الأَحَدُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ مِنَ السَّنَةِ: مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ: السَّهَرُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ المَسِيحِ العَرِيسِ (مَتَّى 25: 1–13)
أ. د. لُوَيْس حَزْبُون
النَّص الإنْجيلي (متى 25: 1 -13)
1 ((عِندَئِذٍ يكون مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ عَشْرِ عَذارى أَخَذنَ مَصابيحَهُنَّ وخَرَجنَ لِلِقاءِ العَريس، 2 خَمسٌ مِنهُنَّ جاهِلات، وخَمسٌ عاقِلات. 3 فأَخذَتِ الجاهِلاتُ مَصابيحَهُنَّ ولَم يَأخُذنَ معَهُنَّ زَيتاً. 4 أَمَّا العاقِلات، فَأَخَذنَ معَ مَصابيحِهِنَّ زَيتاً في آنِية. 5 وأَبطَأَ العَريس، فنَعَسنَ جَميعاً ونِمْنَ. 6 وعِندَ نِصْفِ اللَّيل، عَلا الصِّياح: ((هُوذا العَريس! فَاخرُجْنَ لِلِقائِه!)) 7 فقامَ أُولِئكَ العَذارى جميعاً وهَيَّأنَ مَصابيحَهُنَّ. 8 فَقالتِ الجاهِلاتُ لِلعاقِلات: ((أَعطينَنا مِن زَيتِكُنَّ، فإِنَّ مَصابيحَنا تَنطَفِئ)). 9 فأَجابَتِ العاقِلات: ((لَعَلَّه غَيرُ كافٍ لَنا ولَكُنَّ، فَالأَولى أَن تَذهَبنَ إِلى الباعَةِ وتَشْتَرينَ لَكُنَّ)). 10 وبينَما هُنَّ ذاهِباتٌٍ لِيَشتَرينَ، وَصَلَ العَريس، فدخَلَت مَعَه المُستَعِدَّاتُ إِلى رَدهَةِ العُرْس وأُغلِقَ الباب. 11 وجاءَت آخِرَ الأَمرِ سائرُ العذارى فقُلنَ: ((يا ربّ، يا ربّ، اِفتَحْ لَنا)). 12 فأَجاب: ((الحَقَّ أَقولُ لَكُنَّ: إِنِّي لا أَعرِفُكُنَّ!)) 13 فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكم لا تَعلَمونَ اليومَ ولا السَّاعة.
المُقَدِّمَةُ
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ الأَحَدِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ مِنَ السَّنَةِ اللِّيتُورْجِيَّةِ الضَّوْءَ عَلَى مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ (مَتَّى 25: 1–13)، الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ الأَمْثَالِ الإِنْجِيلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالسَّهَرِ الرُّوحِيِّ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيءِ الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ. وَيُبْرِزُ هٰذَا المَثَلُ أَهَمِّيَّةَ اليَقَظَةِ الإِيمَانِيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ فِي انْتِظَارِ العَرِيسِ الإِلٰهِيِّ، الَّذِي يَأْتِي فِي سَاعَةٍ لَا يَعْرِفُهَا الإِنْسَانُ.
وَيَنْدَرِجُ هٰذَا المَثَلُ ضِمْنَ الخِطَابِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي أَلْقَاهُ يَسُوعُ عَلَى تَلَامِيذِهِ (مَتَّى 24–25)، حَيْثُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ لِمَجِيئِهِ الثَّانِي، وَإِلَى عَيْشِ الإِيمَانِ فِي الأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ. فَالمَسِيحِيُّ لَا يَنْتَظِرُ حَدَثًا مُسْتَقْبَلِيًّا مَجْهُولًا فَحَسْبُ، بَلْ يَنْتَظِرُ شَخْصًا يُحِبُّهُ وَيَرْجُو لِقَاءَهُ، هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ، العَرِيسُ الَّذِي يَدْعُو المُؤْمِنِينَ إِلَى المُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.
وَتَكْمُنُ الرِّسَالَةُ الأَسَاسِيَّةُ لِلْمَثَلِ فِي أَنَّ الِانْتِمَاءَ الظَّاهِرِيَّ إِلَى جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ لِلدُّخُولِ إِلَى الوَلِيمَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِيمَانٍ حَيٍّ يَتَجَسَّدُ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَمِنْ اسْتِعْدَادٍ رُوحِيٍّ مُسْتَمِرٍّ لَا يُمْكِنُ تَأْجِيلُهُ إِلَى اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ.
وَيَتَّصِلُ هٰذَا التَّعْلِيمُ بِرَجَاءِ الرَّسُولِ بُولُسَ فِي الخَلَاصِ بِالمَسِيحِ، إِذْ يُذَكِّرُ المُؤْمِنِينَ بِانْتِظَارِ ابْنِ اللهِ الآتِي مِنَ السَّمَاءِ، “يَسُوعَ الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الغَضَبِ الآتِي” (1 تَسَالُونِيقِي 1: 10). فَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ الرَّبِّ لَا يَنْبَعُ مِنَ الخَوْفِ وَحْدَهُ، بَلْ مِنَ الرَّجَاءِ فِي الخَلَاصِ وَالثِّقَةِ بِأَمَانَةِ اللهِ وَوُعُودِهِ.
وَمِنْ هُنَا، لَا يَكْفِي أَنْ نُعْلِنَ إِيمَانَنَا بِالمَسِيحِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَسْهَرَ لِنَحْيَا بِمُقْتَضَى هٰذَا الإِيمَانِ؛ وَلَا يَكْفِي أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنِ المَحَبَّةِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُجَسِّدَهَا فِي أَعْمَالِنَا؛ وَلَا يَكْفِي أَنْ نُعْلِنَ طَاعَتَنَا لِلرَّبِّ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَثْبُتَ فِي مَشِيئَتِهِ حَتَّى النِّهَايَةِ. فَالسَّهَرُ الإِنْجِيلِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِظَارٍ سَلْبِيٍّ، بَلْ هُوَ حَيَاةٌ مِنَ اليَقَظَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ. وَلِذٰلِكَ يَخْتَتِمُ يَسُوعُ المَثَلَ بِالدَّعْوَةِ الحَاسِمَةِ: “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13). وَانْطِلَاقًا مِنْ هٰذِهِ الدَّعْوَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ، تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، وَتَحْلِيلِ رُمُوزِهِ وَأَبْعَادِهِ الكِتَابِيَّةِ وَاللَّاهُوتِيَّةِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ تَطْبِيقَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِينَ، لِكَيْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُلَاقَاةِ الرَّبِّ.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهَا (مَتَّى 25: 1–13)
- “عِنْدَئِذٍ يَكُونُ مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ عَشْرِ عَذَارَى أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ العَرِيسِ”
يَسْتَهِلُّ يَسُوعُ المَثَلَ بِالعِبَارَةِ “عِنْدَئِذٍ يُشَبَّهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” باليُونَانِيَّةِ: Τότε ὁμοιωθήσεται ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν، أَيْ: تُشِيرُ كَلِمَةُ “عِنْدَئِذٍ” (τότε) إِلَى السِّيَاقِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي يَتَحَدَّثُ فِيهِ يَسُوعُ عَنْ مَجِيئِهِ وَالدَّيْنُونَةِ وَاكْتِمَالِ مَلَكُوتِ اللهِ (مَتَّى 24: 36–51). أَمَّا “مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” (ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν)، فَيَدُلُّ عَلَى سِيَادَةِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ الَّتِي أَعْلَنَهَا يَسُوعُ المَسِيحُ، وَبَدَأَ تَحَقُّقُهَا بِحُضُورِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَسَتَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ. وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَلَكُوتِ وَالكَنِيسَةِ؛ فَالكَنِيسَةُ هِيَ بَذْرَةُ المَلَكُوتِ وَبِدَايَتُهُ عَلَى الأَرْضِ، وَلٰكِنَّ المَلَكُوتَ لَا يَنْحَصِرُ فِي بِنْيَتِهَا المَنْظُورَةِ (نُورُ الأُمَمِ، 5). وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ تَعْلِيمِ المَسِيحِ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيئِهِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى المَظَاهِرِ الدِّينِيَّةِ دُونَ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ (PG 58). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُقَدَّمُ فِي هٰذَا المَثَلِ بِوَصْفِهِ دَعْوَةً إِلَى المُشَارَكَةِ فِي وَلِيمَةِ الخَلَاصِ، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لَهَا يَبْدَأُ مُنْذُ الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ.
يَرِدُ العَدَدُ “عَشْرٌ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ δέκα، وَهُوَ عَدَدٌ يَحْمِلُ فِي التُّرَاثِ الكِتَابِيِّ وَاليَهُودِيِّ دَلَالَاتٍ تَرْتَبِطُ بِالِاكْتِمَالِ وَالشُّمُولِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي الوَصَايَا العَشْرِ (الخُرُوج 20: 1–17). وَتَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ العَدَدَ عَشَرَةَ يَرْتَبِطُ فِي التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ الرَّبَّانِيِّ بِالحَدِّ الأَدْنَى لِبَعْضِ التَّجَمُّعَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالجَمَاعِيَّةِ. وَيُشِيرُ سِفْرُ رَاعُوثَ إِلَى اخْتِيَارِ بُوعَزَ عَشَرَةَ رِجَالٍ مِنْ شُيُوخِ المَدِينَةِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى إِجْرَاءٍ قَانُونِيٍّ (رَاعُوث 4: 2). غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي نَصِّ مَتَّى دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَ عَشْرِ عَذَارَى يَرْتَبِطُ بِقَاعِدَةٍ قَانُونِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِالأَعْرَاسِ. وَالأَرْجَحُ أَنَّ العَدَدَ يُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ المَثَلِ وَإِبْرَازِ المُقَابَلَةِ بَيْنَ خَمْسٍ حَكِيمَاتٍ وَخَمْسٍ جَاهِلَاتٍ. وَيُمْكِنُ، فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، أَنْ يُفْهَمَ العَدَدُ عَشَرَةُ رَمْزًا إِلَى جَمَاعَةِ المَدْعُوِّينَ كُلِّهَا، مَعَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَنْ يَسْتَعِدُّ لِلِقَاءِ الرَّبِّ وَمَنْ يُهْمِلُ هٰذَا الِاسْتِعْدَادَ.
تَرِدُ كَلِمَةُ “عَذَارَى” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ παρθένοι، وَمُفْرَدُهparthénos، وَتُشِيرُ فِي سِيَاقِ المَثَلِ إِلَى فَتَيَاتٍ يُشَارِكْنَ فِي مَوْكِبِ العُرْسِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، تُمَثِّلُ العَذَارَى جَمَاعَةَ المُؤْمِنِينَ المَدْعُوِّينَ إِلَى لِقَاءِ المَسِيحِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مُسْتَعِدِّينَ أَمْ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ. وَتَتَّصِلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الرَّسُولُ بُولُسُ عِنْدَمَا يَقُولُ لِجَمَاعَةِ قُورِنْتُسَ: “فَقَدْ خَطَبْتُكُمْ لِزَوْجٍ وَاحِدٍ، خِطْبَةَ عَذْرَاءَ طَاهِرَةٍ تُزَفُّ إِلَى المَسِيحِ” (2 قُورِنْتُس 11: 2). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ مُوَجَّهٌ إِلَى جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ، لَا إِلَى المُكَرَّسَاتِ لِلْبَتُولِيَّةِ وَحْدَهُنَّ؛ فَالمَعْيَارُ الحَاسِمُ هُوَ نَقَاوَةُ القَلْبِ وَالمَحَبَّةُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ الرَّبِّ (أُوغُسْطِينُوسُ، العِظَةُ 93، 1-2؛ PL 38). وَتَتَكَامَلُ هٰذِهِ القِرَاءَةُ مَعَ رُؤْيَا أُورُشَلِيمَ الجَدِيدَةِ، الَّتِي يَصِفُهَا سِفْرُ الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا “مُهَيَّأَةٌ مِثْلَ عَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِعَرِيسِهَا” (الرُّؤْيَا 21: 2). وَهٰكَذَا تُمَثِّلُ العَذَارَى العَشْرُ الجَمَاعَةَ المَدْعُوَّةَ إِلَى المَلَكُوتِ، غَيْرَ أَنَّ الِانْتِمَاءَ إِلَى هٰذِهِ الجَمَاعَةِ لَا يُغْنِي عَنِ الِاسْتِعْدَادِ الشَّخْصِيِّ وَالأَمَانَةِ الرُّوحِيَّةِ.
تَرِدُ كَلِمَةُ “مَصَابِيحَ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ λαμπάδας، وَمُفْرَدُهَا λαμπάς، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى المِشْعَلِ أَوِ المِصْبَاحِ المُسْتَعْمَلِ لِلْإِضَاءَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي المَوَاكِبِ وَالِاحْتِفَالَاتِ اللَّيْلِيَّةِ. وَتَخْتَلِفُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ عَنْ λύχνος ، الَّتِي تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا لِلسِّرَاجِ الزَّيْتِيِّ المَنْزِلِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِ يَسُوعَ: “وَلَا يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ المِكْيَالِ” (مَتَّى 5: 15). وَمِنَ المُحْتَمَلِ أَنْ تَكُونَ المَصَابِيحُ المَذْكُورَةُ فِي المَثَلِ مَشَاعِلَ تُغَذَّى بِالزَّيْتِ، وَتَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ وَقُودِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُشْتَعِلَةً. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّفْسِيرُ مَعَ حَمْلِ العَذَارَى أَوْعِيَةَ الزَّيْتِ، وَمَعَ الحَاجَةِ إِلَى إِصْلَاحِ المَصَابِيحِ عِنْدَ وُصُولِ العَرِيسِ (مَتَّى 25: 4، 7). وَلٰكِنْ لَا يُحَدِّدُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ شَكْلَ هٰذِهِ المَصَابِيحِ أَوْ مَوَادَّ صُنْعِهَا تَحْدِيدًا دَقِيقًا، وَلِذٰلِكَ يَنْبَغِي تَجَنُّبُ الجَزْمِ بِأَنَّهَا كَانَتْ أَطْبَاقًا أَوْ مَشَاعِلَ خَشَبِيَّةً مِنْ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ. يَحْمِلُ المِصْبَاحُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ دَلَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، أَبْرَزُهَا النُّورُ وَالهِدَايَةُ وَالإِيمَانُ وَالسَّهَرُ. فَفِي العَهْدِ القَدِيمِ يَقُولُ صَاحِبُ المَزَامِيرِ: “َلِمَتُكَ مِصْبَاحٌ لِقَدَمَيَّ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مَزْمُور 119: 105). وَهُنَا يُشِيرُ المِصْبَاحُ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تُنِيرُ مَسِيرَةَ الإِنْسَانِ وَتَهْدِيهِ إِلَى طَرِيقِ الحَيَاةِ. أَمَّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، فَيَرْتَبِطُ المِصْبَاحُ بِاليَقَظَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيءِ الرَّبِّ، كَمَا يَقُولُ يَسُوعُ: “لِتَكُنْ أَوْسَاطُكُمْ مَشْدُودَةً، وَلْتَكُنْ سُرُجُكُمْ مُوقَدَةً” (لُوقَا 12: 35). وَيَتَّضِحُ مِنْ هٰذَا التَّشْبِيهِ أَنَّ المِصْبَاحَ لَا يُمَثِّلُ مُجَرَّدَ الِانْتِمَاءِ الظَّاهِرِيِّ إِلَى الجَمَاعَةِ المُؤْمِنَةِ، بَلْ يُشِيرُ إِلَى حَيَاةِ الإِيمَانِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى مُشْرِقَةً بِالأَمَانَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ فِي ضَوْءِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الفَضِيلَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالمَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ البَتُولِيَّةَ وَالنُّسْكَ لَا يُغْنِيَانِ عَنْ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ. فَالحَيَاةُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى المَحَبَّةِ تَفْقِدُ ثَمَرَتَهَا الخَلَاصِيَّةَ (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، العِظَةُ 78، 1؛ PG 58). وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي المَصَابِيحِ صُورَةً لِلْإِيمَانِ المُعْلَنِ، وَفِي الزَّيْتِ الَّذِي يُغَذِّيهَا صُورَةً لِلْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الإِيمَانَ حَيًّا وَمُثْمِرًا. تُشِيرُ المَصَابِيحُ المُوقَدَةُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ إِلَى ضَرُورَةِ السَّهَرِ فِي زَمَنِ انْتِظَارِ العَرِيسِ. وَيُمْكِنُ فَهْمُ اللَّيْلِ، فِي القِرَاءَةِ الرَّمْزِيَّةِ، عَلَى أَنَّهُ يُمَثِّلُ الزَّمَنَ الفَاصِلَ بَيْنَ مَجِيءِ المَسِيحِ الأَوَّلِ وَمَجِيئِهِ الثَّانِي. فَالكَنِيسَةُ تَعِيشُ فِي هٰذَا الزَّمَنِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الخَلَاصِ الَّذِي تَحَقَّقَ بِالمَسِيحِ وَرَجَاءِ اكْتِمَالِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ بِالمَجْدِ. وَلِذٰلِكَ يَدْعُو الرَّسُولُ بُولُسُ المُؤْمِنِينَ إِلَى اليَقَظَةِ قَائِلًا: “فَلَا نَنَمْ كَسَائِرِ النَّاسِ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ” (1 تَسَالُونِيقِي 5: 6). وَالسَّهَرُ هُنَا لَا يَعْنِي الِامْتِنَاعَ الحَرْفِيَّ عَنِ النَّوْمِ، بَلْ يَعْنِي الِاسْتِعْدَادَ الرُّوحِيَّ المُسْتَمِرَّ وَالثَّبَاتَ فِي الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ.
تَرِدُ عِبَارَةُ “لِلِقَاءِ العَرِيسِ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ εἰς ὑπάντησιν τοῦ νυμφίου، أَيْ “لِلْخُرُوجِ لِاسْتِقْبَالِ العَرِيسِ”. وَتَدُلُّ كَلِمَةُ ὑπάντησις عَلَى اللِّقَاءِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ، وَتَحْمِلُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ مَعْنَى الخُرُوجِ لِمُلَاقَاةِ شَخْصٍ مُنْتَظَرٍ وَمُرَافَقَتِهِ. وَكَانَتِ الأَعْرَاسُ فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ تَرْتَبِطُ بِالِاحْتِفَالَاتِ الجَمَاعِيَّةِ وَالمَوَاكِبِ وَالوَلَائِمِ، وَكَانَتِ الإِضَاءَةُ ضَرُورِيَّةً فِي المَوَاكِبِ الَّتِي تَجْرِي لَيْلًا. وَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ هٰذَا المَشْهَدَ الِاجْتِمَاعِيَّ المَأْلُوفَ لِيُوَضِّحَ أَنَّ المُؤْمِنِينَ مَدْعُوُّونَ إِلَى اسْتِقْبَالِ المَسِيحِ بِفَرَحٍ وَاسْتِعْدَادٍ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ التَّفَاصِيلَ الدَّقِيقَةَ لِمَوْكِبِ العُرْسِ فِي هٰذَا المَثَلِ لَا تَسْمَحُ بِإِعَادَةِ بِنَاءِ طَقْسٍ زِفَافِيٍّ وَاحِدٍ كَانَ مُتَّبَعًا فِي جَمِيعِ المُجْتَمَعَاتِ اليَهُودِيَّةِ فِي القَرْنِ الأَوَّلِ.
يَحْمِلُ فِعْلُ “الخُرُوجِ” فِي المَثَلِ دَلَالَةً رُوحِيَّةً تَتَجَاوَزُ الحَرَكَةَ المَكَانِيَّةَ؛ فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى اسْتِعْدَادِ الإِنْسَانِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ وَالِانْفِتَاحِ عَلَى مَجِيئِهِ. فَالمُؤْمِنُ لَا يَنْتَظِرُ المَسِيحَ انْتِظَارًا سَلْبِيًّا، بَلْ يَسْعَى إِلَى لِقَائِهِ مِنْ خِلَالِ حَيَاةِ الإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا المَعْنَى بِرَجَاءِ المُؤْمِنِينَ فِي مُلَاقَاةِ المَسِيحِ عِنْدَ مَجِيئِهِ، كَمَا يُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ ذٰلِكَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ قِيَامَةِ المَوْتَى وَمَجِيءِ الرَّبِّ (1 تَسَالُونِيقِي 4: 16–17). وَهٰكَذَا تَتَحَوَّلُ صُورَةُ مَوْكِبِ العُرْسِ إِلَى إِعْلَانٍ عَنْ غَايَةِ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، وَهِيَ الِاتِّحَادُ بِالمَسِيحِ وَالمُشَارَكَةُ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِهِ.
تَرِدُ كَلِمَةُ “العَرِيسِ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ νυμφίος، وَهِيَ تُشِيرُ فِي المَثَلِ إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ، الَّذِي يَأْتِي لِيُدْخِلَ المُسْتَعِدِّينَ إِلَى وَلِيمَةِ المَلَكُوتِ. وَتَسْتَنِدُ هٰذِهِ الصُّورَةُ إِلَى التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ الَّذِي يَصِفُ عَلَاقَةَ اللهِ بِشَعْبِهِ بِصُورَةِ العَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ إِشَعْيَا: “لِأَنَّ بَاعِلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، وَرَبُّ القُوَّاتِ اسْمُهُ” (إِشَعْيَا 54: 5؛ وَانْظُرْ هُوشَع 2: 18–22). وَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ، يَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ صُورَةَ العَرِيسِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى حُضُورِهِ بَيْنَ تَلَامِيذِهِ، إِذْ يَقُولُ: “أَبِوُسْعِكُمْ أَنْ تُصَوِّمُوا أَهْلَ العُرْسِ وَالعَرِيسُ بَيْنَهُمْ؟” (لُوقَا 5: 34–35). وَيَظْهَرُ هٰذَا الرَّمْزُ أَيْضًا فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، حَيْثُ تُقَدَّمُ الشَّرِكَةُ النِّهَائِيَّةُ بَيْنَ المَسِيحِ وَشَعْبِهِ بِصُورَةِ عُرْسِ الحَمَلِ (الرُّؤْيَا 19: 7–9؛ 21: 2). وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ مَثَلَ العَذَارَى فِي ضَوْءِ انْتِظَارِ المَسِيحِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيئِهِ، مُبَيِّنًا أَنَّ المَحَبَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ هِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ الِاسْتِعْدَادَ الحَقِيقِيَّ مِنَ المَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ (العِظَةُ 93، 25؛ PL 38). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المَسِيحَ هُوَ العَرِيسُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ المُؤْمِنُونَ، وَالعُرْسُ هُوَ صُورَةُ الفَرَحِ الأُخْرَوِيِّ وَالشَّرِكَةِ الأَبَدِيَّةِ مَعَهُ. وَيَسْتَعْمِلُ الإِنْجِيلِيُّ مَتَّى صُورَةَ العُرْسِ، المَأْلُوفَةَ فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ مَلَكُوتِ اللهِ، وَعَنْ فَرَحِ الشَّرِكَةِ النِّهَائِيَّةِ بَيْنَ المَسِيحِ وَالمُؤْمِنِينَ. وَلَا يَقْتَصِرُ المَثَلُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الِانْتِظَارِ، بَلْ يُؤَكِّدُ أَنَّ الِانْتِظَارَ الحَقِيقِيَّ يَتَطَلَّبُ الِاسْتِعْدَادَ الدَّاخِلِيَّ وَالأَمَانَةَ المُسْتَمِرَّةَ.
تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ المَدْخَلَ الأَسَاسِيَّ لِفَهْمِ مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، الَّذِي يَنْدَرِجُ ضِمْنَ الخِطَابِ الأُخْرَوِيِّ لِلسَّيِّدِ المَسِيحِ (مَتَّى 24–25). وَيَتَنَاوَلُ المَثَلُ حَقِيقَةَ مَجِيءِ الرَّبِّ الثَّانِي، وَمَسْؤُولِيَّةَ المُؤْمِنِينَ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِمُلَاقَاتِهِ، وَضَرُورَةَ السَّهَرِ الرُّوحِيِّ وَالثَّبَاتِ فِي الإِيمَانِ.
- “خَمْسٌ مِنْهُنَّ جَاهِلَاتٌ، وَخَمْسٌ عَاقِلَاتٌ”
وَيَرِدُ النَّصُّ “َكَانَتْ خَمْسٌ مِنْهُنَّ جَاهِلَاتٍ، وَخَمْسٌ عَاقِلَاتٍ” باليُونَانِيُّ: πέντε δὲ ἐξ αὐτῶν ἦσαν μωραὶ καὶ πέντε φρόνιμοι.. وَتَكْشِفُ المُقَابَلَةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ اليُونَانِيَّتَيْنِ جَاهِلَاتٌ μωραί وعَاقِلَاتٌ َφρόνιμοι أَنَّ المَثَلَ لَا يَتَنَاوَلُ مُسْتَوَى الذَّكَاءِ البَشَرِيِّ، بَلْ نَوْعِيَّةَ الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي السُّلُوكِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
تَرِدُ كَلِمَةُ “خَمْسٌ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πέντε، وَهِيَ تُشِيرُ، فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ، إِلَى تَقْسِيمِ العَذَارَى العَشْرِ إِلَى فَرِيقَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ: خَمْسٍ عَاقِلَاتٍ وَخَمْسٍ جَاهِلَاتٍ. وَيُعْرَفُ العَدَدُ خَمْسَةُ فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ وَالتَّأَمُّلِ الرُّوحِيِّ بِارْتِبَاطِهِ بِبَعْضِ الصُّوَرِ وَالمَعَانِي، وَمِنْهَا الحَوَاسُّ الخَمْسُ الَّتِي يَتَوَاصَلُ بِهَا الإِنْسَانُ مَعَ العَالَمِ، وَأَسْفَارُ الشَّرِيعَةِ الخَمْسَةُ، وَالأَرْغِفَةُ الخَمْسَةُ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا يَسُوعُ فِي مُعْجِزَةِ إِشْبَاعِ الجُمُوعِ (يُوحَنَّا 6: 9–13). وَفِي التَّقْلِيدِ المَسِيحِيِّ، يَرْتَبِطُ العَدَدُ خَمْسَةُ أَيْضًا بِالجِرَاحِ الخَمْسِ لِلْمَسِيحِ المَصْلُوبِ، وَهِيَ صُورَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ تُذَكِّرُ المُؤْمِنِينَ بِمَحَبَّتِهِ الفِدَائِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ هٰذِهِ الرُّمُوزِ التَّأَمُّلِيَّةِ وَالمَعْنَى التَّفْسِيرِيِّ المُبَاشِرِ لِلْآيَةِ؛ فَلَا يَقْدِمُ الإِنْجِيلِيُّ مَتَّى دَلِيلًا صَرِيحًا عَلَى أَنَّ العَدَدَ خَمْسَةَ يَرْمُزُ هُنَا إِلَى الحَوَاسِّ أَوِ الأَرْغِفَةِ أَوْ جِرَاحِ المَسِيحِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، نَجِدُ فِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً تَرْبِطُ العَدَدَ خَمْسَةَ بِالحَوَاسِّ الجَسَدِيَّةِ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الحَيَاةَ الحِسِّيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تَخْضَعَ لِلْحِكْمَةِ الرُّوحِيَّةِ. وَيَتَنَاوَلُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ هٰذَا المَعْنَى فِي تَفْسِيرِهِ لِمَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، مُبَيِّنًا أَنَّ التَّمَاثُلَ الخَارِجِيَّ لَا يَعْنِي التَّمَاثُلَ فِي الِاسْتِعْدَادِ الدَّاخِلِيِّ (PL 38). وَيُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ مَعْنًى رُوحِيٍّ مِنْ هٰذِهِ المُقَابَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ يَمْنَحُ الإِنْسَانَ مَوَاهِبَ وَنِعَمًا وَفُرَصًا، وَلٰكِنَّ الإِنْسَانَ يَبْقَى مَسْؤُولًا عَنْ كَيْفِيَّةِ اسْتِخْدَامِهَا وَتَوْجِيهِهَا نَحْوَ الخَيْرِ.
