الأحَد السَّادِس عشر من السَّنة: مَثَل الزُّؤان وحَبَّةِ الخَردَل وَالخَميرة (متى 13: 24-43)
أ. د. لويس حزبون
النَّص الإنْجيلي:
24وضرَبَ لَهم مَثَلاً آخَرَ قال: ((مَثَل ُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرْعاً طَيِّباً في حَقلِه. 25وبَينما النَّاسُ نائمون، جاءَ عَدوُّهُ فزَرعَ بَعدَه بينَ القَمحِ زُؤاناً وانْصَرَف. 26فلَمَّا نَمى النَّبْتُ وأَخرَجَ سُنبُلَه، ظَهَرَ معَه الزُّؤان. 27فجاءَ رَبَّ البيتِ خَدَمُه وقالوا له: ((يا ربّ، ألَم تَزرَعْ زَرْعاً طَيِّباً في حَقلِكَ؟ فمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤان؟)) 28فقالَ لَهم: ((أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذلك)) فقالَ له الخَدَم: ((أَفَتُريدُ أَن نَذهَبَ فنَجمَعَه؟)) 29فقال: ((لا، مَخافةَ أَن تَقلَعوا القَمْحَ وأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤان، 30فَدَعوهما يَنبُتانِ معاً إِلى يَومِ الحَصاد، حتَّى إِذا أَتى وَقْتُ الحَصاد، أَقولُ لِلحَصَّادين: اِجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلاً واربِطوه حُزَماً لِيُحرَق. وأَمَّا القَمْح فَاجمَعوه وَأتوا بِه إِلى أَهرائي )).31وضربَ لَهم مَثَلاً آخَرَ قال: ((مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ حَبَّةِ خَردَل أَخذَها رَجُلٌ فَزرعَها في حَقلِه. 32هيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول، بل صارَت شَجَرَةً حتَّى إِنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتي فتُعَشِّشُ في أَغصانِها)).33وأَورَدَ لَهم مَثَلاً آخَرَ قال: ((مثَلُ مَلَكوتِ السَّموات كَمَثلِ خَميرةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلتها في ثَلاثةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمرَت كُلُّها)). 34هذا كُلُّه قالَه يسوعُ لِلجُموعِ بِالأَمثال، ولَم يقُلْ لَهُم شَيئاً مِن دونِ مَثَل، 35لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيّ: ((أَتَكَلَّمُ بِالأَمثال وأُعلِنُ ما كانَ خَفِيّاً مُنذُ إِنشاءِ العالَم)).36 ثُمَّ تَركَ الجُموعَ ورَجَعَ إِلى البَيت. فدَنا مِنه تَلاميذُه وقالوا له: ((فَسِّرْ لَنا مثَلَ زُؤانِ الحَقْل)). 37فأَجابَهم: ((الَّذي يَزرَعُ الزَّرْعَ الطَّيِّبَ هو ابنُ الإِنسان، 38والحَقْلُ هو العالَم والزَّرْعُ الطَّيِّبُ بَنُو المَلَكوت، والزُّؤانُ بَنُو الشِّرِّير، 39والعَدُوُّ الَّذي زَرَعَه هو إِبليس، والحَصادُ هوُ نِهايَةُ العالَم، والحَصَّادونَ هُمُ المَلائِكة. 40فكما أَنَّ الزُّؤانَ يُجمَعُ ويُحرَقُ في النَّار، فكذلك يكونُ عِندَ نِهايَةِ العالَم: 41يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائكتَه، فَيَجْمَعونَ مُسَبِّبي العَثَراتِ والأَثَمَةَ كافَّةً، فيُخرِجونَهم مِن مَلَكوتِه، 42ويَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار، فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان. 43 والصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم. فمَن كانَ له أُذُنان فَلْيَسْمَعْ!
المقدِّمة
يُسلِّطُ إِنجيلُ الأَحدِ (متّى 13: 24-43) الأَضواءَ على تَعليمِ يَسوعَ حَولَ نُموِّ مَلَكوتِ السَّماواتِ في العالَمِ، وَما يُواجِهُهُ مِن تَحَدِّياتٍ وَأَخطارٍ، وَالكَيفِيَّةِ الَّتي يَدعو بِها تَلاميذَهُ إِلى التَّعامُلِ مَعَها. فَمِن خِلالِ مَثَلِ الزُّؤانِ (متّى 13: 24-30) يُعلِّمُهُم فَضيلَةَ الصَّبرِ وَالثِّقَةِ بِحِكمَةِ اللهِ الَّذي يُؤَجِّلُ الدَّينونَةَ إِلى وَقتِ الحَصادِ، وَمِن خِلالِ مَثَلِ حَبَّةِ الخَردَلِ (متّى 13: 31-32) يَزرَعُ في قُلوبِهِم الرَّجاءَ وَالثِّقَةَ بِأَنَّ المَلَكوتَ، وَإِن بَدَأَ صَغيرًا، فَإِنَّهُ يَنمو بِقُوَّةِ اللهِ حَتّى يَبلُغَ كَمالَهُ، وَمِن خِلالِ مَثَلِ الخَميرَةِ (متّى 13: 33) يُظهِرُ فاعِلِيَّةَ عَمَلِ اللهِ الخَفِيِّ الَّذي يُغَيِّرُ الإِنسانَ وَالعالَمَ مِنَ الدّاخِلِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “إِنَّ المَسيحَ يُشَجِّعُ تَلاميذَهُ أَلّا يَرتاعوا مِن قِلَّةِ العَدَدِ وَلا مِن قُوَّةِ الشَّرِّ، لأَنَّ قُوَّةَ المَلَكوتِ كامِنَةٌ في عَمَلِ اللهِ لا في قُدُراتِ البَشَرِ” (475، PG 58). وَمِنْ هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ، ثُمَّ استِخلاصِ أَبعادهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ لِحَياتِنا اليَومَ.
أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (مَتّى 13: 24-43)
24 وَضَرَبَ لَهُم مَثَلًا آخَرَ قالَ: “مَثَلُ مَلَكوتِ السَّماواتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرعًا طَيِّبًا في حَقلِهِ.”
تُشيرُ عِبارَةُ “ضَرَبَ لَهُم مَثَلًا” إِلى أَنَّ يَسوعَ قَدَّمَ لِلجُموعِ مَثَلًا يَحمِلُ في طَيّاتِهِ حَقيقَةً رُوحِيَّةً عَميقَةً، يَدعو السّامِعينَ إِلى التَّأَمُّلِ وَالتَّمييزِ، لا إِلى الاِكتِفاءِ بِفَهمِهِ الحَرفِيِّ. فَالمَثَلُ يَستَثيرُ الفِكرَ وَيُحَرِّكُ القَلبَ لِلبَحثِ عَن سِرِّ مَلَكوتِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَستَعمِلِ المَسيحُ الأَمثالَ لِيُخفِيَ الحَقَّ، بَل لِيُثِيرَ رَغبَةَ السّامِعينَ في البَحثِ عَنهُ، فَيَكونَ التَّعلِيمُ أَرسَخَ في قُلوبِهِم” (476، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ “مَثَلُ مَلَكوتِ السَّماواتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ” Ὡμοιώθη ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν. فَلا تُشيرُ إِلى تَشبيهِ مَلَكوتِ السَّماواتِ بِالرَّجُلِ نَفسِهِ، بَلْ بِالحَدَثِ الَّذي يَقُومُ بِهِ هٰذا الرَّجُلُ، أَي بِعَمَلِيَّةِ الزِّراعَةِ وَما يَتَرَتَّبُ عَلَيها. فَالمَثَلُ يَكشِفُ طَريقَةَ عَمَلِ اللهِ في تَدبيرِ الخَلاصِ خِلالَ زَمَنِ الكَنيسَةِ، كَما يَتَّضِحُ في تَفسيرِ يَسوعَ لِلمَثَلِ (متّى 13: 37-43). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه أَنَّ: “المَسيحَ يُشبِّهُ المَلَكوتَ بِما يَفعَلُهُ صاحِبُ الحَقلِ، لأَنَّ اللهَ يَعمَلُ في العالَمِ بِحِكمَةٍ وَصَبرٍ حَتّى يَحينَ وَقتُ الحَصادِ” (1018، PL 9). يَسْتَهِلُّ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ كُلَّ مَثَلٍ مِنْ هٰذِهِ الأَمْثَالِ بِالعِبَارَةِ: “مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 13: 24، 31، 33)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الأَمْثَالَ الثَّلَاثَةَ تَدُورُ حَوْلَ مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ، هُوَ سِرُّ مَلَكُوتِ اللهِ وَطَرِيقَةُ نُمُوِّهِ وَعَمَلِهِ فِي العَالَمِ.
أَمَّا عِبَارَةُ: “كَمَثَلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ“، فَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى الْفِعْلَ الْيُونَانِيَّ ὡμοιώθη، وَهُوَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ وَيَعْنِي حَرْفِيًّا: “جُعِلَ مُمَاثِلًا” أَوْ “صَارَ مَشَبَّهًا”، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ “يُشْبِهُ”. وَتُعْرَفُ هٰذِهِ الصِّيغَةُ فِي اللُّغَةِ الْيُونَانِيَّةِ بِـ “الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ الإِلَهِيِّ”، حَيْثُ يُفْهَمُ أَنَّ الْفَاعِلَ الضِّمْنِيَّ هُوَ اللهُ. وَبِذٰلِكَ يَكُونُ الْمَعْنَى: “إِنَّ اللهَ جَعَلَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُعْرَضُ وَيُفْهَمُ مِنْ خِلَالِ هٰذَا الْمَثَلِ”. فَالْمَثَلُ لَيْسَ تَشْبِيهًا أَدَبِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَهِيَّةٌ لِكَشْفِ أَسْرَارِ الْمَلَكُوتِ. وَمِنْ ثَمَّ، يُهَيِّئُ هٰذَا الأُسْلُوبُ الْقَارِئَ لِيُدْرِكَ أَنَّ الْمَثَلَ لَا يَرْوِي قِصَّةً تَارِيخِيَّةً، بَلْ يُقَدِّمُ إِعْلَانًا رَمْزِيًّا يَكْشِفُ حَقِيقَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً عَنْ مَلَكُوتِ اللهِ.
أَمَّا عِبارَةُ “مَلَكوتِ السَّماواتِ” فَتُشيرُ إِلى مُلكِ اللهِ الَّذي دَشَّنَهُ المَسيحُ بِمَجيئِهِ، وَالَّذي يَبدَأُ في العالَمِ وَيَنمو في الكَنيسَةِ، إِلى أَن يَبلُغَ كَمالَهُ في المَجدِ الأَبَدِيِّ. فَهُوَ حاضِرٌ الآنَ بِقُوَّةِ النِّعمَةِ، وَسَيَظهَرُ في مِلئِهِ عِندَ المَجيءِ الثّاني.
أَمَّا عِبَارَةُ: “كَمَثَلِ رَجُلٍ“، فَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ الاسْمَ الْيُونَانِيَّ ἄνθρωπος، الَّذِي لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ “رَجُلًا” بِالْمَعْنَى الذَّكَرِيِّ، بَلْ “إِنْسَانًا” بِالْمَعْنَى الْعَامِّ. وَغَيْرَ أَنَّ هُوِيَّةَ هٰذَا “الإِنْسَانِ” لَا تَبْقَى مُبْهَمَةً، لأَنَّ يَسُوعَ يُفَسِّرُ الْمَثَلَ بِنَفْسِهِ قَائِلًا: “الزَّارِعُ الزَّرْعَ الْجَيِّدَ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ” (متى 13: 37). وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ “الرَّجُلَ” فِي الْمَثَلِ يُشِيرُ إِلَى الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، الَّذِي يَزْرَعُ بِذَارَ الْمَلَكُوتِ فِي حَقْلِ الْعَالَمِ. وَاخْتِيَارُ مَتَّى لِلَفْظِ ἄνθρωπος يَنْسَجِمُ مَعَ اللَّقَبِ الْمَسِيحَانِيِّ “ابْنُ الإِنْسَانِ” (ὁ υἱὸς τοῦ ἀνθρώπου) الَّذِي يُفَضِّلُهُ يَسُوعُ لِلإِشَارَةِ إِلَى ذَاتِهِ، فَيَرْبِطُ بَيْنَ بَدَايَةِ الْمَثَلِ وَتَفْسِيرِهِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْمُبَادِرُ بِعَمَلِ الْخَلَاصِ وَصَاحِبُ السُّلْطَانِ عَلَى الْحَقْلِ وَالْحَصَادِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “الزَّارِعُ هُوَ الْمَسِيحُ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَزْرَعُ أَبْنَاءَ الْمَلَكُوتِ فِي حَقْلِ الْعَالَمِ”(474، PL 38).
أَمَّا عِبَارَةُ: “زَرْعًا طَيِّبًا” (καλὸν σπέρμα)، فَتُشِيرُ إِلَى الْحِنْطَةِ، أَيْ إِلَى الزَّرْعِ الصَّالِحِ الْحَقِيقِيِّ. وَيَلْفِتُ مَتَّى الانْتِبَاهَ إِلَى اسْتِعْمَالِ الصِّفَةِ καλός (طَيِّب، حَسَن، جَمِيل، أَصِيل)، وَلَيْسَ ἀγαθός، لِيُؤَكِّدَ لَيْسَ فَقَطْ صَلَاحَ الزَّرْعِ، بَلْ جَوْدَتَهُ وَأَصَالَتَهُ وَكَمَالَ طَبِيعَتِهِ. فَالزَّرْعُ الَّذِي يَغْرِسُهُ الْمَسِيحُ لَا يَشُوبُهُ نَقْصٌ أَوْ فَسَادٌ، لأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ مَصْدَرٍ إِلَهِيٍّ. وَيُفَسِّرُ يَسُوعُ هٰذَا الرَّمْزَ قَائِلًا: “الزَّرْعُ الصَّالِحُ هُوَ بَنُو الْمَلَكُوتِ” (متى 13: 38)، أَيْ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ كَلِمَةَ اللهِ بِإِيمَانٍ، وَيَحْيَوْنَهَا بِأَمَانَةٍ، فَتُثْمِرُ حَيَاتُهُمْ أَعْمَالًا صَالِحَةً تُجَسِّدُ قِيَمَ الْمَلَكُوتِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ قَائِلًا: “الْحِنْطَةُ هِيَ الَّذِينَ حَمَلُوا فِي دَاخِلِهِمْ صُورَةَ الْمَسِيحِ بِالإِيمَانِ وَالْحَيَاةِ الْفَاضِلَةِ” (704، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ “حَقلِهِ” فَتُشيرُ، وَفْقًا لِتَفسيرِ يَسوعَ نَفسِهِ، إِلى العالَمِ (متّى 13: 38). فَالعالَمُ كُلُّهُ هُوَ حَقلُ الرَّبِّ، وَفيهِ يَزرَعُ المَسيحُ كَلِمَتَهُ وَأَبناءَ مَلَكوتِهِ بَينَ جَميعِ الشُّعوبِ. وَهٰذا الزَّرعُ لا يَقتَصِرُ عَلَى الكِرازَةِ بِالإِنجيلِ وَغَرسِ الحَقائِقِ الإِلهِيَّةِ وَالنِّعَمِ الرُّوحِيَّةِ فَحَسبُ، بَل يَشمَلُ أَيضًا تَقديسَ الأَشخاصِ وَتَكوينَهُم لِيُصبِحوا أَبناءً لِلمَلَكوتِ وَشُهودًا لَهُ في وَسَطِ العالَمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ: “حَقلُ اللهِ هُوَ العالَمُ، وَالحِنطَةُ هِيَ النُّفوسُ الَّتي تُثمِرُ فَضائِلَ المَلَكوتِ” (1139، PL 76). فَالمَسيحُ لا يَزرَعُ أَفكارًا فَحَسبُ، بَل يَزرَعُ حَياةً جَديدَةً في الإِنسانِ، لِكَي يَتَحَوَّلَ العالَمُ كُلُّهُ إِلى حَقلٍ يُمجِّدُ اللهَ وَيُؤتِي ثَمَرًا يَبقى.
25 وَبَينَما النَّاسُ نائِمونَ، جاءَ عَدُوُّهُ فَزَرَعَ بَعدَهُ بَينَ القَمحِ زُؤانًا وَانصَرَفَ.
تُشيرُ عِبارَةُ “بَينَما النَّاسُ نائِمونَ” إِلى اللَّيلِ، وَهُوَ وَقتُ الرّاحَةِ وَالنَّومِ، وَفيهِ اغتَنَمَ العَدُوُّ الفُرصَةَ لِيُفسِدَ الزَّرعَ. وَلا يَقصِدُ الإِنجيليُّ أَنَّ صاحِبَ الحَقلِ أَو خُدّامَهُ أَهْمَلوا وَاجِبَهُم، بَل يُبَيِّنُ أَنَّ العَدُوَّ يَعمَلُ في الخَفاءِ وَيَستَغِلُّ لَحَظاتِ الغَفلَةِ. وَمِنَ اللاَّفِتِ أَنَّ مَتّى لا يَقولُ: “بَينَما الزّارِعُ نائِمٌ”، لأَنَّ المَسيحَ لا يَنامُ، بَل يَسهَرُ دَومًا عَلَى كَنيسَتِهِ، كَما يَقولُ صاحِبُ المَزمور: “إِنَّهُ لا يَنعَسُ وَلا يَنامُ حافِظُ إِسرائيل” (مزمور 121: 4). أَمَّا النّاسُ، فَيُشيرونَ إِلى الضُّعفِ البَشَرِيِّ وَالتَّراخِي الرُّوحِيِّ، عِندما يَغفُلُ الإِنسانُ عَنِ الصَّلاةِ وَالسَّهَرِ الرُّوحِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس: “لا تَدَعِ العَدُوَّ يَزرَعُ الزُّؤانَ وَسَطَ القَمحِ، عِندما يَكونُ الذِّهنُ الُمُلتَصِقُ بِاللهِ في غَيرِ حِراسَةٍ” (96، PL 26). فَيَدعونا يَسوعُ إِلى اليَقَظَةِ الدّائِمَةِ، لأَنَّ الغَفلَةَ هِيَ البَابُ الَّذي يَدخُلُ مِنهُ الشَّرُّ.
أَمَّا عِبارَةُ “عَدُوُّهُ” فَتُشيرُ إِلى الشَّيطانِ، عَدُوِّ اللهِ وَالإِنسانِ، الَّذي يُقاوِمُ عَمَلَ الخَلاصِ وَيَسعى إِلى إِفسادِ زَرعِ اللهِ في العالَمِ. وَقَد حَذَّرَ الرَّسولُ بُطرُسُ مِن هٰذا العَدُوِّ قائلًا: “إِنَّ إِبليسَ خَصْمَكُم كالأَسَدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسَةٍ لَهُ” (1 بطرس 5: 8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “بَعدَ الأَنبِياءِ يَأتِي أَنبِياءُ كَذَبَةٌ، وَبَعدَ الرُّسُلِ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، وَبَعدَ المَسيحِ يَظهَرُ أَضدادُ المَسيحِ” (477، PG 58). فَعَمَلُ الشَّيطانِ يَقومُ دَومًا عَلَى تَقليدِ عَمَلِ اللهِ وَتَشويهِهِ.
أَمَّا عِبارَةُ “القَمحِ” فَتُشيرُ إِلى زَرعِ اللهِ الصّالِحِ، أَي “بَني المَلَكوتِ” (متّى 13: 38)، الَّذينَ يَقبَلونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيُثمِرونَ أَعمالًا صالِحَةً.
