُولِهِ فِي خِدْمَةِ اللهِ: أَهُوَ مِنْ خِلَالِ المَسِيحِ أَمْ لِمَصَالِحِ شَخْصِيَّةٍ؟ 

 الميزةُ الثَّانِيَة: صَوتُ الرَّاعِي (التَّمْيِيزُ وَالمَعْرِفَةُ) 

 تَتَجَلّى المِيزةُ الثَّانِيَةُ لِلرَّاعِي الصَّالِحِ في صَوتِهِ، إِذ “الخِرافُ إِلى صَوتِهِ تُصغي” (يوحنّا 10: 3). يَقُولُ النَّصُّ: τὰ πρόβατα τῆς φωνῆς αὐτοῦ ἀκούει “الخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ” والفِعْلُ ἀκούει (يَسْمَعُ) لا يَعْنِي السَّمْعَ الحِسِّيَّ فَقَطْ، بَلْ الطَّاعَةَ وَالاسْتِجَابَةَ. وَكَلِمَةُ φωνή (الصَّوْت) تُشِيرُ إِلَى دَعْوَةٍ شَخْصِيَّةٍ، لَيْسَتْ عَامَّةً وَمُجَرَّدَةً. إِذًا، العَلاَقَةُ بَيْنَ الرَّاعِي وَالخِرَافِ هِيَ عَلاَقَةُ مَعْرِفَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَحَمِيمِيَّةٍ، لا عَلاَقَةُ قَانُونٍ أَوْ نِظَامٍ. 

 الخِرَافُ تَعْرِفُ صَوْتَ رَاعِيهَا، وَتُمَيِّزُهُ عَنِ الأَصْوَاتِ الغَرِيبَةِ. فَالصَّوْتُ هُنَا هُوَ كَلِمَةُ اللهِ الحَيَّةُ الَّتِي تَخْتَرِقُ القَلْبَ وَتُحَرِّكُهُ. وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري: “النُّفُوسُ الَّتِي تَعْرِفُ المَسِيحَ لا تَنْخَدِعُ بِالتَّعَالِيمِ الغَرِيبَةِ، لأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا صَوْتَ الحَقِّ” (PG 73). 

 يسوع المسيح يَعرِفُ خِرافَهُ مَعرِفَةً شَخصيَّةً عَميقَةً، وَيَدعو كُلَّ واحِدٍ مِنها بِاسمِهِ، وَيَسيرُ أَمامَها لِيَقودَها إِلى المَراعِي الخَصيبَةِ، كَما يُرَنِّمُ صَاحِبُ المَزمور: “الرَّبُّ راعِيَّ فلا شيءَ يُعوِزُني” (مزمور 23: 1). وَبِالمُقابِلِ، تَعرِفُ الخِرافُ صَوتَهُ وَتُميِّزُهُ وَتَتْبَعُهُ، فَتَنشَأُ عَلاقَةٌ مُتبادَلَةٌ قِوامُها المَعرِفَةُ وَالمَحبَّةُ وَالثِّقَةُ: “أَنا الرَّاعِي الصَّالِحُ، أَعرِفُ خِرافي وَخِرافي تَعرِفُني” (يوحنّا 10: 15). 

 إِنَّ صِفَةَ “الصَّالِح” تُترجِمُ الكَلِمَةَ اليونانيّة ὁ καλός، وَهِيَ لا تُشيرُ فَقَط إِلى الصَّلاحِ الأَخلاقيّ، بَل إِلى الكَمالِ وَالمِثالِيَّةِ وَالأَمانةِ التَّامَّةِ. وَهٰذا ما تَحَقَّقَ في شَخصِ يسوع المسيح الَّذي أَتمَّ نُبوءَةَ ميخا النبي (ميخا 5: 1)، وَحَقَّقَ رَجاءَ موسى النبي في أَنْ يَكونَ لِلشَّعبِ راعٍ “لِئَلّا تَبقى جَماعةُ الرَّبِّ كَغَنَمٍ لا راعيَ لَها” (عدد 27: 17). وَقَدْ أَظهَرَ رَحمَتَهُ عِندما “رَأى الجُموعَ فأَخذَتهُ الشَّفَقَةُ علَيهم، لأَنَّهم كانوا تَعِبينَ رازِحين، كَغَنَمٍ لا راعيَ لَها” (متّى 9: 36). 