تَرِدُ كَلِمَةُ “جَاهِلَاتٌ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ μωραί، وَهِيَ جَمْعُ μωρός، وَتَعْنِي “جَاهِلًا” أَوْ “أَحْمَقَ” أَوْ “عَدِيمَ التَّبَصُّرِ”. وَلَا يُقْصَدُ بِالجَهْلِ هُنَا ضَعْفُ القُدْرَاتِ العَقْلِيَّةِ، بَلْ غِيَابُ الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ وَالإِهْمَالُ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِمَا هُوَ آتٍ. فَالعَذَارَى الجَاهِلَاتُ لَمْ يَرْفُضْنَ العَرِيسَ، وَلَمْ يَمْتَنِعْنَ عَنِ الخُرُوجِ لِلِقَائِهِ، بَلْ أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَانْتَظَرْنَ مَجِيئَهُ. وَلٰكِنَّهُنَّ أَهْمَلْنَ تَهْيِئَةَ الزَّيْتِ اللَّازِمِ لِاسْتِمْرَارِ إِضَاءَةِ المَصَابِيحِ، فَكَشَفَ تَأَخُّرُ العَرِيسِ عَنْ نَقْصِ اسْتِعْدَادِهِنَّ (مَتَّى 25: 3، 8). وَفِي التُّرَاثِ الكِتَابِيِّ، تَرْتَبِطُ الحَمَاقَةُ بِرَفْضِ حِكْمَةِ اللهِ وَإِهْمَالِ وَصَايَاهُ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ المَزَامِيرِ: “قَالَ الجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلٰهٌ” (مَزْمُور 14: 1). غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ لَا تَعْنِي أَنَّ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ كُنَّ مُلْحِدَاتٍ أَوْ مُنْكِرَاتٍ لِوُجُودِ اللهِ؛ فَالنَّصُّ لَا يَنْسِبُ إِلَيْهِنَّ ذٰلِكَ، بَلْ يُظْهِرُ إِهْمَالَهُنَّ وَقِصَرَ نَظَرِهِنَّ. وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَعْنَى عِنْدَ مُقَارَنَةِ المَثَلِ بِخَاتِمَةِ العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ، حَيْثُ يُشَبِّهُ يَسُوعُ الإِنْسَانَ الَّذِي يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ (مَتَّى 7: 26–27). وَتَكْمُنُ الصِّلَةُ بَيْنَ المَثَلَيْنِ فِي أَنَّ الجَهْلَ الرُّوحِيَّ لَيْسَ نَقْصًا فِي المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ تَحْوِيلِ المَعْرِفَةِ إِلَى سُلُوكٍ وَاسْتِعْدَادٍ. وَيُحَذِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى المَظَاهِرِ الدِّينِيَّةِ وَالفَضَائِلِ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ مُرَاعَاةِ وَاجِبِ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ افْتَقَرْنَ إِلَى مَا يَجْعَلُ حَيَاتَهُنَّ الرُّوحِيَّةَ مُثْمِرَةً (العِظَةُ 78، 1؛ PG 58). وَبِهٰذَا المَعْنَى، تُمَثِّلُ العَذَارَى الجَاهِلَاتُ صُورَةَ الإِنْسَانِ الَّذِي يَعْرِفُ دَعْوَتَهُ، وَلٰكِنَّهُ يُؤَجِّلُ الِاسْتِجَابَةَ لَهَا، مُتَّكِلًا عَلَى فُرْصَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ قَدْ لَا تَأْتِي.
تَرِدُ كَلِمَةُ “عَاقِلَاتٌ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ φρόνιμοι، وَهِيَ جَمْعُ φρόνιμος، وَتَعْنِي “حَكِيمًا” أَوْ “فَطِنًا” أَوْ “حَسَنَ التَّدْبِيرِ”. وَتُشِيرُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ إِلَى الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي تُمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا هُوَ مُهِمٌّ وَمَا هُوَ ثَانَوِيٌّ، وَمِنَ الفِطْنَةُ والِاسْتِعْدَادِ لِلْأَحْدَاثِ قَبْلَ وُقُوعِهَا. وَفِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، تَظْهَرُ حِكْمَةُ العَاقِلَاتِ فِي أَنَّهُنَّ لَمْ يَكْتَفِينَ بِحَمْلِ المَصَابِيحِ، بَلْ أَخَذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا إِضَافِيًّا، اسْتِعْدَادًا لِاحْتِمَالِ تَأَخُّرِ العَرِيسِ (مَتَّى 25: 4). وَتَرْتَبِطُ الحِكْمَةُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ بِمَخَافَةِ الرَّبِّ وَالعَمَلِ بِوَصَايَاهُ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ المَزَامِيرِ: “رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ” (مَزْمُور 111: 10). وَيُؤَكِّدُ سِفْرُ الأَمْثَالِ أَنَّ مَخَافَةَ الرَّبِّ تَقْتَرِنُ بِرَفْضِ الشَّرِّ، إِذْ يَقُولُ: “مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ” (أَمْثَال 8: 13). فَالحِكْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، بَلْ تَظْهَرُ فِي مَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالسَّيْرِ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الحِكْمَةُ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ الرَّجُلِ العَاقِلِ الَّذِي بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ، لِأَنَّهُ سَمِعَ كَلِمَةَ اللهِ وَعَمِلَ بِهَا (مَتَّى 7: 24–25). وَيَسْتَعْمِلُ الإِنْجِيلِيُّ مَتَّى فِي هٰذَا النَّصِّ الكَلِمَةَ اليُونَانِيَّةَ نَفْسَهَا، φρόνιμος ، مِمَّا يُبْرِزُ الصِّلَةَ الأَدَبِيَّةَ وَاللَّاهُوتِيَّةَ بَيْنَ المَثَلَيْنِ. فَكَمَا أَنَّ الرَّجُلَ العَاقِلَ أَسَّسَ بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ اسْتِعْدَادًا لِلْعَوَاصِفِ، كَذٰلِكَ العَذَارَى العَاقِلَاتُ أَعْدَدْنَ زَيْتَهُنَّ اسْتِعْدَادًا لِتَأَخُّرِ العَرِيسِ. وَفِي الحَالَتَيْنِ، تَظْهَرُ الحِكْمَةُ فِي الِاسْتِعْدَادِ المُسْبَقِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ الِامْتِحَانِ. وَيُبْرِزُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الحِكْمَةَ الرُّوحِيَّةَ تَتَطَلَّبُ اسْتِقَامَةَ النِّيَّةِ وَالمَحَبَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ، وَأَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا تَبْلُغُ غَايَتَهَا إِذَا كَانَ الدَّافِعُ إِلَيْهَا طَلَبَ المَدِيحِ البَشَرِيِّ بَدَلًا مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ (PL 38). وَمِنْ هُنَا، تُمَثِّلُ العَذَارَى العَاقِلَاتُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُحَوِّلُونَ إِيمَانَهُمْ إِلَى حَيَاةٍ مِنَ الأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ المُسْتَمِرِّ لِمَجِيءِ الرَّبِّ. تَكْمُنُ القِيمَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ لِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ العَذَارَى العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ فِي أَنَّ الجَمِيعَ نِلْنَ الدَّعْوَةَ نَفْسَهَا، وَلٰكِنَّهُنَّ لَمْ يَسْتَجِبْنَ لَهَا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا. فَالعَذَارَى العَشْرُ تَشْتَرِكْنَ فِي أُمُورٍ أَسَاسِيَّةٍ: الدَّعْوَةِ إِلَى العُرْسِ، وَحَمْلِ المَصَابِيحِ، وَالخُرُوجِ لِلِقَاءِ العَرِيسِ، وَانْتِظَارِ مَجِيئِهِ. وَلٰكِنَّ الِاخْتِلَافَ يَظْهَرُ عِنْدَ الِامْتِحَانِ، حِينَ يَتَأَخَّرُ العَرِيسُ وَتَحْتَاجُ المَصَابِيحُ إِلَى الزَّيْتِ. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ المَثَلُ أَنَّ الِانْتِمَاءَ الظَّاهِرِيَّ إِلَى جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ لَا يُغْنِي عَنِ الِاسْتِعْدَادِ الشَّخْصِيِّ، وَأَنَّ الإِيمَانَ الَّذِي لَا يَتَجَسَّدُ فِي الأَعْمَالِ يَبْقَى إِيمَانًا غَيْرَ مُكْتَمِلٍ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ يَعْقُوبُ: “الإِيمَانُ بِغَيْرِ الأَعْمَالِ مَيْتٌ” (يَعْقُوب 2: 26). وَلَا يَهْدِفُ المَثَلُ إِلَى تَقْسِيمِ البَشَرِيَّةِ إِحْصَائِيًّا إِلَى نِصْفٍ مُخَلَّصٍ وَنِصْفٍ هَالِكٍ، بَلْ إِلَى تَنْبِيهِ كُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَى ضَرُورَةِ فَحْصِ حَيَاتِهِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ. تُعَلِّمُنَا المُقَابَلَةُ بَيْنَ العَذَارَى العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ أَنَّ الحِكْمَةَ المَسِيحِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ حَيَاةٌ مِنَ الإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ. فَالعَاقِلَاتُ يَرْمُزْنَ إِلَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا، وَيَسْتَعِدُّونَ لِمَجِيءِ الرَّبِّ بِالثَّبَاتِ فِي النِّعْمَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. أَمَّا الجَاهِلَاتُ فَيُمَثِّلْنَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالمَظْهَرِ الخَارِجِيِّ لِلْإِيمَانِ، دُونَ أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِلِقَاءِ المَسِيحِ اسْتِعْدَادًا حَقِيقِيًّا. وَالرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ الحِكْمَةَ لَا تَكْمُنُ فِي مَعْرِفَةِ أَنَّ العَرِيسَ سَيَأْتِي فَحَسْبُ، بَلْ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيئِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ.
تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ التَّمْيِيزَ الأَسَاسِيَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ، إِذْ يُقَابِلُ يَسُوعُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي العَدَدِ، وَلٰكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الحِكْمَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ. فَجَمِيعُ العَذَارَى مَدْعُوَّاتٌ إِلَى العُرْسِ، وَجَمِيعُهُنَّ يَحْمِلْنَ المَصَابِيحَ وَيَنْتَظِرْنَ العَرِيسَ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الحَقِيقِيَّ بَيْنَهُنَّ يَكْمُنُ فِي مَدَى اسْتِعْدَادِهِنَّ لِمَجِيئِهِ.
- “فَأَخَذَتِ الجَاهِلَاتُ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا”
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا” إِلَى إِهْمَالِ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ الِاسْتِعْدَادَ الضَّرُورِيَّ لِمَجِيءِ العَرِيسِ. فَقَدْ قُمْنَ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ، أَيْ حَمْلِ المَصَابِيحِ وَالخُرُوجِ لِلِقَاءِ العَرِيسِ، وَلٰكِنَّهُنَّ أَهْمَلْنَ مَا يَضْمَنُ اسْتِمْرَارَ نُورِهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذِهِ الصُّورَةِ رَمْزًا لِلْمَسِيحِيِّينَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ اسْمَ المَسِيحِ وَيُعْلِنُونَ إِيمَانَهُمْ بِهِ، وَلٰكِنَّهُمْ لَا يُتَرْجِمُونَ هٰذَا الإِيمَانَ إِلَى حَيَاةٍ مِنَ المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الحَقِيقَةُ عِنْدَ مُقَارَنَةِ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ بِالزَّرْعِ الَّذِي سَقَطَ عَلَى الأَرْضِ الحَجِرَةِ فِي مَثَلِ الزَّارِعِ؛ فَهُوَ يَنْبُتُ سَرِيعًا، وَلٰكِنَّهُ يَذْبُلُ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ (مَتَّى 13: 20–21). وَكَذٰلِكَ الإِيمَانُ الَّذِي لَا يَتَجَذَّرُ فِي القَلْبِ وَلَا يَثْبُتُ أَمَامَ الِامْتِحَانِ يَكْشِفُ عَنْ ضَعْفِهِ عِنْدَ حُلُولِ سَاعَةِ الِاخْتِبَارِ. وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ هٰذَا المَبْدَأَ فِي العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ، إِذْ يَقُولُ: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 7: 21).
تَرِدُ كَلِمَةُ “زَيْتًا” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἔλαιον، وَتُقَابِلُهَا فِي العِبْرِيَّةِ كَلِمَةُ שֶׁמֶן، وَتُشِيرُ فِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ إِلَى الزَّيْتِ، وَلَا سِيَّمَا زَيْتِ الزَّيْتُونِ الَّذِي كَانَ يُسْتَخْرَجُ بِعَصْرِ الثِّمَارِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الإِضَاءَةِ وَالطَّعَامِ وَالدَّهْنِ وَالتَّطْهِيرِ الطَّقْسِيِّ. وَيَحْمِلُ الزَّيْتُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ دَلَالَاتٍ رَمْزِيَّةً مُتَعَدِّدَةً، أَهَمُّهَا:
- النُّورُ وَالهِدَايَةُ: كَانَ الزَّيْتُ يُسْتَعْمَلُ لِإِضَاءَةِ المَصَابِيحِ فِي المَسْكَنِ المُقَدَّسِ (الخُرُوج 27: 20–21).
- التَّكْرِيسُ وَالِاخْتِيَارُ الإِلٰهِيُّ: كَانَ المُلُوكُ وَالكَهَنَةُ يُمْسَحُونَ بِالزَّيْتِ عَلَامَةً لِتَكْرِيسِهِمْ لِلَّهِ (1 صَمُوئِيل 16: 13؛ الخُرُوج 30: 30).
- نِعْمَةُ الرُّوحِ القُدُسِ: يَرْتَبِطُ مَسْحُ دَاوُدَ بِحُلُولِ رُوحِ الرَّبِّ عَلَيْهِ (1 صَمُوئِيل 16: 13)، وَهُوَ ارْتِبَاطٌ يُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ الرَّمْزِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ لِلزَّيْتِ.
- الفَرَحُ وَالبَرَكَةُ: يُشِيرُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ إِلَى “زَيْتِ الِابْتِهَاجِ” (مَزْمُور 45: 8؛ إِشَعْيَا 61: 3).
وَفِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، يَحْتَفِظُ الزَّيْتُ بِمَعْنَاهُ المَادِّيِّ الأَسَاسِيِّ، فَهُوَ الوَقُودُ اللَّازِمُ لِاسْتِمْرَارِ إِضَاءَةِ المَصَابِيحِ. غَيْرَ أَنَّ التَّفْسِيرَ الرُّوحِيَّ يَرَى فِيهِ رَمْزًا لِمَا يَجْعَلُ الإِيمَانَ حَيًّا وَمُثْمِرًا، وَخُصُوصًا المَحَبَّةَ وَالأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ.
يُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الزَّيْتَ فِي ضَوْءِ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَالإِحْسَانِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الفَضَائِلَ الشَّخْصِيَّةَ، بِمَا فِيهَا البَتُولِيَّةُ وَالنُّسْكُ، لَا تَكْفِي إِذَا انْفَصَلَتْ عَنِ المَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ. فَالعَذَارَى الجَاهِلَاتُ لَمْ يَكُنَّ مُهْمِلَاتٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلٰكِنَّهُنَّ افْتَقَرْنَ إِلَى فَضِيلَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُكَمِّلُ سَائِرَ الفَضَائِلِ (لعِظَةُ 78، 1؛ PG 58). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّفْسِيرُ مَعَ قَوْلِ المَسِيحِ: “فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ لِلنَّاسِ، لِيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 5: 16). وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ يَعْقُوبُ هٰذِهِ الحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: “َذٰلِكَ الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، فَهُوَ مَيْتٌ فِي ذَاتِهِ (يَعْقُوب 2: 17).
تُعَلِّمُنَا هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الِانْتِمَاءِ الخَارِجِيِّ إِلَى الكَنِيسَةِ، أَوْ عَلَى مُمارَسَةِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ حَيَاةً دَاخِلِيَّةً تُغَذِّيهَا نِعْمَةُ اللهِ وَتَظْهَرُ ثِمَارُهَا فِي المَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَالمَصَابِيحُ مِنْ دُونِ زَيْتٍ تُصْبِحُ عَاجِزَةً عَنِ الإِضَاءَةِ، وَكَذٰلِكَ الإِيمَانُ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ يَفْقِدُ ثَمَرَتَهُ الرُّوحِيَّةَ. وَالرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ نَحْمِلَ مِصْبَاحَ الإِيمَانِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ نُغَذِّيَهُ بِزَيْتِ المَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لِكَيْ يَبْقَى نُورُنَا مُشْتَعِلًا حَتَّى مَجِيءِ الرَّبِّ. وَتَحْمِلُ الآيَةُ مَعْنًى لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، إِذْ تُظْهِرُ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِمُلَاقَاةِ المَسِيحِ لَا يَتَحَقَّقُ بِالمَظَاهِرِ الدِّينِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ يَتَطَلَّبُ إِيمَانًا حَيًّا تَسْنُدُهُ النِّعْمَةُ الإِلٰهِيَّةُ وَتُثْمِرُهُ المَحَبَّةُ وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ.
- “وَأَمَّا العَاقِلَاتُ، فَأَخَذْنَ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ زَيْتًا فِي آنِيَةٍ”
تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَمَّا العَاقِلَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتًا فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ” αἱ δὲ φρόνιμοι ἔλαβον ἔλαιον ἐν τοῖς ἀγγείοις μετὰ τῶν λαμπάδων ἑαυτῶν. فِي مَعْنَاهَا الحَرْفِيِّ، إِلَى حُسْنِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِعْدَادِ المُسْبَقِ. فَالعَاقِلَاتُ لَمْ يَكْتَفِينَ بِمَا يَلْزَمُ لِلْحَظَةِ الرَّاهِنَةِ، بَلْ تَهَيَّأْنَ لِاحْتِمَالِ تَأَخُّرِ العَرِيسِ. أَمَّا فِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، فَتُشِيرُ المَصَابِيحُ إِلَى الإِيمَانِ المُعْلَنِ وَالشَّهَادَةِ المَسِيحِيَّةِ، فِي حِينِ يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ الزَّيْتُ إِلَى المَحَبَّةِ وَالنِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتِي تُغَذِّي الحَيَاةَ الدَّاخِلِيَّةَ. وَهٰكَذَا تُمَثِّلُ العَذَارَى العَاقِلَاتُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ بَيْنَ الِاعْتِرَافِ بِالإِيمَانِ وَمُمَارَسَتِهِ، وَبَيْنَ المَظْهَرِ الخَارِجِيِّ وَالحَيَاةِ الدَّاخِلِيَّةِ، أي التَّكَامُلُ بَيْنَ الإِيمَانِ الظَّاهِرِ وَالنِّعْمَةِ الدَّاخِلِيَّةِ. فَلَا يَكْتَفُونَ بِحَمْلِ اسْمِ المَسِيحِ، بَلْ يَسْعَوْنَ إِلَى عَيْشِ تَعْلِيمِهِ وَتَجْسِيدِ مَحَبَّتِهِ. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ قَوْلِ الرَّسُولِ يَعْقُوبَ: “الإِيمَانُ بِغَيْرِ الأَعْمَالِ مَيْتٌ”» (يَعْقُوب 2: 26).
تُشِيرُ عِبَارَةُ “الزَّيْتُ فِي الآَنِيَةِ” الى نِعْمَةُ الرُّوحِ القُدُسِ وَالحَيَاةُ الدَّاخِلِيَّةُ. إذ يَحْمِلُ الزَّيْتُ فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ دَلَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، مِنْ أَهَمِّهَا المَسْحَةُ وَالتَّكْرِيسُ وَحُلُولُ الرُّوحِ القُدُسِ. فَفِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ، يَتَحَدَّثُ بُطْرُسُ عَنْ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ الَّذِي “مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالقُوَّةِ” (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 38). وَيُبَيِّنُ هٰذَا النَّصُّ الِارْتِبَاطَ اللَّاهُوتِيَّ بَيْنَ المَسْحَةِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ لِنِيقُودِيمُسَ ضَرُورَةَ الوِلَادَةِ الجَدِيدَةِ بِالرُّوحِ لِلدُّخُولِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ (يُوحَنَّا 3: 5–6)، وَهِيَ الوِلَادَةُ الَّتِي تَفْتَحُ الإِنْسَانَ عَلَى حَيَاةِ النِّعْمَةِ وَالتَّجَدُّدِ الرُّوحِيِّ. وَيُوَضِّحُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ هٰذِهِ المَسْحَةِ الرُّوحِيَّةِ، إِذْ يَقُولُ: “إِنَّ الَّذِي يُثَبِّتُنَا وَإِيَّاكُمْ لِلْمَسِيحِ وَالَّذِي مَسَحَنَا هُوَ اللهُ”(2 قُورِنْتُس 1: 21). وَبِفَضْلِ هٰذِهِ النِّعْمَةِ، يُصْبِحُ المُؤْمِنُونَ مَدْعُوِّينَ إِلَى أَنْ “يُضِيئُوا ضِيَاءَ النَّيِّرَاتِ فِي الكَوْنِ” (فِيلِبِّي 2: 15)، أَيْ أَنْ يَشْهَدُوا لِلْمَسِيحِ بِقَدَاسَةِ حَيَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ. وَمِنْ هُنَا، يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي الزَّيْتِ رَمْزًا لِلنِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ وَتُثْمِرُ فِيهِ المَحَبَّةَ وَالأَمَانَةَ وَالثَّبَاتَ.
تَرِدُ كَلِمَةُ “آنِيَةٍ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀγγεῖα، وَمُفْرَدُهَا ἀγγεῖον ()، وَتَعْنِي “وِعَاءً” أَوْ “إِنَاءً” يُسْتَعْمَلُ لِحِفْظِ السَّوَائِلِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ المَوَادِّ. وَفِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هٰذِهِ الآَنِيَةُ مَصْنُوعَةً مِنَ الفَخَّارِ أَوِ المَعْدِنِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ المَوَادِّ المُتَدَاوَلَةِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، تُمَثِّلُ الآَنِيَةُ القَلْبَ وَالضَّمِيرَ، أَيْ ذٰلِكَ العُمْقَ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي يَحْفَظُ فِيهِ الإِنْسَانُ نِيَّاتِهِ وَمَحَبَّتَهُ وَأَمَانَتَهُ لِلَّهِ. وَهٰذَا التَّفْسِيرُ يَنْسَجِمُ مَعَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ: “فَحَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ، هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ” (مَتَّى 6: 21). فَكَمَا أَنَّ الإِنَاءَ يَحْفَظُ الزَّيْتَ لِحِينِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ، كَذٰلِكَ القَلْبُ المُؤْمِنُ يَحْفَظُ المَحَبَّةَ وَالأَمَانَةَ اللَّتَيْنِ تَظْهَرَانِ عِنْدَ الِامْتِحَانِ. ويُعلّق القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ (نَحْوَ 540–604م) ” الزَّيْتُ يشير إِلَى بَهَاءِ المَجْدِ، وَالآَنِيَةُ إِلَى قُلُوبِنَا الَّتِي نَحْمِلُ فِيهَا أَفْكَارَنَا. وَقَدْ حَمَلَتِ العَذَارَى الحَكِيمَاتُ زَيْتًا فِي آنِيَتِهِنَّ، لِأَنَّهُنَّ حَفِظْنَ فِي ضَمَائِرِهِنَّ مَجْدَ أَعْمَالِهِنَّ” (العِظَةُ 12؛ PL 76). وَيَسْتَنِدُ هٰذَا التَّفْسِيرُ إِلَى قَوْلِ الرَّسُولِ بُولُسَ: «فَإِنَّ فَخْرَنَا إِنَّمَا هُوَ شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا» (2 قُورِنْتُس 1: 12). وَيَتَكَامَلُ هٰذَا التَّفْسِيرُ مَعَ تَعْلِيمِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الفَمِ، الَّذِي يَرَى فِي الزَّيْتِ صُورَةً لِأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ (العِظَةُ 78، 1؛ PG 58). فَغِرِيغُورِيُوسُ يُرَكِّزُ عَلَى نَقَاوَةِ النِّيَّةِ وَاسْتِقَامَةِ الضَّمِيرِ، بَيْنَمَا يُرَكِّزُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى المَحَبَّةِ وَأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ. وَهُمَا بُعْدَانِ مُتَكَامِلَانِ فِي الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ. الرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِمَجِيءِ الرَّبِّ لَا يَكُونُ بِحَمْلِ مِصْبَاحِ الإِيمَانِ فَحَسْبُ، بَلْ بِحِفْظِ زَيْتِ المَحَبَّةِ وَالنِّعْمَةِ فِي آنِيَةِ القَلْبِ، لِكَيْ يَبْقَى نُورُنَا مُشْتَعِلًا حَتَّى لِقَاءِ المَسِيحِ، العَرِيسِ الإِلٰهِيِّ.
تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ الحِكْمَةَ العَمَلِيَّةَ وَالِاسْتِعْدَادَ الرُّوحِيَّ اللَّذَيْنِ تَمَيَّزَتْ بِهِمَا العَذَارَى العَاقِلَاتُ عَنِ الجَاهِلَاتِ. إنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الِاعْتِرَافِ الخَارِجِيِّ بِالمَسِيحِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ حَيَاةً دَاخِلِيَّةً تُغَذِّيهَا نِعْمَةُ اللهِ وَتُثْمِرُهَا المَحَبَّةُ وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ.
- “وَأَبْطَأَ العَرِيسُ، فَنَعَسْنَ جَمِيعًا وَنِمْنَ”
تَرِدُ عِبَارَةُ “وَأَبْطَأَ العَرِيسُ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: χρονίζοντος δὲ τοῦ νυμφίου وَتَعْنِي: “وَإِذْ تَأَخَّرَ العَرِيسُ”، وَالفِعْلُ χρονίζω يَدُلُّ عَلَى التَّأَخُّرِ أَوِ اسْتِغْرَاقِ وَقْتٍ أَطْوَلَ مِنَ المُتَوَقَّعِ. وَفِي السِّيَاقِ الإِسْكَاتُولُوجِيِّ، أَيْ المُتَعَلِّقِ بِالأُمُورِ الأَخِيرَةِ، يُشِيرُ تَأَخُّرُ العَرِيسِ إِلَى الفَتْرَةِ المُمتَدَّةِ بَيْنَ المَجِيءِ الأَوَّلِ لِلْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ الثَّانِي بِالمَجْدِ. فَقَدْ أَعْلَنَ المَسِيحُ مَلَكُوتَ اللهِ بِتَجَسُّدِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، وَتَنْتَظِرُ الكَنِيسَةُ اكْتِمَالَ هٰذَا المَلَكُوتِ عِنْدَ عَوْدَتِهِ المَجِيدَةِ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا المَعْنَى بِمَثَلِ الوَكِيلِ الشِّرِّيرِ الَّذِي يَقُولُ فِي قَلْبِهِ: «إِنَّ سَيِّدِي يُبْطِئُ» (مَتَّى 24: 48). وَتَكْمُنُ المُقَابَلَةُ بَيْنَ المَثَلَيْنِ فِي أَنَّ تَأَخُّرَ السَّيِّدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلإِهْمَالِ وَالتَّرَاخِي، أَوْ فُرْصَةً لِإِظْهَارِ الأَمَانَةِ وَالثَّبَاتِ. وَتُعَالِجُ هٰذِهِ الآيَةُ مَسْأَلَةً لَاهُوتِيَّةً عَرَفَتْهَا الجَمَاعَاتُ المَسِيحِيَّةُ الأُولَى، وَهِيَ انْتِظَارُ مَجِيءِ الرَّبِّ مَعَ اسْتِمْرَارِ التَّارِيخِ. فَقَدْ كَانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَوَقَّعُونَ قُرْبَ عَوْدَتِهِ، وَلٰكِنَّ طُولَ الِانْتِظَارِ أَثَارَ تَسَاؤُلَاتٍ حَوْلَ مَوْعِدِ تَحَقُّقِ الوَعْدِ الإِلٰهِيِّ. وَيُوَضِّحُ الرَّسُولُ بُطْرُسُ أَنَّ تَأَخُّرَ تَحَقُّقِ الوَعْدِ لَا يَعْنِي تَخَلِّيَ اللهِ عَنْهُ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ أَنَاتِهِ وَصَبْرِهِ، إِذْ يَقُولُ: “إِنَّ الرَّبَّ لَا يُبْطِئُ فِي إِنْجَازِ وَعْدِهِ، كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ إِبْطَاءٌ، وَلٰكِنَّهُ يَصْبِرُ عَلَيْكُمْ”(رَاجِعْ 2 بُطْرُس 3: 9). فَالزَّمَنُ، فِي هٰذَا المَثَلِ، يَصِيرُ امْتِحَانًا لِلْإِيمَانِ؛ إِذْ لَيْسَ المُهِمُّ أَنْ نَعْرِفَ مَتَى يَأْتِي الرَّبُّ، بَلْ أَنْ نَظَلَّ أُمَنَاءَ لَهُ مَهْمَا طَالَ انْتِظَارُنَا.
ترِدُ عبارة “فَنَعَسْنَ جَمِيعًا وَنِمْنَ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ἐνύσταξαν πᾶσαι καὶ ἐκάθευδον. وَيَسْتَعْمِلُ الإِنْجِيلِيُّ فِعْلَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ: “ نَعَسْنَ“، َ” وَنِمْنَ” مما َيُبْرِزُ هٰذَا التَّدَرُّجُ انْتِقَالَهُنَّ مِنَ النُّعَاسِ إِلَى النَّوْمِ الفِعْلِيِّ بِسَبَبِ طُولِ الِانْتِظَارِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ العِبَارَةِ فِي كَلِمَةِ “جَمِيعًا” (πᾶσαι)، إِذْ لَمْ تَنَمِ الجَاهِلَاتُ وَحْدَهُنَّ، بَلْ نَامَتِ العَاقِلَاتُ أَيْضًا. وَهٰذَا التَّفْصِيلُ يُبَيِّنُ أَنَّ النَّوْمَ، فِي المَعْنَى السَّرْدِيِّ المُبَاشِرِ، لَيْسَ هُوَ الخَطَأَ الَّذِي يُدِينُهُ المَثَلُ؛ فَلَوْ كَانَ النَّوْمُ بِذَاتِهِ عَلَامَةً عَلَى الإِهْمَالِ الرُّوحِيِّ، لَكَانَتِ العَذَارَى العَاقِلَاتُ مُذْنِبَاتٍ أَيْضًا. وَإِنَّمَا يَكْمُنُ الفَرْقُ فِي أَنَّ العَاقِلَاتِ كُنَّ مُسْتَعِدَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يَنَمْنَ، أَمَّا الجَاهِلَاتُ فَلَمْ يَكُنَّ كَذٰلِكَ. وَبِهٰذَا يَتَّضِحُ أَنَّ السَّهَرَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ يَسُوعُ فِي خَاتِمَةِ المَثَلِ: “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13)، لَا يَعْنِي الِامْتِنَاعَ الحَرْفِيَّ عَنِ النَّوْمِ، بَلْ يَعْنِي الِاسْتِعْدَادَ الرُّوحِيَّ الدَّائِمَ وَالأَمَانَةَ فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ. فَالسَّهَرُ المَسِيحِيُّ هُوَ حَالَةٌ مِنَ اليَقَظَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، يَحْيَا فِيهَا المُؤْمِنُ مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ الرَّبِّ، حَتَّى وَهُوَ يُمَارِسُ أَعْمَالَهُ اليَوْمِيَّةَ وَيَخْضَعُ لِحَاجَاتِهِ البَشَرِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ. يَتَّخِذُ النَّوْمُ فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ وَالآبَائِيِّ مَعْنًى رَمْزِيًّا آخَرَ، إِذْ يُسْتَعْمَلُ أَحْيَانًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى المَوْتِ البَشَرِيِّ. فَقَدْ قَالَ يَسُوعُ عَنْ لِعَازَرَ: “إِنَّ لِعَازَرَ صَدِيقَنَا قَدْ نَامَ، وَلٰكِّنِّي ذَاهِبٌ لِأُوقِظَهُ” (يُوحَنَّا 11: 11)، ثُمَّ أَوْضَحَ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْتِهِ (يُوحَنَّا 11: 13–14). وَكَذٰلِكَ يَسْتَعْمِلُ الرَّسُولُ بُولُسُ صُورَةَ الرُّقَادِ لِلْحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَفَّيْنَ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ القِيَامَةَ (1 تَسَالُونِيقِي 4: 13–16). وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، يَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي نَوْمِ العَذَارَى جَمِيعًا صُورَةً لِلْمَوْتِ الَّذِي يَشْمَلُ الصَّالِحِينَ وَغَيْرَ الصَّالِحِينَ، قَبْلَ مَجِيءِ المَسِيحِ وَالدَّيْنُونَةِ. وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ النَّوْمُ تَعْبِيرًا عَنْ المَصِيرِ البَشَرِيِّ المُشْتَرَكِ، بَيْنَمَا يَكْشِفُ مَجِيءُ العَرِيسِ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الِاسْتِعْدَادِ (PL 38). وَتُسَاعِدُ هٰذِهِ القِرَاءَةُ عَلَى فَهْمِ المَثَلِ فِي ضَوْءِ الإِيمَانِ بِالقِيَامَةِ وَالدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ؛ فَجَمِيعُ البَشَرِ يَخْضَعُونَ لِلْمَوْتِ، وَلٰكِنَّ مَا يُمَيِّزُهُمْ هُوَ حَالَةُ اسْتِعْدَادِهِمْ لِلِقَاءِ المَسِيحِ. وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ هٰذَا التَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ وَالمَعْنَى السَّرْدِيِّ المُبَاشِرِ؛ فَالنَّوْمُ فِي سِيَاقِ القِصَّةِ نَوْمٌ طَبِيعِيٌّ نَتَجَ عَنْ طُولِ الِانْتِظَارِ، أَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ فَهُوَ قِرَاءَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ تُوَسِّعُ مَعْنَى المَثَلِ. تَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى الثَّبَاتِ فِي الإِيمَانِ وَالمُثَابَرَةِ عَلَى الأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ، حَتَّى عِنْدَمَا يَطُولُ الِانْتِظَارُ وَتَتَأَخَّرُ تَحْقِيقَاتُ رَجَائِنَا. تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ تَأَخُّرَ العَرِيسِ هُوَ امْتِحَانٌ لِثَبَاتِ الإِيمَانِ وَصِدْقِ الِاسْتِعْدَادِ، وَأَنَّ نَوْمَ العَذَارَى جَمِيعًا يُؤَكِّدُ أَنَّ الحِكْمَةَ لَا تَكْمُنُ فِي السَّهَرِ الجَسَدِيِّ المُسْتَمِرِّ، بَلْ فِي الِاسْتِعْدَادِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يَسْبِقُ سَاعَةَ الِامْتِحَانِ. وَفِي ضَوْءِ التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ النَّوْمُ أَيْضًا إِلَى المَوْتِ الَّذِي يَشْمَلُ الجَمِيعَ، فِي حِينِ يَرْمُزُ مَجِيءُ العَرِيسِ إِلَى لِقَاءِ المَسِيحِ وَاكْتِمَالِ رَجَاءِ القِيَامَةِ.
تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ مِحْوَرًا أَسَاسِيًّا فِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، إِذْ تَنْتَقِلُ مِنْ وَصْفِ اسْتِعْدَادِ العَذَارَى إِلَى امْتِحَانِ هٰذَا الِاسْتِعْدَادِ بِطُولِ الِانْتِظَارِ. فَتَأَخُّرُ العَرِيسِ يَكْشِفُ مَدَى ثَبَاتِ الإِيمَانِ وَحَقِيقَةِ الحِكْمَةِ، أَمَّا نَوْمُ العَذَارَى جَمِيعًا فَيُؤَكِّدُ أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ لَا يَكْمُنُ فِي عَدَمِ النَّوْمِ، بَلْ فِي الِاسْتِعْدَادِ السَّابِقِ لِمَجِيءِ العَرِيسِ.
- “وَعِنْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، عَلَا الصِّيَاحُ: هُوَذَا العَرِيسُ! فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ!”
تَرِدُ عِبَارَةُ “عِنْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: μέσης δὲ νυκτός ، وَتَعْنِي حَرْفِيًّا: “وَفِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ”. وَيُشِيرُ نِصْفُ اللَّيْلِ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي يَبْلُغُ فِيهَا الظَّلَامُ أَوْجَهُ، وَيَكُونُ فِيهَا الإِنْسَانُ، عَادَةً، فِي حَالَةِ نَوْمٍ وَرَاحَةٍ. وَمِنْ هُنَا تَكْتَسِبُ هٰذِهِ السَّاعَةُ فِي المَثَلِ دَلَالَةَ المُفَاجَأَةِ وَعَدَمِ تَوَقُّعِ مَوْعِدِ المَجِيءِ. وَفِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ لِلْمَثَلِ، يَكْشِفُ مَجِيءُ العَرِيسِ لَيْلًا عَنْ أَهَمِّيَّةِ المَصَابِيحِ وَالزَّيْتِ، إِذْ تَصِيرُ الإِضَاءَةُ ضَرُورِيَّةً لِلْمُشَارَكَةِ فِي مَوْكِبِ الِاسْتِقْبَالِ. وَيَتَّضِحُ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ الَّذِي قَامَتْ بِهِ العَذَارَى العَاقِلَاتُ لَمْ يَكُنْ تَفْصِيلًا ثَانَوِيًّا، بَلْ شَرْطًا عَمَلِيًّا لِمُوَاجَهَةِ سَاعَةِ الِامْتِحَانِ. وَفِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ، يَرْتَبِطُ اللَّيْلُ أَحْيَانًا بِالتَّدَخُّلِ الإِلٰهِيِّ الحَاسِمِ، كَمَا حَدَثَ فِي لَيْلَةِ الفِصْحِ الأَوَّلِ، حِينَ خَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مِصْرَ (الخُرُوج 12: 29–42). وَيُشِيرُ سِفْرُ الحِكْمَةِ إِلَى هٰذَا التَّدَخُّلِ الإِلٰهِيِّ فِي صُورَةٍ بَلِيغَةٍ، إِذْ يَصِفُ نُزُولَ كَلِمَةِ اللهِ فِي سَاعَةِ سُكُونِ اللَّيْلِ (الحِكْمَة 18: 14–15). وَمِنْ هُنَا، يُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ نِصْفُ اللَّيْلِ فِي ضَوْءِ الرَّمْزِيَّةِ الفِصْحِيَّةِ، حَيْثُ يَتَدَخَّلُ اللهُ فِي التَّارِيخِ لِيَنْقُلَ شَعْبَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ إِلَى الحُرِّيَّةِ، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ. فَنِصْفُ اللَّيْلِ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ سَاعَةَ اللِّقَاءِ قَدْ تَأْتِي فِي وَقْتٍ لَا نَتَوَقَّعُهُ، وَالصِّيَاحُ يُنَبِّهُنَا إِلَى أَنَّ فُرْصَةَ الِاسْتِعْدَادِ لَيْسَتْ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، أَمَّا العَرِيسُ فَيُذَكِّرُنَا بِأَنَّ غَايَةَ حَيَاتِنَا هِيَ الشَّرِكَةُ الأَبَدِيَّةُ مَعَ المَسِيحِ. وَمِنْ هُنَا، يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى نُورِ إِيمَانِهِ مُشْتَعِلًا بِالصَّلَاةِ وَالتَّوْبَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لِكَيْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ الرَّبِّ فِي كُلِّ حِينٍ.
تَرِدُ عِبَارَةُ “عَلَا الصِّيَاحُ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: κραυγὴ γέγονεν، وَتَعْنِي: “حَدَثَ صِيَاحٌ” أَوْ “ارْتَفَعَ صَوْتٌ عَالٍ”. وَتَدُلُّ كَلِمَةُ κραυγή عَلَى الصَّرْخَةِ أَوِ النِّدَاءِ المُرْتَفِعِ الَّذِي يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ وَيُعْلِنُ حَدَثًا مُهِمًّا. وَفِي السِّيَاقِ السَّرْدِيِّ، يُؤَدِّي هٰذَا الصِّيَاحُ وَظِيفَةَ إِيقَاظِ العَذَارَى وَإِعْلَامِهِنَّ بِاقْتِرَابِ العَرِيسِ، فَتَنْتَهِي فَتْرَةُ الِانْتِظَارِ وَتَبْدَأُ لَحْظَةُ الِاسْتِقْبَالِ. وَفِي القِرَاءَةِ الإِسْكَاتُولُوجِيَّةِ، يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ هٰذَا الصِّيَاحُ عَلَى أَنَّهُ صُورَةٌ لِلإِعْلَانِ النِّهَائِيِّ عَنْ مَجِيءِ المَسِيحِ بِالمَجْدِ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ تَعْلِيمِ الرَّسُولِ بُولُسَ الَّذِي يَقُولُ: “لِأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ، عِنْدَ إِعْلَانِ الأَمْرِ، وَعِنْدَ انْطِلَاقِ صَوْتِ رَئِيسِ المَلَائِكَةِ وَالنَّفْخِ فِي بُوقِ اللهِ، سَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ”(1 تَسَالُونِيقِي 4: 16). وَتُبْرِزُ المُقَارَنَةُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ أَنَّ المَجِيءَ الثَّانِي لِلْمَسِيحِ سَيَكُونُ حَدَثًا حَاسِمًا، يُعْلِنُ اكْتِمَالَ التَّارِيخِ وَانْكِشَافَ مَلَكُوتِ اللهِ. وَلٰكِنْ لَا يَذْكُرُ مَتَّى 25: 6 هُوِيَّةَ صَاحِبِ الصِّيَاحِ، وَلَا يَقُولُ صَرَاحَةً إِنَّهُ مَلَاكٌ؛ وَلِذٰلِكَ فَالرَّبْطُ بَيْنَ هٰذَا الصِّيَاحِ وَصَوْتِ رَئِيسِ المَلَائِكَةِ هُوَ مُقَارَنَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ بَيْنَ نُصُوصِ العَهْدِ الجَدِيدِ، وَلَيْسَ تَحْدِيدًا حَرْفِيًّا لِصَاحِبِ الصَّوْتِ فِي المَثَلِ. وَإِذَا كَانَ هٰذَا النِّدَاءُ يُعْلِنُ الفَرَحَ لِلْمُسْتَعِدِّينَ، فَإِنَّهُ يَكْشِفُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ خَطَرِ الإِهْمَالِ لَدَى غَيْرِ المُسْتَعِدِّينَ.
تَرِدُ عِبَارَةُ “هُوَذَا العَرِيسُ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ἰδοὺ ὁ νυμφίος، وَهِيَ صِيغَةُ إِعْلَانٍ وَتَنْبِيهٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَرِيسَ قَدِ اقْتَرَبَ، وَأَنَّ سَاعَةَ اسْتِقْبَالِهِ قَدْ حَانَتْ. وَفِي التَّفْسِيرِ المَسِيحِيِّ، يَرْمُزُ العَرِيسُ إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ، الَّذِي يُقِيمُ مَعَ شَعْبِهِ عَهْدَ مَحَبَّةٍ وَخَلَاصٍ. وَتَجِدُ هٰذِهِ الصُّورَةُ جُذُورَهَا فِي العَهْدِ القَدِيمِ، حَيْثُ يُصَوَّرُ اللهُ عَرِيسًا لِشَعْبِهِ، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ إِشَعْيَاءُ: “لِأَنَّ بَاعِلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ القُوَّاتِ اسْمُهُ” (إِشَعْيَاء 54: 5)، وَيُعْلِنُ النَّبِيُّ هُوشَعُ عَهْدَ اللهِ الجَدِيدَ مَعَ شَعْبِهِ فِي صُورَةِ الخِطْبَةِ الأَبَدِيَّةِ (هُوشَع 2: 21–22). وَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ، يُطَبِّقُ يَسُوعُ عَلَى نَفْسِهِ صُورَةَ العَرِيسِ، إِذْ يَقُولُ: “أَتَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَجْعَلُوا أَهْلَ العُرْسِ يَصُومُونَ وَالعَرِيسُ بَيْنَهُمْ؟” (لُوقَا 5: 34). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الصُّورَةُ ذُرْوَتَهَا فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، حَيْثُ يُعْلَنُ فَرَحُ عُرْسِ الحَمَلِ: “لِأَنَّ عُرْسَ الحَمَلِ قَدْ جَاءَ، وَقَدْ تَزَيَّنَتِ امْرَأَتُهُ”(رُؤْيَا 19: 7). وَإِنْ كَانَ المَثَلُ يُرَكِّزُ عَلَى العَرِيسِ وَالعَذَارَى المُنْتَظِرَاتِ، دُونَ أَنْ يَذْكُرَ العَرُوسَ صَرَاحَةً، فَإِنَّ التَّقْلِيدَ اللَّاهُوتِيَّ يَرَى فِي الكَنِيسَةِ عَرُوسَ المَسِيحِ، كَمَا يُوَضِّحُ الرَّسُولُ بُولُسُ عِنْدَمَا يُشَبِّهُ العَلَاقَةَ بَيْنَ المَسِيحِ وَالكَنِيسَةِ بِالعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ (أَفَسُس 5: 25–32). وَبِالمَعْنَى الأَوْسَعِ، يَدْعُو المَسِيحُ البَشَرِيَّةَ إِلَى المُشَارَكَةِ فِي عَهْدِهِ الخَلَاصِيِّ، غَيْرَ أَنَّ صُورَةَ العَرُوسِ فِي النُّصُوصِ الرَّسُولِيَّةِ تَرْتَبِطُ عَلَى نَحْوٍ خَاصٍّ بِالكَنِيسَةِ وَأُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ (رُؤْيَا 21: 2).
تَرِدُ عِبَارَةُ “فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐξέρχεσθε εἰς ἀπάντησιν αὐτοῦ، وَتَعْنِي: “اخْرُجْنَ لِاسْتِقْبَالِهِ”. وَيُشِيرُ الفِعْلُ ἐξέρχεσθε إِلَى الخُرُوجِ، بَيْنَمَا تُعَبِّرُ كَلِمَةُ ἀπάντησις (عَنِ اللِّقَاءِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ. وَفِي السِّيَاقِ الِاجْتِمَاعِيِّ، يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِخُرُوجِ المُشَارِكَاتِ فِي مَوْكِبِ العُرْسِ لِاسْتِقْبَالِ العَرِيسِ وَمُرَافَقَتِهِ. أَمَّا فِي السِّيَاقِ اللَّاهُوتِيِّ، فَيَرْمُزُ هٰذَا الخُرُوجُ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ عِنْدَ مَجِيئِهِ الثَّانِي. وَتَرِدُ الكَلِمَةُ اليُونَانِيَّةُ نَفْسُهَا، ἀπάντησις، فِي وَصْفِ الرَّسُولِ بُولُسَ لِلِقَاءِ المُؤْمِنِينَ بِالرَّبِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ: “ثُمَّ نُخْطَفُ نَحْنُ الأَحْيَاءَ البَاقِينَ مَعَهُمْ فِي الغُيُومِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ فِي الجَوِّ” (1 تَسَالُونِيقِي 4: 17). وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّوَازِي اللُّغَوِيُّ وَاللَّاهُوتِيُّ أَنَّ غَايَةَ الِانْتِظَارِ المَسِيحِيِّ لَيْسَتِ الخَوْفَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ، بَلْ لِقَاءَ المَسِيحِ وَالدُّخُولَ فِي شَرِكَةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ مَعَهُ. وَفِي خِطَابِ يَسُوعَ الإِسْكَاتُولُوجِيِّ، تَرِدُ الإِشَارَةُ إِلَى الحُرُوبِ وَالمَجَاعَاتِ وَالزَّلَازِلِ وَالِاضْطِهَادَاتِ (مَتَّى 24: 6–14)، غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الأَحْدَاثَ لَا تُعْطِي الإِنْسَانَ إِمْكَانِيَّةَ تَحْدِيدِ سَاعَةِ المَجِيءِ، لِأَنَّ يَسُوعَ يُؤَكِّدُ: “أَمَّا ذٰلِكَ اليَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ” (مَتَّى 24: 36). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ نِدَاءَ “فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ” لَا يَدْعُونَا إِلَى حِسَابِ مَوْعِدِ نِهَايَةِ العَالَمِ، بَلْ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ. يُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ فِي إِطَارِ الدَّعْوَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلدَّيْنُونَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ فَضَائِلَ الإِنْسَانِ لَا تَكْفِي إِذَا انْفَصَلَتْ عَنْ مَحَبَّةِ القَرِيبِ وَأَعْمَالِ الإِحْسَانِ (PG 58). َفِي قِرَاءَةِ القِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسَ لِلْمَثَلِ، يَرْتَبِطُ مَجِيءُ العَرِيسِ بِاللِّقَاءِ النِّهَائِيِّ مَعَ المَسِيحِ، حَيْثُ تَظْهَرُ حَقِيقَةُ الِاسْتِعْدَادِ الدَّاخِلِيِّ وَتَنْكَشِفُ قِيمَةُ الأَعْمَالِ الَّتِي أَنْجَزَهَا الإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ (PL 38). وَيَتَّفِقُ هٰذَانِ التَّفْسِيرَانِ عَلَى أَنَّ المَجِيءَ النِّهَائِيَّ لِلْمَسِيحِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَدَثٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ تَنْبَغِي أَنْ تُوَجِّهَ حَيَاةَ المُؤْمِنِ فِي الحَاضِرِ. تَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَعِيشَ حَيَاتَنَا فِي نُورِ المَجِيءِ الثَّانِي لِلْمَسِيحِ، لَا فِي خَوْفٍ وَاضْطِرَابٍ، بَلْ فِي رَجَاءٍ وَثِقَةٍ وَاسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ. تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ سَيَكُونُ حَدَثًا حَاسِمًا وَغَيْرَ مُتَوَقَّعِ المَوْعِدِ، وَأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لَهُ يَجِبُ أَنْ يَسْبِقَ سَاعَةَ وُصُولِهِ. فَنِصْفُ اللَّيْلِ يَرْمُزُ إِلَى المُفَاجَأَةِ، وَالصِّيَاحُ يُعْلِنُ نِهَايَةَ الِانْتِظَارِ، وَالعَرِيسُ يُشِيرُ إِلَى المَسِيحِ الَّذِي يَأْتِي لِيُتِمَّ وَعْدَهُ بِالخَلَاصِ وَيَدْعُو المُسْتَعِدِّينَ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِهِ. وَالرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ المَسِيحَ قَدْ يَأْتِي فِي سَاعَةٍ لَا نَعْرِفُهَا، وَلٰكِنَّ المُؤْمِنَ الحَكِيمَ لَا يَخْشَى مُفَاجَأَةَ مَجِيئِهِ، لِأَنَّهُ يَعِيشُ كُلَّ يَوْمٍ مُسْتَعِدًّا لِلِقَائِهِ.
تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ الحَاسِمَةَ فِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، إِذْ يَنْتَقِلُ السَّرْدُ الإِنْجِيلِيُّ مِنْ زَمَنِ الِانْتِظَارِ إِلَى لَحْظَةِ مَجِيءِ العَرِيسِ. فَبَعْدَ تَأَخُّرِهِ وَنَوْمِ العَذَارَى جَمِيعًا، يَرْتَفِعُ صَوْتٌ مُفَاجِئٌ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يُعْلِنُ اقْتِرَابَهُ، وَيَدْعُوهُنَّ إِلَى الخُرُوجِ لِلِقَائِهِ. وَتَحْمِلُ هٰذِهِ اللَّحْظَةُ بُعْدًا إِسْكَاتُولُوجِيًّا، أَيْ مُتَعَلِّقًا بِالأُمُورِ الأَخِيرَةِ، إِذْ تُشِيرُ إِلَى مَجِيءِ المَسِيحِ الثَّانِي وَانْكِشَافِ حَقِيقَةِ اسْتِعْدَادِ الإِنْسَانِ لِلِقَائِهِ.
- “فَقَامَ أُولٰئِكَ العَذَارَى جَمِيعًا وَهَيَّأْنَ مَصَابِيحَهُنَّ”
ترِدُ عبارة “فَقَامَ أُولٰئِكَ العَذَارَى جَمِيعًا” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: τότε ἠγέρθησαν πᾶσαι αἱ παρθένοι ἐκεῖναι وَتَعْنِي العِبَارَةُ: “حِينَئِذٍ نَهَضَتْ تِلْكَ العَذَارَى جَمِيعًا”. وَيَرِدُ الفِعْلُ اليُونَانِيُّ ἠγέρθησαν، مِنَ الفِعْلِ ἐγείρω، الَّذِي يَعْنِي “أَيْقَظَ” أَوْ “أَنْهَضَ”، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ. وَفِي المَعْنَى السَّرْدِيِّ المُبَاشِرِ، يَدُلُّ الفِعْلُ عَلَى نُهُوضِ العَذَارَى مِنْ نَوْمِهِنَّ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ. أَمَّا فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ إِلَى اليَقَظَةُ وَالدَّعْوَةُ إِلَى النُّهُوضِ الرُّوحِيِّ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ. وَيَتَوَافَقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ دَعْوَةِ الرَّسُولِ بُولُسَ: “تَنَبَّهْ أَيُّهَا النَّائِمُ، وَقُمْ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، يُضِئْ لَكَ المَسِيحُ” (أَفَسُس 5: 14). فَالنُّهُوضُ، فِي هٰذَا السِّيَاقِ الرُّوحِيِّ، لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ الِاسْتِيقَاظِ الجَسَدِيِّ، بَلْ يُشِيرُ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنَ الغَفْلَةِ إِلَى اليَقَظَةِ، وَمِنَ الخَطِيئَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِ المَسِيحِ.
وَتَكْتَسِبُ كَلِمَةُ “جَمِيعًا” (πᾶσαι) أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً؛ إِذْ إِنَّ العَذَارَى العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ نَهَضْنَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَسَمِعْنَ النِّدَاءَ نَفْسَهُ، وَلٰكِنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ جَمِيعًا عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ. وَيُشِيرُ هٰذَا التَّفْصِيلُ إِلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى لِقَاءِ الرَّبِّ تَكْشِفُ حَقِيقَةَ الحَيَاةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ وَيَسْتَجِيبَ لَهُ ظَاهِرِيًّا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَدْ تَهَيَّأَ لَهُ بِالإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَفِي ضَوْءِ التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ الَّذِي يَرَى فِي نَوْمِ العَذَارَى صُورَةً لِلْمَوْتِ، يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ نُهُوضُهُنَّ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ رَمْزِيَّةٌ إِلَى القِيَامَةِ العَامَّةِ، حِينَ يَقِفُ البَشَرُ أَمَامَ المَسِيحِ لِلدَّيْنُونَةِ، كَمَا يَقُولُ يَسُوعُ: “تَأْتِي سَاعَةٌ يَسْمَعُ فِيهَا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي القُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُونَ” (يُوحَنَّا 5: 28–29).
تَرِدُ عِبَارَةُ “وَهَيَّأْنَ مَصَابِيحَهُنَّ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: καὶ ἐκόσμησαν τὰς λαμπάδας ἑαυτῶν وَتَعْنِي: “وَرَتَّبْنَ مَصَابِيحَهُنَّ” أَوْ “وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ”. وَيَرِدُ الفِعْلُ ἐκόσμησαν مِنَ الفِعْلِ κοσμέω)، الَّذِي يَعْنِي “رَتَّبَ” أَوْ “هَيَّأَ” أَوْ “زَيَّنَ”. وَفِي السِّيَاقِ العَمَلِيِّ، تُشِيرُ تَهْيِئَةُ المَصَابِيحِ إِلَى إِعْدَادِهَا لِلْإِضَاءَةِ، وَقَدْ يَشْمَلُ ذٰلِكَ تَعْدِيلَ الفَتِيلَةِ أَوْ تَجْدِيدَ الزَّيْتِ أَوْ إِصْلَاحَ مَا يَلْزَمُ لِاسْتِمْرَارِ اشْتِعَالِهَا، بِحَسَبِ نَوْعِ أَدَاةِ الإِضَاءَةِ المُسْتَعْمَلَةِ. وَيَتَّضِحُ مِنَ الآيَةِ التَّالِيَةِ أَنَّ مَصَابِيحَ الجَاهِلَاتِ كَانَتْ آخِذَةً فِي الِانْطِفَاءِ بِسَبَبِ نَقْصِ الزَّيْتِ (مَتَّى 25: 8)، فِي حِينِ كَانَتِ العَاقِلَاتُ يَمْلِكْنَ مَا يَلْزَمُ لِاسْتِمْرَارِ إِضَاءَتِهَا. وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، تَرْمُزُ تَهْيِئَةُ المَصَابِيحِ إِلَى مُرَاجَعَةِ الإِنْسَانِ لِحَيَاتِهِ وَتَجْدِيدِ أَمَانَتِهِ لِلَّهِ، لِكَيْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ المَسِيحِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا الِاسْتِعْدَادِ صَدًى رُوحِيًّا لِمَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي لَيْلَةِ الفِصْحِ الأَوَّلِ: “تَكُونُ أَحْقَاؤُكُمْ مَشْدُودَةً، وَنِعَالُكُمْ فِي أَرْجُلِكُمْ، وَعِصِيُّكُمْ فِي أَيْدِيكُمْ، وَتَأْكُلُونَهُ عَلَى عَجَلٍ، فَإِنَّهُ فِصْحٌ لِلرَّبِّ” (الخُرُوج 12: 11). فَكَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ وَالِانْتِقَالِ مِنَ العُبُودِيَّةِ إِلَى الحُرِّيَّةِ، كَذٰلِكَ يُدْعَى المُؤْمِنُونَ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ، الَّذِي يَقُودُهُمْ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ: “لِذٰلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، فَفِي السَّاعَةِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّعُونَهَا يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (مَتَّى 24: 44). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ التَّوَازِيَ بَيْنَ تَهْيِئَةِ المَصَابِيحِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْفِصْحِ هُوَ تَطْبِيقٌ رُوحِيٌّ، وَلَيْسَ إِشَارَةً صَرِيحَةً فِي مَتَّى 25: 7 إِلَى طُقُوسِ الفِصْحِ اليَهُودِيِّ. يَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ َالعَذَارَى جَمِيعًا حَمَلْنَ مَصَابِيحَ، وَجَمِيعًا نَهَضْنَ لِتَهْيِئَتِهَا، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الحَاسِمَ كَانَ فِي امْتِلَاكِ الزَّيْتِ، الَّذِي يَرْبِطُهُ أُوغُسْطِينُوسُ بِالمَحَبَّةِ وَاسْتِقَامَةِ النِّيَّةِ وَشَهَادَةِ الضَّمِيرِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَإِنَّ تَهْيِئَةَ المِصْبَاحِ لَا تَكْفِي إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ زَيْتٌ يُغَذِّي نُورَهُ؛ أَيْ إِنَّ المُمَارَسَاتِ الدِّينِيَّةَ لَا تُحَقِّقُ غَايَتَهَا الرُّوحِيَّةَ إِذَا انْفَصَلَتْ عَنِ المَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ (PL 38). وَيَتَكَامَلُ هٰذَا التَّفْسِيرُ مَعَ تَعْلِيمِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الفَمِ، الَّذِي يُؤَكِّدُ أَهَمِّيَّةَ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَنَّ الفَضَائِلَ الشَّخْصِيَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْ خِدْمَةِ القَرِيبِ (PG 58). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ النُّهُوضَ وَتَهْيِئَةَ المَصَابِيحِ يُذَكِّرَانِ بِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ الحَقِيقِيَّ لِلِقَاءِ المَسِيحِ يَتَطَلَّبُ إِيمَانًا حَيًّا تُغَذِّيهِ المَحَبَّةُ وَتُثْبِتُهُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ.
تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالَةِ النَّوْمِ وَالِانْتِظَارِ إِلَى حَالَةِ اليَقَظَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمُلَاقَاةِ العَرِيسِ. فَبَعْدَ أَنْ دَوَّى النِّدَاءُ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، نَهَضَتِ العَذَارَى العَشْرُ جَمِيعًا، وَبَادَرْنَ إِلَى تَهْيِئَةِ مَصَابِيحِهِنَّ لِاسْتِقْبَالِ العَرِيسِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّصَرُّفَ المُشْتَرَكَ سَيَكْشِفُ عَنْ فَرْقٍ جَوْهَرِيٍّ بَيْنَ العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ؛ فَالأُولَيَاتُ كُنَّ مُسْتَعِدَّاتٍ مُسْبَقًا، أَمَّا الأُخْرَيَاتُ فَسَيَكْتَشِفْنَ أَنَّ اسْتِعْدَادَهُنَّ كَانَ نَاقِصًا. تَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى اليَقَظَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالمُرَاجَعَةِ الدَّائِمَةِ لِحَيَاتِنَا أَمَامَ اللهِ، لِكَيْ لَا نَكْتَشِفَ عِنْدَ سَاعَةِ اللِّقَاءِ أَنَّ مَصَابِيحَنَا تَفْتَقِرُ إِلَى زَيْتِ المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ.
- “فَقَالَتِ الجَاهِلَاتُ لِلْعَاقِلَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ، فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ”
تشير عبارة “فَقَالَتِ الجَاهِلَاتُ لِلْعَاقِلَاتِ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: αἱ δὲ μωραὶ ταῖς φρονίμοις εἶπαν الى المُقَابَلَةُ بَيْنَ الحِكْمَةِ وَالجَهْلِ الرُّوحِيِّ. وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ المُقَابَلَةُ تَعْلِيمَ يَسُوعَ فِي خَاتِمَةِ العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ، حَيْثُ يُشَبِّهُ الإِنْسَانَ الَّذِي يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَيَعْمَلُ بِهِ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ (مَتَّى 7: 24)، بَيْنَمَا يُشَبِّهُ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ (مَتَّى 7: 26). وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا التَّوَازِي فِي أَنَّ الإِنْجِيلِيَّ مَتَّى يَسْتَعْمِلُ فِي المَوْضِعَيْنِ اللَّفْظَيْنِ اليُونَانِيَّيْنِ نَفْسَيْهِمَا: العاقلات φρόνιμος وَالجاهلات μωρός، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الحِكْمَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ اسْتِجَابَةٌ عَمَلِيَّةٌ لِكَلِمَةِ اللهِ. فَكَمَا أَنَّ البَيْتَ المَبْنِيَّ عَلَى الصَّخْرِ يَثْبُتُ أَمَامَ العَوَاصِفِ، كَذٰلِكَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَبْنِي حَيَاتَهُ عَلَى الإِيمَانِ العَامِلِ بِالمَحَبَّةِ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ الرَّبِّ. وَكَمَا أَنَّ البَيْتَ المَبْنِيَّ عَلَى الرَّمْلِ يَنْهَارُ عِنْدَ الِامْتِحَانِ، كَذٰلِكَ الإِيمَانُ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى الجُذُورِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَظْهَرُ ضَعْفُهُ عِنْدَ سَاعَةِ اللِّقَاءِ. وَهٰكَذَا، فَإِنَّ جَهْلَ العَذَارَى لَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الذَّكَاءِ، بَلْ عَلَى غِيَابِ الحِكْمَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الِاسْتِعْدَادِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ “أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: δότε ἡμῖν ἐκ τοῦ ἐλαίου ὑμῶν لتشير الى حُدُودُ الِاسْتِعْدَادِ المُسْتَعَارِ. إذ َيَكْشِفُ هٰذَا الطَّلَبُ أَنَّ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ لَمْ يُدْرِكْنَ نَقْصَ اسْتِعْدَادِهِنَّ إِلَّا عِنْدَمَا حَانَ وَقْتُ اسْتِقْبَالِ العَرِيسِ. وَفِي المَعْنَى الحَرْفِيِّ، تَطْلُبُ الجَاهِلَاتُ مُشَارَكَةَ الزَّيْتِ لِكَيْ تَسْتَمِرَّ مَصَابِيحُهُنَّ فِي الإِضَاءَةِ. أَمَّا فِي المَعْنَى الرُّوحِيِّ، فَيَرْمُزُ هٰذَا الطَّلَبُ إِلَى مُحَاوَلَةِ تَعْوِيضِ نَقْصِ الِاسْتِعْدَادِ الشَّخْصِيِّ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى اسْتِعْدَادِ الآخَرِينَ. وَهُنَا يَبْرُزُ مَبْدَأٌ لَاهُوتِيٌّ مُهِمٌّ، وَهُوَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ صَلَوَاتِ الآخَرِينَ وَشَهَادَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَعِيرَ مِنْهُمْ اسْتِجَابَتَهُمُ الشَّخْصِيَّةَ لِنِعْمَةِ اللهِ أَوْ أَمَانَتَهُمْ لَهُ. فَالإِيمَانُ يَنْشَأُ وَيَنْمُو فِي شَرِكَةِ الكَنِيسَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَتَطَلَّبُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ اسْتِجَابَةً شَخْصِيَّةً حُرَّةً وَمَسْؤُولَةً. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ قَوْلِ الرَّسُولِ بُولُسَ: “فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ” (رُومِيَة 14: 12). وَكَذٰلِكَ يَقُولُ: “لِأَنَّنَا جَمِيعًا لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الظُّهُورِ أَمَامَ مَحْكَمَةِ المَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ جَزَاءَ مَا صَنَعَ وَهُوَ فِي الجَسَدِ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا” (2 قُورِنْتُس 5: 10).
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ “الزَّيْتَ”، فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، لَا يَرْمُزُ إِلَى مَادَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُهَا مِنْ إِنْسَانٍ إِلَى آخَرَ، بَلْ إِلَى الحَيَاةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ الَّتِي يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَنْمُوَ فِيهَا. وَلَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَنْتَهِي أَوْ أَنَّ رَحْمَتَهُ تَتَوَقَّفُ، بَلْ إِنَّ المَثَلَ يُؤَكِّدُ أَنَّ زَمَنَ الحَيَاةِ الأَرْضِيَّةِ هُوَ زَمَنُ الِاسْتِجَابَةِ لِلنِّعْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَأَنَّ سَاعَةَ الدَّيْنُونَةِ تَكْشِفُ حَقِيقَةَ هٰذِهِ الِاسْتِجَابَةِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ “فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ὅτι αἱ λαμπάδες ἡμῶν σβέννυνται وَتَعْنِي: “لِأَنَّ مَصَابِيحَنَا آخِذَةٌ فِي الِانْطِفَاءِ”. وَيَرِدُ الفِعْلُ σβέννυντ) مِنَ الفِعْلِ σβέννυμι، وَمَعْنَاهُ “أَطْفَأَ” أَوْ “انْطَفَأَ”. وَفِي المَعْنَى الرُّوحِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ انْطِفَاءُ المَصَابِيحِ إِلَى انْكِشَافِ ضَعْفِ الإِيمَانِ الَّذِي لَا تُغَذِّيهِ المَحَبَّةُ وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. فَالمِصْبَاحُ قَدْ يَبْدُو مُضِيئًا لِفَتْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْرَارَ فِي الإِضَاءَةِ إِذَا نَفِدَ زَيْتُهُ. وَكَذٰلِكَ الحَيَاةُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي تَقْتَصِرُ عَلَى المَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ، دُونَ مَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَنِيَّةٍ نَقِيَّةٍ، تَفْقِدُ مَعْنَاهَا الرُّوحِيَّ عِنْدَ الِامْتِحَانِ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَوْلَوِيَّةَ المَحَبَّةِ فِي الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، إِذْ يَقُولُ: “وَلَوْ كَانَ لِي الإِيمَانُ الكَامِلُ حَتَّى أَنْقُلَ الجِبَالَ، وَلَمْ تَكُنْ لِي المَحَبَّةُ، فَمَا أَنَا بِشَيْءٍ” (1 قُورِنْتُس 13: 2). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ المِصْبَاحَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى الزَّيْتِ يُصْبِحُ صُورَةً لِلْإِيمَانِ الَّذِي لَا يَتَجَسَّدُ فِي المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالأَمَانَةِ. ويعلق القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ “إِنَّ مَصَابِيحَ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ تَنْطَفِئُ، لِأَنَّ أَعْمَالَهُنَّ، الَّتِي كَانَتْ تَبْدُو مُشْرِقَةً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، تَظْهَرُ بِغَيْرِ نُورٍ دَاخِلِيٍّ عِنْدَ مَجِيءِ الدَّيَّانِ؛ فَلَا يَنَلْنَ مِنَ اللهِ مُكَافَأَةً عَلَى أَعْمَالٍ كُنَّ قَدِ الْتَمَسْنَ مِنْ خِلَالِهَا مَجْدَ النَّاسِ وَمَدِيحَهُمْ”. (العِظَةُ 12؛ PL 76). وَيُوَضِّحُ غِرِيغُورِيُوسُ أَنَّ خَطَرَ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ لَا يَكْمُنُ فِي غِيَابِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي فَسَادِ النِّيَّةِ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا هٰذِهِ الأَعْمَالُ. وَيَتَكَامَلُ هٰذَا التَّفْسِيرُ مَعَ تَعْلِيمِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الفَمِ، الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ المَسِيحِ يَتَطَلَّبُ أَعْمَالَ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالفَضَائِلِ الخَارِجِيَّةِ أَوِ المُمَارَسَاتِ النُّسْكِيَّةِ (العِظَةُ 78؛ PG 58). وَبِذٰلِكَ، يَكْشِفُ التَّفْسِيرُ الآبَائِيُّ عَنْ بُعْدَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ لِزَيْتِ المَصَابِيحِ: المَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ، وَنَقَاوَةِ النِّيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ هٰذِهِ الأَعْمَالَ مَقْبُولَةً أَمَامَ اللهِ. تُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ العَذَارَى العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ لَا يَكْمُنُ فِي امْتِلَاكِ المَصَابِيحِ، بَلْ فِي تَوَفُّرِ الزَّيْتِ اللَّازِمِ لِاسْتِمْرَارِ إِضَاءَتِهَا. وَالرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَارَتُهُ مِنَ الآخَرِينَ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَبْدُوَ مُضِيئًا أَمَامَ النَّاسِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَجَذِّرًا فِي القَلْبِ وَمُثْمِرًا فِي المَحَبَّةِ؛ فَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَلْتَقِيَ المَسِيحَ بِنُورِ الإِيمَانِ، عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ فِي حَيَاتِهِ زَيْتَ المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ.
تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الحِكْمَةَ لَا تَكْمُنُ فِي مُجَرَّدِ حَمْلِ المِصْبَاحِ، بَلْ فِي تَوَفُّرِ الزَّيْتِ اللَّازِمِ لِاسْتِمْرَارِ إِضَاءَتِهِ. وَفِي القِرَاءَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، يَرْمُزُ هٰذَا الفَرْقُ إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الإِيمَانِ الظَّاهِرِيِّ وَالإِيمَانِ الحَيِّ الَّذِي تُغَذِّيهِ المَحَبَّةُ وَتُثْبِتُهُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ.
- “فَأَجَابَتِ العَاقِلَاتُ: لَعَلَّهُ غَيْرُ كَافٍ لَنَا وَلَكُنَّ، فَالأَوْلَى أَنْ تَذْهَبْنَ إِلَى البَاعَةِ وَتَشْتَرِينَ لَكُنَّ”
تَرِدُ العبارة “لَعَلَّهُ غَيْرُ كَافٍ لَنَا وَلَكُنَّ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: μήποτε οὐ μὴ ἀρκέσῃ ἡμῖν καὶ ὑμῖν وَيُفِيدُ المَعْنَى: “لِئَلَّا يَكُونَ الزَّيْتُ غَيْرَ كَافٍ لَنَا وَلَكُنَّ” وَيَرِدُ الفِعْلُ ἀρκέω بِمَعْنَى “كَفَى” أَوْ “كَانَ كَافِيًا”. وَتُشِيرُ العِبَارَةُ، فِي مَعْنَاهَا الحَرْفِيِّ، إِلَى أَنَّ تَقْسِيمَ الزَّيْتِ بَيْنَ العَذَارَى قَدْ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ كِفَايَتِهِ لِلْجَمِيعِ، فَتَنْطَفِئُ المَصَابِيحُ قَبْلَ اكْتِمَالِ اسْتِقْبَالِ العَرِيسِ. أَمَّا فِي المَعْنَى الرُّوحِيِّ، فَتُشِيرُ هٰذِهِ العِبَارَةُ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَسْؤُولِيَّةً شَخْصِيَّةً عَنْ حَيَاتِهِ أَمَامَ اللهِ وَاسْتِعْدَادِهِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ. فَلَا يَسْتَطِيعُ المُؤْمِنُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى إِيمَانِ الآخَرِينَ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، مُهْمِلًا تَوْبَتَهُ وَأَمَانَتَهُ وَاسْتِجَابَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ لِنِعْمَةِ اللهِ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هٰذِهِ الحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُؤَدِّي إِذًا عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ” (رُومِيَة 14: 12). وَلٰكِنَّ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ لَا تُلْغِي شَرِكَةَ المُؤْمِنِينَ أَوْ قِيمَةَ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الآخَرِينَ، بَلْ تُؤَكِّدُ أَنَّ الشَّرِكَةَ الكَنَسِيَّةَ لَا تَحُلُّ مَحَلَّ الِاسْتِجَابَةِ الحُرَّةِ وَالشَّخْصِيَّةِ لِدَعْوَةِ اللهِ. فَكُلُّ إِنْسَانٍ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَبْنِيَ حَيَاتَهُ عَلَى الإِيمَانِ العَامِلِ بِالمَحَبَّةِ، وَأَنْ يُعِدَّ قَلْبَهُ لِلِقَاءِ المَسِيحِ، دُونَ أَنْ يُفَوِّضَ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ إِلَى غَيْرِهِ.
تَرِدُ عِبَارَةُ “إِلَى البَاعَةِ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: πρὸς τοὺς πωλοῦντας، وَتَعْنِي: “إِلَى الَّذِينَ يَبِيعُونَ”. وَفِي السِّيَاقِ السَّرْدِيِّ، تُشِيرُ العِبَارَةُ إِلَى البَاعَةِ الَّذِينَ يُمْكِنُ شِرَاءُ الزَّيْتِ مِنْهُمْ. غَيْرَ أَنَّ ذِكْرَ البَاعَةِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يُبْرِزُ صُعُوبَةَ تَدَارُكِ نَقْصِ الِاسْتِعْدَادِ فِي سَاعَةٍ حَرِجَةٍ. أَمَّا فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ تَوْجِيهُ العَاقِلَاتِ لِلْجَاهِلَاتِ نَحْوَ البَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى ضَرُورَةِ السَّعْيِ الشَّخْصِيِّ لِاقْتِنَاءِ مَا يَلْزَمُ لِلْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَتَّضِحُ أَنَّ المَشْكِلَةَ الأَسَاسِيَّةَ لَيْسَتْ فِي غِيَابِ مَصْدَرِ الزَّيْتِ، بَلْ فِي تَأْخِيرِ الِاسْتِعْدَادِ إِلَى مَا بَعْدَ وُصُولِ العَرِيسِ. وَهُنَا يَبْرُزُ البُعْدُ الإِسْكَاتُولُوجِيُّ لِلْمَثَلِ، إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ زَمَنَ الحَيَاةِ الأَرْضِيَّةِ هُوَ زَمَنُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لِنِعْمَةِ اللهِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ مَدْعُوٌّ إِلَى اسْتِثْمَارِ هٰذَا الزَّمَنِ فِي النُّمُوِّ الرُّوحِيِّ وَأَعْمَالِ المَحَبَّةِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ “وَتَشْتَرِينَ لَكُنَّ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: καὶ ἀγοράσατε ἑαυταῖς وَتَعْنِي: “وَاشْتَرِينَ لِأَنْفُسِكُنَّ”. وَيَرِدُ الفِعْلُ ἀγοράζω بِمَعْنَى “اشْتَرَى” أَوِ “اقْتَنَى”. وَفِي المَعْنَى الحَرْفِيِّ، تُطَالَبُ العَذَارَى الجَاهِلَاتُ بِالذَّهَابِ لِشِرَاءِ الزَّيْتِ الَّذِي يَنْقُصُهُنَّ. أَمَّا فِي المَعْنَى الرُّوحِيِّ، فَيُشِيرُ الفِعْلُ إِلَى ضَرُورَةِ السَّعْيِ الجَادِّ لِلِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا التَّعْبِيرِ صَدًى لِلدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي سِفْرِ إِشَعْيَاءَ: “أَيُّهَا العِطَاشُ جَمِيعًا، هَلُمُّوا إِلَى المِيَاهِ، وَالَّذِينَ لَا فِضَّةَ لَهُمْ، هَلُمُّوا اشْتَرُوا وَكُلُوا، هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِغَيْرِ فِضَّةٍ وَلَا ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا” (إِشَعْيَاء 55: 1). وَيَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ أَنَّ عَطَايَا اللهِ الخَلَاصِيَّةَ تُقَدَّمُ مَجَّانًا، وَلَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهَا بِالمَالِ أَوِ اسْتِحْقَاقُهَا بِالجُهْدِ البَشَرِيِّ وَحْدَهُ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَنَّ الخَلَاصَ هِبَةٌ إِلٰهِيَّةٌ، إِذْ يَقُولُ: “فَبِالنِّعْمَةِ نِلْتُمُ الخَلَاصَ بِالإِيمَانِ، وَمَا ذٰلِكَ مِنْ عِنْدِكُمْ، بَلْ هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ” (أَفَسُس 2: 8). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ فِعْلِ “اشْتَرِينَ” فِي المَثَلِ لَا يَعْنِي أَنَّ النِّعْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ تُبَاعُ أَوْ تُشْتَرَى، بَلْ يُبْرِزُ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ الرُّوحِيَّ يَتَطَلَّبُ اسْتِجَابَةً شَخْصِيَّةً وَمُثَابَرَةً وَأَمَانَةً. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ الزَّيْتَ الرُّوحِيَّ لَيْسَ شَيْئًا يُحَصَّلُ عَلَيْهِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ بِمُجَرَّدِ الرَّغْبَةِ، بَلْ هُوَ صُورَةٌ لِحَيَاةٍ تَنْضَجُ بِفِعْلِ النِّعْمَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا. يُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أنَّ نَقْصَ الزَّيْتِ صُورَةً لِنَقْصِ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُثْمِرَ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ قَبْلَ سَاعَةِ الدَّيْنُونَةِ (العِظَةُ 78؛ PG 58). أَمَّا القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ، فَيَرْبِطُ الزَّيْتَ بِالحَيَاةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالضَّمِيرِ وَالمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَا يَحْمِلُهُ الإِنْسَانُ فِي دَاخِلِهِ مِنْ أَمَانَةٍ لِلَّهِ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ بِمَظَاهِرِ التَّقْوَى الخَارِجِيَّةِ (PL 38). وَيَتَّفِقُ هٰذَانِ التَّفْسِيرَانِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ المَسِيحِ يَتَطَلَّبُ حَيَاةً رُوحِيَّةً حَقِيقِيَّةً، لَا مُجَرَّدَ انْتِمَاءٍ خَارِجِيٍّ أَوْ مُشَارَكَةٍ شَكْلِيَّةٍ فِي الحَيَاةِ الدِّينِيَّةِ.
تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ بُعْدًا أَسَاسِيًّا مِنْ أَبْعَادِ مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، وَهُوَ المَسْؤُولِيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ. والرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ المَسِيحِيَّ لَا يُدْعَى إِلَى أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا بِالِاسْمِ فَحَسْبُ، بَلْ تِلْمِيذًا مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ الرَّبِّ؛ فَالزَّيْتُ الَّذِي نَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ سَاعَةِ اللِّقَاءِ يَنْبَغِي أَنْ نُعِدَّهُ مُنْذُ الآنَ، بِالِاسْتِجَابَةِ لِنِعْمَةِ اللهِ وَالثَّبَاتِ فِي المَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. يَكْشِفُ الزَّيْتَ المَوْجُودَ عَنْ حَقِيقَةٍ رُوحِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الإِيمَانَ وَالمَحَبَّةَ وَالأَمَانَةَ لِلَّهِ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهَا فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى اسْتِعْدَادِ الآخَرِينَ.
- “وَبَيْنَمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَشْتَرِينَ، وَصَلَ العَرِيسُ، فَدَخَلَتْ مَعَهُ المُسْتَعِدَّاتُ إِلَى رَدْهَةِ العُرْسِ، وَأُغْلِقَ البَابُ”
تشير العِبَارَةُ ” وَبَيْنَمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَشْتَرِينَ ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ἀπερχομένων δὲ αὐτῶν ἀγοράσαι أَيْ “وَبَيْنَمَا كُنَّ ذَاهِبَاتٍ لِلشِّرَاءِ” إلى خَطَرُ الِاسْتِعْدَادِ المُتَأَخِّرِ، وَتُبْرِزُ هٰذِهِ العِبَارَةُ المُفَارَقَةَ الأَسَاسِيَّةَ فِي المَثَلِ؛ فَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي فِيهَا لِلْعَذَارَى أَنْ يَكُنَّ حَاضِرَاتٍ لِاسْتِقْبَالِ العَرِيسِ، كَانَتِ الجَاهِلَاتُ غَائِبَاتٍ لِشِرَاءِ الزَّيْتِ. وَلَا يَكْمُنُ خَطَؤُهُنَّ فِي مُحَاوَلَةِ شِرَاءِ الزَّيْتِ بِذَاتِهَا، بَلْ فِي أَنَّهُنَّ أَجَّلْنَ الِاسْتِعْدَادَ إِلَى وَقْتٍ لَمْ يَعُدْ فِيهِ مُمْكِنًا تَدَارُكُ النَّقْصِ دُونَ تَفْوِيتِ اللِّقَاءِ. وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، تَرْمُزُ هٰذِهِ المُحَاوَلَةُ المُتَأَخِّرَةُ إِلَى خَطَرِ تَأْجِيلِ التَّوْبَةِ وَتَجْدِيدِ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ، بِالِاعْتِمَادِ عَلَى أَنَّ أَمَامَ الإِنْسَانِ وَقْتًا طَوِيلًا لِلِاسْتِعْدَادِ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ تَحْذِيرِ يَسُوعَ: “لِذٰلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، فَفِي السَّاعَةِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّعُونَهَا يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (مَتَّى 24: 44).
تَرِدُ عِبَارَةُ “وَصَلَ العَرِيسُ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἦλθεν ὁ νυμφίος وَيَرِدُ الفِعْلُ ἦλθεν مِنَ الفِعْلِ اليُونَانِيِّ ἔρχομαι، الَّذِي يَعْنِي “أَتَى” أَوْ “جَاءَ” أَوْ “وَصَلَ”. وتشير الى حَتْمِيَّةُ المَجِيءِ الثَّانِي لِلْمَسِيحِ. وَيَكْتَسِبُ هٰذَا الفِعْلُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي خِطَابِ يَسُوعَ عَنِ الأُمُورِ الأَخِيرَةِ (مَتَّى 24–25)، حَيْثُ تَتَكَرَّرُ صِيَغُ المَجِيءِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ عَوْدَةِ ابْنِ الإِنْسَانِ وَمُحَاسَبَةِ البَشَرِ. وَمِنَ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذٰلِكَ: “يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (مَتَّى 24: 44)، وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ» (مَتَّى 25: 31). وَهُنَا تَتَجَلَّى الحَقِيقَةُ الإِسْكَاتُولُوجِيَّةُ الأَسَاسِيَّةُ: تَأَخُّرُ المَجِيءِ لَا يَعْنِي إِلْغَاءَهُ، وَجَهْلُ مَوْعِدِهِ لَا يُبَرِّرُ إِهْمَالَ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ.
تشير العِبَارَةُ “فَدَخَلَتْ مَعَهُ المُسْتَعِدَّاتُ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: καὶ αἱ ἕτοιμοι εἰσῆλθον μετ᾽ αὐτοῦ أَيْ: “وَدَخَلَتِ المُسْتَعِدَّاتُ مَعَهُ”. وتشير الى الشَّرِكَةُ الأَبَدِيَّةُ مَعَ المَسِيحِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ العِبَارَةِ فِي وَصْفِ العَذَارَى بِأَنَّهُنَّ “المُسْتَعِدَّاتُ” ἕτοιμοι، َهِيَ كَلِمَةٌ تُشِيرُ إِلَى الجَاهِزِيَّةِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلْحَدَثِ المُنْتَظَرِ. فالِاسْتِعْدَادُ هُوَ المِعْيَارُ الحَاسِمُ فِي المَثَلِ.
وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ “مَعَهُ” μετ᾽ αὐτοῦ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً، إِذْ تُشِيرُ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ المَسِيحِ، الَّتِي تُشَكِّلُ غَايَةَ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ صَلَاةِ يَسُوعَ إِلَى الآبِ: “يَا أَبَتِ، إِنَّ الَّذِينَ وَهَبْتَهُمْ لِي أُرِيدُ أَنْ يَكُونُوا مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا” (يُوحَنَّا 17: 24). وَكَذٰلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنِ المَجِيءِ الثَّانِي: “وَهٰكَذَا نَكُونُ مَعَ الرَّبِّ عَلَى الدَّوَامِ” (1 تَسَالُونِيقِي 4: 17). وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، تَرْمُزُ العَذَارَى العَاقِلَاتُ إِلَى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ بِالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ وَالرَّجَاءِ، وَيَتَجَاوَبُونَ مَعَ نِعْمَتِهِ فِي حَيَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَسْتَحْضِرَ هُنَا مَا يَقُولُهُ سِفْرُ الحِكْمَةِ عَنِ الحِكْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، “لِأَنَّ الَّذِينَ أَهْلٌ لَهَا هِيَ الَّتِي تَجُولُ فِي طَلَبِهِمْ، وَفِي سُبُلِهِمْ تَظْهَرُ لَهُمْ بِعَطْفٍ” (رَاجِعْ الحِكْمَة 6: 16). وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّوَازِي أَنَّ اللهَ لَا يَتْرُكُ الإِنْسَانَ وَحْدَهُ فِي مَسِيرَةِ الِاسْتِعْدَادِ، بَلْ تَسْبِقُهُ نِعْمَتُهُ وَتُرَافِقُهُ فِي طَرِيقِ الخَلَاصِ.
تَرِدُ عِبَارَةُ “إِلَى رَدْهَةِ العُرْسِ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: εἰς τοὺς γάμους وَتَعْنِي: “إِلَى العُرْسِ” أَوْ “إِلَى احْتِفَالِ الزَّفَافِ”. وَتُشِيرُ كَلِمَةُ γάμοι إِلَى العُرْسِ وَاحْتِفَالَاتِ الزَّوَاجِ، وَقَدْ تَرِدُ فِي صِيغَةِ الجَمْعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى وَلِيمَةِ العُرْسِ أَوِ احْتِفَالَاتِهِ. وَفِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ، كَانَتِ الِاحْتِفَالَاتُ بِالزَّوَاجِ قَدْ تَمْتَدُّ أَيَّامًا عِدَّةً، وَتُشَكِّلُ مُنَاسَبَةً لِلْفَرَحِ وَالشَّرِكَةِ وَالِاحْتِفَالِ الجَمَاعِيِّ. وَفِي السِّيَاقِ الإِنْجِيلِيِّ، تَتَّخِذُ وَلِيمَةُ العُرْسِ مَعْنًى لَاهُوتِيًّا، إِذْ تُصْبِحُ صُورَةً لِلْمَلَكُوتِ السَّمَاوِيِّ وَالفَرَحِ الأَبَدِيِّ مَعَ اللهِ. وَقَدْ اسْتَعْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ الصُّورَةَ فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ العُرْسِ، حَيْثُ شَبَّهَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ بِمَلِكٍ أَقَامَ عُرْسًا لِابْنِهِ (مَتَّى 22: 1–14). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الصُّورَةُ كَمَالَهَا فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، حَيْثُ يُعْلَنُ فَرَحُ عُرْسِ الحَمَلِ: “طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسِ الحَمَلِ” (رُؤْيَا 19: 9). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الدُّخُولَ إِلَى العُرْسِ يَرْمُزُ إِلَى المُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الخَلَاصِ وَالشَّرِكَةِ الأَبَدِيَّةِ مَعَ المَسِيحِ. وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ كِبْرِيَانُوسُ القَرْطَاجِيُّ عَنْ مَرْكَزِيَّةِ المَسِيحِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، إِذْ يَرَى أَنَّ المَسِيحَ نَفْسَهُ هُوَ المَلَكُوتُ الَّذِي نَشْتَاقُ إِلَى مَجِيئِهِ، لِأَنَّ حُضُورَهُ هُوَ كَمَالُ الخَلَاصِ وَغَايَةُ الرَّجَاءِ المَسِيحِيِّ (كِبْرِيَانُوسُ، De dominica oratione، 13). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّعْلِيمُ مَعَ مَعْنَى العُرْسِ فِي المَثَلِ؛ فَالفَرَحُ الحَقِيقِيُّ لَا يَقُومُ فِي مُجَرَّدِ الدُّخُولِ إِلَى مَكَانٍ، بَلْ فِي الِاتِّحَادِ بِالمَسِيحِ وَالمُشَارَكَةِ فِي حَيَاتِهِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ ” وَأُغْلِقَ البَابُ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: καὶ ἐκλείσθη ἡ θύρα وَتَعْنِي: “وَأُغْلِقَ البَابُ”. وَيَرِدُ الفِعْلُ ἐκλείσθη مِنَ الفِعْلِ κλείω، وَمَعْنَاهُ “أَغْلَقَ”. وَتُشِيرُ صِيغَةُ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ إِلَى أَنَّ البَابَ أُغْلِقَ بَعْدَ دُخُولِ المُسْتَعِدَّاتِ، دُونَ أَنْ يُحَدِّدَ النَّصُّ مَنْ قَامَ بِإِغْلَاقِهِ. وَفِي المَعْنَى السَّرْدِيِّ، يُعْلِنُ إِغْلَاقُ البَابِ انْتِهَاءَ القَرَارِ وَزَمَنِ الِاسْتِعْدَادِ وانْتِهَاءَ فُرْصَةِ الدُّخُولِ إِلَى وَلِيمَةِ العُرْسِ. أَمَّا فِي المَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ، فَيَرْمُزُ إِلَى نِهَائِيَّةِ الدَّيْنُونَةِ وَانْكِشَافِ مَصِيرِ الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ البَابِ المُغْلَقِ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا: “مَتَى قَامَ رَبُّ البَيْتِ وَأَغْلَقَ البَابَ، وَوَقَفْتُمْ أَنْتُمْ فِي الخَارِجِ تَقْرَعُونَ البَابَ” (لُوقَا 13: 25). وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّوَازِي أَنَّ فُرْصَةَ الِاسْتِعْدَادِ لَيْسَتْ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وَأَنَّ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَتَجَاوَبَ مَعَ دَعْوَةِ اللهِ فِي زَمَنِ حَيَاتِهِ. وَفِي التَّقْلِيدِ المَسِيحِيِّ، يُفْهَمُ المَوْتُ عَلَى أَنَّهُ نِهَايَةُ زَمَنِ الِاخْتِيَارِ الأَرْضِيِّ، حَيْثُ يَمْثُلُ الإِنْسَانُ أَمَامَ اللهِ فِي الدَّيْنُونَةِ الخَاصَّةِ، فِي حِينِ تَكْشِفُ الدَّيْنُونَةُ العَامَّةُ عِنْدَ مَجِيءِ المَسِيحِ الثَّانِي عَنْ اكْتِمَالِ التَّارِيخِ وَمَصِيرِ البَشَرِيَّةِ (رَاجِعْ التَّعْلِيمَ المَسِيحِيَّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 1021–1022، 1038–1041). وَلٰكِنَّ هٰذَا التَّعْلِيمَ لَا يَعْنِي أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ مَحْدُودَةٌ أَوْ أَنَّهُ يَرْفُضُ التَّائِبَ الصَّادِقَ؛ فَالمَثَلُ لَا يَدِينُ التَّوْبَةَ المُتَأَخِّرَةَ بِذَاتِهَا، بَلْ يُحَذِّرُ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى إِمْكَانِيَّةِ تَأْجِيلِهَا دُونَ حَدٍّ.
يَتَّخِذُ “البَابُ” رَمْزُ المَسِيحُ طَرِيقُ الخَلَاصِ وَمَدْخَلُ الحَيَاةِ، إِذْ يَرْتَبِطُ بِالدُّخُولِ إِلَى الخَلَاصِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ عَنْ نَفْسِهِ قَائِلًا: “أَنَا البَابُ، فَمَنْ دَخَلَ مِنِّي يَخْلُصُ، يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى” (يُوحَنَّا 10: 9). وَيُؤَكِّدُ سِفْرُ الرُّؤْيَا سُلْطَانَ المَسِيحِ عَلَى الدُّخُولِ وَالإِغْلَاقِ، إِذْ يَصِفُهُ بِأَنَّهُ “الَّذِي يَفْتَحُ فَلَا أَحَدَ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ فَلَا أَحَدَ يَفْتَحُ” (رُؤْيَا 3: 7). وَيُشِيرُ هٰذَا التَّعْبِيرُ إِلَى سُلْطَانِ المَسِيحِ السَّيِّدِ عَلَى مَصِيرِ الإِنْسَانِ وَتَحَقُّقِ الخَلَاصِ. وَفِي التَّقْلِيدِ الرُّوحِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى هٰذَا البَابُ “بَابَ الرَّحْمَةِ” وَ”بَابَ الرَّجَاءِ” وَ”بَابَ الخَلَاصِ”، لِأَنَّ المَسِيحَ يَدْعُو جَمِيعَ البَشَرِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالدُّخُولِ فِي شَرِكَةِ حَيَاتِهِ. يُؤَكِّدُ التَّقْلِيدُ الآبَائِيُّ أَنَّ إِغْلَاقَ البَابِ فِي مَثَلِ العَذَارَى يَحْمِلُ تَحْذِيرًا جَادًّا مِنَ الإِهْمَالِ الرُّوحِيِّ وَتَأْجِيلِ التَّوْبَةِ. ويُعلق القِدِّيسِ ثِيُودُورُسَ الأُسْتُودِيُّ: “يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُرَوِّضَهَا عَلَى التَّوْبَةِ وَالنَّقَاوَةِ وَالِاسْتِنَارَةِ، لِئَلَّا يَأْتِيَهُ المَوْتُ فَيَجِدَ بَابَ الِاسْتِعْدَادِ قَدْ أُغْلِقَ أَمَامَهُ”.
تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ الذُّرْوَةَ الدَّرَامِيَّةَ وَاللَّاهُوتِيَّةَ فِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، إِذْ تَتَحَقَّقُ اللَّحْظَةُ الَّتِي كَانَتْ جَمِيعُ العَذَارَى يَنْتَظِرْنَهَا: مَجِيءُ العَرِيسِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا المَجِيءَ يَكْشِفُ عَنْ مَصِيرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ فَالعَذَارَى المُسْتَعِدَّاتُ يَدْخُلْنَ مَعَ العَرِيسِ إِلَى وَلِيمَةِ العُرْسِ، أَمَّا الجَاهِلَاتُ فَيَكُنَّ غَائِبَاتٍ فِي مُحَاوَلَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ لِتَدَارُكِ نَقْصِ الزَّيْتِ. وَالرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ المَسِيحَ لَا يَدْعُونَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَوْعِدِ مَجِيئِهِ، بَلْ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لَهُ مُنْذُ الآنَ؛ فَالحِكْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ نَعِيشَ كُلَّ يَوْمٍ فِي نُورِ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ، لِكَيْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِلدُّخُولِ مَعَ العَرِيسِ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِهِ الأَبَدِيِّ. وَتَحْمِلُ الآيَةُ رِسَالَةً إِسْكَاتُولُوجِيَّةً جَوْهَرِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ أَمْرٌ مُؤَكَّدٌ، وَإِنْ ظَلَّ مَوْعِدُهُ مَجْهُولًا، وَأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلِقَائِهِ يَجِبُ أَنْ يَسْبِقَ سَاعَةَ وُصُولِهِ.
- “وَجَاءَتْ آخِرَ الأَمْرِ سَائِرُ العَذَارَى فَقُلْنَ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، افْتَحْ لَنَا”
تشير العِبَارَةُ ” وَجَاءَتْ آخِرَ الأَمْرِ سَائِرُ العَذَارَى ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ὕστερον δὲ ἔρχονται καὶ αἱ λοιπαὶ παρθένοι وَتَعْنِي العِبَارَةُ: “ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذٰلِكَ سَائِرُ العَذَارَى”. وَتَرِدُ كَلِمَةُ ὕστερον بِمَعْنَى “بَعْدَ ذٰلِكَ” أَوْ “فِيمَا بَعْدُ”، وَهِيَ تُبْرِزُ التَّأَخُّرَ الزَّمَنِيَّ الَّذِي أَدَّى إِلَى فَوَاتِ فُرْصَةِ الدُّخُولِ.
أَمَّا العِبَارَةُ “بَقِيَّةَ العَذَارَى“، αἱ λοιπαὶ παρθένοι فيُقْصَدُ بِهَا العَذَارَى الجَاهِلَاتُ الَّلَاتِي ذَهَبْنَ لِشِرَاءِ الزَّيْتِ. وَيَسْتَعْمِلُ الإِنْجِيلِيُّ الفِعْلَ “وَجَاءَتْ” ἔρχονται، وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ يُؤَدِّي وَظِيفَةَ المُضَارِعِ التَّارِيخِيِّ، فَيَمْنَحُ السَّرْدَ حَيَوِيَّةً وَيَجْعَلُ الحَدَثَ كَأَنَّهُ يَجْرِي أَمَامَ القَارِئِ. وَفِي السِّيَاقِ اللَّاهُوتِيِّ، يُشِيرُ مَجِيءُ العَذَارَى المُتَأَخِّرَاتِ إِلَى خَطَرِ تَأْجِيلِ الِاسْتِعْدَادِ الرُّوحِيِّ إِلَى اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ. فَلَمْ يَكُنِ الخَطَأُ فِي رَغْبَتِهِنَّ فِي المُشَارَكَةِ فِي العُرْسِ، بَلْ فِي أَنَّهُنَّ لَمْ يَتَهَيَّأْنَ لَهُ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ. وَهٰكَذَا، يَتَّضِحُ أَنَّ المَثَلَ لَا يُرَكِّزُ عَلَى مُجَرَّدِ الرَّغْبَةِ فِي الخَلَاصِ، بَلْ عَلَى ضَرُورَةِ الِاسْتِجَابَةِ العَمَلِيَّةِ لِدَعْوَةِ اللهِ فِي زَمَنِ الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ “يَا رَبُّ، يَا رَبُّ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: κύριε κύριε ، وَتَرِدُ كَلِمَةُ κύριος بِمَعْنَى “السَّيِّدِ” أَوْ “الرَّبِّ”، وَتَكْتَسِبُ فِي السِّيَاقِ المَسِيحِيِّ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً تَرْتَبِطُ بِسِيَادَةِ يَسُوعَ المَسِيحِ وَسُلْطَانِهِ. وَيَدُلُّ تَكْرَارُ النِّدَاءِ «يَا رَبُّ، يَا رَبُّ» عَلَى الإِلْحَاحِ وَالرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ فِي الدُّخُولِ، وَلٰكِنَّهُ يَسْتَحْضِرُ أَيْضًا تَعْلِيمَ يَسُوعَ فِي العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ: «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مَتَّى 7: 21). فبهذا العبارة تدل على الِاعْتِرَافِ اللَّفْظِيِّ وَالطَّاعَةِ العَمَلِيَّةِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا التَّوَازِي فِي أَنَّ الإِنْجِيلِيَّ مَتَّى يَسْتَعْمِلُ النِّدَاءَ نَفْسَهُ فِي المَوْضِعَيْنِ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الِانْتِمَاءَ الظَّاهِرِيَّ إِلَى جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ، أَوِ الِاعْتِرَافَ اللَّفْظِيَّ بِسِيَادَةِ المَسِيحِ، لَا يَحُلُّ مَحَلَّ الطَّاعَةِ لِمَشِيئَةِ اللهِ. فَالعَذَارَى الجَاهِلَاتُ يَعْرِفْنَ كَيْفَ يُنَادِينَ العَرِيسَ، وَلٰكِنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ مُسْتَعِدَّاتٍ لِاسْتِقْبَالِهِ. وَهٰكَذَا، يُمَيِّزُ المَثَلُ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ بِاللِّسَانِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ.
تشير العِبَارَةُ “افْتَحْ لَنَا” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ἄνοιξον ἡμῖν ، الى طَلَبُ الدُّخُولِ بَعْدَ إِغْلَاقِ البَابِ. وَيَرِدُ الفِعْلُ ἄνοιξον بِصِيغَةِ الأَمْرِ، مِنَ الفِعْلِ ἀνοίγω ، الَّذِي يَعْنِي “فَتَحَ”. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الصَّرْخَةُ عَنْ مَأْزِقِ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ، إِذْ يَطْلُبْنَ الدُّخُولَ بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَ البَابُ وَانْتَهَتْ فُرْصَةُ المُشَارَكَةِ فِي مَوْكِبِ العُرْسِ. وَيَجِدُ هٰذَا المَشْهَدُ مُوَازَاةً وَاضِحَةً فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ البَابِ الضَّيِّقِ، حَيْثُ يَقُولُ: “وَإِذَا قَامَ رَبُّ البَيْتِ وَأَقْفَلَ البَابَ، فَوَقَفْتُمْ فِي خَارِجِهِ وَأَخَذْتُمْ تَقْرَعُونَ البَابَ وَتَقُولُونَ: يَا رَبُّ، افْتَحْ لَنَا، فَيُجِيبُكُمْ: لَا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ” (لُوقَا 13: 25). وَيُضِيفُ يَسُوعُ أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا خَارِجًا سَيَحْتَجُّونَ بِمَعْرِفَتِهِمُ السَّابِقَةِ بِهِ، قَائِلِينَ إِنَّهُمْ أَكَلُوا وَشَرِبُوا أَمَامَهُ، وَإِنَّهُ عَلَّمَ فِي سَاحَاتِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ المَعْرِفَةَ الخَارِجِيَّةَ لَا تَكْفِي لِتَبْرِيرِهِمْ (لُوقَا 13: 26–27). وَتَتَّضِحُ مِنْ هٰذِهِ المُقَارَنَةِ ثَلَاثُ حَقَائِقَ لَاهُوتِيَّةٍ مُتَرَابِطَةٍ:
- إِنَّ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ وَالِانْتِمَاءَ الظَّاهِرِيَّ إِلَى جَمَاعَتِهِ لَا يَكْفِيَانِ دُونَ التَّوْبَةِ وَالعَمَلِ بِمَشِيئَتِهِ.