أَمَّا عِبَارَةُ: “الزُّؤَانِ” (ζιζάνια)، فَتَسْتَعْمِلُ كَلِمَةً يُونَانِيَّةً نَادِرَةً لَا تَرِدُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ إِلَّا فِي هٰذَا الْمَثَلِ (متى 13: 25، 26، 27، 29، 30، 36، 38، 40)، وَتُشِيرُ عَلَى الأَرْجَحِ إِلَى نَبَاتِ Lolium temulentum، الْمَعْرُوفِ بِالزُّؤَانِ السَّامِّ، وَهُوَ نَبَاتٌ بَرِّيٌّ يُشْبِهُ الْحِنْطَةَ شَبَهًا كَبِيرًا فِي مَرَاحِلِ نُمُوِّهِ الأُولَى، حَتَّى إِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ شِبْهَ مُسْتَحِيلٍ قَبْلَ ظُهُورِ السَّنَابِلِ. وَكَانَ هٰذَا النَّبَاتُ مَعْرُوفًا فِي فِلَسْطِينَ، وَإِذَا اخْتَلَطَتْ بُذُورُهُ بِالْحِنْطَةِ أَفْسَدَتِ الدَّقِيقَ، وَقَدْ تُسَبِّبُ أَضْرَارًا لِلآكِلِينَ بِسَبَبِ سُمِّيَّتِهَا. وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى قُوَّةُ الصُّورَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا يَسُوعُ، فَالزُّؤَانُ يُمَثِّلُ الشَّرَّ الَّذِي لَا يَظْهَرُ دَائِمًا فِي صُورَةٍ وَاضِحَةٍ، بَلْ يَتَخَفَّى تَحْتَ مَظْهَرِ الْخَيْرِ، حَتَّى يَصْعُبَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمَلَكُوتِ وَأَبْنَاءِ الشِّرِّيرِ قَبْلَ وَقْتِ الدَّيْنُونَةِ. وَبِهٰذَا يُؤَكِّدُ الْمَثَلُ أَنَّ الْحُكْمَ النِّهَائِيَّ عَلَى الْقُلُوبِ لَيْسَ مِنْ اخْتِصَاصِ الإِنْسَانِ، بَلْ مِنْ اخْتِصَاصِ اللهِ وَحْدَهُ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ قَائِلًا: “إِنَّ طَرِيقَةَ الشَّيْطَانِ هِيَ أَنْ يَمْزِجَ الْحَقِيقَةَ بِالْخَطَإِ، وَأَنْ يُخْفِيَ الْبَاطِلَ تَحْتَ مَظَاهِرِ الْحَقِّ، لِكَيْ يَسْهُلَ خِدَاعُ الْبُسَطَاءِ؛ وَلِهٰذَا اخْتَارَ الرَّبُّ الزُّؤَانَ، لأَنَّهُ يُشْبِهُ الْقَمْحَ”(477، PG 58). وَيُرَمِّزُ الزُّؤانُ، وَفْقًا لِتَفسيرِ يَسوعَ (متّى 13: 38)، إِلى بَني الشِّرِّيرِ، أَي كُلِّ مَن يَعمَلُ الإِثمَ وَيُثيرُ العَثَراتِ وَيُقاوِمُ الحَقَّ. وَيُوَسِّعُ الآباءُ هٰذا الرَّمزَ، فَيَرَى القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس أَنَّهُ يُشيرُ أَيضًا إِلى البِدَعِ وَالتَّعاليمِ المُنحَرِفَةِ الَّتي تَنمو داخِلَ الجَماعَةِ المُؤمِنَةِ، بَينَما يَرَى القِدِّيسُ إِسيدورُس الإِشبيليُّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الأَفكارِ الشِّرِّيرَةِ الَّتي يَبذُرُها الشَّيطانُ في القَلبِ. وَهٰكَذا يَشمَلُ الزُّؤانُ كُلَّ ما يُشوِّهُ الحَقَّ: مِن بِدَعٍ، وَشُكوكٍ، وَفَلسَفاتٍ مُضلِّلَةٍ، وَشَهَواتٍ، وَخَطايا تُقاوِمُ نُموَّ المَلَكوتِ.
أَمَّا عِبارَةُ “وَانصَرَفَ” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الشَّيطانَ يَعمَلُ في الخَفاءِ، ثُمَّ يَختَفي بَعدَ أَن يَبذُرَ الشَّرَّ، حَتّى يَبدوَ كَأَنَّهُ لَم يَفعَلْ شَيئًا. وَلكِنَّ آثارَ عَمَلِهِ تَظهَرُ لاحِقًا. فَوُجودُ الشَّرِّ في العالَمِ لَيسَ دَليلًا عَلَى غِيابِ اللهِ، بَل عَلَى وُجودِ عَدُوٍّ يُقاوِمُ مَشروعَ الخَلاصِ. غَيرَ أَنَّ هٰذا العَدُوَّ يَبقى تَحتَ سُلطانِ اللهِ، وَسَيُدانُ دَينونَةً نِهائِيَّةً عِندَ الحَصادِ، حِينَ يَفصِلُ اللهُ بَينَ الحِنطَةِ وَالزُّؤانِ.
26 فَلَمَّا نَما النَّبتُ وَأَخرَجَ سُنبُلَهُ، ظَهَرَ مَعَهُ الزُّؤانُ.
تُشيرُ عِبارَةُ “فَلَمَّا نَما النَّبتُ وَأَخرَجَ سُنبُلَهُ” إِلى مَرحَلَةِ نُضجِ الزَّرعِ، حِينَ يَبدأُ القَمحُ يُظهِرُ ثَمَرَهُ، وَعِندَئِذٍ يَتَّضِحُ الفَرقُ بَينَهُ وَبَينَ الزُّؤانِ. فَما دامَ الزَّرعُ في بَداياتِ نُموِّهِ، يَصعُبُ التَّمييزُ بَينَ النَّباتِ الصّالِحِ وَالنَّباتِ الفاسِدِ، أَمَّا عِندَ ظُهورِ السُّنبُلِ فَيَنكَشِفُ حَقيقَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
أَمَّا عِبارَةُ “ظَهَرَ مَعَهُ الزُّؤانُ” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الشَّرَّ لا يَنكَشِفُ غالِبًا عِندَ بَداياتِهِ، بَل يَبقى مُتَخَفِّيًا وَمُلتَبِسًا بِالخَيرِ إِلى أَن يَظهَرَ ثَمَرُهُ. فَالزُّؤانُ كانَ مَوجُودًا مُنذُ البِدايَةِ، لٰكِنَّهُ لَم يَكُن مَرئِيًّا، وَإِنَّما ظَهَرَ عِندَما نَضِجَ الزَّرعُ. َهٰذِهِ صُورَةٌ لِواقِعِ الشَّرِّ في العالَمِ وَفي حَياةِ الإِنسانِ؛ فَكَثيرًا ما يَبدَأُ صَغيرًا وَخَفِيًّا، ثُمَّ يَتَجَلَّى مَعَ الزَّمَنِ في أَعمالِهِ وَثِمارِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَسمَحِ اللهُ بِانكِشافِ الزُّؤانِ مُباشَرَةً، بَل تَرَكَ الزَّمَنَ يَكشِفُهُ، لِئَلّا يَختَلِطَ الحُكمُ عَلَى الصّالِحينَ وَالأَشرارِ” (478، PG 58). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس أَنَّ الزُّؤانَ “يَظهَرُ بِثَمَرِهِ، لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعرَفُ مِن ثَمَرِها” (راجع لوقا 6: 44؛ PL 38، 639). فَالإِنسانُ لا يُدانُ بِالمَظاهِرِ، بَل بِالثِّمارِ الَّتي تُظهِرُ حَقيقَةَ قَلبِهِ. وَمِنْ هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ الشَّرَّ قَلَّما يَظهَرُ في بَداياتِهِ عَلَى حَقيقَتِهِ، بَل يَتَخَفّى تَحتَ مَظاهِرِ الخَيرِ، وَلا يَنكَشِفُ إِلّا عِندَما يُنتِجُ ثِمارَهُ. لِذلِكَ يَدعو يَسوعُ تَلاميذَهُ إِلى اليَقَظَةِ وَالتَّمييزِ الرُّوحِيِّ، وَإِلى عَدَمِ الاِنخِداعِ بِالمَظاهِرِ، بَل بِفَحصِ الثِّمارِ، لأَنَّ الحَقيقَةَ تَتَجَلّى دَومًا في النِّهايَةِ.
72 فَجاءَ رَبُّ البَيتِ خَدَمُهُ وَقالوا لَهُ: يا رَبُّ، أَلَم تَزرَعْ زَرعًا طَيِّبًا في حَقلِكَ؟ فَمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤانُ؟
تُشيرُ عِبارَةُ “خَدَمُهُ” إِلى عَبيدِ صاحِبِ الحَقلِ الَّذينَ يَسهَرونَ عَلَى خِدمَتِهِ وَرِعايَةِ زَرعِهِ. وَهُم لَم يَكونوا مُهمِلينَ أَو كُسالى، بَل إِنَّهُم لَمَّا ظَهَرَ الزُّؤانُ انْتَبَهوا إِلَيهِ وَأَخبَروا سَيِّدَهُم. وَيُرَمِّزُ هٰؤُلاءِ الخَدَمُ إِلى رُعاةِ الكَنيسَةِ وَجَميعِ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَتَألَّمونَ لِرُؤيَةِ الشَّرِّ يَعمَلُ في العالَمِ وَفي وَسَطِ جَماعَةِ المُؤمِنينَ، وَيَرفَعونَ أَمرَهُ إِلى اللهِ بِالثِّقَةِ وَالصَّلاةِ.
أَمَّا عِبارَةُ “يا رَبُّ، أَلَم تَزرَعْ زَرعًا طَيِّبًا في حَقلِكَ؟“ فَتُشيرُ إِلى سُؤالٍ استِفهامِيٍّ يُرادُ بِهِ التَّأْكيدُ أَنَّ الزَّرعَ الَّذي بَذَرَهُ صاحِبُ الحَقلِ كانَ صالِحًا وَنَقِيًّا. وَيُعبِّرُ السُّؤالُ عَنِ الدَّهشَةِ وَالحَيرَةِ أَمامَ ظُهورِ الزُّؤانِ، إِذ كانَ المُنتَظَرُ أَنْ يُثمِرَ الزَّرعُ الصّالِحُ وَحدَهُ. وَيُؤَكِّدُ المَثَلُ أَنَّ المَسيحَ، صاحِبَ الحَقلِ وَرَبَّ المَلَكوتِ، لا يَصدُرُ عَنهُ إِلّا الخَيرُ، لأَنَّ اللهَ صالِحٌ في ذاتِهِ، وَكُلُّ ما يَعمَلُهُ صالِحٌ. وَهٰذا ما يُعلِنُهُ سِفرُ التَّكوينِ: “ورَأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَهُ، فَإِذا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا” (التكوين 1: 31). وَيُؤَكِّدُ الإِنجيليُّ يُوحَنَّا أَنَّ مَقصِدَ مَجيءِ المَسيحِ لَم يَكُنِ الدَّينونَةَ بَلِ الخَلاصَ، إِذ يَقولُ: “إِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَل لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَمُ” (يوحنا 3: 17). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “ما يَزرَعُهُ اللهُ صالِحٌ دَومًا، لأَنَّ الصّالِحَ لا يَستَطيعُ أَنْ يُنتِجَ إِلّا ما هُوَ صالِحٌ”(1370، PL 35).
أَمَّا عِبارَةُ “فَمِن أَينَ جاءَهُ الزُّؤانُ؟“ فَتُشيرُ إِلى السُّؤالِ الَّذي رافَقَ البَشَرِيَّةَ عَبرَ التّاريخِ: مِن أَينَ يَأتي الشَّرُّ؟ فَالمَسيحُ أَعلَنَ الحَقَّ وَزَرَعَ الخَيرَ، وَحَياتُهُ كُلُّها كانَت مُواجَهَةً لِقُوَّةِ الشَّرِّ وَأَعمالِ إِبليسَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَبقى الشَّرُّ حاضِرًا في العالَمِ، لا لأَنَّهُ مِن عِندِ اللهِ، بَل لأَنَّهُ نَتيجَةُ عَمَلِ “العَدُوِّ” الَّذي سَبَقَ ذِكرُهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ (متّى 13: 25). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَسأَلِ الخَدَمُ لِيَتَّهِموا السَّيِّدَ، بَل لِيُظهِروا أَنَّ الشَّرَّ لَيسَ مِن صُنعِهِ، وَإِنَّما دَخَلَ بِفِعلِ العَدُوِّ”(478، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ “الزُّؤانُ“ فَتُشيرُ إِلى النَّباتِ المَعروفِ بِاللّاتِينِيَّةِ Lolium temulentum، وَهُوَ عُشبٌ سامٌّ يُشبِهُ الحِنطَةَ في مَراحِلِ نُموِّهِ الأُولى، وَيَصعُبُ التَّمييزُ بَينَهُ وَبَينَ القَمحِ إِلّا عِندَ ظُهورِ السُّنابِلِ. وَإِذا اختَلَطَت بُذورُهُ بِالحِنطَةِ أَفسَدَتِ الغَلَّةَ وَأَضَرَّت بِالآكِلينَ. لِهٰذا يَجعَلُهُ يَسوعُ رَمزًا لِعَمَلِ إِبليسَ الَّذي يُحاوِلُ تَعطيلَ مَلَكوتِ اللهِ بِزَرعِ الشَّرِّ وَالعَثَراتِ بَينَ الصّالِحينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “إِنَّ الشَّيطانَ لا يَزرَعُ شَيئًا يَختَلِفُ كُلِّيًّا عَنِ الحَقِّ، بَل يُقَدِّمُ ما يُشابِهُهُ، لِيَخدَعَ البُسَطاءَ” (477، PG 58). وَيَرَى القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس أَنَّ الزُّؤانَ يُمثِّلُ البِدَعَ وَالتَّعاليمَ المُنحَرِفَةَ الَّتي تَنمو بَينَ أَبناءِ الكَنيسَةِ، وَيُضيفُ القِدِّيسُ إِسيدورُس الإِشبيليُّ أَنَّهُ يُشيرُ أَيضًا إِلى الأَفكارِ الشِّرِّيرَةِ وَالشَّهَواتِ الَّتي يَبذُرُها الشَّيطانُ في القُلوبِ. وَمِنْ هُنا يَكشِفُ المَثَلُ أَنَّ وُجودَ الشَّرِّ في العالَمِ وَفي الكَنيسَةِ لا يَعودُ إِلى نَقصٍ في عَمَلِ اللهِ، بَل إِلى فِعلِ العَدُوِّ الَّذي يُحاوِلُ أَنْ يُفسِدَ ما زَرَعَهُ اللهُ. غَيرَ أَنَّ اللهَ يَبقى السَّيِّدَ المُطلَقَ لِلتّاريخِ، وَسَيُظهِرُ في وَقتِ الحَصادِ الاِنتِصارَ النِّهائِيَّ لِلحِنطَةِ عَلَى الزُّؤانِ.
28 فَقالَ لَهُم: “أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذٰلِكَ”. فَقالَ لَهُ الخَدَمُ: “أَفَتُريدُ أَنْ نَذهَبَ فَنَجمَعَهُ؟“
تُشيرُ عِبارَةُ “أَحَدُ الأَعداءِ فَعَلَ ذٰلِكَ” إِلى الكَشفِ عَن مَصدَرِ الشَّرِّ في العالَمِ. فَصاحِبُ الحَقلِ لا يَنسبُ الزُّؤانَ إِلى سُوءِ الزَّرعِ أَو إِلى خَلَلٍ في عَمَلِهِ، بَل يُرجِعُهُ إِلى العَدُوِّ، أَيِ الشَّيطانِ، الَّذي يُقاوِمُ مَشروعَ اللهِ الخَلاصيَّ وَيُحاوِلُ إِفسادَ ما زَرَعَهُ المَسيحُ. وَهٰكَذا يُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّ الشَّرَّ لا يَصدُرُ عَنِ اللهِ، بَل يَدخُلُ إِلى العالَمِ بِفِعلِ إِبليسَ الَّذي يَزرَعُ الاِنقِسامَ وَالعَثارَ وَالخَطيئَةَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “اللهُ خالِقُ الطَّبيعَةِ، أَمَّا الشَّرُّ فَلَيسَ لَهُ طَبيعَةٌ خَلَقَها اللهُ، بَل هُوَ فَسادُ الخَيرِ”(236، PL 40). وَيُؤَكِّدُ الرَّسولُ يَعقوبُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائلًا: “كُلُّ عَطِيَّةٍ صالِحَةٍ وَكُلُّ مَوهِبَةٍ كامِلَةٍ هِيَ مِن فَوقُ، نازِلَةٌ مِن عِندِ أَبِي الأَنوارِ” (يعقوب 1: 17).
أَمَّا عِبَارَةُ”الْعَدُوُّ” (ἐχθρός)، فَيَسْتَعْمِلُهَا مَتَّى فِي بَدَايَةِ الْمَثَلِ مِنْ دُونِ أَنْ يَكْشِفَ هُوِيَّةَ هٰذَا الْعَدُوِّ مُبَاشَرَةً، إِذْ لَا يَقُولُ مِنَ الْبِدَايَةِ: διάβολος، أَيْ “إِبْلِيسُ”، بَلْ يَكْتَفِي بِاللَّفْظِ الْعَامِّ ἐχθρός، أَيْ “عَدُوٌّ”. ثُمَّ يَكْشِفُ يَسُوعُ هُوِيَّتَهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَثَلِ قَائِلًا: “وَالْعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ” (ὁ δὲ ἐχθρὸς ὁ σπείρας αὐτά ἐστιν ὁ διάβολος (مَتَّى 13: 39). وَيُشَكِّلُ هٰذَا الِانْتِقَالُ مِنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ ἐχθρός إِلَى التَّعْرِيفِ الصَّرِيحِ ὁ διάβολος تَصَاعُدًا أَدَبِيًّا وَلَاهُوتِيًّا مَقْصُودًا؛ فَالْقَارِئُ يَكْتَشِفُ تَدْرِيجِيًّا أَنَّ الشَّرَّ الْمَوْجُودَ فِي الْحَقْلِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَادِثٍ عَرَضِيٍّ، بَلْ هُوَ نَتِيجَةُ عَمَلٍ عَدَائِيٍّ مُتَعَمَّدٍ. وَالاسْمُ διάβολος مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ διαβάλλω، الَّذِي يَعْنِي: “يَفْتَرِي”، أَوْ “يَشْتَكِي”، أَوْ “يُلْقِي الْعَدَاوَةَ وَالِانْقِسَامَ”. وَبِذٰلِكَ يُقَدِّمُ مَتَّى إِبْلِيسَ بِوَصْفِهِ الْمُعَادِيَ لِعَمَلِ اللهِ، الَّذِي يَزْرَعُ الزُّؤَانَ فِي الْحَقْلِ لِيُفْسِدَ الزَّرْعَ الصَّالِحَ وَيُعِيقَ نُمُوَّ الْمَلَكُوتِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَثَلَ يُؤَكِّدُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ سُلْطَانَ الْعَدُوِّ مَحْدُودٌ؛ فَهُوَ يَزْرَعُ فِي اللَّيْلِ وَيَنْسَحِبُ، أَمَّا الْحَقْلُ فَيَبْقَى لِصَاحِبِهِ، وَالْحَصَادُ يَتِمُّ بِأَمْرِهِ، وَالدَّيْنُونَةُ النِّهَائِيَّةُ تَبْقَى فِي يَدِ ابْنِ الإِنْسَانِ.
أَمَّا عِبارَةُ “فَقالَ لَهُ الخَدَمُ“ فَتُشيرُ إِلى غَيرَةِ الأَبْرارِ وَحُزنِهِم أَمامَ وُجودِ الشَّرِّ، وَرَغبَتِهِم في تَنقِيَةِ الحَقلِ مِن كُلِّ ما يُفسِدُهُ. َهٰذِهِ الرَّغبَةُ صالِحَةٌ في ذاتِها، لٰكِنَّها ما زالَت تَحتاجُ إِلى أَنْ تَتَطَهَّرَ بِحِكمَةِ اللهِ وَصَبرِهِ. وَتُذَكِّرُنا هٰذِهِ الرُّوحِيَّةُ بِما فَعَلَهُ يَعقوبُ وَيُوحَنَّا، حِينَ طَلَبا مِن يَسوعَ أَنْ يُنزِلَ نارًا مِنَ السَّماءِ عَلَى أَهلِ السّامِرَةِ، فَوَبَّخَهُما يَسوعُ (لوقا 9: 54-55). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: “إِنَّ غَيرَةَ الخَدَمِ كانَت صادِقَةً، لٰكِنَّها لَم تَكُن بَعدُ مَصحوبَةً بِالصَّبرِ الَّذي يَتَشَبَّهُ بِاللهِ”(1020، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ “أَفَتُريدُ أَنْ نَذهَبَ فَنَجمَعَهُ؟“ فَتُشيرُ إِلى رَغبَةِ الخَدَمِ في الاِستِئصالِ الفَوريِّ لِلزُّؤانِ، حِرصًا عَلَى سَلامَةِ الحَصادِ. غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ الرَّغبَةَ تَغفُلُ عَن وَاقِعِ أَنَّ القَمحَ وَالزُّؤانَ يَتشابَهانِ في المَراحِلِ الأُولى مِن نُموِّهِما، وَأَنَّ اقتِلاعَ الزُّؤانِ قَبلَ الأَوانِ قَد يُؤَدِّي إِلى اقتِلاعِ الحِنطَةِ مَعَهُ، لأَنَّ جُذورَهُما تَتَشابَكُ في الأَرضِ. لِهٰذا يَنتَظِرُ الفَلّاحُ حَتّى وَقتِ الحَصادِ، حِينَ يَظهَرُ الفَرقُ بَينَهُما بِوُضوحٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “تَأَمَّلْ غَيرَةَ الخَدَمِ؛ فَقَد أَرادوا اقتِلاعَ الزُّؤانِ في الحالِ، لا رَغبَةً في الاِنتِقامِ مِنَ العَدُوِّ، بَل حِرصًا عَلَى خَلاصِ الحَصادِ. غَيرَ أَنَّ الرَّبَّ يُعَلِّمُهُم أَنَّ الغَيرَةَ يَجِبُ أَنْ تَقتَرِنَ بِالحِكمَةِ وَالصَّبرِ” (478، PG 58).