 أَوَّلًا: صَوتٌ يَدعو بِالاسم 

 يَمتازُ صَوتُ الرَّاعِي بِأَنَّهُ شَخصيٌّ: “يَدعو خِرافَهُ كُلَّ واحِدٍ مِنها بِاسمِهِ” (يوحنّا 10: 3–4). فَالاسمُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ يَدُلُّ عَلَى العَلاقَةِ الخاصَّةِ وَالانْتِماءِ. وَهٰكَذا دَعا الرَّبُّ تَلاميذَهُ (متّى 10: 2)، وَنادى زكّا بِاسمِهِ (لوقا 19: 5)، وَخاطَبَ مريم المجدلية قائلًا: “يا مريم” (يوحنّا 20: 16)، فَعَرَفَتْهُ. إِنَّ اللهَ لا يُنادينا كَجَماعةٍ مُبهَمةٍ، بَل كَأشخاصٍ مَعرُوفينَ وَمَحبوبين. 

 ثانِيًا: صَوتٌ يَقودُ إِلَى الحَياة 

 يَقودُ الرَّاعِي خِرافَهُ إِلَى “المَراعِي الخَصيبَةِ”، أَي إِلَى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ (يوحنّا 10: 9). وَيُصَوِّرُ إشعيا النبي هٰذِهِ الرِّعايةَ قائِلًا: “يَرعى قَطيعَهُ كالرَّاعِي، يَجمَعُ الحُمْلانَ بِذِراعِهِ، وَيَحمِلُها في حِضنِهِ” (إشعيا 40: 11). فَهُوَ: 

  • يَنتَظِرُ الضَّعيفَ،  
  • وَيَشفِي الجَريحَ،  
  • وَيَبحثُ عَنِ الضَّالِّ،  
  • وَيَحفَظُ وَحدَةَ القَطيعِ 

وَيُكَرِّسُ نَفسَهُ مِن أَجلِ خِرافِهِ: «”أُكَرِّسُ نَفسي مِن أَجلِهم” (يوحنّا 17: 19)، وَيَحفَظُهُم: “لَم يَهلِكْ مِنهُم أَحَدٌ” (يوحنّا 17: 12). 

 ثالِثًا: صَوتٌ يَبذُلُ الحَياة 

يَبلغُ صَوتُ الرَّاعِي ذِروَتَهُ في بَذلِ الذات: “أَنا أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنّاسِ وَتَفيضَ فيهِم” (يوحنّا 10: 11). وَقَدْ أَوضَحَ البابا يوحنا بولس الثاني أَنَّ مَعنى هٰذِهِ الكَلِماتِ انكَشَفَ كامِلًا عَلَى الصَّليبِ، حِينَ قَدَّمَ المَسيحُ حَياتَهُ فِداءً لِخِرافِهِ. وَيُعلِّقُ القديس أوغسطينوس: “لَقَد أَرانا ما أَمَرَنا بِهِ: بَذَلَ نَفسَهُ عَن خِرافِهِ… لِيُصبِحَ جَسَدُهُ وَدَمُهُ طَعامًا يُغَذّي الَّذينَ افتَداهم” PL 35)).  فَالمَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ تَتَجَلّى فِي العَطاءِ، بَلْ فِي بَذلِ الحَياةِ. 