- إِنَّ زَمَنَ الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ هُوَ زَمَنُ الِاسْتِعْدَادِ وَالِاسْتِجَابَةِ لِنِعْمَةِ اللهِ.
- إِنَّ الدَّيْنُونَةَ النِّهَائِيَّةَ تَكْشِفُ حَقِيقَةَ عَلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِاللهِ، وَلَا تَقُومُ عَلَى المُظَاهَرَةِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الِاعْتِرَافِ اللَّفْظِيِّ وَحْدَهُ.
يَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ، فِي مَثَلِ العَذَارَى تَحْذِيرًا مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى المَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ لِلْحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، دُونَ امْتِلَاكِ المَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ وَنَقَاوَةِ الضَّمِيرِ (PL 38). يَتَّضِحُ أَنَّ صَرْخَةَ “يَا رَبُّ، يَا رَبُّ” تَحْمِلُ تَحْذِيرًا مِنْ إِيمَانٍ يَقْتَصِرُ عَلَى الأَلْفَاظِ وَالمُمَارَسَاتِ الخَارِجِيَّةِ، دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ فِي المَسِيحِ.
تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ َالرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ هِيَ أَنَّ المَسِيحَ لَا يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نُنَادِيَهُ “يَا رَبُّ” بِأَلْسِنَتِنَا فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى أَنْ نَعْتَرِفَ بِهِ مِنْ خِلَالِ حَيَاتِنَا وَأَعْمَالِنَا؛ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ مُنْذُ الآنَ، تَدْعُونَا ه إِلَى أَنْ نَتَجَاوَبَ مَعَ دَعْوَةِ المَسِيحِ فِي الحَاضِرِ، دُونَ تَأْجِيلِ التَّوْبَةِ وَالتَّجَدُّدِ الرُّوحِيِّ.
- “فَأَجَابَ: الحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي لَا أَعْرِفُكُنَّ!”
يَرِدُ “الحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ἀμὴν λέγω ὑμῖν الى إِعْلَانٌ حَاسِمٌ ذُو سُلْطَانٍ إِلٰهِيٍّ. وَتَرِدُ كَلِمَةُ ἀμήν ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ اللَّفْظِ العِبْرِيِّ אָמֵן، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالتَّأْكِيدِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ الصِّيغَةَ فِي تَعْلِيمِهِ لِيُؤَكِّدَ سُلْطَانَ كَلَامِهِ وَحَقِيقَتَهُ. وَفِي سِيَاقِ المَثَلِ، تَأْتِي هٰذِهِ العِبَارَةُ لِتُعْلِنَ جَوَابًا حَاسِمًا، لَا مُجَرَّدَ رَدٍّ عَابِرٍ عَلَى طَلَبِ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ. وَيَكْتَسِبُ هٰذَا الإِعْلَانُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً لِأَنَّ العَرِيسَ، الَّذِي يَرْمُزُ إِلَى المَسِيحِ، يَظْهَرُ هُنَا بِوَصْفِهِ صَاحِبَ السُّلْطَانِ فِي قَبُولِ المُشَارِكِينَ فِي وَلِيمَةِ العُرْسِ. وَهٰكَذَا، يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ صُورَةِ الِانْتِظَارِ وَالِاسْتِعْدَادِ إِلَى صُورَةِ الدَّيْنُونَةِ وَإِعْلَانِ المَصِيرِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ “إِنِّي لَا أَعْرِفُكُنَّ” فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: οὐκ οἶδα ὑμᾶς. وَيَرِدُ الفِعْلُ οἶδα بِمَعْنَى “عَرَفَ” أَوْ “أَدْرَكَ” أَوْ “عَلِمَ”. غَيْرَ أَنَّ المَعْرِفَةَ فِي هٰذَا السِّيَاقِ لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ المَعْرِفَةِ الذِّهْنِيَّةِ أَوِ الإِحَاطَةِ بِهُوِيَّةِ الشَّخْصِ، بَلْ تَحْمِلُ مَعْنَى الِاعْتِرَافِ بِهِ وَقَبُولِهِ فِي عَلَاقَةِ شَرِكَةٍ. وَلِذٰلِكَ، لَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ عَدَمِ مَعْرِفَةِ العَرِيسِ لِلْعَذَارَى بِأَنَّهُنَّ كُنَّ وَاقِفَاتٍ فِي الظَّلَامِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهُنَّ؛ فَالمَقْصُودُ لَيْسَ عَجْزًا عَنِ التَّعَرُّفِ إِلَيْهِنَّ، بَلْ إِعْلَانُ عَدَمِ قَبُولِهِنَّ فِي وَلِيمَةِ العُرْسِ بِسَبَبِ عَدَمِ اسْتِعْدَادِهِنَّ. وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَعْنَى مِنْ قَوْلِ يَسُوعَ فِي خَاتِمَةِ العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ: “مَا عَرَفْتُكُمْ قَطُّ. إِلَيْكُمْ عَنِّي أَيُّهَا الأَثَمَةُ!” (مَتَّى 7: 23). وَيَرِدُ فِي هٰذَا النَّصِّ الفِعْلُ اليُونَانِيُّ ἔγνων، مِنْ γινώσκω)، وَهُوَ فِعْلٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى المَعْرِفَةِ. وَمَعَ أَنَّ الفِعْلَيْنِ οἶδα وَγινώσκω لَيْسَا مُتَطَابِقَيْنِ فِي جَمِيعِ اسْتِعْمَالَاتِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ هُنَا مَعْنًى مُتَقَارِبًا، وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِرَافَ اللَّفْظِيَّ بِالرَّبِّ لَا يَكْفِي دُونَ العَمَلِ بِمَشِيئَتِهِ. وَيَتَكَرَّرُ هٰذَا التَّحْذِيرُ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، حَيْثُ يَقُولُ رَبُّ البَيْتِ لِلَّذِينَ يَقْرَعُونَ البَابَ بَعْدَ إِغْلَاقِهِ: “لَا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ. إِلَيْكُمْ عَنِّي يَا فَاعِلِي السُّوءِ جَمِيعًا!” (رَاجِعْ لُوقَا 13: 25–27). وَيُؤَكِّدُ هٰذَا التَّوَازِي أَنَّ المَعْرِفَةَ الخَارِجِيَّةَ بِيَسُوعَ، أَوِ الِانْتِمَاءَ الِاجْتِمَاعِيَّ إِلَى جَمَاعَتِهِ، لَا يَكْفِيَانِ لِلدُّخُولِ إِلَى المَلَكُوتِ، مَا لَمْ يَقْتَرِنَا بِحَيَاةٍ تَتَجَاوَبُ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ المَسِيحِ لِلْمُؤْمِنِ تَرْتَبِطُ بِعَلَاقَةِ الشَّرِكَةِ مَعَهُ، الَّتِي تَبْدَأُ فِي الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ وَتَتَّجِهُ نَحْوَ كَمَالِهَا فِي الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَفِي ضَوْءِ هٰذَا التَّعْلِيمِ، يُمْكِنُ فَهْمُ قَوْلِ العَرِيسِ “إِنِّي لَا أَعْرِفُكُنَّ” عَلَى أَنَّهُ إِعْلَانٌ بِغِيَابِ عَلَاقَةِ الشَّرِكَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَظْهَرَ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالأَمَانَةِ والأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَالنِّعْمَةُ الإِلٰهِيَّةُ. يَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ عِبَارَةُ «لَا أَعْرِفُكُنَّ» تَتَّخِذُ مَعْنَى الِاسْتِبْعَادِ مِنَ الشَّرِكَةِ مَعَ العَرِيسِ، لِأَنَّ الحَيَاةَ الدَّاخِلِيَّةَ لَمْ تَكُنْ مُنْسَجِمَةً مَعَ المَظْهَرِ الخَارِجِيِّ لِلِانْتِظَارِ (PL 38). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ المَعْرِفَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِالمَسِيحِ تَتَجَلَّى فِي حَيَاةٍ يَسْكُنُهَا الإِيمَانُ وَتُحَرِّكُهَا المَحَبَّةُ وَتُثْمِرُ فِيهَا أَعْمَالُ الرَّحْمَةِ. تَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى فَحْصِ عَلَاقَتِنَا الشَّخْصِيَّةِ بِالمَسِيحِ، وَالتَّسَاؤُلِ عَمَّا إِذَا كُنَّا نَكْتَفِي بِالِانْتِمَاءِ الخَارِجِيِّ إِلَى الكَنِيسَةِ وَمُمَارَسَةِ الطُّقُوسِ الدِّينِيَّةِ، أَمْ نَعِيشُ فِعْلًا فِي شَرِكَةٍ مَعَ الرَّبِّ.
تُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ مَعْرِفَةَ المَسِيحِ لِلْإِنْسَانِ لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ المَعْرِفَةِ الذِّهْنِيَّةِ بِهِ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ فِي عَلَاقَةِ الشَّرِكَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ وتُشَكِّلُ ذُرْوَةَ التَّحْذِيرِ الإِسْكَاتُولُوجِيِّ: “الحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي لَا أَعْرِفُكُنَّ!”. وَفِي البُعْدِ اللَّاهُوتِيِّ، يَكْشِفُ هٰذَا الجَوَابُ أَنَّ المَعْرِفَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِالمَسِيحِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ بِاللِّسَانِ، بَلْ تَتَجَلَّى فِي الشَّرِكَةِ مَعَهُ، وَالطَّاعَةِ لِمَشِيئَتِهِ، وَالإِيمَانِ العَامِلِ بِالمَحَبَّةِ.
- “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ”
تشير عبارة “فَاسْهَرُوا إِذًا فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: γρηγορεῖτε οὖν الى اليَقَظَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالِاسْتِعْدَادُ الدَّائِمُ. وَيَرِدُ الفِعْلُ γρηγορεῖτε مِنَ الفِعْلِ γρηγορέω، وَمَعْنَاهُ “سَهِرَ” أَوْ “بَقِيَ مُسْتَيْقِظًا” أَوْ “كَانَ مُتَيَقِّظًا”. وَقَدْ وَرَدَ الفِعْلُ هُنَا بِصِيغَةِ الأَمْرِ المُضَارِعِ لِلْمُخَاطَبِ الجَمْعِ، وَهِيَ صِيغَةٌ تُنَاسِبُ الدَّعْوَةَ إِلَى اليَقَظَةِ المُسْتَمِرَّةِ، لَا إِلَى فِعْلٍ عَابِرٍ أَوْ مُؤَقَّتٍ وَالِاسْتِعْدَادُ الدَّائِمُ
أَمَّا الأَدَاةُ “ إِذًا” οὖν ، وَمَعْنَاهَا “لذلك”، فَتَرْبِطُ الوَصِيَّةَ بِالأَحْدَاثِ السَّابِقَةِ فِي المَثَلِ، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ السَّهَرَ هُوَ النَّتِيجَةُ العَمَلِيَّةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْلِصَهَا التَّلَامِيذُ مِنْ مَصِيرِ العَذَارَى العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ. وَفِي المَعْنَى الحَرْفِيِّ، يَدُلُّ السَّهَرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنِ النَّوْمِ وَالبَقَاءِ فِي حَالَةِ انْتِبَاهٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِهَدَفِ مُوَاصَلَةِ العَمَلِ أَوِ الحِرَاسَةِ وَتَجَنُّبِ الخَطَرِ. وَيُشِيرُ سِفْرُ الحِكْمَةِ إِلَى قِيمَةِ السَّهَرِ فِي طَلَبِ الحِكْمَةِ: “مَنْ سَهِرَ مِنْ أَجْلِهَا سَرِيعًا يَخْلُو مِنَ الهَمِّ” (الحِكْمَة 6: 15). أَمَّا فِي المَعْنَى الإِنْجِيلِيِّ، فَيُصْبِحُ السَّهَرُ صُورَةً لِلْيَقَظَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيءِ الرَّبِّ. وَقَدْ سَبَقَ لِيَسُوعَ أَنْ أَوْصَى تَلَامِيذَهُ قَائِلًا: “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيَّ يَوْمٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ” (مَتَّى 24: 42). وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ النُّصُوصُ أَنَّ السَّهَرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِظَارٍ سَلْبِيٍّ، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ رُوحِيٌّ نَشِطٌ يَتَجَلَّى فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوْبَةِ وَالأَمَانَةِ وَأَعْمَالِ المَحَبَّةِ. يُثِيرُ مَثَلُ العَذَارَى سُؤَالًا تَفْسِيرِيًّا مُهِمًّا: كَيْفَ يَأْمُرُ يَسُوعُ بِالسَّهَرِ، مَعَ أَنَّ العَذَارَى العَاقِلَاتِ وَالجَاهِلَاتِ نِمْنَ جَمِيعًا، كَمَا يَقُولُ النَّصُّ: «فَنَعَسْنَ جَمِيعًا وَنِمْنَ» (مَتَّى 25: 5)؟ يُبَيِّنُ هٰذَا التَّفْصِيلُ أَنَّ السَّهَرَ المَقْصُودَ لَيْسَ الِامْتِنَاعَ الحَرْفِيَّ عَنِ النَّوْمِ، لِأَنَّ العَذَارَى العَاقِلَاتِ نِمْنَ أَيْضًا، وَمَعَ ذٰلِكَ دَخَلْنَ مَعَ العَرِيسِ إِلَى العُرْسِ. فَالفَرْقُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي النَّوْمِ أَوِ الِاسْتِيقَاظِ، بَلْ فِي الِاسْتِعْدَادِ السَّابِقِ لِمَجِيءِ العَرِيسِ. وَهٰذِهِ هِيَ الرِّسَالَةُ الجَوْهَرِيَّةُ لِلْمَثَلِ: لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ يَبْقَى المُؤْمِنُ مُسْتَيْقِظًا جَسَدِيًّا عَلَى الدَّوَامِ، بَلْ أَنْ يَبْقَى قَلْبُهُ مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ المَسِيحِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ “لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ὅτι οὐκ οἴδατε τὴν ἡμέραν οὐδὲ τὴν ὥραν. وَيَرِدُ الفِعْلُ οἴδατε مِنَ الفِعْلِ οἶδα ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى المَعْرِفَةِ وَالعِلْمِ. وهي تشير الى سِرُّ المَوْعِدِ الإِلٰهِيِّ. ويعلق القِدِّيسُ أَفْرَامُ السُّرْيَانِيُّ: “أَخْفَى الرَّبُّ عَنَّا مَوْعِدَ مَجِيئِهِ، لِكَيْ نَبْقَى سَاهِرِينَ، وَلِكَيْ يَحْسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنَّ مَجِيئَهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ”. فعَدَمُ مَعْرِفَةِ السَّاعَةِ، فَيَجْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ فُرْصَةً لِلتَّجَدُّدِ الرُّوحِيِّ، وَيُحَوِّلُ الِانْتِظَارَ إِلَى حَيَاةٍ دَائِمَةٍ مِنَ الأَمَانَةِ وَالرَّجَاءِ.
أَمَّا العِبَارَةُ “اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ“، فَتُشِيرُ إِلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ المَوْعِدِ الدَّقِيقِ لِلْمَجِيءِ. وَلَا يَقْصِدُ يَسُوعُ مُجَرَّدَ إِخْفَاءِ تَارِيخٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يُوَجِّهُ انْتِبَاهَ تَلَامِيذِهِ مِنَ الِانْشِغَالِ بِحِسَابِ المَوْعِدِ إِلَى ضَرُورَةِ الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ. وَقَدْ أَكَّدَ يَسُوعُ هٰذِهِ الحَقِيقَةَ فِي خِطَابِهِ الإِسْكَاتُولُوجِيِّ: “فَأَمَّا ذٰلِكَ اليَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْلَمُهَا، لَا مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَلَا الِابْنُ، إِلَّا الآبُ وَحْدَهُ” (مَتَّى 24: 36). وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا يَقُولُ: “فَكُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، فَفِي السَّاعَةِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّعُونَهَا يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (لُوقَا 12: 40). وَكَذٰلِكَ، بَعْدَ قِيَامَتِهِ، أَجَابَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْ زَمَنِ إِعَادَةِ المُلْكِ إِلَى إِسْرَائِيلَ: “لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ بِسُلْطَانِهِ” (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 1: 7). وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ النُّصُوصُ أَنَّ تَحْدِيدَ مَوْعِدِ المَجِيءِ الثَّانِي لَيْسَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الإِنْسَانِ، وَأَنَّ المُهِمَّ لَيْسَ مَعْرِفَةَ الزَّمَنِ، بَلْ الِاسْتِعْدَادُ لِلْحَدَثِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ مُحَاوَلَاتِ تَحْدِيدِ تَارِيخِ نِهَايَةِ العَالَمِ أَوِ المَجِيءِ الثَّانِي، بِالِاعْتِمَادِ عَلَى حِسَابَاتٍ زَمَنِيَّةٍ أَوْ تَأْوِيلَاتٍ رَقْمِيَّةٍ لِلنُّصُوصِ المَقْدِسِيَّةِ، تَتَعَارَضُ مَعَ الغَايَةِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ الَّتِي أَرَادَ يَسُوعُ تَأْكِيدَهَا.
تَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَعِيشَ حَيَاتَنَا المَسِيحِيَّةَ فِي حَالَةِ اسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ لِلِقَاءِ الرَّبِّ. فَالسَّهَرُ الرُّوحِيُّ لَا يَعْنِي الِانْشِغَالَ المُسْتَمِرَّ بِالخَوْفِ مِنَ المَوْتِ أَوْ نِهَايَةِ العَالَمِ، بَلْ يَعْنِي أَنْ يَحْيَا المُؤْمِنُ فِي حَضْرَةِ اللهِ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ وَاجِبَاتِهِ بِأَمَانَةٍ، وَأَنْ يَتَجَاوَبَ مَعَ نِعْمَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. وَيَتَحَقَّقُ هٰذَا السَّهَرُ مِنْ خِلَالِ الصَّلَاةِ وَالتَّوْبَةِ وَالمُشَارَكَةِ فِي الأَسْرَارِ المُقَدَّسَةِ وَمُمَارَسَةِ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ الخَاتِمَةَ اللَّاهُوتِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ لِمَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ (مَتَّى 25: 1–13)، إِذْ يَنْتَقِلُ يَسُوعُ مِنَ السَّرْدِ التَّمْثِيلِيِّ إِلَى الوَصِيَّةِ المُبَاشِرَةِ: «فَاسْهَرُوا إِذًا». وَتُلَخِّصُ هٰذِهِ الوَصِيَّةُ الرِّسَالَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِلْمَثَلِ، وَهِيَ ضَرُورَةُ الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ، لِأَنَّ مَوْعِدَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْإِنْسَانِ.
ثَانِيًا: التَّطْبِيقَاتُ الرُّوحِيَّةُ وَالرَّعَوِيَّةُ لِلنَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 25: 1–13)
بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِ أَبْعَادِهِ الكِتَابِيَّةِ وَاللَّاهُوتِيَّةِ، نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ السَّهَرِ الرُّوحِيِّ وَالِاسْتِعْدَادِ الشَّخْصِيِّ لِلِقَاءِ المَسِيحِ، مِنْ خِلَالِ الإِيمَانِ الحَيِّ وَالمَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَجْعَلُ مَصَابِيحَ المُؤْمِنِينَ مُضِيئَةً بِنُورِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ.
وَلَا يَقْتَصِرُ المَثَلُ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الغَفْلَةِ وَالتَّأَخُّرِ، بَلْ يُقَدِّمُ رُؤْيَةً إِيمَانِيَّةً لِلْحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ بِوَصْفِهَا مَسِيرَةَ انْتِظَارٍ وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ، تَتَّجِهُ نَحْوَ اللِّقَاءِ النِّهَائِيِّ بِالمَسِيحِ العَرِيسِ. وَمِنْ هُنَا، نَتَنَاوَلُ أَوَّلًا الظُّرُوفَ التَّارِيخِيَّةَ وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا المَثَلُ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى المُقَوِّمَاتِ الرُّوحِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ لِلسَّهَرِ المَسِيحِيِّ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى النُّصُوصِ الكِتَابِيَّةِ وَشُرُوحِ آبَاءِ الكَنِيسَةِ.
- الظُّرُوفُ التَّارِيخِيَّةُ وَاللَّاهُوتِيَّةُ فِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ
أ. العُرْسُ فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ: صُورَةٌ لِلْفَرَحِ وَالشَّرِكَةِ
يَسْتَنِدُ مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ إِلَى صُورَةِ احْتِفَالَاتِ الزَّوَاجِ فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ الزَّوَاجُ يَمُرُّ عَادَةً بِمَرْحَلَتَيْنِ أَسَاسِيَّتَيْنِ: الخِطْبَةِ المُلْزِمَةِ، ثُمَّ انْتِقَالِ العَرُوسِ إِلَى الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مَعَ العَرِيسِ.
وَكَانَتِ الخِطْبَةُ تَحْمِلُ طَابَعًا قَانُونِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا مُلْزِمًا، حَتَّى إِنَّ إِنْهَاءَهَا كَانَ يَتَطَلَّبُ إِجْرَاءً شَرْعِيًّا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ رِوَايَةِ خِطْبَةِ مَرْيَمَ وَيُوسُفَ (مَتَّى 1: 18–19).
وَكَانَتِ الِاحْتِفَالَاتُ بِالزَّوَاجِ تَتَّسِمُ بِالفَرَحِ وَالمَوَاكِبِ وَالوَلَائِمِ، وَقَدْ تَمْتَدُّ أَيَّامًا عِدَّةً، وَتَبْلُغُ فِي بَعْضِ التَّقَالِيدِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، كَمَا يَظْهَرُ فِي قِصَّةِ زَوَاجِ شَمْشُونَ (القُضَاة 14: 12).
وَتَذْكُرُ النُّصُوصُ الكِتَابِيَّةُ زِينَةَ العَرِيسِ وَالعَرُوسِ وَمَظَاهِرَ الفَرَحِ المُرْتَبِطَةَ بِالزَّوَاجِ. فَيَقُولُ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ: “كَالعَرِيسِ الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِالعِمَامَةِ، وَكَالعَرُوسِ الَّتِي تَتَحَلَّى بِحُلِيِّهَا” (إِشَعْيَاء 61: 10). وَيَصِفُ المَزْمُورُ الخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ مَوْكِبَ العَرُوسِ وَزِينَتَهَا وَمُرَافِقَاتِهَا (المَزْمُور 45: 14–16)، فِي حِينِ يُبْرِزُ سِفْرُ نَشِيدِ الأَنْشَيادِ جَمَالَ العَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَرُمُوزَ الطِّيبِ وَالمَحَبَّةِ (نَشِيدُ الأَنْشَيادِ 4: 10–11). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ اخْتِيَارَ صُورَةِ العَرِيسِ يُبْرِزُ قُرْبَ المَسِيحِ مِنَ الَّذِينَ يُكَرِّسُونَ حَيَاتَهُمْ لَهُ، وَأَنَّ المَحَبَّةَ العَمَلِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ لِلْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِهِ (PG 58: 711–720).
وَفِي هٰذَا الإِطَارِ الِاجْتِمَاعِيِّ، تَتَّضِحُ صُورَةُ العَذَارَى العَشْرِ اللَّاتِي يَحْمِلْنَ المَصَابِيحَ، وَيَنْتَظِرْنَ وُصُولَ العَرِيسِ لِيُشَارِكْنَ فِي الِاحْتِفَالِ. وَلَا يُحَدِّدُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ جَمِيعَ التَّفَاصِيلِ المَكَانِيَّةِ لِلْمَوْكِبِ أَوْ مَوْضِعَ انْتِظَارِ العَذَارَى، بَلْ يُرَكِّزُ عَلَى تَأَخُّرِ العَرِيسِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِاسْتِقْبَالِهِ.
وَتَبْقَى بَعْضُ مَظَاهِرِ الِاحْتِفَالِ بِالأَعْرَاسِ، كَالمَوَاكِبِ وَالأَنَاشِيدِ وَالزِّينَةِ وَاجْتِمَاعِ الأَهْلِ وَالأَصْدِقَاءِ، حَاضِرَةً فِي التَّقَالِيدِ الشَّعْبِيَّةِ لِعَدِيدٍ مِنَ القُرَى الفِلَسْطِينِيَّةِ، مَعَ اخْتِلَافِ العَادَاتِ بِاخْتِلَافِ الأَزْمِنَةِ وَالبِيئَاتِ.
ب. العَذَارَى العَاقِلَاتُ وَالجَاهِلَاتُ: صُورَتَانِ لِلِاسْتِعْدَادِ
يُقَسِّمُ يَسُوعُ العَذَارَى العَشْرَ إِلَى فَرِيقَيْنِ: خَمْسٍ عَاقِلَاتٍ وَخَمْسٍ جَاهِلَاتٍ (مَتَّى 25: 2). وَلَمْ يَكُنِ الفَرْقُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى العُرْسِ، وَلَا فِي امْتِلَاكِ المَصَابِيحِ، وَلَا حَتَّى فِي النَّوْمِ، لِأَنَّ جَمِيعَهُنَّ نَعَسْنَ وَنِمْنَ (مَتَّى 25: 5). إِنَّمَا كَانَ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ فِي الِاسْتِعْدَادِ؛ فَالعَاقِلَاتُ أَخَذْنَ زَيْتًا إِضَافِيًّا فِي أَوْعِيَتِهِنَّ، أَمَّا الجَاهِلَاتُ فَلَمْ يَأْخُذْنَ مَا يَكْفِي لِمُوَاجَهَةِ تَأَخُّرِ العَرِيسِ (مَتَّى 25: 3–4).
وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، تَرْمُزُ العَذَارَى العَاقِلَاتُ إِلَى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَجَاوَبُونَ مَعَ نِعْمَةِ اللهِ بِإِيمَانٍ حَيٍّ وَمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، وَيَظَلُّونَ مُسْتَعِدِّينَ لِلِقَاءِ المَسِيحِ. أَمَّا العَذَارَى الجَاهِلَاتُ، فَيُمَثِّلْنَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالِانْتِمَاءِ الظَّاهِرِيِّ وَالمُمَارَسَاتِ الخَارِجِيَّةِ، دُونَ أَنْ تَتَجَذَّرَ حَيَاتُهُمُ الرُّوحِيَّةُ فِي المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ.