29 فَقالَ: “لا، مَخافَةَ أَنْ تَقلَعوا القَمحَ وَأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤانَ.”
تُشيرُ عِبارَةُ “لا، مَخافَةَ أَنْ تَقلَعوا القَمحَ وَأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤانَ” إِلى رَفضِ صاحِبِ الحَقلِ الاِقتِلاعَ الفَوريَّ لِلزُّؤانِ، لا تَسامُحًا مَعَ الشَّرِّ، بَل حِرصًا عَلَى سَلامَةِ القَمحِ. فَفي المَراحِلِ الأُولى مِنَ النُّموِّ يَتشابَهُ الزُّؤانُ وَالحِنطَةُ، وَتَتَشابَكُ جُذورُهُما، حَتّى إِنَّ اقتِلاعَ الزُّؤانِ قَبلَ الأَوانِ قَد يُؤَدِّي إِلى اقتِلاعِ القَمحِ مَعَهُ. وَهٰكَذا يُعلِّمُ يَسوعُ أَنَّ الغَيرَةَ عَلَى الحَقِّ يَجِبُ أَنْ تَقترِنَ بِالحِكمَةِ وَالصَّبرِ، لا بِالتَّسَرُّعِ وَالإِدانَةِ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “إِنِ اقتَلَعنا الزُّؤانَ الآنَ، فَقَد نُلْحِقُ الأَذى بِالحَصادِ الآتي، مِن خِلالِ اقتِلاعِ مَن يُمكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيُصبِحَ أَفضَلَ” (479، PG 58). فَقَد يَصيرُ مَن هُوَ اليَومَ زُؤانًا، بِفِعلِ النِّعمَةِ وَالتَّوبَةِ، حِنطَةً صالِحَةً لِمَلَكوتِ اللهِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس هٰذَا المَعنى بِقَولِهِ: “كَثيرونَ كانُوا زُؤانًا، ثُمَّ أَصبَحوا حِنطَةً؛ وَلَو قُطِعوا قَبلَ وَقتِهِم، لَما بَلَغوا إِلى هٰذا التَّحَوُّلِ (73 ، PL 38).
تُشِيرُ إِجَابَةُ السَّيِّدِ: “لَا” إِلَى رَفْضِهِ اقْتِرَاحَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلذَّهَابِ إِلَى الْحَقْلِ وَاقْتِلَاعِ الزُّؤَانِ، لِأَنَّ ذٰلِكَ بَدَا لَهُمْ الْحَلَّ الأَسْرَعَ وَالأَكْثَرَ حَسْمًا. فَكَانَ الْقَضَاءُ الْفَوْرِيُّ عَلَى الشَّرِّ، فِي نَظَرِهِمْ، هُوَ السَّبِيلَ إِلَى إِقَامَةِ عَالَمٍ خَالٍ مِنْهُ. غَيْرَ أَنَّ الْمَسِيحَ يُصَحِّحُ هٰذَا الْمَنْطِقَ، مُبَيِّنًا أَنَّ الْمُبَادَرَةَ إِلَى اقْتِلَاعِ الزُّؤَانِ قَبْلَ أَوَانِهِ قَدْ تُعَرِّضُ الْقَمْحَ أَيْضًا لِلِاقْتِلَاعِ. فَاللهُ لَا يَعْمَلُ بِمَنْطِقِ السُّرْعَةِ، بَلْ بِمَنْطِقِ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، إِذْ يُفَضِّلُ أَنْ يَمْنَحَ الْإِنْسَانَ فُرْصَةَ التَّوْبَةِ عَلَى أَنْ يُهْلِكَهُ قَبْلَ أَوَانِهَا. وَمِنْ هُنَا، يَدْعُو يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى تَجَنُّبِ التَّسَرُّعِ فِي إِصْدَارِ الأَحْكَامِ عَلَى النَّاسِ، وَتَرْكِ الدَّيْنُونَةِ النِّهَائِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، الَّذِي يَعْرِفُ الْقُلُوبَ وَيُحْسِنُ الْفَصْلَ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالزُّؤَانِ فِي وَقْتِ الْحَصَادِ.
وَمِنْ هُنا يَكشِفُ المَثَلُ عَن طُولِ أَناةِ اللهِ وَرَحمَتِهِ. فَهُوَ لا يُسارِعُ إِلى الدَّينونَةِ، بَل يُمهِلُ الخاطِئَ فُرصَةً لِلتَّوبَةِ، كَما يَقولُ الرَّسولُ بُطرُسُ: “إِنَّ الرَّبَّ لا يُبطِئُ في وَعدِهِ… بَل يَتَأَنّى عَلَيكُم، لأَنَّهُ لا يَشاءُ أَنْ يَهلِكَ أَحَدٌ، بَل أَنْ يُقبِلَ الجَميعُ إِلى التَّوبَةِ” (2 بطرس 3: 9). فَاللهُ يَصبِرُ عَلَى الأَشرارِ مِن أَجلِ الأَبرارِ، وَيُمهِلُ الأَشرارَ رَجاءَ أَنْ يَصيروا أَبرارًا، مُؤَجِّلًا الفَصلَ النِّهائِيَّ إِلى يَومِ الحَصادِ، حِينَ يَظهَرُ عَدلُهُ وَرَحمَتُهُ مَعًا.
30 فَدَعوهُما يَنبُتانِ مَعًا إِلى يَومِ الحَصادِ، حتَّى إِذا أَتى وَقتُ الحَصادِ، أَقولُ لِلحَصّادينَ: اِجمَعوا الزُّؤانَ أَوَّلًا وَاربِطوهُ حُزَمًا لِيُحرَقَ، وَأَمَّا القَمحُ فَاجمَعوهُ وَأْتوا بِهِ إِلى أَهرائي.
تُشِيرُ عِبَارَةُ: “فَدَعُوهُمَا يَنْبُتَانِ مَعًا” إِلَى صَبْرِ اللهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، إِذْ يَسْمَحُ بِأَنْ يَنْمُوَ الْقَمْحُ وَالزُّؤَانُ مَعًا إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ، لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ الزَّرْعُ الصَّالِحُ لِلضَّرَرِ. وَلَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ اللهَ يُوَافِقُ عَلَى الشَّرِّ أَوْ يَتَغَاضَى عَنْهُ، بَلْ يُؤَجِّلُ الدَّيْنُونَةَ لِيَمْنَحَ الْخَاطِئَ فُرْصَةً لِلتَّوْبَةِ، وَيُظْهِرَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ رَحْمَتَهُ وَعَدْلَهُ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “تَحْمِلُ الْكَنِيسَةُ الآنَ الأَشْرَارَ مَعَ الأَبْرَارِ، لَا لِتُوَافِقَ عَلَى شَرِّهِمْ، بَلْ رَجَاءَ أَنْ يَتَغَيَّرُوا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ” (474، PL 38). وَيُظْهِرُ هٰذَا الْمَثَلُ أَنَّهُ، فِي الزَّمَنِ الْحَاضِرِ، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خَيْرٌ وَحْدَهُ، وَلَا شَرٌّ وَحْدَهُ، بَلْ سَيَسْتَمِرُّ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ فِي التَّدَاخُلِ وَالنُّمُوِّ مَعًا حَتَّى مَوْعِدِ الْحَصَادِ، أَيْ الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ، حِينَ يَفْصِلُ اللهُ بَيْنَهُمَا فَصْلًا نِهَائِيًّا بِعَدْلِهِ الْكَامِلِ.
أمَّا عِبَارَةُ: “يَنْبُتَانِ مَعًا” (συναυξάνεσθαι)، فَتَرِدُ فِي الْفِعْلِ الْيُونَانِيِّ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْبَادِئَةِ σύν (“مَعًا”) وَالْفِعْلِ αὐξάνω (“يَنْمُو”)، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْحَرْفِيُّ: “يَنْمُوَانِ مَعًا” أَوْ “يَتَطَوَّرَانِ مَعًا”. وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ التَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالزُّؤَانِ، بَلْ عَلَى نُمُوِّهِمَا الْمُتَوَازِي دَاخِلَ الْحَقْلِ نَفْسِهِ عَلَى امْتِدَادِ زَمَنِ التَّارِيخِ، حَتَّى يَبْلُغَا مَوْعِدَ الْحَصَادِ. وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ الْفِعْلُ أَنَّ اللهَ يَسْمَحُ، فِي تَدْبِيرِهِ الْخَلَاصِيِّ، بِاسْتِمْرَارِ وُجُودِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَعًا فِي الْعَالَمِ، لَا عَجْزًا عَنْ إِزَالَةِ الشَّرِّ، بَلْ حِكْمَةً وَرَحْمَةً، رَيْثَمَا يَكْتَمِلُ زَمَنُ التَّوْبَةِ. وَيَحْمِلُ هٰذَا الْفِعْلُ بُعْدًا إِسْكَاتُولُوجِيًّا وَاضِحًا، لأَنَّ نُمُوَّ الْقَمْحِ وَالزُّؤَانِ لَيْسَ الْكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ فِي التَّارِيخِ، بَلْ هُوَ مَرْحَلَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تَنْتَهِي عِنْدَ “الْحَصَادِ” (θερισμός)، أَيْ “اكْتِمَالِ الدَّهْرِ” (συντέλεια τοῦ αἰῶνος) (متى 13: 39)، حِينَ يَفْصِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ بَيْنَ بَنِي الْمَلَكُوتِ وَبَنِي الشِّرِّيرِ. وَهٰكَذَا يَنْقُلُ مَتَّى أَنْظَارَ الْقَارِئِ مِنْ وَاقِعِ الْحَاضِرِ، الَّذِي يَتَدَاخَلُ فِيهِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، إِلَى الرَّجَاءِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ فِي عَدْلِ اللهِ النِّهَائِيِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ: “الْحَصَادِ” (θερισμός)، فَتُعَدُّ مِنَ الصُّوَرِ الإِسْكَاتُولُوجِيَّةِ الرَّاسِخَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ رَمْزًا لِلدَّيْنُونَةِ الإِلَهِيَّةِ وَتَدَخُّلِ اللهِ الْحَاسِمِ فِي نِهَايَةِ الزَّمَانِ، كَمَا يُعْلِنُ النَّبِيُّ يُوئِيلُ: “أَعْمِلُوا الْمِنْجَلَ، فَإِنَّ الْحَصَادَ قَدْ بَلَغَ” (يوئيل 4: 13)، حَيْثُ يَرْتَبِطُ الْحَصَادُ بِإِدَانَةِ الأُمَمِ وَإِظْهَارِ عَدْلِ اللهِ. وَيُفَسِّرُ يَسُوعُ هٰذَا الرَّمْزَ تَفْسِيرًا صَرِيحًا قَائِلًا: “الْحَصَادُ هُوَ اكْتِمَالُ الدَّهْرِ” (ὁ θερισμὸς συντέλεια τοῦ αἰῶνός ἐστιν) (متى 13: 39). وَالتَّعْبِيرُ συντέλεια τοῦ αἰῶνος لَا يَعْنِي فَنَاءَ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ، بَلْ اكْتِمَالَ التَّارِيخِ الْخَلَاصِيِّ وَوُصُولَهُ إِلَى غَايَتِهِ، حِينَ يَتَدَخَّلُ اللهُ تَدَخُّلًا نِهَائِيًّا لِيُظْهِرَ الْحَقَّ وَيُقِيمَ الدَّيْنُونَةَ الْعَادِلَةَ. وَعِنْدَئِذٍ يَتِمُّ الْفَصْلُ الْحَاسِمُ بَيْنَ بَنِي الْمَلَكُوتِ وَبَنِي الشِّرِّيرِ، فَلَا يَبْقَى الْقَمْحُ وَالزُّؤَانُ مُخْتَلِطَيْنِ كَمَا فِي زَمَنِ التَّارِيخِ، بَلْ يَظْهَرُ الْحَقُّ بِكَامِلِ وَضُوحِهِ. وَيُظْهِرُ اخْتِيَارُ مَتَّى لِلَفْظِ θερισμός أَنَّ الدَّيْنُونَةَ لَيْسَتْ عَمَلًا انْتِقَامِيًّا، بَلْ هِيَ حَصَادُ مَا زَرَعَهُ الإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ؛ فَكَمَا يَجْمَعُ الْحَصَّادُ ثِمَارَ الزَّرْعِ عِنْدَ نُضْجِهَا، كَذٰلِكَ يَجْمَعُ اللهُ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ ثِمَارَ أَعْمَالِ الْبَشَرِ، وَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ وَفْقَ مَا اقْتَنَاهُ مِنْ إِيمَانٍ وَأَعْمَالٍ. ويعلق القديس ايرونيموس: “الحصاد هو نهاية العالم، لأن ما كان مختلطًا في الحاضر يُفرَز في النهاية بحسب استحقاق كل واحد”(PL 26: 93).
أَمَّا عِبارَةُ “الحَصّادينَ” فَتُشيرُ إِلى المَلائِكَةِ الَّذينَ يُرسِلُهُمُ ابنُ الإِنسانِ لِتَنفِيذِ الدَّينونَةِ الإِلٰهِيَّةِ، كَما يُوضِّحُ يَسوعُ نَفسُهُ: “الحَصّادونَ هُمُ المَلائِكَةُ” (متّى 13: 39)، وَيُضيفُ: “يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائِكَتَهُ، فَيَجمَعونَ مِن مَلَكوتِهِ جَميعَ مُسَبِّبي العَثَراتِ وَفاعِلي الإِثمِ” (متّى 13: 41). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ: “المَلائِكَةُ هُم خُدّامُ عَدلِ اللهِ، يُتِمّونَ ما أَعَدَّهُ الدَّيّانُ العادِلُ في آخِرِ الأَيّامِ” (1142، PL 76).
أَمَّا عِبارَةُ: “اِجْمَعُوا الزُّؤَانَ أَوَّلًا وَارْبِطُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ” فَتُشِيرُ إِلَى الدَّيْنُونَةِ النِّهَائِيَّةِ الَّتِي يَفْصِلُ اللهُ فِيهَا بَيْنَ الأَبْرَارِ وَالأَشْرَارِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَعْلَنَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ هٰذِهِ الْحَقِيقَةَ قَائِلًا: “بِيَدِهِ الْمِذْرَى، يُنَقِّي بَيْدَرَهُ، فَيَجْمَعُ قَمْحَهُ فِي الأَهْرَاءِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لَا تُطْفَأُ” (متى 3: 12). فَالزُّؤَانُ، أَيْ بَنُو الشِّرِّيرِ، يُفْصَلُونَ عَنْ جَمَاعَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَفْقِدُونَ شَرِكَتَهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ، كَمَا صَرَّحَ يَسُوعُ: “مَنْ لَا يَثْبُتْ فِيَّ يُلْقَ كَالْغُصْنِ إِلَى الْخَارِجِ فَيَيْبَسُ، فَيَجْمَعُونَهُ وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ فَيَشْتَعِلُ” (يوحنا 15: 6). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ قَائِلًا: «لَمْ يَقُلْ: اقْتُلُوا الزُّؤَانَ، بَلِ انْتَظِرُوا الْحَصَادَ، لِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ يَعْرِفُ وَقْتَ الدَّيْنُونَةِ، وَهُوَ وَحْدَهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّالِحِينَ وَالأَشْرَارِ بِغَيْرِ ظُلْمٍ” (480، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ “وَأَمَّا القَمحُ فَاجمَعوهُ وَأْتوا بِهِ إِلى أَهرائي” فَتُشيرُ إِلى مَصيرِ الأَبرارِ الَّذينَ يَجمَعُهُمُ اللهُ في مَلَكوتِهِ الأَبَدِيِّ. فَالأَهراءُ يَرمُزُ إِلى البَيتِ الأَبَدِيِّ وَشَركَةِ القِدِّيسينَ في مَجدِ اللهِ. وَهٰكَذا يَختِمُ يَسوعُ المَثَلَ بِرَجاءِ الاِنتِصارِ النِّهائِيِّ لِلخَيرِ، فَالشَّرُّ لَهُ وَقتٌ مُؤَقَّتٌ، أَمَّا مَلَكوتُ اللهِ فَهُوَ الباقي إِلى الأَبَدِ. وَكَما يَقولُ دانيالُ النَّبيُّ: “أَمَّا الأَبْرارُ فَيُضيئونَ كَضِياءِ الجَلَدِ، وَالَّذينَ رَدّوا كَثيرينَ إِلى البِرِّ كَالكَواكِبِ إِلى أَبَدِ الدُّهورِ” (دانيال 12: 3).
31 وضَرَبَ لَهُم مَثَلًا آخَرَ قالَ: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ حَبَّةِ خَردَلٍ أَخَذَها رَجُلٌ فَزَرَعَها في حَقلِهِ”.
تُشيرُ عِبارَةُ “وضَرَبَ لَهُم مَثَلًا آخَرَ” إِلى مُواصَلَةِ يَسوعَ تَعليمَهُ بِالأَمثالِ، مُنتَقِلًا مِن مَثَلِ الزُّؤانِ الَّذي يُبرِزُ صَبرَ اللهِ أَمامَ الشَّرِّ، إِلى مَثَلِ حَبَّةِ الخَردَلِ الَّذي يُظهِرُ قُوَّةَ نُموِّ مَلَكوتِ اللهِ. وَقَدِ استَمَدَّ يَسوعُ صُورَةَ المَثَلِ مِنَ الحَياةِ الزِّراعِيَّةِ الَّتي كانَت مَألوفَةً لِسامِعيهِ، لِأَنَّ مُعظَمَهُم كانُوا مِنَ الفَلّاحينَ وَالصَّيّادينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “كانَ يَأخُذُ أَمثالَهُ مِمّا يَعرِفُهُ النّاسُ، لِيَقودَهُم مِنَ المَنظورِ إِلى غَيرِ المَنظورِ، وَمِنَ الأَرضِيِّ إِلى السَّماوِيِّ” (481، PG 58).
أَمَّا عِبَارَةُ: “حَبَّةِ خَرْدَلٍ” (κόκκος σινάπεως)، فَتَتَأَلَّفُ مِنَ الاسْمِ κόκκος الَّذِي يَعْنِي “حَبَّةً” أَوْ “بِذْرَةً صَغِيرَةً”، وَمِنَ σίναπι أَيْ “الْخَرْدَلِ”. وَلا يَنْصَبُّ التَّرْكِيزُ فِي الْمَثَلِ عَلَى الْحَجْمِ الْبِيُولُوجِيِّ لِلْبِذْرَةِ، أَوْ عَلَى كَوْنِهَا أَصْغَرَ بُذُورِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، بَلْ عَلَى الْمُفَارَقَةِ الَّتِي يَصْنَعُهَا الْمَثَلُ بَيْنَ صِغَرِ الْبِدَايَةِ وَعَظَمَةِ النِّهَايَةِ. فَقَدْ كَانَتْ حَبَّةُ الْخَرْدَلِ تُعَدُّ فِي اللُّغَةِ الشَّعْبِيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ مَثَلًا لِلصِّغَرِ الْبَالِغِ، وَمَعَ ذٰلِكَ تَنْبُتُ بِسُرْعَةٍ لِتُصْبِحَ نَبَاتًا كَبِيرًا، قَدْ يَبْلُغُ ارْتِفَاعُهُ فِي فِلَسْطِينَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَمْتَارٍ، حَتَّى تَأْوِيَ الطُّيُورُ إِلَى أَغْصَانِهِ. وَتُعَبِّرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ عَنْ حَقِيقَةِ مَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي يَبْدَأُ بِبِدَايَاتٍ مُتَوَاضِعَةٍ لَا تَسْتَرْعِي انْتِبَاهَ الْعَالَمِ، لَكِنَّهُ يَنْمُو بِقُوَّةِ اللهِ حَتَّى يَبْلُغَ مِلْءَ كَمَالِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الْمُفَارَقَةَ لَا تَكْمُنُ فِي صِغَرِ الْبِذْرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي أَنَّ الْقُوَّةَ الْعَظِيمَةَ تَكْمُنُ فِي مَا يَبْدُو ضَعِيفًا وَغَيْرَ ذِي أَهَمِّيَّةٍ فِي نَظَرِ النَّاسِ، وَهُوَ مَا يُجَسِّدُ مَنْطِقَ مَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي يَعْمَلُ بِهُدُوءٍ وَثَبَاتٍ حَتَّى يُغَيِّرَ الْعَالَمَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِي أُسْقُفُ بُواتِييِه قَائِلًا: “حَبَّةُ الْخَرْدَلِ تُشْبِهُ الْكِرَازَةَ بِالْمَسِيحِ؛ تَبْدُو صَغِيرَةً فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهَا تَمْلَأُ الْعَالَمَ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ.” (1026، PL 9). وَيُوَازِي لُوقَا الإِنْجِيلِيُّ هٰذَا الْمَثَلَ مُبْرِزًا النَّتِيجَةَ النِّهَائِيَّةَ لِنُمُوِّ الْمَلَكُوتِ، إِذْ يَقُولُ: “إِنَّهُ يُشْبِهُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا رَجُلٌ وَأَلْقَاهَا فِي بُسْتَانِهِ، فَنَمَتْ وَصَارَتْ شَجَرَةً، وَآوَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ إِلَى أَغْصَانِهَا” (لوقا 13: 18-19). وَهٰذَا الْوَصْفُ يَسْتَحْضِرُ أَيْضًا صُوَرًا نَبَوِيَّةً فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، خَاصَّةً مَا وَرَدَ فِي حِزْقِيَال 17: 22-24 وَدَانِيآل 4: 10-12، حَيْثُ تُصْبِحُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ مَلْجَأً لِطُيُورِ السَّمَاءِ، رَمْزًا إِلَى شُمُولِ مُلْكِ اللهِ وَاحْتِضَانِهِ جَمِيعَ الشُّعُوبِ. وَهٰكَذَا يُؤَكِّدُ الْمَثَلُ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَا يُقَاسُ بِضَعْفِ بِدَايَاتِهِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ بِقُدْرَةِ اللهِ الَّتِي تُنَمِّيهِ وَتُحَقِّقُ فِيهِ قَصْدَهُ الْخَلَاصِيَّ حَتَّى يَصِيرَ بَرَكَةً لِلْعَالَمِ كُلِّهِ.