 إِنَّ صَوتَ يسوع المسيح هُوَ مِعيارُ التَّمييزِ فِي الحَياةِ الرُّوحِيَّة: فَمَنْ هُوَ مِن خِرافِهِ يَسمَعُ صَوتَهُ وَيَتبَعُهُ،  

وَمَنْ لَيسَ مِن خِرافِهِ لا يَتَجاوَبُ مَعَهُ.  وَهٰكَذا يَنْقَسِمُ النّاسُ إِلَى فِئتَينِ: 

  • فِئَةٍ تُصغي وَتَحيا وَتَخلُصُ،  
  • وَفِئَةٍ تَرفُضُ وَتَبقى خارِجَ الحَظيرَةِ 

أَمَّا الرُّعاةُ في الكَنيسَةِ، فَمَدعوُّونَ أَنْ يَكونوا أُمناءَ لِصَوتِ المَسيحِ، يَرعَونَ القَطيعَ لا تَسَلُّطًا بَل قُدوةً“(1 بطرس 5: 3)، حَتّى يَنالوا مِن يسوع المسيح “رَاعِي الرُّعاةِ إِكليلَ المَجدِ الَّذي لا يَذبُلُ (1 بطرس 5: 4). الحَيَاةُ المَسِيحِيَّةُ تَتَطَلَّبُ تَمْيِيزًا رُوحِيًّا دَائِمًا، يَنْبَعُ مِنَ الإِصْغَاءِ إِلَى الإِنْجِيلِ وَالثَّبَاتِ فِي تَعْلِيمِ الكَنِيسَةِ. 

 الميزةُ الثَّالِثَة: هَدَفُ الرَّاعِي (الخَلاَصُ وَالحَيَاةُ) 

 تَتَجَلّى الميزةُ الثَّالثةُ لِلرَّاعِي الصَّالِحِ في هَدَفِهِالخَلاَصُ وَالحَيَاةُ. الرَّاعِي الحَقِيقِيُّ يَسْعَى إِلَى خَيْرِ القَطِيعِ، أَيْ إِلَى خَلاَصِهِ وَإِشْرَاكِهِ فِي الحَيَاةِ الإِلَهِيَّةِ: “لِتَكُونَ لَهُمُ الحَيَاةُ وَلِتَفِيضَ فِيهِم” (يو 10: 10). أَمَّا الرَّاعِي الكَاذِبُ فَيَسْعَى إِلَى مَنْفَعَتِهِ، وَلَوْ عَلَى حِسَابِ هَلاَكِ القَطِيعِ. وَيَقُولُ القديس يوحنا الذهبي الفم: “الرَّاعِي الصَّالِحُ يُعْطِي الحَيَاةَ، أَمَّا السَّارِقُ فَيَسْلُبُهَا” (PG 59). فَغايةُ الرِّسالةِ المَسيحِيَّةِ لَيسَت مُجرَّدَ حِمايَةٍ أَو تَعليمٍ، بَلْ إِعطاءُ الحَياةِ الإِلَهِيَّةِ بِوَفرَةٍ. 

 يُعلِنُ يسوع المسيح نَفسَهُ “الرَّاعِي الصَّالِحَ” الَّذي “يَبذُلُ نَفسَهُ عَنِ الخِراف” (يوحنّا 10: 11)، وَهٰذا البَذلُ يَعنِي الدُّخولَ فِي مَخاطِرِ المَوتِ ذاتِهِ لِكَي يَهَبَ الحَياةَ لِغَيرِهِ. فَهُوَ لَمْ يَأتِ لِيُدينَ العالَمَ، بَل “لِيُخَلِّصَ بِهِ العالَم” (يوحنّا 3: 17)، وَبِهٰذا الخَلاصِ يَجدُ الإِنسانُ الأَمانَ وَالحُرِّيَّةَ: “تَعرِفونَ الحَقَّ وَالحَقُّ يُحَرِّرُكُم” (يوحنّا 8: 32). 