وَيَنْبَغِي هُنَا تَجَنُّبُ حَصْرِ المَثَلِ فِي وَصْفِ أَشْخَاصٍ يَمُوتُونَ فِي حَالَةِ النِّعْمَةِ وَآخَرِينَ يَمُوتُونَ فِي حَالَةِ الخَطِيئَةِ؛ فَهٰذَا تَطْبِيقٌ رُوحِيٌّ مُمْكِنٌ، وَلٰكِنَّ المَعْنَى المُبَاشِرَ لِلْمَثَلِ يَرْتَبِطُ بِالِاسْتِعْدَادِ لِمَجِيءِ ابْنِ الإِنْسَانِ.
ج. العُرْسُ رَمْزٌ لِعَهْدِ اللهِ مَعَ شَعْبِهِ وَشَرِكَةِ المَسِيحِ مَعَ كَنِيسَتِهِ
يَسْتَعْمِلُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ صُورَةَ العَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ عَهْدِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ لِشَعْبِهِ. فَيَقُولُ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ: “لِأَنَّ بَاعِلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ القُوَّاتِ اسْمُهُ” (إِشَعْيَاء 54: 5). وَيُعْلِنُ الرَّبُّ عَلَى لِسَانِ هُوشَعَ النَّبِيِّ: “وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ، وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالبِرِّ وَالحَقِّ وَالرَّأْفَةِ وَالمَرَاحِمِ” (هُوشَع 2: 21).
وَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ، يُطَبِّقُ يَسُوعُ صُورَةَ العَرِيسِ عَلَى نَفْسِهِ، إِذْ يَقُولُ: “هَلْ يَسْتَطِيعُ أَصْحَابُ العَرِيسِ أَنْ يَحْزَنُوا مَا دَامَ العَرِيسُ مَعَهُمْ؟” (مَتَّى 9: 15). وَيُؤَكِّدُ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ هٰذَا المَعْنَى بِقَوْلِهِ: “مَنْ لَهُ العَرُوسُ فَهُوَ العَرِيسُ” (يُوحَنَّا 3: 29).
وَيُطَوِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ هٰذِهِ الصُّورَةَ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ، حَيْثُ يَرْبِطُ بَيْنَ مَحَبَّةِ المَسِيحِ لِلْكَنِيسَةِ وَمَحَبَّةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ (أَفَسُس 5: 25–32). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الصُّورَةُ ذُرْوَتَهَا فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، حَيْثُ يُعْلَنُ عُرْسُ الحَمَلِ وَفَرَحُ المُخَلَّصِينَ (رُؤْيَا 19: 7–9).
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الحَيَاةَ المَسِيحِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الِالْتِزَامِ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الوَصَايَا، بَلْ هِيَ مَسِيرَةُ مَحَبَّةٍ وَعَهْدٍ وَشَرِكَةٍ مَعَ المَسِيحِ، تَتَّجِهُ نَحْوَ اللِّقَاءِ الأَبَدِيِّ بِهِ.
د. الحَيَاةُ المَسِيحِيَّةُ مَسِيرَةٌ نَحْوَ لِقَاءِ العَرِيسِ
يَكْشِفُ مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ أَنَّ الحَيَاةَ المَسِيحِيَّةَ هِيَ مَسِيرَةُ انْتِظَارٍ وَرَجَاءٍ، تَتَّجِهُ نَحْوَ اللِّقَاءِ النِّهَائِيِّ بِالمَسِيحِ.
وَيُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هٰذِهِ المَسِيرَةِ بِقَوْلِهِ: “فَأَسْعَى إِلَى الغَايَةِ، لِلْحُصُولِ عَلَى الجَائِزَةِ الَّتِي يَدْعُونَا اللهُ إِلَيْهَا مِنْ عَلُ لِنَنَالَهَا فِي المَسِيحِ يَسُوعَ” (فِيلِبِّي 3: 14). وَيُبْرِزُ هٰذَا النَّصُّ أَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَعِيشُ حَيَاتَهُ دُونَ هَدَفٍ، بَلْ يَتَّجِهُ نَحْوَ الغَايَةِ الَّتِي دَعَاهُ اللهُ إِلَيْهَا.
وَفِي ضَوْءِ مَثَلِ العَذَارَى، يُمْكِنُ تَصْوِيرُ هٰذِهِ المَسِيرَةِ عَلَى أَنَّهَا انْتِظَارٌ لِلْعَرِيسِ الإِلٰهِيِّ الَّذِي يَدْعُو البَشَرِيَّةَ إِلَى شَرِكَةِ المَحَبَّةِ مَعَهُ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ المُؤْمِنَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَحْيَا فِي الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ، وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي نَالَهَا فِي المَعْمُودِيَّةِ، وَأَنْ يَنْمُوَ فِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالأَسْرَارِ المُقَدَّسَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ تَعْلِيمِ الرَّسُولِ بُولُسَ عَنْ الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ، إِذْ يَقُولُ: “وَهٰكَذَا نَكُونُ مَعَ الرَّبِّ عَلَى الدَّوَامِ” (1 تَسَالُونِيقِي 4: 17).
هـ. تَأَخُّرُ العَرِيسِ وَامْتِحَانُ الإِيمَانِ
يُشَكِّلُ تَأَخُّرُ العَرِيسِ العُنْصُرَ الدَّرَامِيَّ الأَسَاسِيَّ فِي المَثَلِ، إِذْ يَقُولُ الإِنْجِيلِيُّ: “وَأَبْطَأَ العَرِيسُ، فَنَعَسْنَ جَمِيعًا وَنِمْنَ” (مَتَّى 25: 5). وَيَرْمُزُ هٰذَا التَّأَخُّرُ، فِي القِرَاءَةِ الإِسْكَاتُولُوجِيَّةِ، إِلَى امْتِدَادِ زَمَنِ انْتِظَارِ الكَنِيسَةِ لِمَجِيءِ المَسِيحِ الثَّانِي.
وَقَدْ يَتَحَوَّلُ طُولُ الِانْتِظَارِ إِلَى امْتِحَانٍ لِلْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَفْقِدُ حَمَاسَتَهُ وَيَسْتَسْلِمُ لِلْغَفْلَةِ وَالإِهْمَالِ. غَيْرَ أَنَّ تَأَخُّرَ المَجِيءِ لَا يَعْنِي أَنَّ وَعْدَ المَسِيحِ قَدْ بَطَلَ، بَلْ يُذَكِّرُنَا الرَّسُولُ بُطْرُسُ بِأَنَّ الرَّبَّ “لَا يُبْطِئُ فِي إِنْجَازِ وَعْدِهِ”، بَلْ يَتَأَنَّى لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ النَّاسُ إِلَى التَّوْبَةِ (2 بُطْرُس 3: 9).
وَهُنَا تَظْهَرُ الحِكْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْعَذَارَى العَاقِلَاتِ؛ فَقَدِ اسْتَعْدَدْنَ لِاحْتِمَالِ التَّأَخُّرِ، وَحَمَلْنَ مَا يَكْفِي مِنَ الزَّيْتِ لِاسْتِقْبَالِ العَرِيسِ عِنْدَ وُصُولِهِ. وَفِي المُقَابِلِ، لَمْ تَكُنِ العَذَارَى الجَاهِلَاتُ مُسْتَعِدَّاتٍ لِهٰذَا الِاحْتِمَالِ، فَأَدَّى نَقْصُ الزَّيْتِ إِلَى فَوَاتِ فُرْصَةِ الدُّخُولِ إِلَى العُرْسِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الزَّمَنَ يُصْبِحُ امْتِحَانًا لِلْإِيمَانِ، وَالسَّهَرُ يُصْبِحُ تَعْبِيرًا عَنِ الثَّبَاتِ وَالأَمَانَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ.
و. الِاسْتِعْدَادُ الشَّخْصِيُّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ اسْتِعَارَتُهُ
يُؤَكِّدُ المَثَلُ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ المَسِيحِ مَسْؤُولِيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ تَفْوِيضُهَا إِلَى الآخَرِينَ. فَكَمَا أَنَّ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ لَمْ يَسْتَطِعْنَ الِاعْتِمَادَ عَلَى زَيْتِ العَاقِلَاتِ فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، كَذٰلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَسْتَعِيرَ إِيمَانَ الآخَرِينَ أَوْ مَحَبَّتَهُمْ أَوْ أَمَانَتَهُمْ لِيُعَوِّضَ بِهَا إِهْمَالَهُ الشَّخْصِيَّ.
وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ” إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُؤَدِّي إِذًا عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ” (رُومِيَة 14: 12). وَلٰكِنَّ هٰذَا لَا يُلْغِي شَرِكَةَ القِدِّيسِينَ وَقِيمَةَ الصَّلَاةِ وَالمُسَاعَدَةِ المُتَبَادَلَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، بَلْ يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِجَابَةَ لِنِعْمَةِ اللهِ تَظَلُّ مَسْؤُولِيَّةً شَخْصِيَّةً لِكُلِّ إِنْسَانٍ. وَهٰكَذَا، فَإِنَّ الِاسْتِعْدَادَ الرُّوحِيَّ لَا يُشْتَرَى بِالمَالِ، وَلَا يُسْتَعَارُ مِنَ الآخَرِينَ، وَلَا يُؤَجَّلُ إِلَى اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، بَلْ يَنْضَجُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فِي حَيَاةِ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ. وَتَبْقَى وَصِيَّةُ يَسُوعَ الخِتَامِيَّةُ هِيَ المِحْوَرَ الَّذِي يَجْمَعُ مَعَانِي المَثَلِ: “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13).
- مَا هِيَ مُقَوِّمَاتُ السَّهَرِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ؟
لَا يَقْتَصِرُ السَّهَرُ المَسِيحِيُّ عَلَى انْتِظَارِ مَجِيءِ المَسِيحِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ حَيَاةً رُوحِيَّةً مُتَكَامِلَةً، تَقُومُ عَلَى الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّوْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَالأَمَانَةِ فِي العَمَلِ. وَيُمْكِنُ تَحْدِيدُ أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِ السَّهَرِ الإِنْجِيلِيِّ فِي ثَمَانِيَةِ أَبْعَادٍ رُوحِيَّةٍ مُتَرَابِطَةٍ:
أَوَّلًا: السَّهَرُ بِالإِيمَانِ الحَيِّ وَالثِّقَةِ بِوَعْدِ المَسِيحِ
يَقُومُ السَّهَرُ المَسِيحِيُّ أَوَّلًا عَلَى الإِيمَانِ بِأَنَّ المَسِيحَ الَّذِي جَاءَ لِيُخَلِّصَ العَالَمَ سَيَأْتِي ثَانِيَةً فِي المَجْدِ. فَالمُؤْمِنُ لَا يَنْتَظِرُ حَدَثًا مَجْهُولًا أَوْ مُجَرَّدَ نِهَايَةٍ لِلتَّارِيخِ، بَلْ يَنْتَظِرُ شَخْصًا يُحِبُّهُ وَيَثِقُ بِوَعْدِهِ. وَيَقُولُ يَسُوعُ: “وَإِذَا ذَهَبْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا، أَرْجِعُ فَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا” (يُوحَنَّا 14: 3).
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الإِيمَانَ الحَيَّ يَجْعَلُ المُؤْمِنَ يَعِيشُ فِي حَضْرَةِ المَسِيحِ، وَيَسْتَعِدُّ لِلِقَائِهِ مِنْ خِلَالِ الطَّاعَةِ لِكَلِمَتِهِ وَالأَمَانَةِ لِتَعْلِيمِهِ. وَيُؤَكِّدُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ المَثَلَ يَشْمَلُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مَصَابِيحَ الإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ، وَلٰكِنَّ الِاسْتِعْدَادَ يَتَطَلَّبُ أَيْضًا المَحَبَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ (PL 38).
ثَانِيًا: السَّهَرُ بِالرَّجَاءِ الثَّابِتِ وَانْتِظَارِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ
يَرْتَبِطُ السَّهَرُ بِفَضِيلَةِ الرَّجَاءِ، لِأَنَّ المُؤْمِنَ يَنْتَظِرُ اكْتِمَالَ وَعْدِ اللهِ بِالخَلَاصِ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَنْتَظِرُونَ “الرَّجَاءَ السَّعِيدَ وَظُهُورَ مَجْدِ إِلٰهِنَا العَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المَسِيحِ” (طِيطُس 2: 13). وَالرَّجَاءُ المَسِيحِيُّ لَا يَعْنِي الهُرُوبَ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِ الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ، بَلْ يَمْنَحُهَا مَعْنًى أَبَدِيًّا. فَمَنْ يَرْجُو لِقَاءَ المَسِيحِ يَسْعَى إِلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِي حَيَاتِهِ وَوَاجِبَاتِهِ وَعَلَاقَاتِهِ. وَيُشِيرُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي خَاتِمَةِ عِظَتِهِ عَنِ العَذَارَى إِلَى أَنَّ السَّهَرَ يَتَحَقَّقُ بِالقَلْبِ وَالإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (PL 38).
ثَالِثًا: السَّهَرُ بِالمَحَبَّةِ وَأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ
تُشَكِّلُ المَحَبَّةُ جَوْهَرَ السَّهَرِ المَسِيحِيِّ، لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ المَسِيحِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ وَالقَرِيبِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ لِمَثَلِ العَذَارَى، يَرْتَبِطُ الزَّيْتُ بِالمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَخُصُوصًا أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ. وَيَرَى الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ الزَّيْتَ يُشِيرُ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يُهْمِلُ المُحْتَاجِينَ يُعَرِّضُ حَيَاتَهُ الرُّوحِيَّةَ لِلْفَرَاغِ، حَتَّى إِنْ تَمَيَّزَ بِمُمَارَسَاتٍ نُسْكِيَّةٍ (PG 58).
وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ هٰذَا المَعْنَى فِي مَثَلِ الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ، حَيْثُ يَرْبِطُ الدُّخُولَ إِلَى المَلَكُوتِ بِمَحَبَّةِ الجِيَاعِ وَالعِطَاشِ وَالغُرَبَاءِ وَالمَرْضَى وَالمَسْجُونِينَ (مَتَّى 25: 31–46). وَيَقُولُ: “الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلَّمَا صَنَعْتُمْ ذٰلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِي هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ، فَلِي صَنَعْتُمُوهُ” (مَتَّى 25: 40). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ مَنْ يَنْتَظِرُ المَسِيحَ العَرِيسَ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَيْهِ فِي وُجُوهِ المُحْتَاجِينَ وَالمُتَأَلِّمِينَ.
رَابِعًا: السَّهَرُ بِالصَّلَاةِ الدَّائِمَةِ وَالعَلَاقَةِ الشَّخْصِيَّةِ بِاللهِ
تُعَدُّ الصَّلَاةُ مِنْ أَهَمِّ وَسَائِلِ السَّهَرِ الرُّوحِيِّ، لِأَنَّهَا تُحَافِظُ عَلَى العَلَاقَةِ الحَيَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالمَسِيحِ. وَقَدْ أَوْصَى يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ قَائِلًا: “اسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ” (مَتَّى 26: 41). وَيُؤَكِّدُ هٰذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ السَّهَرَ وَالصَّلَاةَ مُتَرَابِطَانِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُنِيرُ الضَّمِيرَ وَتُقَوِّي الإِرَادَةَ وَتُسَاعِدُ المُؤْمِنَ عَلَى الثَّبَاتِ فِي التَّجَارِبِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المُؤْمِنَ السَّاهِرَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الصَّلَاةَ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ حَيَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ، وَيَحْرِصُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ وَالتَّأَمُّلِ فِيهَا.
خَامِسًا: السَّهَرُ بِالتَّوْبَةِ المُسْتَمِرَّةِ وَنَقَاوَةِ القَلْبِ
يَتَطَلَّبُ السَّهَرُ الرُّوحِيُّ تَوْبَةً مُسْتَمِرَّةً وَاسْتِعْدَادًا دَائِمًا لِتَجْدِيدِ العَلَاقَةِ مَعَ اللهِ. وَيَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَاقْتَرَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَلْنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ” (رُومِيَة 13: 12). وَتُشِيرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ إِلَى أَنَّ السَّهَرَ يَقْتَضِي التَّخَلِّيَ عَنِ الخَطِيئَةِ وَالسَّيْرَ فِي نُورِ المَسِيحِ. وَفِي ضَوْءِ تَعْلِيمِ أُوغُسْطِينُوسَ، يَتَّضِحُ أَنَّ المَحَبَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ وَشَهَادَةَ الضَّمِيرِ أَسَاسٌ لِصِدْقِ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ؛ فَالمُهِمُّ أَنْ يَكُونَ قَلْبُ الإِنْسَانِ مُتَّجِهًا إِلَى اللهِ، لَا إِلَى مَدِيحِ النَّاسِ (PL 38).
وَفِي الحَيَاةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، تَتَجَدَّدُ هٰذِهِ المَسِيرَةُ مِنْ خِلَالِ فَحْصِ الضَّمِيرِ وَالِاعْتِرَافِ وَالمُصَالَحَةِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الأَسْرَارِ المُقَدَّسَةِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ السَّهَرَ لَا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ بِلَا ضَعْفٍ أَوْ خَطِيئَةٍ، بَلْ أَنْ يَبْقَى قَلْبُهُ مُنْفَتِحًا لِلتَّوْبَةِ وَرَحْمَةِ اللهِ.
سَادِسًا: السَّهَرُ بِالأَمَانَةِ فِي الوَاجِبَاتِ اليَوْمِيَّةِ
لَا يَنْفَصِلُ السَّهَرُ الرُّوحِيُّ عَنِ الأَمَانَةِ فِي المَسْؤُولِيَّاتِ اليَوْمِيَّةِ. فَالمُؤْمِنُ لَا يُدْعَى إِلَى تَرْكِ العَمَلِ وَانْتِظَارِ المَجِيءِ الثَّانِي، بَلْ إِلَى أَنْ يَعْمَلَ بِأَمَانَةٍ، مُدْرِكًا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَكْتَسِبُ قِيمَةً أَبَدِيَّةً. وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ هٰذَا المَعْنَى فِي مَثَلِ العَبْدِ الأَمِينِ وَالحَكِيمِ، الَّذِي يَجِدُهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ قَائِمًا بِوَاجِبِهِ (مَتَّى 24: 45–47).
وَيُوَسِّعُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ مَعْنَى المَسْؤُولِيَّةِ المَسِيحِيَّةِ، فَيُؤَكِّدُ أَنَّ اللهَ وَهَبَ الإِنْسَانَ قُدْرَاتِهِ وَمَوَاهِبَهُ لِيَسْتَعْمِلَهَا فِي خَيْرِ الآخَرِينَ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذٰلِكَ بِالمَالِ أَمْ بِالتَّعْلِيمِ أَمْ بِالحِمَايَةِ وَالخِدْمَةِ (العِظَةُ 78، الفَقْرَةُ 3؛ PG 58). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ السَّهَرَ يَتَجَلَّى فِي الأَمَانَةِ لِلْوَاجِبِ، وَالِاسْتِقَامَةِ فِي العَمَلِ، وَاحْتِرَامِ الآخَرِينَ، وَخِدْمَةِ المُحْتَاجِينَ.
سَابِعًا: السَّهَرُ بِالثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ فِي زَمَنِ الِانْتِظَارِ
يَكْشِفُ تَأَخُّرُ العَرِيسِ أَنَّ السَّهَرَ يَتَطَلَّبُ صَبْرًا وَثَبَاتًا، لِأَنَّ الِانْتِظَارَ قَدْ يَطُولُ وَتَكْثُرُ التَّجَارِبُ. وَيَقُولُ الرَّسُولُ يَعْقُوبُ: “فَتَأَنَّوْا أَيُّهَا الإِخْوَةُ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ” (يَعْقُوب 5: 7). وَالسَّهَرُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ الإِيمَانَ وَالرَّجَاءَ وَالمَحَبَّةَ، حَتَّى عِنْدَمَا تَتَأَخَّرُ الِاسْتِجَابَةُ أَوْ تَشْتَدُّ الصُّعُوبَاتُ.
وَيُبَيِّنُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ تَأَخُّرَ العَرِيسِ يَحْمِلُ تَعْلِيمًا عَنْ طُولِ الِانْتِظَارِ، وَأَنَّ المَسِيحَ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لَهُ دُونَ تَحْدِيدِ مَوْعِدِهِ (العِظَةُ 78، PG 58). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المُؤْمِنَ السَّاهِرَ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ فِي المَسِيحِ وَيُوَاصِلُ مَسِيرَتَهُ الرُّوحِيَّةَ دُونَ يَأْسٍ أَوْ فُتُورٍ.
ثَامِنًا: السَّهَرُ بِالحِكْمَةِ وَحُسْنِ اسْتِثْمَارِ الزَّمَنِ
تُعَلِّمُنَا العَذَارَى العَاقِلَاتُ أَنَّ الحِكْمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَتَجَلَّى فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، دُونَ إِهْمَالِ الحَاضِرِ. وَيَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِتَدْقِيقٍ، لَا كَجُهَلَاءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُغْتَنِمِينَ الوَقْتَ” (أَفَسُس 5: 15–16). وَتَكْمُنُ الحِكْمَةُ الرُّوحِيَّةُ فِي أَنْ يَسْتَثْمِرَ الإِنْسَانُ وَقْتَهُ فِي مَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ تَأْجِيلَ التَّوْبَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَفِي هٰذَا المَعْنَى، فَإِنَّ الزَّيْتَ الَّذِي حَمَلَتْهُ العَذَارَى العَاقِلَاتُ يُصْبِحُ صُورَةً لِحَيَاةٍ تَنْضَجُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فِي النِّعْمَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ. وَيُؤَكِّدُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ وَقْتَ جَمْعِ زَيْتِ الرَّحْمَةِ هُوَ الحَيَاةُ الحَاضِرَةُ، وَأَنَّ تَأْجِيلَ المَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إِلَى مَا بَعْدَ انْتِهَاءِ زَمَنِ الِاسْتِعْدَادِ لَا يُحَقِّقُ الغَايَةَ المَرْجُوَّةَ (العِظَةُ 78، PG 58).
الخُلَاصَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالرَّعَوِيَّةُ
يَكْشِفُ مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ أَنَّ الحَيَاةَ المَسِيحِيَّةَ هِيَ مَسِيرَةُ انْتِظَارٍ وَاسْتِعْدَادٍ لِلِقَاءِ المَسِيحِ العَرِيسِ، الَّذِي يَأْتِي لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِهِ الأَبَدِيِّ. فَالعَذَارَى العَاقِلَاتُ يُمَثِّلْنَ الإِيمَانَ المُسْتَعِدَّ وَالمَحَبَّةَ المُثْمِرَةَ وَالأَمَانَةَ المُثَابِرَةَ، أَمَّا العَذَارَى الجَاهِلَاتُ فَيُجَسِّدْنَ خَطَرَ الغَفْلَةِ وَتَأْجِيلِ التَّوْبَةِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى المَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ لِلْحَيَاةِ الدِّينِيَّةِ. وَالسَّهَرُ الَّذِي يَطْلُبُهُ يَسُوعُ لَيْسَ خَوْفًا مِنَ المُسْتَقْبَلِ، بَلْ هُوَ يَقَظَةُ المَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ مَنْ نُحِبُّهُ وَنَرْجُو أَنْ نَحْيَا مَعَهُ إِلَى الأَبَدِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِلْمَثَلِ هِيَ: لِنُحَافِظْ عَلَى مَصَابِيحِ إِيمَانِنَا مُضِيئَةً، وَلْنَمْلَأْهَا بِزَيْتِ المَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلْنَعِشْ كُلَّ يَوْمٍ فِي حَالَةِ اسْتِعْدَادٍ لِلِقَاءِ المَسِيحِ، لِكَيْ نَسْمَعَ دَعْوَتَهُ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِهِ الأَبَدِيِّ. “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13).
- تَحْذِيرَاتٌ رُوحِيَّةٌ وَرَعَوِيَّةٌ مِنْ مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ
يَخْتَتِمُ السَّيِّدُ المَسِيحُ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ بِوَصِيَّةٍ جَوْهَرِيَّةٍ: «فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ» (مَتَّى 25: 13). وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الوَصِيَّةُ دَعْوَةً إِلَى اليَقَظَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ، وَالِالْتِزَامِ بِالإِيمَانِ الحَيِّ، وَالجِهَادِ الرُّوحِيِّ، وَحِرَاسَةِ القَلْبِ، وَالثَّبَاتِ فِي النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَإِذَا أَهْمَلَ الإِنْسَانُ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ الرُّوحِيَّةَ، فَإِنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِخَطَرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ يُحَذِّرُ مِنْهُمَا المَثَلُ.
التَّحْذِيرُ الأَوَّلُ: خَطَرُ الإِهْمَالِ الرُّوحِيِّ وَفَوَاتِ فُرْصَةِ الِاسْتِعْدَادِ
يُحَذِّرُنَا يَسُوعُ مِنْ عَوَاقِبِ الإِهْمَالِ فِي الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ، وَمِنْ تَأْجِيلِ التَّوْبَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَمِنَ الِانْشِغَالِ بِالأُمُورِ الزَّائِلَةِ عَلَى حِسَابِ العَلَاقَةِ بِاللهِ. فَمِنَ المَأْسَاةِ الرُّوحِيَّةِ أَنْ يَقْضِيَ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ فِي الغَفْلَةِ، وَأَنْ يُهْمِلَ تَنْشِئَةَ ضَمِيرِهِ وَتَنْمِيَةَ إِيمَانِهِ وَمُمَارَسَةَ المَحَبَّةِ، ثُمَّ يَجِدَ نَفْسَهُ غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ عِنْدَ حُلُولِ سَاعَةِ اللِّقَاءِ بِالرَّبِّ.
وَتَتَجَلَّى خُطُورَةُ هٰذَا الإِهْمَالِ فِي جَوَابِ العَرِيسِ لِلْعَذَارَى الجَاهِلَاتِ: “الحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي لَا أَعْرِفُكُنَّ” (مَتَّى 25: 12). وَلَا تَعْنِي عِبَارَةُ “لَا أَعْرِفُكُنَّ” جَهْلَ المَسِيحِ بِهُوِيَّةِ الأَشْخَاصِ، بَلْ تُعَبِّرُ عَنْ غِيَابِ عَلَاقَةِ الشَّرِكَةِ وَالأَمَانَةِ الَّتِي تُؤَهِّلُهُمْ لِلدُّخُولِ إِلَى فَرَحِ المَلَكُوتِ.
وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ العَذَارَى الجَاهِلَاتِ لَمْ يُحْرَمْنَ مِنَ العُرْسِ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَحْمِلْنَ مَصَابِيحَ، بَلْ لِأَنَّهُنَّ أَهْمَلْنَ الزَّيْتَ الضَّرُورِيَّ لِإِضَاءَتِهَا. وَيَرْبِطُ الزَّيْتَ بِأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ وَمَحَبَّةِ القَرِيبِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ المُمَارَسَاتِ النُّسْكِيَّةَ لَا تَكْفِي وَحْدَهَا دُونَ المَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ (العِظَةُ 78، الفَقَرَتَانِ 1–2؛ PG 58). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ التَّحْذِيرَ الأَوَّلَ يُوَجَّهُ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يَظُنُّ أَنَّ الِانْتِمَاءَ الخَارِجِيَّ إِلَى الكَنِيسَةِ، أَوِ الِاكْتِفَاءَ بِالمُمَارَسَاتِ الدِّينِيَّةِ الشَّكْلِيَّةِ، يَضْمَنُ لَهُ الخَلَاصَ دُونَ تَوْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَأَمَانَةٍ. فَالزَّمَنُ الحَاضِرُ هُوَ زَمَنُ النِّعْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالعَمَلِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ المَسِيحِ يَبْدَأُ اليَوْمَ، لَا فِي لَحْظَةٍ نَجْهَلُ مَوْعِدَهَا.
وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ هٰذَا التَّحْذِيرُ عَلَى أَنَّهُ إِنْكَارٌ لِرَحْمَةِ اللهِ أَوْ لِإِمْكَانِ التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ حَتَّى نِهَايَةِ الحَيَاةِ؛ فَالرَّبُّ يَدْعُو الخَاطِئَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ مَا دَامَ زَمَنُ التَّوْبَةِ مُتَاحًا (حِزْقِيَال 18: 23؛ لُوقَا 23: 39–43).
التَّحْذِيرُ الثَّانِي: اسْتِحَالَةُ اسْتِعَارَةِ الِاسْتِعْدَادِ الرُّوحِيِّ مِنَ الآخَرِينَ
يُبْرِزُ المَثَلُ حَقِيقَةً لَاهُوتِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً أَسَاسِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ عَلَاقَةَ الإِنْسَانِ بِاللهِ تَتَطَلَّبُ اسْتِجَابَةً شَخْصِيَّةً لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُومَ بِهَا نِيَابَةً عَنْهُ.
فَعِنْدَمَا اكْتَشَفَتِ العَذَارَى الجَاهِلَاتُ نَقْصَ الزَّيْتِ، طَلَبْنَ مِنَ العَاقِلَاتِ أَنْ يُعْطِينَهنَّ مِنْ زَيْتِهِنَّ، وَلٰكِنَّ الِاسْتِعْدَادَ الشَّخْصِيَّ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلِاسْتِعَارَةِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الحَاسِمَةِ (مَتَّى 25: 8–9).
وَفِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، لَا يَعْنِي هٰذَا المَوْقِفُ أَنَّ العَاقِلَاتِ كُنَّ أَنَانِيَّاتٍ أَوْ عَدِيمَاتِ الرَّحْمَةِ، بَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ الأَمَانَةَ لِلَّهِ وَنَقَاوَةَ الضَّمِيرِ وَالمَحَبَّةَ الصَّادِقَةَ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا آليًّا مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ. وَيَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الزَّيْتَ يَرْمُزُ إِلَى المَحَبَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَشَهَادَةِ الضَّمِيرِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَعِيضَ عَنْ نَقَاوَةِ قَلْبِهِ بِمَدِيحِ الآخَرِينَ أَوْ بِفَضَائِلِهِمْ (PL 38). وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُؤَدِّي إِذًا عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ” (رُومِيَة 14: 12). وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ إِنْكَارَ قِيمَةِ شَرِكَةِ القِدِّيسِينَ، أَوِ الصَّلَاةِ المُتَبَادَلَةِ، أَوْ مُسَاعَدَةِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ بَلْ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مَدْعُوٌّ إِلَى التَّجَاوُبِ الحُرِّ وَالشَّخْصِيِّ مَعَ نِعْمَةِ اللهِ. فَالِاسْتِعْدَادُ الرُّوحِيُّ لَا يُشْتَرَى وَلَا يُسْتَعَارُ، بَلْ يَنْضَجُ فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ بِالتَّعَاوُنِ مَعَ نِعْمَةِ اللهِ وَمُمَارَسَةِ المَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
مِنَ التَّحْذِيرِ إِلَى التَّشْجِيعِ: الدَّعْوَةُ إِلَى الثَّبَاتِ فِي النُّورِ
لَا يَقْتَصِرُ مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الغَفْلَةِ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا رِسَالَةَ تَشْجِيعٍ وَرَجَاءٍ وَمُثَابَرَةٍ، تَدْعُو المُؤْمِنِينَ إِلَى البَقَاءِ أُمَنَاءَ لِلْمَسِيحِ وَثَابِتِينَ فِي انْتِظَارِ مَجِيئِهِ. وَيُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هٰذِهِ الدَّعْوَةِ بِقَوْلِهِ: “فَافْعَلُوا كُلَّ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ غَيْرِ تَذَمُّرٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، لِتَكُونُوا بِلَا لَوْمٍ وَلَا شَائِبَةٍ، وَأَبْنَاءَ اللهِ بِلَا عَيْبٍ فِي جِيلٍ ضَالٍّ فَاسِدٍ، تُضِيئُونَ ضِيَاءَ النَّيِّرَاتِ فِي الكَوْنِ” (فِيلِبِّي 2: 14–15).
وَتُوَضِّحُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ المُؤْمِنَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ نُورًا فِي العَالَمِ، لَا بِالأَقْوَالِ وَحْدَهَا، بَلْ بِشَهَادَةِ الحَيَاةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى أَنَّ السَّهَرَ الحَقِيقِيَّ يَتَحَقَّقُ بِالقَلْبِ وَالإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لِأَنَّ اليَقَظَةَ الرُّوحِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِعْدَادِ الدَّاخِلِيِّ، لَا بِالِامْتِنَاعِ الجَسَدِيِّ عَنِ النَّوْمِ (PL 38). وَهٰكَذَا، يَدْعُونَا يَسُوعُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالعَذَارَى العَاقِلَاتِ، اللَّاتِي احْتَفَظْنَ بِمَصَابِيحِهِنَّ مُضِيئَةً، وَاسْتَعْدَدْنَ لِلِقَاءِ العَرِيسِ، وَدَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى فَرَحِ العُرْسِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ صَاحِبُ المَزَامِيرِ فِي وَصْفِ المُؤْمِنِينَ الأُمَنَاءِ: “الحَافِظِينَ عَهْدَهُ، الذَّاكِرِينَ أَوَامِرَهُ لِيَعْمَلُوا بِهَا” (المَزْمُور 103: 18).
الخُلَاصَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالرَّعَوِيَّةُ
يَضَعُنَا مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ أَمَامَ حَقِيقَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: مَسْؤُولِيَّةِ الإِنْسَانِ عَنْ حَيَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ، وَضَرُورَةِ الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ.
فَالتَّحْذِيرُ الأَوَّلُ يَدْعُونَا إِلَى تَجَنُّبِ الإِهْمَالِ وَتَأْجِيلِ التَّوْبَةِ، وَالتَّحْذِيرُ الثَّانِي يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ الشَّخْصِيَّ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَارَتُهُ مِنَ الآخَرِينَ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ المَثَلُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ هُوَ: إِذَا جَاءَ المَسِيحُ العَرِيسُ لِيَدْعُوَنَا إِلَى وَلِيمَتِهِ السَّمَاوِيَّةِ، فَهَلْ يَجِدُنَا مُسْتَعِدِّينَ، وَمَصَابِيحُ إِيمَانِنَا مُتَّقِدَةٌ بِزَيْتِ المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؟
إِنَّ الرِّسَالَةَ الأَخِيرَةَ لِلْمَثَلِ لَيْسَتِ الخَوْفَ مِنْ مَجِيءِ المَسِيحِ، بَلِ الِاسْتِعْدَادَ لِاسْتِقْبَالِهِ بِالفَرَحِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ. وَلْنَجْعَلْ وَصِيَّتَهُ الإِنْجِيلِيَّةَ بَرْنَامَجًا لِحَيَاتِنَا: “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13).
الخُلَاصَةُ: السَّهَرُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ المَسِيحِ العَرِيسِ (مَتَّى 25: 1–13)
يُؤَكِّدُ السَّيِّدُ يَسُوعُ المَسِيحُ، فِي مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ، حَتْمِيَّةَ مَجِيئِهِ الثَّانِي، وَعَدَمَ مَعْرِفَةِ مَوْعِدِهِ، وَضَرُورَةَ السَّهَرِ وَالِاسْتِعْدَادِ الرُّوحِيِّ الدَّائِمِ. فَالحَيَاةُ المَسِيحِيَّةُ هِيَ مَسِيرَةُ إِيمَانٍ وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ، يَتَجَاوَبُ فِيهَا المُؤْمِنُ مَعَ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، وَيُثْمِرُ أَعْمَالًا صَالِحَةً تُهَيِّئُهُ لِلِقَاءِ الرَّبِّ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الطَّرِيقَ الأَفْضَلَ لِلِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ مَجِيءِ المَسِيحِ هُوَ أَنْ نَعِيشَ كُلَّ يَوْمٍ فِي حَالَةِ اسْتِعْدَادٍ، مُغْتَنِمِينَ زَمَنَ النِّعْمَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّوْبَةِ وَالأَمَانَةِ لِلْوَاجِبَاتِ وَمُمَارَسَةِ المَحَبَّةِ (أَفَسُس 5: 15–16).
وَيَدْعُو المَسِيحُ جَمَاعَةَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالعَذَارَى العَاقِلَاتِ، اللَّاتِي لَمْ يَكْتَفِينَ بِحَمْلِ المَصَابِيحِ، بَلْ أَعْدَدْنَ الزَّيْتَ مُسْبَقًا، فَاسْتَطَعْنَ اسْتِقْبَالَ العَرِيسِ وَالدُّخُولَ مَعَهُ إِلَى وَلِيمَةِ العُرْسِ (مَتَّى 25: 4، 10). وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُشِيرُ الزَّيْتُ إِلَى المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَنَقَاوَةِ الضَّمِيرِ؛ إِذْ يُبْرِزُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَهَمِّيَّةَ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ، (PG 58)؛ فِيمَا يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ ضَرُورَةَ المَحَبَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ ( PL 38).
وَيُعَلِّمُنَا المَثَلُ أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ الرُّوحِيَّ لَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهُ أَوِ اسْتِعَارَتُهُ مِنَ الآخَرِينَ؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ مَسْؤُولٌ عَنْ اسْتِجَابَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ لِنِعْمَةِ اللهِ، وَعَنْ نُمُوِّهِ فِي الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ. وَلَا يَكْفِي الِانْتِمَاءُ الظَّاهِرِيُّ إِلَى الكَنِيسَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَتَجَذَّرَ حَيَاةُ المُؤْمِنِ فِي عَلَاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسِيحِ، تَظْهَرُ ثِمَارُهَا فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَمَعَ أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَتَسَانَدُونَ بِالصَّلَاةِ وَالمَحَبَّةِ وَشَرِكَةِ القِدِّيسِينَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ الآخَرِ فِي اسْتِجَابَتِهِ الحُرَّةِ لِلدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ (رُومِيَة 14: 12؛ غَلَاطِيَة 5: 6).
وَمِنْ هُنَا، يَنْبَغِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَخْرُجَ رُوحِيًّا لِمُلَاقَاةِ المَسِيحِ العَرِيسِ، حَامِلًا مِصْبَاحَ الإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَزَيْتَ المَحَبَّةِ الَّتِي يُنَمِّيهَا الرُّوحُ القُدُسُ فِي القُلُوبِ (رُومِيَة 5: 5). فَالمُؤْمِنُ لَا يَخْتَارُ سَاعَةَ مَجِيءِ الرَّبِّ، وَلَا يَعْرِفُ مَوْعِدَهَا، لِأَنَّ الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ تَبْقَى فِي سُلْطَانِ الآبِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 1: 7). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ طُولَ الِانْتِظَارِ يُصْبِحُ امْتِحَانًا لِلْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ، وَدَعْوَةً إِلَى الثَّبَاتِ وَالمُثَابَرَةِ، لَا إِلَى الفُتُورِ وَالإِهْمَالِ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُعْلِنُ سِفْرُ الرُّؤْيَا: “طُوبَى لِلَّذِي يَسْهَرُ وَيَحْفَظُ ثِيَابَهُ” (رُؤْيَا 16: 15). فَالسَّهَرُ الحَقِيقِيُّ هُوَ المُحَافَظَةُ عَلَى ثَوْبِ النِّعْمَةِ وَنَقَاوَةِ القَلْبِ وَالأَمَانَةِ لِلْمَسِيحِ، حَتَّى يَكُونَ المُؤْمِنُ مُسْتَعِدًّا لِلْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ وَلِيمَةِ الحَمَلِ (رُؤْيَا 19: 7–9).
وَيَجِدُ هٰذَا الِانْتِظَارُ تَعْبِيرًا لِيتُورْجِيًّا بَلِيغًا فِي تَرْنِيمَةِ الخَتَنِ، أَيْ العَرِيسِ، فِي التَّقْلِيدِ البِيزَنْطِيِّ، الَّتِي تَدْعُو النَّفْسَ إِلَى اليَقَظَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَتَسْتَلْهِمُ صُورَةَ العَرِيسِ الآتِي فِي نِصْفِ اللَّيْلِ: “هُوَذَا الخَتَنُ يَأْتِي فِي نِصْفِ اللَّيْلِ، فَطُوبَى لِلْعَبْدِ الَّذِي يَجِدُهُ مُسْتَيْقِظًا، أَمَّا الَّذِي يَجِدُهُ مُتَغَافِلًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْمُضِيِّ مَعَهُ. فَانْظُرِي، يَا نَفْسِي، لِئَلَّا تَثْقُلِي نَوْمًا فَتُلْقَيْ خَارِجَ المَلَكُوتِ، بَلِ اسْهَرِي وَاصْرُخِي قَائِلَةً: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ أَنْتَ يَا اللهُ، مِنْ أَجْلِ وَالِدَةِ الإِلٰهِ ارْحَمْنَا” (مِنْ صَلَوَاتِ الخَتَنِ فِي أُسْبُوعِ الآلَامِ بِالتَّقْلِيدِ البِيزَنْطِيِّ).
وَهٰكَذَا، فَإِنَّ رِسَالَةَ مَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ تَتَلَخَّصُ فِي أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ المَسِيحِ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِهِ، عَلَيْهِ أَنْ يَعِيشَ مُنْذُ الآنَ فِي نُورِهِ، وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَى مِصْبَاحِ إِيمَانِهِ مُتَّقِدًا بِزَيْتِ المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ المَسِيحِ غَدًا يَبْدَأُ بِالأَمَانَةِ لَهُ اليَوْمَ. “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13).
الدُّعَاءُ
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا يَنْبُوعَ الحَيَاةِ وَالمَحَبَّةِ، اِمْلَأْ قُلُوبَنَا مِنْ رُوحِكَ القُدُسِ، الَّذِي يُحْيِينَا فِي المَسِيحِ يَسُوعَ، وَيُنِيرُ دُرُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ.
هَبْ لَنَا نِعْمَةَ السَّهَرِ الرُّوحِيِّ وَالِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ، لِكَيْ نَكُونَ عَلَى مِثَالِ العَذَارَى الخَمْسِ العَاقِلَاتِ، مُتَيَقِّظِينَ وَأُمَنَاءَ لِوَصَايَاكَ، وَمَصَابِيحُنَا مُضِيئَةٌ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَوْعِيَتُنَا مَمْلُوءَةٌ بِزَيْتِ المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَنِعْمَةِ رُوحِكَ القُدُسِ.
وَإِذَا جَاءَ ابْنُكَ الحَبِيبُ، يَسُوعُ المَسِيحُ، العَرِيسُ الإِلٰهِيُّ، وَجَدَنَا سَاهِرِينَ وَمُسْتَعِدِّينَ لِاسْتِقْبَالِهِ، فَيَدْعُونَا لِلدُّخُولِ مَعَهُ إِلَى وَلِيمَةِ العُرْسِ السَّمَاوِيِّ، حَيْثُ نَحْيَا فِي شَرِكَةِ مَحَبَّتِهِ وَفَرَحِ مَلَكُوتِهِ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.
وَمَعَ الكَنِيسَةِ المُنْتَظِرَةِ، نَرْفَعُ إِلَيْكَ صَلَاتَنَا قَائِلِينَ: “آمِينَ! تَعَالَ، أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ!” (رُؤْيَا 22: 20). آمِينَ.
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةُ: “المِصْبَاحُ الَّذِي لَمْ يَنْطَفِئْ”
فِي إِحْدَى القُرَى الفِلَسْطِينِيَّةِ، كَانَ يَعِيشُ رَجُلَانِ مُتَقَارِبَانِ فِي العُمْرِ، يُدْعَى الأَوَّلُ يُوسُفَ، وَالثَّانِي سَلِيمًا. وَكَانَا صَدِيقَيْنِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ، يَحْضُرَانِ القُدَّاسَ الأَحَدِ، وَيُشَارِكَانِ فِي المُنَاسَبَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ نَظْرَتَهُمَا إِلَى الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً.
كَانَ يُوسُفُ رَجُلًا بَسِيطًا، يَعْمَلُ بِجِدٍّ لِيُعِيلَ أُسْرَتَهُ، وَيُخَصِّصُ وَقْتًا يَوْمِيًّا لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الإِنْجِيلِ. وَكَانَ يَزُورُ المَرْضَى وَالمُسِنِّينَ، وَيُسَاعِدُ العَائِلَاتِ المُحْتَاجَةَ بِصَمْتٍ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ شُكْرًا أَوْ مَدِيحًا. وَكَانَ يُرَدِّدُ دَائِمًا: “لَا أَعْرِفُ مَتَى يَدْعُونِي الرَّبُّ إِلَيْهِ، وَلٰكِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَجِدَنِي أَمِينًا فِي مَحَبَّتِهِ وَخِدْمَةِ إِخْوَتِي”.
أَمَّا سَلِيمٌ، فَكَانَ رَجُلًا نَاجِحًا فِي أَعْمَالِهِ، مَشْغُولًا بِتِجَارَتِهِ وَمَشَارِيعِهِ، وَكَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيَحْتَرِمُ الكَنِيسَةَ، لٰكِنَّهُ كَانَ يُؤَجِّلُ دَائِمًا الِاهْتِمَامَ بِحَيَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ. وَكُلَّمَا دَعَاهُ يُوسُفُ إِلَى الصَّلَاةِ أَوْ زِيَارَةِ مَرِيضٍ أَوْ مُسَاعَدَةِ مُحْتَاجٍ، كَانَ يُجِيبُ: “لَا تَقْلَقْ عَلَيَّ يَا يُوسُفُ! مَا زَالَ أَمَامَنَا وَقْتٌ طَوِيلٌ. عِنْدَمَا أَتَقَاعَدُ سَأُخَصِّصُ وَقْتًا أَكْبَرَ لِلصَّلَاةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ”. وَكَانَ يُوسُفُ يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ لَهُ: “يَا صَدِيقِي، نَحْنُ نَمْلِكُ اليَوْمَ، وَلٰكِنَّنَا لَا نَضْمَنُ الغَدَ. أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الرَّبِّ: فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ؟” (مَتَّى 25: 13).
مَرَّتِ السِّنُونَ، وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي الشِّتَوِيَّةِ، أُصِيبَ يُوسُفُ بِوَعْكَةٍ صِحِّيَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَنُقِلَ إِلَى المُسْتَشْفَى. وَعِنْدَمَا عَلِمَ سَلِيمٌ بِمَرَضِ صَدِيقِهِ، أَسْرَعَ لِزِيَارَتِهِ. وَجَدَهُ مُتْعَبًا، وَلٰكِنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَشِعُّ بِسَلَامٍ دَاخِلِيٍّ عَمِيقٍ. فَسَأَلَهُ سَلِيمٌ مُتَأَثِّرًا: “أَلَا تَخَافُ المَوْتَ يَا يُوسُفُ؟”. فَأَجَابَهُ بِهُدُوءٍ: “أَخَافُ الضَّعْفَ وَالأَلَمَ كَكُلِّ إِنْسَانٍ، وَلٰكِنِّي أَضَعُ رَجَائِي فِي رَحْمَةِ اللهِ. لَمْ أَكُنْ إِنْسَانًا كَامِلًا، وَلَقَدْ أَخْطَأْتُ كَثِيرًا، لٰكِنِّي حَاوَلْتُ كُلَّ يَوْمٍ أَنْ أُبْقِيَ مِصْبَاحَ إِيمَانِي مُضِيئًا بِالمَحَبَّةِ وَالتَّوْبَةِ”. ثُمَّ أَضَافَ: “أَتَذْكُرُ مَثَلَ العَذَارَى العَشْرِ؟ لَمْ تَكُنِ العَذَارَى العَاقِلَاتُ يَعْرِفْنَ مَوْعِدَ وُصُولِ العَرِيسِ، وَلٰكِنَّهُنَّ كُنَّ مُسْتَعِدَّاتٍ. هٰذَا مَا حَاوَلْتُ أَنْ أَعِيشَهُ”. وَبَعْدَ أَيَّامٍ، تُوُفِّيَ يُوسُفُ، وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ أُسْرَتُهُ وَرَافَقَتْهُ بِالصَّلَاةِ.
فِي يَوْمِ الجِنَازَةِ، امْتَلَأَتِ الكَنِيسَةُ بِأُنَاسٍ كَثِيرِينَ. وَمِنْ بَيْنِهِمْ أَرْمَلَةٌ مُسِنَّةٌ كَانَ يُوسُفُ يَزُورُهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ، وَشَابٌّ سَاعَدَهُ فِي إِكْمَالِ دِرَاسَتِهِ، وَعَائِلَةٌ فَقِيرَةٌ كَانَ يَحْمِلُ إِلَيْهَا الطَّعَامَ فِي الأَعْيَادِ. وَكَانَ سَلِيمٌ يَسْتَمِعُ إِلَى شَهَادَاتِهِمْ بِصَمْتٍ وَتَأَثُّرٍ.
وَفِي عِظَةِ الجِنَازَةِ، قَالَ الكَاهِنُ: “إِنَّ الإِنْسَانَ لَا يَحْمِلُ مَعَهُ عِنْدَ رَحِيلِهِ أَمْوَالَهُ وَمُمْتَلَكَاتِهِ، بَلْ يَقِفُ أَمَامَ اللهِ مُحْتَاجًا إِلَى رَحْمَتِهِ، وَتَشْهَدُ حَيَاتُهُ لِإِيمَانِهِ وَمَحَبَّتِهِ. فَلْنَطْلُبْ لِأَخِينَا الرَّاحَةَ الأَبَدِيَّةَ، وَلْنَتَعَلَّمْ مِنْ مِثَالِهِ أَنْ نَسْتَعِدَّ كُلَّ يَوْمٍ لِلِقَاءِ الرَّبِّ”. وَعِنْدَئِذٍ، تَذَكَّرَ سَلِيمٌ كَلِمَاتِ صَدِيقِهِ: “نَحْنُ نَمْلِكُ اليَوْمَ، وَلٰكِنَّنَا لَا نَضْمَنُ الغَدَ”. وَفَهِمَ أَنَّ صَدِيقَهُ لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ المَوْتَ بِخَوْفٍ، بَلْ كَانَ يَعِيشُ فِي انْتِظَارِ المَسِيحِ بِالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ، بَدَأَ سَلِيمٌ يُعِيدُ النَّظَرَ فِي حَيَاتِهِ. فَعَادَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى سِرِّ المُصَالَحَةِ، وَخَصَّصَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ وَمَالِهِ لِخِدْمَةِ المُحْتَاجِينَ. وَكَانَ يَقُولُ لِأَبْنَائِهِ: “لَقَدْ عَلَّمَنِي يُوسُفُ دَرْسًا لَنْ أَنْسَاهُ: لَا تَنْتَظِرُوا الغَدَ لِتَصْنَعُوا الخَيْرَ، فَإِنَّ زَيْتَ المَحَبَّةِ يُجْمَعُ اليَوْمَ، لَا عِنْدَ وُصُولِ العَرِيسِ”.
العِبْرَةُ الرُّوحِيَّةُ مِنَ القِصَّةِ
تُجَسِّدُ هٰذِهِ القِصَّةُ الرِّسَالَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِمَثَلِ العَذَارَى العَشْرِ: الِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ المَسِيحِ لَا يَبْدَأُ عِنْدَ اقْتِرَابِ المَوْتِ، بَلْ يَبْدَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ نَعِيشُهُ مَعَ اللهِ وَمَعَ إِخْوَتِنَا. فَيُوسُفُ يُمَثِّلُ الحِكْمَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَسْتَثْمِرُ وَقْتَهُ فِي الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَأَعْمَالِ الرَّحْمَةِ. أَمَّا سَلِيمٌ، فَيُمَثِّلُ خَطَرَ تَأْجِيلِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَلٰكِنَّهُ يُجَسِّدُ أَيْضًا إِمْكَانَ التَّغْيِيرِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ مَا دَامَ زَمَنُ النِّعْمَةِ مُتَاحًا.
وَتَبْقَى الرِّسَالَةُ الأَخِيرَةُ: لَا تُؤَجِّلْ مَحَبَّةَ اللهِ وَالقَرِيبِ إِلَى الغَدِ؛ فَكُلُّ يَوْمٍ هُوَ فُرْصَةٌ لِإِضَاءَةِ مِصْبَاحِكَ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ المَسِيحِ العَرِيسِ. “فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ اليَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ” (مَتَّى 25: 13).