أَمَّا عِبارَةُ “رَجُلٌ“ فَتُشيرُ إِلى يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي يَبذُرُ بِذارَ المَلَكوتِ في العالَمِ بِكِرازَتِهِ وَحَياتِهِ وَفِدائِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: “المَسيحُ هُوَ الزّارِعُ الحَقيقِيُّ الَّذي غَرَسَ بِذارَ الحَياةِ الجَديدَةِ في العالَمِ، وَمِن هٰذِهِ البِذارَةِ الصَّغيرَةِ وُلِدَتِ الكَنيسَةُ الَّتي مَلأَتِ الأَرضَ كُلَّها” (701PG 72,).
أَمَّا عِبارَةُ “حَقلِهِ“ فَتُشيرُ إِلى العالَمِ كُلِّهِ، كَما يُفَسِّرُ يَسوعُ نَفسُهُ في مَثَلِ الزُّؤانِ: “الحَقلُ هُوَ العالَمُ” (متّى 13: 38). فَمَلَكوتُ اللهِ لَيسَ مَحصورًا في شَعبٍ أَو مَكانٍ، بَل هُوَ مُوَجَّهٌ إِلى البَشَرِيَّةِ جَميعِها. وَيُشيرُ هٰذا المَثَلُ إِلى أَنَّ البِدايَةَ المُتواضِعَةَ لِرِسالَةِ يَسوعَ، مَعَ جَماعَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ التَّلاميذِ، سَتَنمو بِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ لِتُصبِحَ كَنيسَةً جامِعَةً تَضمُّ جَميعَ الشُّعوبِ، مُحَقِّقَةً نُبوءَةَ حِزقيال: “تَسكُنُ تَحتَها كُلُّ طُيورِ كُلِّ جَناحٍ، وَفي ظِلِّ أَغصانِها تَسكُنُ” (حزقيال 17: 23). فَقُوَّةُ المَلَكوتِ لا تَكمُنُ في عَظَمَةِ بِداياتِهِ، بَل في حُضورِ اللهِ الَّذي يُنمِّيهِ حَتّى يَصيرَ مَلجَأً وَخَلاصًا لِجَميعِ الأُمَمِ.
32 هِيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فَإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقولِ، بَل صارَت شَجَرَةً، حتَّى إِنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتي فَتُعَشِّشُ في أَغصانِها.
تُشيرُ عِبارَةُ “هِيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها” إِلى أَنَّ حَبَّةَ الخَردَلِ كانَت تُعَدُّ في اللُّغَةِ الشَّعبِيَّةِ اليَهودِيَّةِ مِثالًا لِلصِّغَرِ الشَّديدِ، لا بِالمَعنى العِلمِيِّ، بَل بِالمَعنى التَّعبيريِّ المُتداوَلِ. وَيُريدُ يَسوعُ أَن يُبرِزَ التَّبايُنَ بَينَ ضَعفِ البِدايَةِ وَعَظَمَةِ النَّتيجَةِ. فَمَلَكوتُ اللهِ يَبدَأُ بِمَا يَبدو غَيرَ ذي أَهَمِّيَّةٍ في أَعيُنِ النّاسِ، لٰكِنَّهُ يَنمو بِقُوَّةِ اللهِ حَتّى يَملأَ الأَرضَ. لِهٰذا استَخدَمَ اليَهودُ حَبَّةَ الخَردَلِ مَثَلًا لِلشَّيءِ الصَّغيرِ، وَاستَخدَمَها يَسوعُ أَيضًا في قَولِهِ: “إِن كانَ لَكم مِنَ الإِيمانِ قَدرُ حَبَّةِ خَردَلٍ…” (متّى 17: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: “البِداياتُ الإِلٰهِيَّةُ تَبدو صَغيرَةً، لٰكِنَّها تَحمِلُ في داخِلِها قُوَّةَ النِّعمَةِ الَّتي تُغَيِّرُ العالَمَ”)705، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ “فَإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقولِ“ فَتُشيرُ إِلى قُوَّةِ النُّموِّ الَّتي أَودَعَها اللهُ في البِذارِ. فَالنَّموُّ لا يَعودُ إِلى قُوَّةِ الحَبَّةِ في ذاتِها، بَل إِلى الحَياةِ الَّتي وَهَبَها اللهُ لَها. وَهٰكَذا يَنمو مَلَكوتُ اللهِ في التّاريخِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ، لا بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ وَلا بِالنُّفوذِ السِّياسيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم: “لَم يَكُنِ التَّلاميذُ أَقوِياءَ بِحَسَبِ العالَمِ، لٰكِنَّ الكِرازَةَ الَّتي بَدَأَت بِقِلَّةٍ مَلأَتِ المَسكونَةَ كُلَّها” (482، PG 58).
إِنَّ اسْتِعْمَالَ يَسُوعَ أَدَاةَ الشَّرْطِ “إِذَا” فِي قَوْلِهِ: “فَإِذَا نَمَتْ” يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّمُوَّ لَيْسَ أَمْرًا آلِيًّا، بَلْ يَفْتَرِضُ وُجُودَ الْحَيَاةِ فِي الْبِذْرَةِ وَتَوَافُرَ الظُّرُوفِ الْمُلَائِمَةِ لِنُمُوِّهَا. فَلَيْسَتْ كُلُّ بَذْرَةٍ تُؤْتِي ثَمَرًا، بَلْ قَدْ يَبْقَى بَعْضُهَا عَقِيمًا لِأَنَّهُ فَاقِدٌ لِلْحَيَاةِ أَوْ لَا يَجِدُ التُّرْبَةَ الصَّالِحَةَ. أَمَّا إِذَا نَمَتِ الْبِذْرَةُ، فَإِنَّ أَصْغَرَ الْبُذُورِ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَكْبَرِ الْبُقُولِ، بَلْ تَصِيرُ شَجَرَةً عَظِيمَةً، وَهُوَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَدَايَتِهِ الْمُتَوَاضِعَةِ، يَحْمِلُ فِي ذَاتِهِ قُوَّةَ النُّمُوِّ وَالاكْتِمَالِ بِفِعْلِ نِعْمَةِ اللهِ.
أَمَّا عِبارَةُ “بَل صارَت شَجَرَةً” فَتُشيرُ إِلى الاِتِّساعِ وَالثَّباتِ وَالحَياةِ. فَالشَّجَرَةُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ تُعَدُّ رَمزًا لِشَعبِ اللهِ وَمَلَكوتِهِ، وَقَد سَبَقَ أَن تَنَبَّأَ حِزقيالُ عَنها قائِلًا: “في جَبَلِ إِسْرائيلَ العالِي أَغرِسُهُ… وَيَصيرُ أَرزًا جَليلًا، فَيَأوي تَحتَه كُلُّ طائِرٍ، كُلُّ ذي جَناحٍ يَأوي في ظِلِّ أَغصانِهِ” (حزقيال 17: 23). وَكَما صَوَّرَ دانيالُ الأَشجَارَ العَظيمَةَ رَمزًا لِلمَمالِكِ الزَّمنِيَّةِ (دانيال 4: 9-12)، يُعلِنُ يَسوعُ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ، الَّذي بَدَأَ مُتواضِعًا، سَيُصبِحُ الشَّجَرَةَ الحَقيقِيَّةَ الَّتي تَتَجاوَزُ كُلَّ مَمالِكِ الأَرضِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: “الشَّجَرَةُ هِيَ الكَنيسَةُ الَّتي نَمَت مِن كِرازَةِ الرُّسُلِ، وَامتَدَّت إِلى جَميعِ الشُّعوبِ” (1027، PL 9).
إِنَّ اسْتِعْمَالَ يَسُوعَ لِكَلِمَةِ “حَتَّى” فِي قَوْلِهِ: “حَتَّى اخْتَمَرَتْ كُلُّهَا” يُشِيرُ إِلَى عَمَلِيَّةِ النُّمُوِّ وَالتَّحَوُّلِ التَّدْرِيجِيِّ الَّتِي تَقُومُ بِهَا كَمِّيَّةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْخَمِيرَةِ دَاخِلَ كَمِّيَّةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ. فَالْخَمِيرَةُ لَا تُغَيِّرُ الْعَجِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ تَعْمَلُ فِيهِ بِهُدُوءٍ وَفِي الْخَفَاءِ إِلَى أَنْ يَتَخَمَّرَ كُلُّهُ. وَهٰكَذَا أَيْضًا يَعْمَلُ مَلَكُوتُ اللهِ: يَبْدَأُ صَغِيرًا وَغَيْرَ مَلْحُوظٍ، لَكِنَّهُ يَنْمُو بِصَبْرٍ وَثَبَاتٍ حَتَّى يُحَوِّلَ الْإِنْسَانَ وَالْمُجْتَمَعَ مِنَ الدَّاخِلِ بِقُوَّةِ نِعْمَةِ اللهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ: “طُيُورُ السَّمَاءِ تَأْتِي فَتُعَشِّشُ فِي أَغْصَانِهَا” (τὰ πετεινὰ τοῦ οὐρανοῦ ἔρχεται καὶ κατασκηνοῖ ἐν τοῖς κλάδοις αὐτοῦ)، فَتَسْتَحْضِرُ صُورَةً نَبَوِيَّةً مَعْرُوفَةً فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ تُمَثِّلُ طُيُورُ السَّمَاءِ (τὰ πετεινὰ τοῦ οὐρανοῦ) الشُّعُوبَ وَالأُمَمَ الَّتِي تَجْتَمِعُ تَحْتَ حِمَايَةِ مَلَكُوتِ اللهِ. وَقَدْ ظَهَرَ هٰذَا الرَّمْزُ فِي نُبُوءَةِ حِزْقِيَالَ عَنِ الشَّجَرَةِ الْعَظِيمَةِ: “وَتَسْكُنُ تَحْتَهُ كُلُّ طُيُورِ السَّمَاءِ” (حزقيال 17: 23؛ راجع أيضًا حزقيال 31: 6)، وَفِي رُؤْيَا دَانِيآلَ لِلشَّجَرَةِ الَّتِي “تُقِيمُ طُيُورُ السَّمَاءِ فِي أَغْصَانِهَا” (دانيال 4: 12). وَكَانَتْ هٰذِهِ الصُّورَةُ تُعَبِّرُ عَنْ شُمُولِ سُلْطَانِ اللهِ وَاجْتِمَاعِ الأُمَمِ حَوْلَ شَعْبِهِ. وَفِي ضَوْءِ هٰذِهِ الْخَلْفِيَّةِ الْكِتَابِيَّةِ، يَتَّخِذُ الْمَثَلُ بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا وَكَنَسِيًّا؛ فَالشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي نَمَتْ مِنْ حَبَّةِ الْخَرْدَلِ تُرْمِزُ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ الْمُتَجَسِّدِ فِي الْكَنِيسَةِ، أَمَّا الطُّيُورُ فَتُشِيرُ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ الَّتِي تَدْخُلُ إِلَى هٰذَا الْمَلَكُوتِ، وَتَجِدُ فِيهِ الْمَأْوَى وَالْحَيَاةَ وَالْخَلَاصَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: “تُمَثِّلُ الطُّيُورُ الأُمَمَ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْتَرِيحَ فِي ظِلِّ الْكَنِيسَةِ، وَتَجِدَ فِيهَا غِذَاءَ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.” (560، PL 38). وَمِنْ هُنَا يَبْنِي يَسُوعُ الْمُقَارَنَةَ بَيْنَ حَبَّةِ الْخَرْدَلِ وَمَلَكُوتِ اللهِ عَلَى ثَلَاثِ حَقَائِقَ رَئِيسِيَّةٍ: صِغَرُ الْبِدَايَةِ، وَالنُّمُوُّ التَّدْرِيجِيُّ بِقُوَّةِ اللهِ، وَالشُّمُولُ الْجَامِعُ فِي النِّهَايَةِ. فَمَا بَدَأَ بِشَخْصِ يَسُوعَ وَجَمَاعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ التَّلَامِيذِ، أَصْبَحَ كَنِيسَةً جَامِعَةً تَمْتَدُّ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ، وَتَفْتَحُ أَبْوَابَهَا لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ دُونَ تَمْيِيزٍ. وَبِذٰلِكَ يُؤَكِّدُ الْمَثَلُ أَنَّ ضَعْفَ الْبِدَايَاتِ لَا يُنَافِي مَجْدَ النِّهَايَةِ، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ نُمُوَّ الْمَلَكُوتِ هُوَ عَمَلُ اللهِ الَّذِي يَتَجَاوَزُ كُلَّ حِسَابٍ بَشَرِيٍّ، حَتَّى يَصِيرَ مَلْجَأً لِجَمِيعِ الأُمَمِ وَعَلَامَةً لِخَلَاصِ الْعَالَمِ.
33 وَأَورَدَ لَهُم مَثَلًا آخَرَ قالَ: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ خَميرَةٍ أَخَذَتْها امرَأَةٌ، فَخَبَّأَتْها في ثَلاثَةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيقِ، حتّى اختَمَرَ العَجينُ كُلُّهُ».
تُشيرُ عِبارَةُ “أَورَدَ لَهُم مَثَلًا آخَرَ” إِلى أَنَّ يَسوعَ يُتابِعُ تَعليمَهُ عَن مَلَكوتِ اللهِ بِصُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ. فَبَعدَ أَن أَبرَزَ في مَثَلِ حَبَّةِ الخَردَلِ النُّموَّ الظّاهِرَ وَالاِتِّساعَ التَّدرِيجِيَّ لِلمَلَكوتِ، يُبرِزُ هُنا عَمَلَهُ الدّاخِلِيَّ الخَفِيَّ الَّذي يُغَيِّرُ الإِنسانَ وَالعالَمَ مِنَ الدّاخِلِ. فَالمَلَكوتُ لا يَنمو بِالقُوَّةِ أَوِ الاِستِعراضِ، بَل بِقُوَّةٍ صامِتَةٍ تُحَوِّلُ القُلوبَ وَالتّاريخَ.
أَمَّا عِبارَةُ “خَميرَةٍ” ζύμη الخميرة ففي اليهودية غالبًا رمز للفساد. أما هنا، فيحولها يسوع إلى رمز إيجابي. وهذا انقلاب لاهوتي جميل. تُشيرُ الخميرة إِلى مادَّةٍ صَغيرَةِ الحَجمِ، لٰكِنَّها تَحمِلُ في داخِلِها قُوَّةً تُغَيِّرُ العَجينَ كُلَّهُ. َهٰذِهِ هِيَ صُورَةُ مَلَكوتِ اللهِ الَّذي يَبدَأُ بِما يَبدو ضَئيلًا، ثُمَّ يَتَسَلَّلُ بِهُدوءٍ لِيُغَيِّرَ الإِنسانَ مِنَ الدّاخِلِ. وَقَدِ استُعمِلَتِ الخَميرَةُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ رَمزًا لِلشَّرِّ أَحيانًا، كَما في تَحذيرِ يَسوعَ مِن “خَميرِ الفِرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ” (متّى 16: 12)، وَفي تَعليمِ بُولُسَ الرَّسولِ: “لْنُعَيِّدْ لا بِخَميرَةِ الخُبثِ وَالفَسادِ، بَل بِفَطيرِ الصَّفاءِ وَالحَقِّ” (1 قورنتس 5: 8). غَيرَ أَنَّ يَسوعَ يَستَخدِمُها هُنا بِمَعناها الإِيجابِيِّ، لِيُبرِزَ قُوَّةَ النِّعمَةِ الَّتي تُحَوِّلُ الإِنسانَ وَالمُجتَمَعَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “كَما تُغَيِّرُ الخَميرَةُ العَجينَ كُلَّهُ، هٰكَذا تُغَيِّرُ نِعمَةُ المَسيحِ الإِنسانَ كُلَّهُ”(563، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ “أَخَذَتْها امرَأَةٌ” فَتُشيرُ إِلى الدَّورِ الطَّبيعِيِّ لِلمَرأَةِ في إِعدادِ الخُبزِ، لِكِنَّها تَحمِلُ أَيضًا بُعدًا رَمزِيًّا. فَالَّتي دَخَلَت إِلَيها خَميرَةُ الإِيمانِ تُصبِحُ أَدَاةً لِنَقلِ الحَياةِ إِلى الآخَرينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بُطرُس خِريزولوغُس: “تَلَقَّت حَوّاءُ مِنَ الشَّيطانِ خَميرَةَ الخِداعِ، أَمَّا هٰذِهِ المَرأَةُ فَتَتَلَقّى مِنَ اللهِ خَميرَةَ الإِيمانِ” (499، PL 52).
أَمَّا عِبارَةُ “فَخَبَّأَتْها” (ἐνέκρυψεν) فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الخَميرَةَ لا تَعمَلُ مِنَ الخارِجِ، بَل تُوضَعُ في داخِلِ العَجينِ حَتّى تَختَفي عَنِ الأَنظارِ، غَيرَ أَنَّها تُمارِسُ عَمَلَها بِفاعِلِيَّةٍ. وَهٰكَذا يَعمَلُ مَلَكوتُ اللهِ، فَهُوَ لا يَفرِضُ نَفسَهُ بِالقُوَّةِ، بَل يَتَسَلَّلُ إِلى القَلبِ وَيُغَيِّرُهُ مِنَ الدّاخِلِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ: “النِّعمَةُ تَعمَلُ في الخَفاءِ، لٰكِنَّ ثِمارَها تَظهَرُ لِلجَميعِ” (1138، PL 76).
أَمَّا عِبَارَةُ: “ثَلَاثَةِ مَكَايِيلَ مِنَ الدَّقِيقِ” (τρία σάτα)، فَتُشِيرُ إِلَى مِقْدَارٍ كَبِيرٍ مِنَ الدَّقِيقِ، إِذْ إِنَّ السَّاعَةَ (σάτον، مُفْرَد σάτα) هِيَ مِكْيَالٌ يَهُودِيٌّ يُعَادِلُ نَحْوَ 13 لِتْرًا، فَتُشَكِّلُ الثَّلَاثُ مَكَايِيلِ مَا يُقَارِبُ 40 لِتْرًا مِنَ الدَّقِيقِ، أَيْ نَحْوَ 15 كِيلُوغْرَامًا، وَهِيَ كَمِّيَّةٌ وَفِيرَةٌ تَكْفِي لإِعْدَادِ خُبْزٍ لِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَشْخَاصِ. وَلا يَقْصِدُ الْمَثَلُ التَّرْكِيزَ عَلَى الْمِقْدَارِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ عَلَى شُمُولِيَّةِ التَّحَوُّلِ الَّذِي تُحْدِثُهُ الْخَمِيرَةُ، فَقُوَّةُ الْمَلَكُوتِ لَا تَعْمَلُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْعَجِينِ، بَلْ تُخَمِّرُ الْكُلَّ حَتَّى يَتَغَيَّرَ بِأَكْمَلِهِ. وَيَسْتَحْضِرُ هٰذَا التَّعْبِيرُ أَيْضًا مَشْهَدَ ضِيَافَةِ إِبْرَاهِيمَ فِي مَمْرَا، حَيْثُ قَالَ لِسَارَةَ: “أَسْرِعِي بِثَلَاثِ كَيْلَاتٍ مِنْ دَقِيقٍ سَمِيذٍ” (التكوين 18: 6). وَفِي كِلَا النَّصَّيْنِ تُشِيرُ الْكَمِّيَّةُ الْكَبِيرَةُ إِلَى الْوَفْرَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالْبَرَكَةِ، فَيُصْبِحُ مَلَكُوتُ اللهِ مَائِدَةً مُعَدَّةً لِلْجَمِيعِ، لَا لِفِئَةٍ مُحَدَّدَةٍ. وَرَأَى آبَاءُ الْكَنِيسَةِ فِي هٰذَا الرَّقَمِ دَلَالَاتٍ رَمْزِيَّةً. فَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ مَكَايِيلَ تُشِيرُ إِلَى الشُّعُوبِ الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ أَبْنَاءِ نُوحٍ الثَّلَاثَةِ: سَامٍ وَحَامٍ وَيَافَثَ، الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ الْمَلَكُوتُ جَمِيعًا إِلَى الْخَلَاصِ (564، PL 38). أَمَّا الْقِدِّيسُ أيرونيموسُ، فَيَرَى أَنَّهَا تَرْمُزُ إِلَى وَحْدَةِ الإِنْسَانِ الْمُكَوَّنَةِ مِنَ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ، الَّتِي تُخَمِّرُهَا نِعْمَةُ الْمَسِيحِ وَتُقَدِّسُهَا بِالْكَامِلِ (98، PL 26). وَمِنْ ثَمَّ، لَا يُرِيدُ يَسُوعُ أَنْ يُبَيِّنَ حَجْمَ الْعَجِينِ فَقَطْ، بَلْ أَنْ يُؤَكِّدَ أَنَّ عَمَلَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَإِنْ بَدَأَ خَفِيًّا كَالْخَمِيرَةِ، فَإِنَّهُ يَبْلُغُ فِي النِّهَايَةِ تَحْوِيلًا شَامِلًا لِلْبَشَرِيَّةِ وَلِلْخَلِيقَةِ، حَتَّى “اخْتَمَرَ الْعَجِينُ كُلُّهُ” (ἕως οὗ ἐζυμώθη ὅλον).