 وَتَقومُ هٰذِهِ الحَياةُ عَلَى عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ بَينَ الرَّاعِي وَالخِرافِ، إِذ “يَعرِفُ خِرافَهُ” وَهِيَ “تَعرِفُهُ” (يوحنّا 10: 14)، وَمِنْ خِلالِ هٰذِهِ المَعرِفَةِ المُتبادَلَةِ يَبلُغُ الحُبُّ ذِروَتَهُ فِي التَّضْحِيَةِ: “يَبذُلُ نَفسَهُ عَنِ الخِراف” (يوحنّا 10: 15).  

 هٰذِهِ الحَياةُ الَّتي يَمنَحُها لَيسَت زَمَنِيَّةً فَحَسب، بَلْ أَبَدِيَّةٌ، مَحفوظَةٌ فِي مَحبَّةِ الآبِ: “خِرافي تَسمَعُ صَوتي… وَأَنا أُعطيها الحَياةَ الأَبَدِيَّة، فَلَن تَهلِكَ أَبَدًا” (يوحنّا 10: 27–28). 

وَمَعَ أَنَّ “الحَظائِرَ” قَد تَكونُ كَثيرَةً، إِلّا أَنَّ القَطيعَ الحَقِيقِيَّ واحِدٌ، يَجمَعُهُ يسوع المسيح فِي وَحدَةِ المَحبَّةِ، وَيَحفَظُهُ الآبُ بِقُوَّتِهِ، فَلا أَحَدَ “يَخطَفُهُ مِن يَدِهِ” (يوحنّا 10: 28–30). 

 فِي المُقابِلِ، يُقَدِّمُ يَسوعُ مُقَابَلَةً حَادَّة ًبَينَ الرَّاعِي الصَّالِحِ وَغَيرِهِ:  

  • السَّارِقُيَتَسَلَّقُ بِالخِدَاعِ، وَيُضَلِّلُ بِالكَلاَمِ، وَيُهْلِكُ القَطِيعَ، لانَّ هدِفه التَّبْديدِ وَالإِهلاكِ، واستغلال الخِرافَ لِمَصالِحِهِ “لا يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ”  
  • الأَجِيرُ يَخدِمُ مِن أَجلِ الأُجرَةِ، وَعِندَ الخَطَرِ “يَترُكُ الخِرافَ وَيَهرُبُ” (يوحنّا 10: 12–13)، لِأَنَّهُ لا يَنتمي إِلَيها وَلا تَنتمي إِلَيهِ 
  • الرَّاعِي الصَّالِحُ يَدْخُلُ بِالحَقِّ، َيَقُودُ بِالمَحَبَّةِ، وَيَهَبُ الحَيَاةَ، ويَبقى أَمينًا حَتّى النِّهايَةِ، لِأَنَّ مَحبَّتَهُ لَيسَت مَصلَحَة بَلْ بَذل وعطاء. َأتَى لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ بِفَيْضٍ”.  كَلِمَةُ περισσόν (بِفَيْضٍ) تَعْنِي حَيَاةً فَائِضَةً، مُمْتَلِئَةً، إِلَهِيَّةً، لا مُجَرَّدَ وُجُودٍ بَشَرِيٍّوَيُعلِّقُ القديس أوغسطينوس بِعُمقٍ: الرَّاعِي الصَّالِحُ لا يَطلُبُ ما لَهُ بَلْ ما لِلمَسيحِ، وَيَبذُلُ نَفسَهُ لِكَي تَحيا الخِراف” (PL 35). وَهٰذا يَكشِفُ أَنَّ جَوهَرَ الرِّعايةِ المَسيحِيَّةِ هُوَ العَطاءُ الَّذي يَصِلُ إِلَى بَذلِ الذَّاتِ. 