أَمَّا عِبارَةُ “حتّى اختَمَرَ العَجينُ كُلُّهُ” فَتُشيرُ إِلى شُموليَّةِ عَمَلِ مَلَكوتِ اللهِ. فَالخَميرَةُ لا تُغَيِّرُ جُزءًا مِنَ العَجينِ، بَل تُخَمِّرُهُ كُلَّهُ. وَهٰكَذا لا يَكتَفي الإِنجيلُ بِإِصلاحِ جُزءٍ مِن حَياةِ الإِنسانِ، بَل يَدعوهُ إِلى التَّجَدُّدِ الشّامِلِ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسولُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائلًا: “أَما تَعلَمونَ أَنَّ قَليلًا مِنَ الخَميرِ يُخَمِّرُ العَجينَ كُلَّهُ؟” (1 قورنتس 5: 6).
وَمِنْ هُنا يَكشِفُ يَسوعُ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ يَعمَلُ بِهُدوءٍ وَخَفاءٍ، لٰكِنَّهُ يَحمِلُ في داخِلِهِ قُوَّةً لا تُقاوَمُ، قادِرَةً عَلَى تَجدِيدِ الإِنسانِ وَالمُجتَمَعِ وَالعالَمِ. فَكَما تُغَيِّرُ الخَميرَةُ العَجينَ كُلَّهُ، هٰكَذا تُغَيِّرُ كَلِمَةُ اللهِ القَلبَ الَّذي يَقبَلُها، ثُمَّ تَنتَشِرُ مِنهُ إِلى الآخَرينَ، حَتّى يَصيرَ المُؤمِنُ نَفسُهُ خَميرَةً لِلإِنجيلِ في العالَمِ، يُساهِمُ في تَقديسِهِ وَتَجدِيدِهِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ.
34 هٰذا كُلُّه قالَهُ يَسوعُ لِلجُموعِ بِالأَمثالِ، وَلَم يَقُلْ لَهُم شَيئًا مِن دونِ مَثَلٍ.
تُشيرُ عِبارَةُ “هٰذا كُلُّه“ إِلى مَجموعَةِ الأَمثالِ الَّتي وَرَدَت في هٰذا الخِطابِ، وَالَّتي استَخدَمَها يَسوعُ لِيُعلِّمَ الجُموعَ أَسرارَ مَلَكوتِ اللهِ. فَقَدِ اقتَصَرَ في هٰذِهِ المَرحَلَةِ مِن خِدمَتِهِ العَلَنِيَّةِ عَلَى التَّعليمِ بِالأَمثالِ، بَعدَ أَن أَظهَرَ القادَةُ الدِّينيُّونَ رَفضَهُم لِرِسالَتِهِ وَتَصلُّبَ قُلوبِهِم. وَهٰكَذا أَصبَحَ المَثَلُ وَسيلَةً تُعلِنُ الحَقَّ لِمَن يَطلُبُهُ بِإِيمانٍ، وَتُخفيهِ عَمَّن يُغلِقُ قَلبَهُ أَمامَ نِعمَةِ اللهِ (متّى 13: 10-17).
أَمَّا عِبارَةُ “قالَهُ يَسوعُ لِلجُموعِ بِالأَمثالِ” فَتُشيرُ إِلى أُسلوبِ يَسوعَ التَّربَوِيِّ، الَّذي يَنتَقِلُ بِالسّامِعينَ مِنَ المَحسوسِ إِلى الرُّوحِيِّ، وَمِن أَحداثِ الحَياةِ اليَوميَّةِ إِلى حَقائِقِ المَلَكوتِ. فَالأَمثالُ لَيسَت مُجرَّدَ وَسائِلَ تَوضيحٍ، بَل هِيَ دَعوَةٌ إِلى التَّأَمُّلِ وَالتَّمييزِ وَاتِّخاذِ مَوقِفٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “كانَ يَتَكلَّمُ بِالأَمثالِ لِيَجذِبَ السّامِعينَ إِلى البَحثِ، فَيَكتَشِفوا الحَقَّ بِأَنفُسِهِم، وَلا يَبقَوا مُجرَّدَ مُستَمِعينَ” (483، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ “وَلَم يَقُلْ لَهُم شَيئًا مِن دونِ مَثَلٍ“ فَلا تَعني أَنَّ يَسوعَ لَم يَستَخدِم أَسلوبًا آخَرَ مُطلَقًا، بَل تُشيرُ إِلى أَنَّهُ في هٰذا الخِطابِ الخاصِّ بِمَلَكوتِ اللهِ، وَجَّهَ تَعليمَهُ إِلى الجُموعِ كُلَّهُ بِالأَمثالِ. وَيُوضِّحُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه أَنَّ “الأَمثالَ تَكشِفُ الحَقَّ لِلَّذينَ يُحِبّونَ الحَقَّ، وَتُبقيهِ خَفِيًّا عَمَّن يَرفُضونَهُ بِقَساوَةِ قُلوبِهِم” (1028، PL9).
وَيُظهِرُ هٰذا الأُسلوبُ أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُفرَضُ عَلَى الإِنسانِ، بَل تَدعوهُ إِلى الاِنفِتاحِ الحُرِّ عَلَى الحَقِّ. فَالمَثَلُ يَحتَرِمُ حُرِّيَّةَ السّامِعِ، وَيَجعَلُهُ شَريكًا في اكتِشافِ المَعنى، لا مُجرَّدَ مُتَلَقٍّ لِلتَّعليمِ. وَمِن هُنا، فَإِنَّ الأَمثالَ تُصبِحُ امتِحانًا لِلقَلبِ: فَمَن يَطلُبُ اللهَ بِإِخلاصٍ يَكتَشِفُ أَسرارَ المَلَكوتِ، أَمَّا مَن يَكتَفي بِسَماعِ الأَلفاظِ دُونَ أَن يَفتَحَ قَلبَهُ، فَتَبقى الأَمثالُ عِندَهُ مُجرَّدَ قِصَصٍ لا تُغَيِّرُ الحَياةَ. وَمِنْ خِلَالِ اخْتِيَارِهِ الدَّقِيقِ لِلأَلْفَاظِ الْيُونَانِيَّةِ، يَكْشِفُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ عَنِ الْمَنْطِقِ الدَّاخِلِيِّ لِنُمُوِّ مَلَكُوتِ اللهِ. فَالزَّرْعُ الصَّالِحُ (καλὸν σπέρμα) يُؤَكِّدُ أَنَّ أَصْلَ الْمَلَكُوتِ صَالِحٌ وَإِلَهِيٌّ، وَالْفِعْلُ (συναυξάνεσθαι) يُظْهِرُ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ يَنْمُوَانِ مَعًا خِلَالَ زَمَنِ التَّارِيخِ حَتَّى مَوْعِدِ الدَّيْنُونَةِ، أَمَّا الْخَمِيرَةُ (ζύμη) فَتُجَسِّدُ الْعَمَلَ الْخَفِيَّ الَّذِي يُحَوِّلُ الْعَجِينَ كُلَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، فِي حِينِ يُشِيرُ الْحَصَادُ (θερισμός) إِلَى اكْتِمَالِ التَّارِيخِ الْخَلَاصِيِّ وَظُهُورِ الدَّيْنُونَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ. وَهٰكَذَا يَرْسُمُ مَتَّى مَسِيرَةَ الْمَلَكُوتِ فِي أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مُتَرَابِطَةٍ: بَدَايَةٌ إِلَهِيَّةٌ صَالِحَةٌ، وَنُمُوٌّ تَارِيخِيٌّ يَتَعَايَشُ فِيهِ الْقَمْحُ وَالزُّؤَانُ، وَعَمَلٌ خَفِيٌّ يُحَوِّلُ الْعَالَمَ مِنَ الدَّاخِلِ، ثُمَّ اكْتِمَالٌ أُخْرَوِيٌّ يَنْكَشِفُ فِيهِ عَدْلُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ مَعًا. وَبِذٰلِكَ تُصْبِحُ أَمْثَالُ الْمَلَكُوتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُوَرٍ زِرَاعِيَّةٍ، بَلْ خُطَّةً لَاهُوتِيَّةً مُتَكَامِلَةً تَخْتَصِرُ تَارِيخَ الْخَلَاصِ مِنْ بِدَايَةِ زَرْعِ الْمَلَكُوتِ إِلَى اكْتِمَالِهِ الْمَجِيدِ.
35 لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ: «أَفتَحُ فَمي بِالأَمثالِ، وأُعلِنُ ما كانَ خَفِيًّا مُنذُ إِنشاءِ العالَمِ”.
تُشيرُ عِبارَةُ “لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ“ إِلى أَنَّ مَتّى الإِنجيليَّ يَرى في تَعليمِ يَسوعَ بِالأَمثالِ تَحقيقًا لِما أَعلَنَهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ مُسبَقًا. وَكَعادَتِهِ، يَربِطُ أَعمالَ يَسوعَ وَأَقوالَهُ بِالعَهدِ القَديمِ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ يَسوعَ هُوَ المُسِيحُ الَّذي تَتِمُّ فيهِ جَميعُ النُّبوءاتِ. وَالاِقتِباسُ هُنا يَرِدُ مِن مزمور 78: 2، الَّذي يَنسبُهُ مَتّى إِلى “النَّبِيِّ؟، لأَنَّ كاتِبَ المَزمورِ، آساف، كانَ يُعَدُّ في التَّقليدِ اليَهودِيِّ نَبِيًّا (1 أَخبار 25: 1-2).
أَمَّا عِبارَةُ “أَفتَحُ فَمي بِالأَمثالِ” (Ἀνοίξω ἐν παραβολαῖς τὸ στόμα μου) فَتُشيرُ إِلى أَنَّ يَسوعَ يَستَخدِمُ الأَمثالَ وَسيلَةً لِلكَشفِ عَن أَسرارِ اللهِ، لا لِإِخفائِها. فَالمَثَلُ يَنطَلِقُ مِن واقِعٍ مَألوفٍ لِيَقودَ السّامِعَ إِلى حَقيقَةٍ إِلٰهِيَّةٍ أَعمَقَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَتَكَلَّمْ بِالأَمثالِ لِيُخفيَ الحَقَّ، بَل لِيَدفَعَ السّامِعينَ إِلى البَحثِ عَنهُ بِجِدٍّ وَاجتِهادٍ” (484، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ “وأُعلِنُ ما كانَ خَفِيًّا مُنذُ إِنشاءِ العالَمِ” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ يَسوعَ لا يَكتَفي بِتَعليمِ الحِكَمِ الأَخلاقيَّةِ، بَل يَكشِفُ سِرَّ تَدبيرِ اللهِ الخَلاصيِّ الَّذي كانَ مَكتومًا مُنذُ البَدءِ، وَأُعلِنَ الآنَ بِشَخصِهِ وَرِسالَتِهِ. َهٰذِهِ الأَسرارُ لَم يَكُنِ العَقلُ البَشَرِيُّ قادِرًا عَلَى مَعرِفَتِها بِذاتِهِ، بَل أَعلَنَها اللهُ في مَلءِ الزَّمانِ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسولُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: “لِذاكَ القادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُم… وَفقًا لِسِرٍّ ظَلَّ مَكتومًا مَدى الأَزَلِ، ثُمَّ أُظهِرَ الآنَ” (رومة 16: 25-26)، وَيَقولُ أَيضًا: “أُطلِعتُ عَلَى السِّرِّ بِوَحيٍ” (أفسس 3: 3). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: «ما كانَ مَخفِيًّا في الرُّموزِ وَالنُّبوءاتِ، أَعلَنَهُ المَسيحُ الآنَ بِوُضوحٍ، لأَنَّهُ هُوَ الحَقُّ الَّذي كانتِ الكُتُبُ تُشيرُ إِلَيهِ” (708، PG 72). وَمِنْ هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ الأَمثالَ لَيسَت مُجرَّدَ قِصَصٍ تَعليميَّةٍ، بَل وَسائِلُ وَحيٍ إِلٰهِيٍّ يَكشِفُ بِها المَسيحُ أَسرارَ مَلَكوتِ اللهِ الَّتي ظَلَّت مَخفِيَّةً مُنذُ إِنشاءِ العالَمِ. فَما كانَ في العَهدِ القَديمِ رَمزًا وَظِلًّا، أَصبَحَ في شَخصِ يَسوعَ حَقيقَةً مُعلَنَةً، وَغايَةُ هٰذا الإِعلانِ أَنْ يَدخُلَ الإِنسانُ في شَركَةِ مَلَكوتِ اللهِ وَيَعرِفَ سِرَّ مَحبَّتِهِ وَخَلاصِهِ.
36 ثُمَّ تَرَكَ الجُموعَ ورَجَعَ إِلى البَيتِ، فَدَنا مِنهُ تَلاميذُهُ وقالوا لَهُ: “فَسِّرْ لَنا مَثَلَ زُؤانِ الحَقلِ”.
تُشيرُ عِبارَةُ “ثُمَّ تَرَكَ الجُموعَ ورَجَعَ إِلى البَيتِ” إِلى انتِقالِ يَسوعَ مِنَ التَّعليمِ العَلَنِيِّ إِلى التَّعليمِ الخاصِّ. فَبَعدَ أَن خاطَبَ الجُموعَ بِالأَمثالِ، دَخَلَ إِلى البَيتِ حَيثُ يَكشِفُ لِتَلاميذِهِ مَعانيها العَميقَةَ. وَلا يَعني ذٰلِكَ أَنَّ أَسرارَ المَلَكوتِ مُقتَصِرَةٌ عَلَى فِئَةٍ دُونَ غَيرِها، بَل إِنَّها تُكشَفُ لِمَن يَطلُبُها بِإِيمانٍ وَيُثابِرُ في طَلَبِ الحَقِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَنتَظِرِ التَّلاميذُ أَنْ يَسأَلوا أَمامَ الجُموعِ، بَل لَمَّا دَخَلَ البَيتُ دَنَوا مِنهُ، فَنالوا شَرحَ الأَسرارِ جَزاءَ اشتِياقِهِم إِلى المَعرِفَةِ” (485، PG 58).
أَمَّا عِبارَةُ “البَيتِ“ فَتُشيرُ، في السِّياقِ التّاريخيِّ، إِلى البَيتِ الَّذي كانَ يَنزِلُ فيهِ يَسوعُ، وَيُرجَّحُ أَنَّهُ بَيتُ سِمعانَ بُطرُسَ في كَفرَناحومَ (راجع متّى 8: 14). أَمَّا في اللّاهوتِ المَتَّاوِيِّ، فَيُصبِحُ البَيتُ رَمزًا لِجَماعَةِ التَّلاميذِ، أَي لِلكَنيسَةِ، حَيثُ يُعلِنُ المَسيحُ أَسرارَ المَلَكوتِ لِلَّذينَ يَثبُتونَ مَعَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: “البَيتُ هُوَ الكَنيسَةُ، وَفي داخِلِها تُفهَمُ الأَسرارُ الَّتي تَبقى خَفِيَّةً عَلَى مَن هُم خارِجَها” (1029، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ “فَدَنا مِنهُ تَلاميذُهُ“ فَتُشيرُ إِلى مُبادَرَةِ التَّلاميذِ وَرَغبَتِهِم الصّادِقَةِ في فَهمِ كَلامِ يَسوعَ. فَهُم لَم يَكتَفوا بِسَماعِ المَثَلِ، بَل طَلَبوا تَفسيرَهُ. وَهٰذا يُؤَكِّدُ أَنَّ مَعرِفَةَ أَسرارِ اللهِ تَقتَضي الاقتِرابَ مِنَ المَسيحِ وَالانفِتاحَ عَلَى تَعاليمِهِ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسولُ يَعقوبُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائلًا: “اِقتَرِبوا إِلى اللهِ فَيَقتَرِبْ إِلَيكُم” (يعقوب 4: 8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “مَن يَطلُبُ يَجِد، وَمَن يَقرَعُ يُفتَحُ لَهُ، لأَنَّ الرَّبَّ لا يَحرِمُ طالِبَ الحَقِّ مِن نُورِهِ” (565، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ “تَلاميذُهُ“ فَلا تَقتَصِرُ عَلَى الاثنَي عَشَرَ، بَل تَشمَلُ أَيضًا سائِرَ الَّذينَ تَبِعوا يَسوعَ وَبَقُوا حَولَهُ، كَما يُوضِّحُ مَرقُسُ الإِنجيليُّ: “فَلَمَّا اعتَزَلَ الجَمعَ، سَأَلَهُ الَّذينَ حَولَهُ مَعَ الاثنَي عَشَرَ عَنِ الأَمثالِ” (مرقس 4: 10). فَالتِّلمَذةُ الحَقيقِيَّةُ لا تَقومُ عَلَى مُجرَّدِ سَماعِ الكَلِمَةِ، بَل عَلَى الرَّغبَةِ المُستمِرَّةِ في فَهمِها وَالعَيشِ بِها.
أَمَّا عِبَارَةُ: “فَسِّرْ لَنَا مَثَلَ زُؤَانِ الْحَقْلِ” فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّلَامِيذَ أَدْرَكُوا أَنَّ الْمَثَلَ يَحْمِلُ مَعْنًى أَعْمَقَ مِنْ ظَاهِرِهِ، فَلَمْ يَكْتَفُوا بِفَهْمِهِ الْحَرْفِيِّ، بَلْ طَلَبُوا مِنْ يَسُوعَ أَنْ يَكْشِفَ لَهُمْ سِرَّهُ. وَيَبْدُو أَنَّهُمْ كَانُوا، كَغَيْرِهِمْ مِنْ يَهُودِ زَمَانِهِمْ، يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَقْضِيَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الأَشْرَارِ وَأَعْدَاءِ شَعْبِهِ دُونَ إِبْطَاءٍ، لِذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَفْهَمُوا سَبَبَ سَمَاحِ اللهِ بِبَقَاءِ الزُّؤَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ. فَلَجَأُوا إِلَى يَسُوعَ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ وَالْمُفَسِّرُ الْحَقِيقِيُّ لِأَسْرَارِ الْمَلَكُوتِ. وَيُظْهِرُ هٰذَا الطَّلَبُ أَنَّ الْفَهْمَ الصَّحِيحَ لِكَلِمَةِ اللهِ هُوَ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ تُمْنَحُ لِمَنْ يَطْلُبُهَا بِالتَّوَاضُعِ وَالإِيمَانِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ ثَمَرَةٍ لِلذَّكَاءِ الْبَشَرِيِّ. فَالتَّلَامِيذُ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ فَهِمُوا، بَلْ سَأَلُوا؛ وَكَانَ فِي سُؤَالِهِمْ بَدَايَةُ فَهْمِهِمْ.
37 فَأَجابَهُم: “الَّذي يَزرَعُ الزَّرعَ الطَّيِّبَ هُوَ ابنُ الإِنسانِ”.
تُشيرُ عِبارَةُ “فَأَجابَهُم” إِلى أَنَّ يَسوعَ استَجابَ لِطَلَبِ تَلاميذِهِ، فَكَشَفَ لَهُم مَعنى المَثَلِ الَّذي كانَ مَخفِيًّا عَنِ الجُموعِ. وَيُظهِرُ هٰذا أَنَّ المَسيحَ لا يَترُكُ طالِبي الحَقِّ في حَيرَتِهِم، بَل يُنيرُ أَذهانَهُم لِيُدرِكوا أَسرارَ المَلَكوتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَرفُضْ طَلَبَ التَّلاميذِ، بَل فَسَّرَ لَهُم كُلَّ شَيءٍ، لِيُعَلِّمَنا أَنَّ مَن يَطلُبُ الفَهمَ بِإِخلاصٍ يَنالُهُ مِنَ الرَّبِّ” (العِظاتُ عَلَى إِنجيلِ مَتّى، العِظَة 47).
أَمَّا عِبارَةُ “الَّذي يَزرَعُ الزَّرعَ الطَّيِّبَ” فَتُشيرُ إِلى يَسوعَ المَسيحِ نَفسِهِ، الَّذي يَبذُرُ في العالَمِ بِذارَ المَلَكوتِ، أَي كَلِمَةَ اللهِ وَأَبناءَ المَلَكوتِ، كَما وَرَدَ سابِقًا: “كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرعًا طَيِّبًا في حَقلِهِ” (متّى 13: 24). وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّ مَصدَرَ كُلِّ خَيرٍ وَحَياةٍ هُوَ شَخصُهُ، فَهُوَ الزّارِعُ الَّذي يَزرَعُ الصّالِحينَ في العالَمِ لِيَكونوا شُهُودًا لِمَلَكوتِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: «المَسيحُ هُوَ الزّارِعُ الَّذي يَغرِسُ في النُّفوسِ كَلِمَةَ الحَياةِ، وَيُنشِئُ مِنها أَبناءَ المَلَكوتِ” (709، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ “ابنُ الإِنسانِ” فَتُشيرُ إِلى اللَّقَبِ الَّذي كانَ يَسوعُ يُطلِقُهُ عَلَى نَفسِهِ، وَهُوَ يَجمَعُ بَينَ اتِّضاعِهِ في التَّجسُّدِ وَمَجدِهِ المَسيحانِيِّ. فَهُوَ يَستَحضِرُ نُبوءَةَ دانيال: “وَإِذا مَعَ سُحُبِ السَّماءِ مِثلُ ابنِ إِنسانٍ… فَأُعطِيَ سُلطانًا وَمَجدًا وَمُلكًا” (دانيال 7: 13-14). فَالَّذي يَزرَعُ اليَومَ بِتواضُعٍ هُوَ نَفسُهُ الَّذي سَيَأتي في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ بِالمَجدِ لِيَحصُدَ وَيُدينَ، كَما يَقولُ لاحِقًا: “يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائِكَتَهُ…” (متّى 13: 41). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: «يَدعو نَفسَهُ ابنَ الإِنسانِ، لِيُظهِرَ أَنَّ الَّذي زَرَعَ في ضَعفِ الجَسَدِ هُوَ نَفسُهُ الَّذي سَيَدينُ العالَمَ بِمَجدِهِ” (PL 9).
وَمِنْ هُنا يَكشِفُ يَسوعُ أَنَّ تَاريخَ المَلَكوتِ يَبدَأُ بِشَخصِهِ؛ فَهُوَ الزّارِعُ، وَالبِذارُ صالِحَةٌ، وَالحَقلُ هُوَ العالَمُ. وَإِذا كانَ العَدُوُّ يَزرَعُ الزُّؤانَ، فَإِنَّ هٰذا لا يُبطِلُ عَمَلَ ابنِ الإِنسانِ، بَل يُؤَكِّدُ أَنَّ المَعركَةَ بَينَ الخَيرِ وَالشَّرِّ تَجري تَحتَ سُلطانِهِ، وَسَتَنتَهي بِانتِصارِهِ يَومَ الحَصادِ، حِينَ يُكمِلُ عَمَلَ الخَلاصِ الَّذي بَدَأَهُ بِزِراعَةِ الزَّرعِ الطَّيِّبِ.
38 وَالحَقْلُ هُوَ العالَمُ، وَالزَّرْعُ الطَّيِّبُ بَنُو المَلَكوتِ، وَالزُّؤانُ بَنُو الشِّرِّيرِ.
تُشيرُ عِبارَةُ “الحَقْلُ هُوَ العالَمُ” إلى أنَّ رِسالَةَ المَسيحِ لا تَقتَصِرُ على شَعبٍ أو أُمَّةٍ، بَل تَشمَلُ العالَمَ كُلَّهُ، حيثُ يَزرَعُ ابنُ الإِنسانِ أَبناءَ المَلَكوتِ، ويَسمَحُ، في حِكمَتِهِ، بِوُجودِ الأَشرارِ إِلى يَومِ الحَصادِ. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّ مَسرَحَ الصِّراعِ بَينَ الخَيرِ وَالشَّرِّ هُوَ العالَمُ بِأَسرِهِ، لا الكَنيسَةُ وَحدَها. وَهٰذا ما يُوافِقُ تَعليمَهُ: “يُطلِعُ شَمسَهُ عَلَى الأَشرارِ وَالأَخيارِ، وَيُنزِلُ المَطَرَ عَلَى الأَبرارِ وَالفُجّارِ” (متّى 5: 45). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “الحَقلُ لَيسَ الكَنيسَةَ فَحَسب، بَل العالَمُ كُلُّهُ، فَفِيهِ يَنمو أَبناءُ اللهِ وَأَبناءُ الشِّرِّيرِ إِلى يَومِ الدِّينونَةِ” (638، PL 38).
أَمَّا عِبارَةُ “الزَّرْعُ الطَّيِّبُ” فَتُشيرُ إلى أَبناءِ المَلَكوتِ الَّذينَ قَبِلوا كَلِمَةَ اللهِ، فَتَجَذَّرَت في قُلوبِهِم وَأَثمَرَت أَعمالًا صالِحَةً. فَهُم لَيسوا مُجرَّدَ سامِعينَ لِلكَلِمَةِ، بَل أَحياءٌ بِها، كَما يَقولُ الرَّسولُ يَعقوبُ: “شاءَ أَن يَلِدَنا بِكَلِمَةِ الحَقِّ لِنَكونَ باكورَةً لِخَلائِقِهِ” (يعقوب 1: 18). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: “إِنَّ الَّذينَ قَبِلوا كَلِمَةَ اللهِ بِإِيمانٍ صاروا هُم أَنفُسُهُم زَرعًا طَيِّبًا، يُثمِرونَ فَضائِلَ المَلَكوتِ” (712، PG 72).
أَمَّا عِبارَةُ “بَنُو المَلَكوتِ” فَتُشيرُ إلى الَّذينَ يَنتمونَ إلى اللهِ بِالإِيمانِ وَالنِّعمَةِ، لا بِالانتِسابِ الجَسَدِيِّ أَوِ العِرقِيِّ. فَهُم وَرَثَةُ المَلَكوتِ لأَنَّهُم استَجابوا لِدَعوَةِ المَسيحِ، وَجَعَلوا مَلَكوتَ اللهِ أَوَّلَ اهتِمامِهِم، تَحقِيقًا لِقَولِهِ: “اُطلُبوا أَوَّلًا مَلَكوتَ اللهِ وَبِرَّهُ” (متّى 6: 33). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: “يُدعَى بَنو المَلَكوتِ كُلُّ مَن حَمَلَ في حَياتِهِ صُورَةَ المَلِكِ، أَي صُورَةَ المَسيحِ” (1033، PL 9).
أَمَّا عِبارَةُ “الزُّؤانُ بَنُو الشِّرِّيرِ“ فَتُشيرُ إلى الَّذينَ يَرفُضونَ الحَقَّ وَيَختارونَ أَعمالَ الشَّرِّ، فَيُصبِحونَ مُشابِهينَ لِلشِّرِّيرِ في أَفكارِهِم وَسُلوكِهِم. وَلا يَعني ذٰلِكَ أَنَّهُم خُلِقوا أَشرارًا، بَل إِنَّهُم بِحُرِّيَّتِهِم سَلَّموا أَنفُسَهُم لِعَمَلِ إِبليسَ، فَصاروا أَولادَهُ بِالمُشابَهَةِ لا بِالطَّبيعَةِ. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائلًا: “أَنتُم أَولادُ أَبيكُم إِبليس… تُريدونَ إِتمامَ شَهَواتِ أَبيكُم” (يوحنا 8: 44). وَكَذلكَ يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: “كانُوا يَسيرونَ حَسَبَ سَيِّدِ مَملَكَةِ الجَوِّ… الرُّوحِ الَّذي يَعمَلُ الآنَ في أَبناءِ المَعصِيَةِ” (أفسس 2: 2). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَقُلْ إِنَّهُم خُلِقوا مِنَ الشِّرِّيرِ، بَل دُعوا بَنِيهِ لأَنَّهُم يَفعَلونَ أَعمالَهُ وَيُشابِهونَهُ في شَرِّهِ” (489، PG 58).
وَيُظهِرُ يَسوعُ في هٰذِهِ الآيَةِ أَنَّ العالَمَ سَيَبقى، إِلى نِهايَةِ الأَزمِنَةِ، مَيدانًا لِتَعايُشِ أَبناءِ المَلَكوتِ وَبَني الشِّرِّيرِ. غَيرَ أَنَّ هٰذا التَّعايُشَ مُؤَقَّتٌ، لأَنَّ يَومَ الحَصادِ سَيُظهِرُ الحَقيقَةَ، وَيَفصِلُ اللهُ بِعَدلِهِ بَينَ الصّالِحينَ وَالأَشرارِ، فَيَنالُ كُلُّ إِنسانٍ جَزاءَ أَعمالِهِ.
39 وَالعَدُوُّ الَّذي زَرَعَهُ هُوَ إِبليسُ، وَالحَصادُ هُوَ نِهايَةُ العالَمِ، وَالحَصَّادونَ هُمُ المَلائِكَةُ.
تُشيرُ عِبارَةُ “العَدُوُّ“ إلى عَدُوِّ اللهِ وَعَدُوِّ الإِنسانِ، الَّذي يَسعى دَومًا إلى إِفسادِ عَمَلِ اللهِ وَتَعطيلِ نُموِّ المَلَكوتِ. فَهُوَ العَدُوُّ الَّذي سَبَقَ ذِكرُهُ في المَثَلِ (متّى 13: 25)، وَهُوَ أَيضًا عَدُوُّ البَشَرِيَّةِ مُنذُ السُّقوطِ، حَيثُ أَعلَنَ اللهُ العَداوَةَ بَينَهُ وَبَينَ نَسلِ المَرأَةِ (التكوين 3: 15). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم: “لَم يَنسُبِ الرَّبُّ الشَّرَّ إِلى طَبيعَةِ الأَرضِ وَلا إِلى الزّارِعِ، بَل إِلى العَدُوِّ الَّذي يَسعى دَومًا إِلى إِفسادِ ما يَزرَعُهُ اللهُ” (PG 58: 477).
أَمَّا عِبارَةُ “إِبليسُ” فَتُشيرُ إلى الشَّيطانِ، وَالاسْمُ اليونانيُّ διάβολος يَعني: “المُفتَري” أَو “المُشتَكي”، لأَنَّهُ يُقاوِمُ اللهَ وَيُشَوِّهُ الحَقَّ وَيَتَّهِمُ الإِنسانَ. وَهُوَ يُدعَى أَيضًا “الشِّرِّيرَ” (متّى 13: 38)، لأَنَّهُ مَصدَرُ الشَّرِّ وَالمُحَرِّضُ عَلَيهِ. وَمِنذُ البِدايَةِ يُعارِضُ عَمَلَ اللهِ، فَيُقيمُ أَنبياءَ كَذَبَةً مُقابِلَ الأَنبياءِ، وَمُعَلِّمينَ مُضِلِّينَ مُقابِلَ رُسُلِ الحَقِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “إِبليسُ لا يَخلُقُ طَبيعَةً جَديدَةً، بَل يُفسِدُ ما خَلَقَهُ اللهُ صالِحًا” (PL 41: 426).
أَمَّا عِبارَةُ “الحَصادُ“ فَتُشيرُ إلى نِهايَةِ التّاريخِ وَاكتمالِ تَدبيرِ الخَلاصِ، حِينَ يَجمَعُ اللهُ ثِمارَ العالَمِ كُلِّها، وَيُميِّزُ بَينَ الأَبرارِ وَالأَشرارِ. وَالحَصادُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ صُورَةٌ تَقليدِيَّةٌ لِلدِّينونَةِ الأَخيرَةِ، كَما في نُبوءَةِ يُوئيل: “أَعمِلوا المِنجَلَ فَإِنَّ الحِصادَ قَد بَلَغَ” (يُوئيل 4: 13). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: “الحَصادُ هُوَ الوَقتُ الَّذي يُظهِرُ اللهُ فيهِ عَدلَهُ، فَيُجازي كُلَّ إِنسانٍ وَفقَ أَعمالِهِ” (PG 72: 717).
أَمَّا عِبارَةُ “نِهايَةُ العالَمِ” فَتُشيرُ، في الأَصلِ اليونانيِّ συντέλεια τοῦ αἰῶνος، إِلى “اكتمالِ الدَّهرِ” أَو “نِهايَةِ العَصرِ الحاضِرِ”، لا إِلى فَناءِ الخَليقَةِ. فَالمَقصودُ هُوَ انقِضاءُ زَمَنِ الجِهادِ وَالتَّوبَةِ، وَبِدايَةُ المَلكوتِ في كَمالِهِ، حِينَ يَظهَرُ المَسيحُ بِالمَجدِ لِيُدينَ الأَحياءَ وَالأَمواتَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: “لَيسَت نِهايَةُ العالَمِ إِبطالَ الخَليقَةِ، بَل إِكمالَ تَدبيرِ اللهِ وَإِعلانَ مَجدِ المَلَكوتِ” (PL 9: 1035).
أَمَّا عِبارَةُ “الحَصَّادونَ” فَتُشيرُ إلى خُدّامِ اللهِ الَّذينَ يُنفِّذونَ حُكمَهُ في الدِّينونَةِ الأَخيرَةِ. وَقَد يُوضِّحُ يَسوعُ هُوِيَّتَهُم مُباشَرَةً بِقَولِهِ: “وَالحَصَّادونَ هُمُ المَلائِكَةُ”. فالدينونة ليست من اختصاص البشر.
أَمَّا عِبارَةُ “المَلائِكَةُ“ فَتُشيرُ إلى الأَرواحِ السَّماوِيَّةِ الَّتي خَلَقَها اللهُ لِخِدمَتِهِ وَتَنفِيذِ مَقاصِدِهِ. وَهُم يَعمَلونَ بِأَمرِ ابنِ الإِنسانِ في جَمعِ الأَبرارِ وَفَصلِ الأَشرارِ، كَما سَيُصرِّحُ يَسوعُ لاحِقًا: “يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائِكَتَهُ، فَيَجمَعونَ مِن مَلَكوتِهِ جَميعَ مُسبِّبي العَثَراتِ وَفاعِلي الإِثمِ” (متّى 13: 41). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “الَّذينَ يَخدِمونَ اللهَ في الخَفاءِ سَيُظهِرونَ عَدلَهُ في العَلَنِ، لأَنَّ المَلائِكَةَ هُم خُدّامُ الدِّينونَةِ كَما هُم خُدّامُ الرَّحمَةِ” (PL76: 1118).
وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ وُجودَ الشَّرِّ في العالَمِ لَيسَ دَليلًا عَلَى غِيابِ اللهِ، بَل عَلَى وُجودِ صِراعٍ رُوحيٍّ يَستَمِرُّ إِلى نِهايَةِ الدَّهرِ. غَيرَ أَنَّ الكَلِمَةَ الأَخيرَةَ لَن تَكونَ لِلشِّرِّيرِ، بَل لِلمَسيحِ، الَّذي سَيُرسِلُ مَلائِكَتَهُ لِيُكمِلوا الحَصادَ، وَيُظهِروا عَدلَ اللهِ وَمَجدَ مَلَكوتِهِ.
40 فَكَما أَنَّ الزُّؤانَ يُجمَعُ وَيُحرَقُ في النَّارِ، فَكَذلِكَ يَكونُ عِندَ نِهايَةِ العالَمِ.
تُشيرُ عِبارَةُ “فَكَما أَنَّ الزُّؤانَ يُجمَعُ وَيُحرَقُ في النَّارِ” إلى المُقابَلَةِ الَّتي يَصنَعُها يَسوعُ بَينَ ما يَحدُثُ في الحَقلِ عِندَ الحَصادِ وَما سَيَحدُثُ في الدِّينونَةِ الأَخيرَةِ. فَكَما يُفصَلُ الزُّؤانُ عَنِ القَمحِ لِيُحرَقَ، كَذلِكَ يُفصَلُ الأَشرارُ عَنِ الأَبرارِ في اليَومِ الأَخيرِ. وَلا يَقصِدُ يَسوعُ وَصفًا زِراعِيًّا فَحَسب، بَل يَستَخدِمُهُ صُورَةً لِإِعلانِ عَدالَةِ اللهِ النِّهائِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَقُلْ إِنَّ الزُّؤانَ يَهلِكُ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ، بَل يُجمَعُ أَوَّلًا ثُمَّ يُحرَقُ، لِيُظهِرَ أَنَّ الدِّينونَةَ تَتِمُّ بِتَرتيبٍ إِلٰهِيٍّ وَعَدلٍ كامِلٍ” (PG 58: 490).
أَمَّا عِبارَةُ “يُحرَقُ في النَّارِ” فَتُشيرُ إلى الدِّينونَةِ النِّهائِيَّةِ وَالهَلاكِ الأَبَدِيِّ الَّذي يَنتُجُ عَنِ الانفِصالِ عَنِ اللهِ. وَالنّارُ في اللُّغَةِ الكِتابِيَّةِ رَمزٌ لِحُكمِ اللهِ العادِلِ، وَلَيسَت مُجرَّدَ وَصفٍ مادِّيٍّ، بَل تُعبِّرُ عَنِ العِقابِ الَّذي يَنالُهُ الَّذينَ رَفَضوا نِعمَةَ اللهِ وَأَصَرّوا عَلَى الشَّرِّ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “النّارُ تُظهِرُ عَدالَةَ اللهِ، لأَنَّ مَن رَفَضَ نُورَ المَحَبَّةِ يَبقى خارِجَها، وَهٰذا هُوَ أَعظَمُ العِقابِ” (PL 38: 640).
أَمَّا عِبارَةُ “فَكَذلِكَ يَكونُ عِندَ نِهايَةِ العالَمِ” فَتُشيرُ إلى اكتمالِ التّاريخِ وَظُهورِ الدِّينونَةِ الأَخيرَةِ، حِينَ يَفصِلُ اللهُ فَصلًا نِهائِيًّا بَينَ الصّالِحينَ وَالأَشرارِ. وَلا يَتِمُّ هٰذا الفَصلُ في الحاضِرِ، لأَنَّ زَمَنَ الكَنيسَةِ هُوَ زَمَنُ الرَّحمَةِ وَالتَّوبَةِ وَالصَّبرِ، أَمَّا الدِّينونَةُ فَلَها وَقتُها الَّذي عَيَّنَهُ اللهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “إِنَّ اللهَ يُؤَخِّرُ الدِّينونَةَ لا عَجزًا، بَل رَحمَةً، لِكَي يَجِدَ الخاطِئُ فُرصَةً لِلتَّوبَةِ قَبلَ يَومِ الحَصادِ” (PL 76: 1119).
وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الشَّرَّ لَيسَ لَهُ الكَلِمَةُ الأَخيرَةُ، وَأَنَّ صَبرَ اللهِ عَلَى الأَشرارِ في الحاضِرِ لا يَعني إِهمالَ العَدلِ، بَل إِرجاءَهُ إِلى الوَقتِ الَّذي تَتَجَلّى فيهِ رَحمَتُهُ وَعَدالَتُهُ مَعًا. فَفِي نِهايَةِ الدَّهرِ سَيَظهَرُ الحَقُّ كامِلًا، وَيَنالُ كُلُّ إِنسانٍ جَزاءَ أَعمالِهِ.
41 يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائِكَتَهُ، فَيَجمَعونَ مُسَبِّبي العَثَراتِ وَفاعِلي الإِثمِ كافَّةً، فَيُخرِجونَهُم مِن مَلَكوتِهِ.
تُشيرُ عِبارَةُ “يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائِكَتَهُ” إلى السُّلطانِ الإِلٰهيِّ الَّذي أُعطِيَ لِيَسوعَ المَسيحِ، فَهُوَ لَيسَ مُجرَّدَ مُعَلِّمٍ، بَل الدَّيّانُ الأَسكاتولوجيُّ الَّذي يَملِكُ سُلطانَ إِرسالِ المَلائِكَةِ لِتَنفِيذِ حُكمِهِ في اليَومِ الأَخيرِ، تَحقِيقًا لِنُبوءَةِ دانيال: “وأُعطِيَ سُلطانًا وَمَجدًا وَمُلكًا” (دانيال 7: 13-14). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: “إِنَّ الَّذي كانَ يُعلِّمُ بِتواضُعٍ سَيَظهَرُ في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ رَبًّا وَدَيّانًا، تُطيعُهُ جَميعُ القُوّاتِ السَّماوِيَّةِ” (PG 72: 720).