 خُلاصَةٌ القول إِنَّ لَقَبَ الرَّاعِي الصَّالِحِ لَمْ يَكُن مُجرَّدَ تَعبيرٍ لاهوتيٍّ، بَلْ صارَ أَيقونَةً حَيَّةً فِي التُّراثِ المَسيحِيِّ عَبْرَ العُصورِ. فَكما أَنَّ القَطيعَ لا يَستَطيعُ أَنْ يَحيا بِدونِ راعٍ، كَذٰلِكَ المُؤمِنُ لا يَستَطيعُ أَنْ يُواجِهَ الشَّرَّ وَالعالَمَ بِدونِ يسوع المسيح، الرَّاعِي الإِلَهِيِّ الَّذي: 

  • يَحفَظُهُ مِنَ الضَّياعِ،  
  • وَيُشبِعُ جوعَهُ الرُّوحِيَّ،  
  • وَيَقودُهُ إِلَى المَراعِي السَّماوِيَّةِ،  
  • وَيَهَبُهُ الحَياةَ الَّتي لا تَزولُ. 

فكُلُّ خِدْمَةٍ كَنَسِيَّةٍ أَوْ رُوحِيَّةٍ تُقَاسُ بِثَمَرِهَا: هَلْ تَقُودُ إِلَى الحَيَاةِ أَمْ إِلَى الِانْقِسَامِ وَالضَّيَاعِ؟ من هنا دَعْوَةُ الكَنِيسَةِ إِلَى حِمَايَةِ المُؤْمِنِينَ، وَإِرْشَادِهِم لِمَعْرِفَةِ صَوْتِ يسوع المسيح، وَالحَذَرِ مِنْ كُلِّ تَعْلِيمٍ غَرِيبٍ. 

 الخُلاصَةُ 

 يَرِدُ النَّصُّ للإنجيلي (يوحنا 10: 1-10) فِي إِطارِ خِطابِ يسوع المسيح عَنِ الرَّاعِي الصّالِح، بَعدَ حادِثَةِ شِفاءِ الأَعمى مُنذُ وِلادَتِهِ (يوحنّا 9)، حَيْثُ يَكشِفُ المَسيحُ عَن هُوِيَّتِهِ وَرِسالَتِهِ مِن خِلالِ صُوَرٍ رَمزيَّةٍ عَميقَةٍ مُستَمَدَّةٍ مِن وَاقِعِ الحَياةِ الرِّعَوِيَّةِ فِي فِلَسطين. 

 يَستَعمِلُ يَسوعُ فِي هٰذا المَقطَعِ صُورَةَ الحَظيرَةِ” وَالبابِ” وَالرَّاعِي، مُقَدِّمًا مُقارَنَةً واضِحَةً بَينَ الرَّاعِي الحَقيقيِّ وَاللِّصوصِ وَالسَّارقِون. فَالرَّاعِي يَدخُلُ مِنَ البابِ بِشَكلٍ شَرعيٍّ، أَمَّا اللِّصُّ فَيَتَسَلَّقُ مِن مَكانٍ آخَرَ، دَلالَةً عَلَى الخِداعِ وَعَدَمِ الشَّرعيَّةِ (يو 10: 1). 

 يُؤَكِّدُ النَّصُّ أَنَّ الخِرافَ تُصغي إِلى صَوتِهِ، وَأَنَّهُ يَدعو خِرافَهُ كُلَّ واحِدٍ بِاسمِهِ وَيُخرِجُها” (يو 10: 3)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ عَميقَةٍ قائِمَةٍ عَلَى المَعرِفَةِ وَالمَحبَّةِ وَالثِّقَةِ المُتَبادَلَةِ.  

 وَبَعدَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مُخاطَبيهِ لَم يَفهَموا مَعنى هٰذِهِ الصُّورَةِ (يو 10: 6)، يَنتَقِلُ إِلى تَفسيرِها مُباشَرَةً، مُعلِنًا: “أَنا البابُ” (يو 10: 7)، ثُمَّ “أَنا البابُ، فَمَن دَخَلَ مِنِّي يَخلُص” (يو 10: 9). وَهُنا يَكشِفُ أَنَّ شَخصَهُ هُوَ المَدخَلُ الوَحيدُ إِلَى الخَلاصِ وَالحَياةِ. 