أَمَّا عِبارَةُ “مُسَبِّبي العَثَراتِ” فَتُشيرُ، في الأَصلِ اليونانيِّ τὰ σκάνδαλα، إلى كُلِّ ما يُوقِعُ الإِنسانَ في الخَطيئَةِ أَو يُبعِدُهُ عَن طَريقِ اللهِ، سَواءٌ أَكانَ أَشخاصًا أَم تَعاليمَ أَم سُلوكًا. وَالمَقصودُ هُم الَّذينَ يُضِلّونَ الآخَرينَ بِأَقوالِهِم أَو أَعمالِهِم، فَيُصبِحونَ حَجَرَ عَثرَةٍ أَمامَ الإِيمانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَقُلْ: يَجمَعونَ الخاطِئينَ فَقَط، بَل مُسَبِّبي العَثَراتِ أَيضًا، لأَنَّ مَن يُفسِدُ غَيرَهُ يَحمِلُ وِزرَ خَطيئَتِهِ وَخَطيئَةِ مَن أَضلَّهُ” (PG 58: 491).
أَمَّا عِبارَةُ “فاعِلي الإِثمِ كافَّةً” فَتُشيرُ إلى الَّذينَ يَجعَلونَ الخَطيئَةَ أُسلوبَ حَياتِهِم. وَالكَلِمَةُ اليونانيَّةُ ἀνομία تَعني حَرفِيًّا: “مُخالَفَةُ الشَّريعَةِ” أَو “التَّمرُّدُ عَلَى مَشيئَةِ اللهِ”، وَلا تَدلُّ فَقَط عَلَى ارتِكابِ أَفعالٍ خاطِئَةٍ، بَل عَلَى رَفضِ سُلطانِ اللهِ وَالعَيشِ بِاستِقلالٍ عَنهُ. وَيُوافِقُ هٰذا ما وَرَدَ في سِفرِ الرُّؤيا: “أَمَّا الجُبَناءُ وَغَيرُ المُؤمِنينَ… وَجَميعُ الكَذّابينَ فَنَصيبُهُم في البُحَيرَةِ المُتَّقِدَةِ نارًا وَكِبريتًا” (رؤيا 21: 8). كَما يُوافِقُ نُبوءَةَ صَفَنيا عَن دِينونَةِ المُتَمَرِّدينَ (صفنيا 3: 1).
أَمَّا عِبارَةُ “فَيُخرِجونَهُم مِن مَلَكوتِهِ” فَلا تَعني أَنَّ الأَشرارَ كانُوا يَملِكونَ نَصيبًا في المَجدِ السَّماوِيِّ ثُمَّ فَقَدوهُ، بَل تُشيرُ إلى أَنَّهُم كانوا يَعيشونَ في دائِرَةِ المَلَكوتِ الظّاهِرَةِ، أَي في العالَمِ وَوَسَطَ جَماعَةِ المُؤمِنينَ، ثُمَّ يَأتِي وَقتُ الفَصلِ النِّهائِيِّ، فَيُستَبعَدونَ عَن شَرِكَةِ المَلَكوتِ وَمَجدِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “كانُوا مَوجُودينَ في الحَقلِ مَعَ القَمحِ، وَلٰكِنَّهُم لَم يَكونوا مِنَ القَمحِ، لِذٰلِكَ يَأتِي وَقتٌ يَنفَصِلونَ فيهِ عَمَّن ثَبَتوا في المَسيحِ” (PL 38: 641).
وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ صَبْرَ اللهِ عَلَى الأَشْرَارِ فِي الزَّمَنِ الْحَاضِرِ لَا يُلْغِي دَيْنُونَتَهُ الْعَادِلَةَ، بَلْ يُؤَجِّلُهَا إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ بِحِكْمَتِهِ. فَالْمَسِيحُ الَّذِي يَزْرَعُ الْبِذْرَةَ الصَّالِحَةَ بِرَحْمَةٍ وَيُمْهِلُ الْخُطَاةَ فُرْصَةً لِلتَّوْبَةِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَفْصِلُ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ أَبْنَاءِ الْمَلَكُوتِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، لِيُظْهِرَ انْتِصَارَ الْبِرِّ وَقُدْسِيَّةَ مَلَكُوتِ اللهِ. فَالشَّرُّ لَنْ يَكُونَ لَهُ الْكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ فِي التَّارِيخِ، وَلَنْ يَنْتَصِرَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، بَلْ سَيُهْزَمُ هَزِيمَةً نِهَائِيَّةً وَيَزُولُ، أَمَّا الْبِرُّ فَسَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ.
42 وَيَقذِفونَ بِهِم في أَتُّونِ النَّارِ، فَهُناكَ البُكاءُ وَصَريفُ الأَسنانِ.
تُشيرُ عِبارَةُ “وَيَقذِفونَ بِهِم في أَتُّونِ النَّارِ” إلى تنفيذِ الدِّينونَةِ الإِلٰهيَّةِ على الأَشرارِ في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ. فَالفِعلُ “يَقذِفونَ“ يُعبِّرُ عن الحُكمِ الإِلٰهيِّ الحاسِمِ الَّذي يُنفِّذُهُ المَلائِكَةُ بِأَمرِ ابنِ الإِنسانِ، بَعدَ الفَصلِ النِّهائِيِّ بَينَ الأَبرارِ وَالأَشرارِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّهُم يَدخُلونَ النّارَ بِأَنفُسِهِم، بَل يُلقَونَ فيها، لِيُظهِرَ أَنَّ هٰذا الجَزاءَ هُوَ حُكمُ الدَّيّانِ العادِلِ” (PG 58: 491).
أَمَّا عِبارَةُ “أَتُّونِ النَّارِ” فَفي الأَصلِ اليونانيِّ κάμινος، وَهِيَ تُشيرُ إلى فُرنٍ يُستَعمَلُ لِحَرقِ الطّوبِ أَو لِصَهرِ المَعادِنِ، وَقَد وَرَدَت في سِفرِ دانيالَ (3: 6). وَيَستَخدِمُها يَسوعُ هُنا صُورَةً لِلدِّينونَةِ الأَخيرَةِ، لا لِوَصفِ مَكانٍ مادِّيٍّ، بَل لِلتَّعبيرِ عَن وَاقِعِ الانفِصالِ الأَبَدِيِّ عَنِ اللهِ وَفُقدانِ شَرِكَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “النّارُ الَّتي يُحَذِّرُ مِنها الرَّبُّ هِيَ عُقوبَةُ مَن رَفَضوا نُورَ المَحَبَّةِ، فَبَقُوا في ظُلمَةِ أَنفُسِهِم” (PL 38: 642).
أَمَّا عِبارَةُ “فَهُناكَ البُكاءُ وَصَريفُ الأَسنانِ“ فَتُعَدُّ مِنَ التَّعابيرِ المُتَكَرِّرَةِ في إِنجيلِ مَتّى (8: 12؛ 22: 13؛ 24: 51؛ 25: 30)، وَهِيَ تُشيرُ إلى الحَالَةِ النِّهائِيَّةِ لِمَن يَرفُضونَ اللهَ وَمَلَكوتَهُ. وَلا تَقتَصِرُ عَلَى وَصفِ عُقوبَةٍ خَارِجِيَّةٍ، بَل تُعبِّرُ أَيضًا عَنِ الأَلَمِ الدّاخِلِيِّ وَالنَّدَمِ العَميقِ عَلَى فَقدانِ الحَياةِ مَعَ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “البُكاءُ يُشيرُ إلى شِدَّةِ الحُزنِ عَلَى ما فُقِدَ، وَصَريفُ الأَسنانِ يُشيرُ إلى اليَأسِ وَالأَلَمِ الَّذي لا يَجِدُ عَزاءً” (PL 76: 1121).
أَمَّا عِبارَةُ “البُكاءُ” فَتُشيرُ إلى الحُزنِ وَالنَّدامَةِ عَلَى فُقدانِ الخَلاصِ، وَإِلى الأَلَمِ النّاتِجِ عَنِ الانفِصالِ عَنِ اللهِ، لا إِلى مُجرَّدِ تَعَبٍ نَفسِيٍّ. وَأَمَّا “صَريفُ الأَسنانِ” فَيُشيرُ إلى شِدَّةِ الكَربِ وَاليَأسِ وَالغَضَبِ وَالنَّدَمِ، وَهُوَ تَعبيرٌ كِتابِيٌّ يَدُلُّ عَلَى الحُزنِ الَّذي لا يَنفَعُ بَعدَ فَواتِ أَوانِ التَّوبَةِ (راجع متّى 8: 12).
وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ يَسوعَ لا يَهدِفُ إلى إِثارَةِ الخَوفِ، بَل إلى دَعوَةِ الإِنسانِ إِلى التَّوبَةِ وَاغتِنامِ زَمَنِ الرَّحمَةِ قَبلَ مَجيءِ الدِّينونَةِ. فَمَا دامَ وَقتُ الحَصادِ لَم يَأتِ بَعدُ، يَبقى بابُ الرُّجوعِ إِلى اللهِ مَفتوحًا، لأَنَّ اللهَ “يُريدُ أَن يَخلُصَ جَميعُ النّاسِ وَيَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ” (1 طيموثاوس 2: 4).
43 وَالصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئِذٍ كَالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم. فَمَن كانَ لَهُ أُذُنانِ فَلْيَسْمَعْ!
تُشيرُ عِبارَةُ “وَالصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ“ إلى المَجدِ الَّذي يَنالُهُ الأَبرارُ بَعدَ الدِّينونَةِ، حِينَ يَظهَرُ ما كانَ مَخفِيًّا في حَياتِهِم مِن قَداسَةٍ وَأَمانَةٍ. فَالصِّدِّيقُ هُوَ الَّذي لا يَكتَفي بِالإِيمانِ النَّظَرِيِّ، بَل يُجَسِّدُ إِيمانَهُ بِالأَعمالِ الصّالِحَةِ وَالأَمانَةِ لِمَشيئَةِ اللهِ. وَيُحَقِّقُ في نَفسِهِ ما تَنَبَّأَ بِهِ دانيالُ: “يُضيءُ العُقَلاءُ كَضِياءِ الجَلَدِ، وَالَّذينَ جَعَلوا كَثيرًا مِنَ النّاسِ أَبرارًا كَالكَواكِبِ أَبَدَ الدُّهورِ” (دانيال 12: 3). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس النِّيسي: “إِذا تَطَهَّرَتِ النَّفسُ مِن ظُلمَةِ الخَطيئَةِ، أَشرَقَت بِنورِ اللهِ، فَتُصبِحُ هِيَ نَفسُها نُورًا بِفِعلِ اشتِراكِها في النُّورِ الإِلٰهيِّ” (PG 44: 1272).
أَمَّا عِبارَةُ “كَالشَّمْسِ” فَتُشيرُ إلى البَهاءِ وَالمَجدِ وَالنَّقاءِ وَالحَياةِ الَّتي يَنعَمُ بِها الأَبرارُ في شَرِكَتِهِم الكامِلَةِ مَعَ اللهِ. وَالتَّشبيهُ بِالشَّمسِ يُؤَكِّدُ أَنَّ المَجدَ الَّذي يَنالونَهُ لَيسَ مِن ذَواتِهِم، بَل هُوَ انعِكاسٌ لِنورِ المَسيحِ الَّذي أَضاءَ حَياتَهُم. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَم يَقُلْ إِنَّهُم يُضيئونَ كَالنُّجومِ، بَل كَالشَّمسِ، لِيُظهِرَ عِظَمَ المَجدِ الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذينَ أَحَبّوهُ” (PG 58: 492).
أَمَّا عِبارَةُ “في مَلَكوتِ أَبيهِم“ فَتُشيرُ إلى الشَّرِكَةِ الكامِلَةِ مَعَ اللهِ الآبِ، حَيثُ يَظهَرُ الأَبرارُ أَبناءً لَهُ وَوَرَثَةً لِمَلَكوتِهِ، تَحقِيقًا لِما قالَهُ الرَّسولُ بولُسُ: “فَإِن كُنّا أَبناءً فَنَحنُ وَرَثَةٌ أَيضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَشُرَكاءُ المَسيحِ” (رومة 8: 17). وَيُشيرُ التَّعبيرُ “أَبيهِم” إلى اكتمالِ التَّبَنِّي الإِلٰهيِّ، حَيثُ يَبلُغُ المُؤمِنونَ غايَةَ بُنُوَّتِهِم لِلَّهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ: “فَمَنْ كَانَ لَهُ أُذُنَانِ فَلْيَسْمَعْ” فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ لَا يَدْعُو إِلَى مُجَرَّدِ السَّمَاعِ الْجَسَدِيِّ، بَلْ إِلَى الإِصْغَاءِ الرُّوحِيِّ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْفَهْمِ وَالإِيمَانِ وَالاسْتِجَابَةِ الْعَمَلِيَّةِ. فَالْأُذُنَانِ هُنَا رَمْزٌ لِلْقَلْبِ الْمُنْفَتِحِ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ، أَمَّا السَّمْعُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ الَّذِي يَتَحَوَّلُ إِلَى طَاعَةٍ وَتَغْيِيرٍ فِي الْحَيَاةِ. وَبِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ يَخْتِمُ يَسُوعُ تَعْلِيمَهُ، مُؤَكِّدًا أَنَّ أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ لَا تُدْرَكُ بِالذَّكَاءِ الْبَشَرِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ بِقَلْبٍ مُتَوَاضِعٍ وَمُسْتَعِدٍّ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ. فَمَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ اللهِ وَيُطَبِّقُهَا يَصِيرُ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَلَكُوتِ، أَمَّا مَنْ يَكْتَفِي بِالسَّمَاعِ دُونَ اسْتِجَابَةٍ فَيُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ ثَمَرَةَ الْخَلَاصِ. وقد علَّق القديس أوغسطينوس على هذه العبارة بقوله: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ لَهُ أُذُنَانِ يَسْمَعُ، بَلْ مَنْ لَهُ قَلْبٌ يُطِيعُ” (472، PL 38). كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “إِنَّ الْمَسِيحَ يَدْعُو الْجَمِيعَ، لَكِنَّ الِاسْتِفَادَةَ تَعُودُ إِلَى مَنْ يُصْغِي بِقَلْبٍ مُنْتَبِهٍ” (485، PG 58). وَقَد تَكَرَّرَت هٰذِهِ العِبارَةُ مِرارًا في العَهدِ الجَديدِ (مرقس 4: 9؛ لوقا 14: 35؛ رؤيا 2: 7).
أَمَّا عِبارَةُ “أُذُنانِ” فَلا تَدُلُّ عَلَى حاسَّةِ السَّمعِ فَقَط، بَل عَلَى “أُذُنِ القَلبِ” القادِرَةِ عَلَى الإِصغاءِ لِوَحيِ اللهِ. وَقَد أَشارَ مُوسى إِلى هٰذا المَعنى قائِلًا: “ولَم يُعطِكُمُ الرَّبُّ إِلى هٰذا اليَومِ قُلوبًا لِتَعرِفوا، وَعُيونًا لِتُبصِروا، وَآذانًا لِتَسمَعوا” (تثنية 29: 4). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرونيموس: “لَيسَت أُذُنُ الجَسَدِ هِيَ الَّتي تَفهَمُ رِسالَةَ اللهِ، بَل أُذُنُ القَلبِ الَّتي يُنَبِّهُها الرَّبُّ كُلَّ صَباحٍ” (PL 26: 96).
أَمَّا عِبارَةُ “فَلْيَسْمَعْ“ فَتُشيرُ إلى دَعوَةٍ مُلِحَّةٍ لِلقَبولِ وَالطّاعَةِ، لا لِمُجرَّدِ السَّماعِ. فَالإِصغاءُ الحَقيقِيُّ هُوَ الَّذي يَقودُ إلى الإِيمانِ وَالعَمَلِ. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: “فَانتَبِهوا كَيفَ تَسمَعونَ” (لوقا 8: 18)، وَيُؤَكِّدُ الرَّسولُ يَعقوبُ: “كونوا عامِلينَ بِالكَلِمَةِ، لا سامِعينَ فَقَط خادِعينَ نُفوسَكُم” (يعقوب 1: 22-25). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “السَّماعُ الَّذي لا يَقودُ إلى العَمَلِ هُوَ صَوتٌ يَعبُرُ، أَمَّا الكَلِمَةُ الَّتي تُحفَظُ في القَلبِ فَهِيَ الَّتي تُثمِرُ لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ” (PL 38: 472).
وَيَختِمُ يَسوعُ هٰذا الخِطابَ بِدَعوَةٍ شَخصِيَّةٍ إِلى كُلِّ سامِعٍ: فَإِمَّا أَن يَفتَحَ قَلبَهُ لِنورِ الكَلِمَةِ، فَيُصبِحَ مِنَ الصِّدِّيقينَ الَّذينَ يُشرِقونَ كَالشَّمسِ في مَلَكوتِ الآبِ، وَإِمَّا أَن يَرفُضَها فَيَبقى في ظُلمَةِ قَلبِهِ. فَالسُّؤالُ الَّذي يَطرَحُهُ الإِنجيلُ عَلَى كُلِّ واحِدٍ مِنّا هُوَ: هَل لَنا أُذُنُ القَلبِ الَّتي تَسمَعُ كَلِمَةَ اللهِ وَتُثمِرُ بِها؟
ثانياً: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متّى 13: 24-43)
بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ عَن وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ (متّى 13: 24-43)، نَستَنتِجُ أَنَّهُ يَتمَحوَرُ حَولَ مَلَكوتِ اللهِ في ثَلاثَةِ أَمثالٍ: مَثَلِ الزُّؤانِ، وَمَثَلِ حَبَّةِ الخَردَلِ، وَمَثَلِ الخَميرَةِ. وَيَدعونا فيها يَسوعُ إلى انتِظارِ نُمُوِّ المَلَكوتِ بِالصَّبرِ وَالثِّقَةِ، وَبِالعَمَلِ الخَفِيِّ.
- دَعوَةٌ إلى الصَّبرِ مِن خِلالِ مَثَلِ الزُّؤانِ
يَدعونا يَسوعُ في مَثَلِ الزُّؤانِ إلى التَّحَلِّي بِالصَّبرِ أَمامَ شُرورِ العالَمِ وَأَعمالِ إِبليسَ. إِذ يَتَكلَّمُ المَثَلُ عَن مَلَكوتِ اللهِ الَّذي يَتمثَّلُ في الحَقلِ الَّذي زُرِعَ فيهِ القَمحُ الصّالِحُ. وَيَمتَدُّ زَمَنُهُ مِنَ المَجيءِ الأَوَّلِ لِلمَسيحِ إلى مَجيئِهِ الثّاني في يَومِ الحَصادِ وَنِهايَةِ العالَمِ. وَفي هٰذِهِ الفَترَةِ يُواصِلُ مَلَكوتُ اللهِ نُمُوَّهُ، بِالرَّغمِ مِن وُجودِ القَمحِ (الأَبرارِ) وَالزُّؤانِ (الأَشرارِ) مَعًا، وَظُهورِ أَعمالِ العَدُوِّ (إِبليسَ). وَاللهُ يَصبِرُ حتّى النِّهايَةِ، فَيُمهِلُ وُجودَ الأَبرارِ وَالأَشرارِ مَعًا، إلى أَن يَحينَ وَقتُ الفَرزِ وَالفَصلِ بَينَهُم.
كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ الشَّرِّ؟ وَكَيْفَ نَعِيشُ فِي عَالَمٍ يَتَدَاخَلُ فِيهِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ؟
قَدْ يُصَابُ الْبَعْضُ بِالدَّهْشَةِ، بَلْ قَدْ يَتَعَثَّرُونَ، عِنْدَمَا يَرَوْنَ اللهَ لَا يُبَادِرُ إِلَى إِزَالَةِ مُرَوِّجِي الشَّرِّ وَالظُّلْمِ مِنْ وَقْتِهِمْ، فَيَتَسَاءَلُونَ: لِمَاذَا يَسْمَحُ اللهُ بِاسْتِمْرَارِ الشَّرِّ؟ وَلِمَاذَا لَا يَتَدَخَّلُ تَدَخُّلًا حَاسِمًا لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِ؟
إِلَّا أَنَّ مَثَلَ الزُّؤَانِ يُعَلِّمُنَا أَنَّ صَبْرَ اللهِ لَيْسَ ضَعْفًا، وَأَنَّ إِمْهَالَهُ لِلشِّرِّيرِ لَيْسَ تَغَاضِيًا عَنِ الشَّرِّ، بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ رَحْمَتِهِ وَرَغْبَتِهِ فِي التَّوْبَةِ. فَهُوَ، كَمَا يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ: “إِنَّ الرَّبَّ طَوِيلُ الأَنَاةِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، يَحْتَمِلُ الإِثْمَ وَالْمَعْصِيَةَ، لَكِنَّهُ لَا يَتَغَاضَى عَنْ شَيْءٍ” (العدد 14: 18). فَصَبْرُ اللهِ لَا يُلْغِي عَدْلَهُ، بَلْ يُؤَخِّرُ الدَّيْنُونَةَ لِيَمْنَحَ الْإِنْسَانَ فُرْصَةَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ.