 وَيَختِمُ النَّصَّ بِمُقارَنَةٍ حاسِمَةٍ بَينَ مَهمَّةِ السَّارِقِ الَّذي يَسرِقُ وَيَذبَحُ وَيُهلِكُ، وَمَهمَّتِهِ هُوَ: أَمَّا أَنا فَقَد أَتَيتُ لِتَكونَ لَهُم الحَياةُ وَتَفيضَ فيهِم” (يو 10: 10)، مُؤَكِّدًا أَنَّ رِسالَتَهُ تَهدِفُ إِلَى مَنحِ الإِنسانِ حَياةً مَملوءَةً بِالنِّعمَةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا النَّصِّ قائِلًا: إِنَّهُ لَم يَأتِ لِيُبقي الخِرافَ فِي مَأمَنٍ فَحَسب، بَلْ لِيُدخِلَها إِلَى حَياةٍ أَفضَلَ، حَياةٍ فائِضَةٍ لا يَستَطيعُ العالَمُ أَنْ يُعطيَها“. 

 ويُقَدِّمُ جان تولير (الرّاهِبُ الدُّومينيكيّ) قِراءةً رَمزيَّةً عَميقَةً لِهٰذا النَّصِّ الإِنجيليِّ، فيَقولُ:  

“الرَّاعِي هُوَ الكَلِمَةُ الأَزَلِيّ؛ 

 وَالبابُ هُوَ إِنْسانيَّةُ المَسيح؛ 

 وَخِرافُ هٰذا البَيتِ هِيَ الأَنْفُسُ البَشَرِيَّةُ…؛  

أَمَّا البَوّابُ فَهُوَ الرُّوحُ القُدُسُ، لأَنَّ كُلَّ حَقيقَةٍ مَفهومَةٍ وَمُعلَنَةٍ تَأتِي مِنهُ” (العِظَة 27، الثّالثة لِلعُنصُرَة).  

وَهٰذا التَّأويلُ يُظهِرُ وَحدَةَ عَمَلِ الثّالوثِ الأَقدَسِ فِي سِرِّ الخَلاصِ. 

 إِنَّ رِسالَةَ يسوع المسيح، الرَّاعِي الصَّالِحِ، تَهدِفُ إِلَى إِشراكِ تَلاميذِهِ فِي حَياةِ الآبِ. فَكَمَا يَهتَمُّ الرَّاعِي بِخِرافِهِ وَيَرعاها، هكَذا يَعتَني المَسيحُ بِقَطيعِهِ، يَحفَظُهُ وَيَقودُهُ وَيُغَذِّيهِ بِمَحبَّتِهِ. وَلَيسَت رِعايَتُهُ نَظَرِيَّةً، بَلْ بَذلِ ةعطاء، إِذ “يَبذُلُ نَفسَهُ عَنِ الخِراف” (يوحنّا 10: 11)، لِأَجلِ خَلاصِهِم وَوَحدَتِهِم. 

 وَعَلى الرَّغمِ مِن تَعَدُّدِ “الحَظائِرِ”، فَإِنَّ مَشيئَةَ المَسيحِ هِيَ أَنْ يَجْمَعَ الجَميعَ فِي وَحدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كَما يُعلِنُ: “وَلِي خِرافٌ أُخْرى لَيسَت مِن هٰذِهِ الحَظيرَةِ، فَتِلكَ أَيْضًا لا بُدَّ لي أَنْ أَقودَها… فَيَكونُ هُناكَ رَعِيَّةٌ واحِدَةٌ وَراعٍ واحِدٌ” (يوحنّا 10: 16). 

 يُعْلِنُ يسوع المسيح فِي هٰذَا النَّصِّ ثَلاَثَ حَقَائِقَ جَوْهَرِيَّةٍ: 

  • هُوَ البَابُالطَّرِيقُ الوَحِيدُ لِلخَلاَص  
  • هُوَ الرَّاعِيالَّذِي يَعْرِفُ خِرَافَهُ وَيَدْعُوهَا بِاسْمِهَا  
  • هُوَ المُخَلِّصُ الَّذي يَبذُلُ نَفسَهُ وَمَنْبَعُ الحَيَاةِالَّذِي يُعْطِي حَيَاةً بِفَيْضٍ  
  • وَبِهِ وَحدَهُ تَتَحَقَّقُ وَحدَةُ القَطيعِ، وَيَبلُغُ الإِنسانُ شَرِكَةَ الحَياةِ الإِلَهِيَّةِ، فِي مَسيرَةٍ تَجمَعُ بَينَ المَعرِفَةِ وَالمَحبَّةِ وَالوَحدَةِ فِي الله. 

 إِنَّ يسوع المسيح هُوَ الرَّاعِي وَالبَابُ مَعًا؛ بِهِ نَدْخُلُ إِلَى الحَيَاةِ، وَمَعَهُ نَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ، وَمِنْهُ نَسْتَمِدُّ القُوَّةَ لِلشَّهَادَةِ. وَكُلُّ مَنْ يُصْغِي إِلَى صَوْتِهِ، يَجِدُ فِي النِّهَايَةِ “المَرْعَى” الحَقِيقِيَّ: أَيْ مِلْءَ الحَيَاةِ فِي اللهِ. إنَّ صُورَةَ الرَّاعِي الصَّالِحِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَشْبِيهٍ، بَلْ دَعْوَةٌ لِعَلاَقَةٍ: هَلْ نَسْمَعُ صَوْتَهُ؟ هَلْ نَمْشِي وَرَاءَهُ؟ هَلْ نَدْخُلُ مِنَ “البَابِ” أَمْ نَبْحَثُ عَنْ طُرُقٍ أُخْرَى؟  إِنَّ المَسِيحَ لا يَقُودُ القَطِيعَ مِنَ الخَلْفِ، بَلْ يَسِيرُ أَمَامَهُ… وَيَدْعُونَا أَنْ نَتْبَعَهُ نَحْوَ الحَيَاةِ الَّتِي لا تَزُولُ. 

 دُعاءٌ  

 أَيُّها الآبُ السَّماويُّ، يا مَنْ أَرسَلْتَ ابنَكَ الوَحيدَ راعِيًا لِنُفوسِنا،
اَعْضُدْنا بِقُوَّةِ رُوحِكَ القُدُّوسِ، كَي نَتْبَعَ راعِيَنا يسوع المسيح،
الَّذي يُرْشِدُنا إِلى يَنابيعِ الحَياةِ، وَيَقودُنا إِلى طَريقِ السَّلامِ وَالأَمانِ. 

 اِجعَلْنا نَبْقى أُمناءَ في حَظيرَةِ كَنيسَتِكَ المُقَدَّسَةِ، مُلتَزِمينَ في الخِدْمَةِ وَالبَذْلِ وَالعَطاءِ،
على خُطى الرَّاعِي الصَّالِحِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ. 

لَكَ المَجدُ مَعَ ابنِكَ وَرُوحِكَ القُدُّوسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوانٍ وَإِلى دَهرِ الدهرين. آمين. 

 قِصَّةٌ وَعِبْرَةٌ: الرَّاعِي الَّذي يَعرِفُ صَوتَهُ 

فِي قَرْيَةٍ صَغيرَةٍ عَلى سُفوحِ الجِبالِ، كانَ هُناكَ راعٍ شابٌّ يُدعَى “يُوسُف”. كانَ لَهُ قَطيعٌ صَغيرٌ مِنَ الخِرافِ، لٰكِنَّهُ كانَ يَعامِلُها بِمَحبَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَيَعرِفُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها بِاسمِها. 

كُلَّ صَباحٍ، كانَ يَخرُجُ مَعَها إِلى المَراعِي، وَيُناديها بِصَوتٍ هادِئٍ وَحانٍ، فَتَتبَعُهُ بِفَرحٍ وَثِقَةٍ. لَمْ يَكُنْ يَستَخدِمُ العُنفَ، بَلْ صَوتَهُ كانَ كافِيًا لِيقودَها. 

وَفِي يَومٍ مِنَ الأَيّامِ، جاءَ راعٍ غَريبٌ إِلى القَرْيَةِ، وَحاوَلَ أَنْ يَأخُذَ بَعضَ الخِرافِ. ناداها بِصَوتٍ عالٍ وَقاسٍ، وَأَلقَى الحِجارَ لِيُرغِمَها عَلَى السَّيرِ وَراءَهُ. لٰكِنَّ الخِرافَ خافَتْ وَهَرَبَتْ، وَلَمْ تَتبَعْهُ، لِأَنَّها لَمْ تَعرِفْ صَوتَهُ. 

عِندَ الغُروبِ، عادَ “يُوسُف” وَنادى خِرافَهُ كَعادَتِهِ، فَتَجَمَّعَتْ حَولَهُ سَريعًا. لٰكِنَّهُ لاحَظَ أَنَّ إِحداها مَفقودَةٌ. تَرَكَ القَطيعَ فِي أَمانٍ، وَخَرَجَ يَبحثُ عَنها فِي الوَديانِ وَبَينَ الصُّخورِ، حتّى وَجَدَها جَريحَةً قُربَ مَكانٍ خَطِرٍ. حَمَلَها عَلى كَتِفَيهِ، وَعادَ بِها إِلى الحَظيرَةِ، وَسَهِرَ عَلَيها حتّى شُفِيَتْ. 

وَعِندَما سَأَلَهُ أَحدُ أَهلِ القَرْيَةِ: “لِماذا تُتْعِبُ نَفسَكَ مِن أَجلِ خَروفٍ واحِدٍ؟”
أَجابَ بِابتِسامَةٍ: “لِأَنَّها تَعرِفُ صَوتي، وَأَنا أَعرِفُها… وَلَا أَستَطيعُ أَنْ أَفقِدَ واحِدًا مِن قَطيعي”. 

العِبْرَةُ  

هٰذِهِ القِصَّةُ تُقَرِّبُ إِلَينا كَلِماتِ يسوع المسيح: “الخِرافُ إِلى صَوتِهِ تُصغي… وَتَتبَعُهُ لأَنَّها تَعرِفُ صَوتَهُ” (يوحنّا 10: 3–4). 

فَالرَّاعِي الحَقِيقِيُّ لا يَقودُ بِالقُوَّةِ بَلْ بِالمَحبَّةِ وَالخِرافُ الحَقِيقِيَّةُ تَتْبَعُ صَوتًا تَعرِفُهُ، لا صَوتَ الغُرَباء وَأَعظَمُ مَحَبَّةٍ هِيَ أَنْ يَبذُلَ الرَّاعِي نَفسَهُ لِيُخلِّصَ خِرافَهُ. إِنَّ يسوع المسيح هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ الَّذي يَعرِفُنا بِأَسمائِنا، وَيَنادينا كُلَّ يَومٍ، وَيَبحثُ عَنّا إِذا ضَلَلْنا، وَيَحمِلُنا إِذا جُرِحْنا، وَيَقودُنا إِلى الحَياةِ 

السُّؤالُ لَناهَلْ نُصغي إِلى صَوتِهِ وَنَتبَعُهُ؟ أَم نَنجَرُّ وَراءَ أَصواتٍ أُخرى لا تَقودُ إِلّا إِلى الضَّياع؟ إِنَّ مَنْ يَعرِفْ صَوتَ المَسيحِ، لا يَضِلُّ الطَّريقَ أَبَدًا. 

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email