وَمِنْ ثَمَّ، يَدْعُونَا الْمَسِيحُ إِلَى أَنْ نَنْظُرَ إِلَى “حَقْلِ” كُلِّ إِنْسَانٍ بِعَيْنَيِ الرَّجَاءِ لَا بِعَيْنَيِ الإِدَانَةِ، فَكَمْ مِنْ زُؤَانٍ ظَنَّهُ النَّاسُ هَالِكًا، فَتَحَوَّلَ بِنِعْمَةِ اللهِ إِلَى قَمْحٍ مُثْمِرٍ! وَكَثِيرًا مَا يَسْتَطِيعُ اللهُ أَنْ يُحَوِّلَ الْخَاطِئَ إِلَى قِدِّيسٍ، كَمَا فَعَلَ مَعَ شَاوُلَ الَّذِي أَصْبَحَ الرَّسُولَ بُولُسَ، وَمَعَ أُوغُسْطِينُوسَ الَّذِي أَضْحَى مِنْ أَعْظَمِ مُعَلِّمِي الْكَنِيسَةِ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَسِيحِيَّ لَا يُقَابِلُ الشَّرَّ بِالْيَأْسِ أَوِ الانْتِقَامِ، بَلْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَالثِّقَةِ بِأَنَّ اللهَ يَقُودُ التَّارِيخَ نَحْوَ انْتِصَارِ الْحَقِّ، وَأَنَّ الشَّرَّ لَنْ يَكُونَ لَهُ الْكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ، بَلْ سَيَغْلِبُ الْمَسِيحُ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ، وَيُظْهِرُ مَجْدَ مَلَكُوتِهِ وَعَدْلَهُ الأَبَدِيَّ.
وَعَلَى الإِنسانِ أَن يَسيرَ على خُطى الرَّبِّ، كَما يُوصي بولُسُ الرَّسولُ: “فَإِنَّ عَبدَ الرَّبِّ يَجِبُ عَلَيهِ أَن لا يَكونَ مُشاجِرًا، بَل لَطيفًا بِجَميعِ النّاسِ، أَهلًا لِلتَّعليمِ، صَبورًا” (2 طيموتاوس 2: 24). فَالصَّبرُ فَضيلَةٌ تَقودُ إلى الرَّجاءِ، وَالرَّجاءُ يَقودُ إلى الثِّقَةِ بِإِمكانِيَّةِ التَّغييرِ وَالتَّجَدُّدِ. وَلِذٰلِكَ قالَتِ الحِكمَةُ: “الصَّبرُ يَفتَرِسُ الشَّيطانَ”، لأَنَّ النَّصرَ عِندَ اللهِ هُوَ لِمَن يُقاوِمُ بِالصَّبرِ.
وَنَستَنتِجُ مِمّا سَبَقَ أَنَّ غايَةَ المَثَلِ هِيَ التَّأكيدُ عَلَى وُجودِ فَترَةٍ انتِقالِيَّةٍ طَويلَةٍ تَظهَرُ خِلالَها أَعمالُ العَدُوِّ، وَأَنَّ مَلَكوتَ اللهِ يَبلُغُ غايَتَهُ بِالرَّغمِ مِن تَشابُكِ الخَيرِ وَالشَّرِّ تَشابُكًا مُعَقَّدًا. لِذٰلِكَ لا بُدَّ مِنَ الصَّبرِ عَلَى مِثالِ اللهِ، وَالتَّغاضي عَنِ اختِلاطِ الأَبرارِ وَالأَشرارِ، لَعَلَّ الأَشرارَ يَتَدارَكونَ أَمرَهُم وَيَرجِعونَ إلى الخَلاصِ، كَما يَقولُ سِفرُ الحِكمَةِ: “مَنَحتَهُم مُهلَةً لِلتَّوبَةِ، وَإِن لَم يَخفَ عَلَيكَ أَنَّ طَبيعَتَهُم شِرِّيرَةٌ وَأَنَّ خُبثَهُم غَريزِيٌّ” (الحِكمَة 12: 10). فَاللهُ يُحِبُّ الحَياةَ لا المَوتَ، وَالخَلاصَ لا الهَلاكَ.
وَيُوصينا القِدِّيسُ بولُسُ الرَّسولُ أَن نَصبِرَ عَلَى “زُؤانِ” الآخَرينَ قائِلًا: “مِن غَيرِ تَذَمُّرٍ وَلا تَرَدُّدٍ، لِتَكونوا بِلا لَومٍ وَلا شائِبَةٍ، أَبناءَ اللهِ بِلا عَيبٍ في جيلٍ ضالٍّ فاسِدٍ، تُضيئونَ فيهِ كَالنَّيِّراتِ في العالَمِ” (فيلبّي 2: 14-15). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرونيموس قائلًا: “سَمَحَ اللهُ بِالزَّمَنِ لأَجلِ التَّوبَةِ. إِنَّهُ يُحَذِّرُنا لِئَلّا نَقطَعَ أَخًا قَبلَ الوَقتِ المُناسِبِ، فَإِنَّ مَن يَكونُ اليَومَ مُصابًا بِالتَّعاليمِ السّامَّةِ، قَد يَعودُ غَدًا إلى صَوابِهِ وَيُصبِحُ مُدافِعًا عَنِ الحَقِّ” (PL 26). فَلَو سَمَحَ اللهُ بِاقتِلاعِ الزُّؤانِ مُبكِّرًا، لَاقتُلِعَ شاوُلُ الطَّرسوسيُّ بِسَبَبِ اضطِهادِهِ لِلكنيسَةِ، دُونَ أَن يَعلَمَ أَحَدٌ أَنَّهُ سَيُصبِحُ أَعظَمَ رَسولٍ لِلأُمَمِ، أَيِ القِدِّيسَ بولُسَ الرَّسولَ. وَقَد عَلَّقَ القِدِّيسُ بُطرُسُ كِريسولوغُس قائلًا: “بَينَما كانَ حَنانيّا يَرى شاوُلَ، كانَ الرَّبُّ يَرى بولُسَ؛ وَبَينَما كانَ حَنانيّا يَعتَبِرُهُ زُؤانًا مُستَحِقًّا لِجَهَنَّمَ، كانَ المَسيحُ يَراهُ إِناءً مُختارًا، وَيُعِدُّ لَهُ مَكانًا في أَهرائِهِ السَّماوِيَّةِ” (العِظَة 97). فَلا داعِيَ إلى الخَوفِ، فَالرَّبُّ هُوَ الأَقوَى. وَمَهَمَّتُنا لَيسَت إِصدارَ الأَحكامِ عَلَى النّاسِ، بَل التَّعاوُنُ مَعَ نِعمَةِ اللهِ لِتَحويلِ “الزُّؤانِ” إلى “حِنطَةٍ”، وَمُساعَدَةُ كُلِّ إِنسانٍ عَلَى التَّوبَةِ وَالنُّمُوِّ في القَداسَةِ.
- إِلى مَتى نَتَحَمَّلُ الزُّؤانَ، أَيِ الأَشرارَ، بَينَنا؟
إِنَّ الزُّؤانَ في مَراحِلِهِ الأُولى يُشبِهُ القَمحَ إِلى حَدٍّ كَبيرٍ، فَلا يُمكِنُ التَّمييزُ بَينَهُما إِلَّا عِندَ النُّضجِ، وَقتَ الحَصادِ. وَهٰكَذا يَنمو الزُّؤانُ (بَنو الشِّريرِ) وَالقَمحُ (بَنو المَلَكوتِ) جَنبًا إِلى جَنبٍ في هٰذا العالَمِ، وَيَسمَحُ اللهُ بِاستِمرارِ هٰذا الِاختِلاطِ إِلى حينٍ، لِئَلَّا يُقتَلَعَ القَمحُ مَعَ الزُّؤانِ. وَيُؤَكِّدُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: “في يَومِ الدِّينونَةِ، عِندَ انتِهاءِ العالَمِ، سَيَأتي المَسيحُ في المَجدِ لِيُحَقِّقَ الِانتِصارَ النِّهائِيَّ لِلخَيرِ عَلَى الشَّرِّ، اللَّذَينِ، مِثلَ حَبَّةِ القَمحِ وَالزُّؤانِ، يَنمُوانِ مَعًا عَلَى مَرِّ التّاريخِ” (التَّعليمُ المَسيحيُّ، بند 681).
إِنَّ الزَّمَنَ الحاضِرَ هُوَ زَمَنُ صَبرِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، وَهُوَ المَجالُ الَّذي يَمنَحُهُ اللهُ لِكُلِّ إِنسانٍ فُرصَةَ التَّوبَةِ وَالعَودَةِ إِلَيهِ. وَعِندَما يَحينُ وَقتُ الحَصادِ، يُجمَعُ الزُّؤانُ وَيُطرَحُ بَعيدًا، بَينَما يُجمَعُ القَمحُ إِلى الأَهراءِ. وَيَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “لِماذا لا تَحتَمِلونَ بِصَبرٍ اختِلاطَ الأَشرارِ بِالأَبرارِ؟ إِنَّهُم مَعَكُم في الحَقلِ، لٰكِنَّ الأَمرَ لَن يَكونَ كذٰلِكَ في المَخزَنِ”. وَهٰذا ما يُعلِنُهُ المَسيحُ بِوُضوحٍ في حَديثِهِ عَنِ الدِّينونَةِ الأَخيرَةِ: “وإِذا جاءَ ابنُ الإِنسانِ في مَجدِهِ، وتُواكِبُهُ جَميعُ المَلائِكَةِ… فَيَفصِلُ بَعضَهُم عَن بَعضٍ، كما يَفصِلُ الرَّاعي الخِرافَ عَنِ الجِداءِ”(متى 25: 31-32). فَالدِّينونَةُ لَيسَتِ الآنَ، بَل في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ. أَمَّا التّاريخُ الحاضِرُ فَهُوَ زَمَنُ الرَّحمَةِ وَالصَّبرِ، يَفتَحُ فيهِ اللهُ بابَ التَّوبَةِ أَمامَ الجَميعِ.
وَمِنْ هُنا، يَدعونا يَسوعُ إِلى التَّحَلِّي بِالصَّبرِ الإِنجيليِّ. وَهٰذا الصَّبرُ لا يَعني اللامُبالاةَ أَمامَ الشَّرِّ، وَلا التَّساهُلَ مَعَهُ، بَل يَعني تَركَ الحُكمِ النِّهائِيِّ للهِ، لأَنَّ الِانتِصارَ الكامِلَ عَلَى الشَّرِّ سَيَكونُ في يَومِ الحَصادِ، أَي يَومِ الدِّينونَةِ (متى 3: 12؛ يوئيل 4: 12-13). وَلِذٰلِكَ يُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرونيموس: “نَسأَلُكَ أَن تَكونَ أَنتَ الدَّيّانَ، لأَنَّكَ تَحنو عَلَى جَميعِ الأُمَمِ”.
إِنَّ اللهَ يَعلَمُ أَنَّ القَمحَ لَن يَهلِكَ، مَهما بَدا الزُّؤانُ كَثيرًا، وَلِذٰلِكَ احتَفَظَ لِنَفسِهِ بِالحُكمِ الأَخيرِ. فَلا يَحِقُّ لِلإِنسانِ أَن يَدينَ أَخاهُ، لأَنَّ اللهَ وَحدَهُ يَعلَمُ خَفايا القُلوبِ، كما يَقولُ الإِنجيلُ: “لا يَحتاجُ إِلى مَن يَشهَدُ لَهُ في شَأنِ الإِنسانِ، فَقَد كانَ يَعلَمُ ما في الإِنسانِ” (يوحنا 2: 25). لِهٰذا يُوصي يَسوعُ: “لا تَدينوا لِئَلّا تُدانوا”(متى 7: 1).
وَكَثيرًا ما نَتَصَرَّفُ نَحنُ مِثلَ خَدَمِ الحَقلِ، فَنَظُنُّ أَنَّنا نَستَطيعُ التَّمييزَ الكامِلَ بَينَ الصّالِحِ وَالطّالِحِ. غَيرَ أَنَّ الإِنسانَ لا يُحكَمُ عَلَيهِ مِن خِلالِ مَرحَلَةٍ واحِدَةٍ مِن حَياتِهِ، أَو مِن خِلالِ عَمَلٍ واحِدٍ، بَل عَلَى ضَوءِ حَياتِهِ بِأَسرِها. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ الحُكمَ الكامِلَ لا يَكونُ إِلَّا في النِّهايَةِ، لأَنَّ اللهَ وَحدَهُ يَعرِفُ تاريخَ كُلِّ إِنسانٍ وَقَلبَهُ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الصَّبرَ لا يَعني التَّغاضيَ عَنِ الشَّرِّ أَو تَبريرَهُ، وَلا يُبَرِّرُ اللامُبالاةَ أَو الجُمودَ أَمامَ الخَطَإِ. فَالكتابُ المُقَدَّسُ يُمَيِّزُ بَينَ الدِّينونَةِ النِّهائِيَّةِ الَّتي تَخُصُّ اللهَ وَحدَهُ، وَبَينَ المَسؤولِيَّةِ الرَّعَوِيَّةِ وَالتَّأديبِيَّةِ داخِلَ الكَنيسَةِ. لِهٰذا يُوصي بولُسُ الرَّسولُ بِشَأنِ الَّذينَ يَعيشونَ في الخَطيئَةِ داخِلَ الجَماعَةِ المَسيحيَّةِ:
“أَلّا تُخالِطوا مَن يُدعَى أَخًا وَهُوَ زانٍ أَو جَشِعٌ… بَل لا تُؤاكِلوا مِثلَ هٰذا الرَّجُلِ… أَمَّا الَّذينَ في خارِجِها فَاللهُ هُوَ الَّذي يَدينُهُم” (1 قورنتس 5: 9-13). وَيُضيفُ: “أَزيلوا الفاسِدَ مِن بَينِكُم” (1 قورنتس 5: 13). كما يُؤَكِّدُ الرَّسولُ يوحنّا ضَرورَةَ حِمايَةِ الإِيمانِ مِنَ التَّعليمِ المُضِلِّلِ بِقَولِهِ: “إِذا جاءَكُم أَحَدٌ لا يَحمِلُ هٰذا التَّعليمَ، فَلا تَقبَلوهُ في بُيوتِكُم، وَلا تَقولوا لَهُ: سَلام!” (2 يوحنّا 10).
- أَصلَ وُجودِ الشَّرِّ في العَالَمٍ
يُوَضِّحُ المَثَلُ أَيضًا أَصلَ وُجودِ الشَّرِّ في عالَمٍ خَلَقَهُ اللهُ صالِحًا. فَالشَّرُّ لَم يَأتِ مِنَ اللهِ، بَل مِن إِبليسَ، عَدُوِّ اللهِ وَالإِنسانِ. غَيرَ أَنَّ اللهَ يَسمَحُ بِوُجودِهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا، لا عَجزًا عَنِ القَضاءِ عَلَيهِ، بَل احتِرامًا لِحُرِّيَّةِ الإِنسانِ، وَإِفساحًا لِلمَجالِ أَمامَ التَّوبَةِ. فَالخَيرُ وَالشَّرُّ مُتَداخِلانِ في العالَمِ، بَل وَفي قَلبِ الإِنسانِ نَفسِهِ، وَاقتِلاعُ الشَّرِّ بِالقُوَّةِ قَد يُؤَدِّي إِلى اقتِلاعِ الخَيرِ مَعَهُ، لأَنَّ الحُرِّيَّةَ شَرطٌ أَساسِيٌّ لِنُموِّ الفَضيلَةِ.
وَلِذٰلِكَ لا يَدعو مَثَلُ الزُّؤانِ إِلى التَّساهُلِ مَعَ الشَّرِّ، وَلا إِلى الِانتِقامِ مِنَ الأَشرارِ، بَل إِلى الثَّباتِ في البِرِّ، وَالصَّبرِ، وَالرَّجاءِ، حتَّى يَومِ الدِّينونَةِ. وَيَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوسُ في مَعرِضِ حَديثِهِ عَن مَوقِفِ الكَنيسَةِ مِنَ الهَراطقةِ:
“إِن أُخِذَ أَحَدُ المَسيحيِّينَ في خَطيئَةٍ تَستَوجِبُ التَّأديبَ، فَليَكُن ذٰلِكَ بِالمَحَبَّةِ الَّتي تُصلِحُ وَلا تَهدِمُ. فَإِن لَم يَتُبْ، فَليُفصَلْ عَنِ الشَّرِكَةِ، لأَنَّ قَولَ الرَّبِّ: “دَعوهُما يَنبُتانِ مَعًا” قَد أُتبِعَ بِالسَّبَبِ: “مَخافَةَ أَن تَقلَعوا القَمحَ وَأَنتُم تَجمَعونَ الزُّؤانَ”.
إِنَّ هٰذا المَثَلَ يُعَلِّمُنا أَنَّ الباطِلَ قَد يُزاحِمُ الحَقَّ في التّاريخِ، لٰكِنَّهُ لا يَنتَصِرُ عَلَيهِ. فَاللهُ يَجِدُ دائِمًا الوَسيلَةَ لِيُحَوِّلَ الشَّرَّ إِلى فُرصَةِ خَلاصٍ، وَيَنتَهي الأَمرُ بِانتصارِ الحَقِّ وَالمَحَبَّةِ. وَمِنْ هُنا يُطَمئِنُنا بولُسُ الرَّسولُ بِقَولِهِ: “إِنِّي عَلَى يَقينٍ مِن أَنَّ ذاكَ الَّذي بَدَأَ فيكُم عَمَلًا صالِحًا سَيُتِمُّهُ إِلى يَومِ المَسيحِ يَسوعَ” (فيلبي 1: 6).
فَالبِدايَةُ الإِلٰهِيَّةُ تَضمَنُ النِّهايَةَ، وَنُقطَةُ الِانطِلاقِ تَقودُ إِلى نُقطَةِ الوُصولِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ واجِبَ المُؤمِنِ لَيسَ اليَأسَ مِن وُجودِ الشَّرِّ، وَلا الِاستِعجالَ في إِصدارِ الأَحكامِ، بَل الثَّباتَ في الإِيمانِ، وَالعَمَلَ بِأَمانَةٍ، وَانتِظارَ انتِصارِ اللهِ بِالصَّبرِ وَالثِّقَةِ. فَفاعِلِيَّةُ المَلَكوتِ كامِنَةٌ في شَخصِ يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي هَزَمَ الشَّرَّ بِالصَّليبِ وَالقِيامَةِ، وَسَيُظهِرُ انتِصارَهُ الكامِلَ في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ. وَمَن يَثبُتْ فيهِ لا يَخَفِ الشَّرَّ، لأَنَّ المَسيحَ “قَد غَلَبَ العالَمَ” (يوحنا 16: 33).
- دَعوَةٌ إِلَى الثِّقَةِ مِن خِلالِ مَثَلِ حَبَّةِ الخَردَل
يَدعونا يَسوعُ في مَثَلِ حَبَّةِ الخَردَل إلى التَّحَلِّي بِالثِّقَةِ وَالرَّجاءِ، لأَنَّ هٰذِهِ الحَبَّةَ كانَ يُضرَبُ بِها المَثَلُ في صِغَرِ البِدايَةِ وَعَظَمَةِ النِّهايَةِ. وَلا يَرِدُ ذِكرُ النُّمُوِّ في المَثَلِ إِلَّا في جُملَةٍ اعتِراضِيَّةٍ (متّى 13: 32)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الاهتِمامَ لَيسَ بِكَيْفِيَّةِ النُّمُوِّ، بَل بِحَقيقَةِ النَّتيجَةِ النِّهائِيَّةِ.
وَيَستَوحي يَسوعُ هٰذا المَثَلَ مِن نُبوءَةِ حِزقيالَ: “في جَبَلِ إِسرائيلَ العالِي أَغرِسُه، فَيُنشِئُ أَفْنانًا ويُثمِرُ ثَمَرًا ويَصيرُ أَرزًا جَليلًا، فَيَأوي تَحتَه كُلُّ طائِرٍ، كُلُّ ذي جَناحٍ يَأوي في ظِلِّ أَغصانِه” (حزقيال 17: 23)، كما يَستَلهمُهُ أَيضًا مِن رُؤيا دانيالَ عَنِ الشَّجَرَةِ العَظيمَةِ الَّتي “تَأوي إِلى أَغصانِها طُيورُ السَّماءِ” (دانيال 4: 9-12). فَكما تَبدَأُ حَبَّةُ الخَردَلِ صَغيرَةً ثُمَّ تُصبِحُ شَجَرَةً عَظيمَةً، هٰكَذا يَبدَأُ مَلَكوتُ اللهِ بِبِدايَةٍ مُتواضِعَةٍ ثُمَّ يَبلُغُ مِلءَ نُمُوِّهِ. وَفي هٰذا دَعوَةٌ إلى الثِّقَةِ بِأَنَّ اللهَ يُحَقِّقُ مَقاصِدَهُ، وَإِن بَدَت بَداياتُها ضَعيفَةً.
وَفي الواقِعِ، بَدَأَت كَنيسَةُ المَسيحِ جَماعَةً صَغيرَةً وَضَعيفَةً، ثُمَّ نَمَت حتّى امتَدَّت إِلى أَقاصي الأَرضِ، وَصارَت شَهادَةً لِجَميعِ الشُّعوبِ. وَمِن هُنا يُريدُ مَتّى الإِنجيليُّ أَن يُبَيِّنَ التَّبايُنَ بَينَ صِغَرِ البِدايَةِ وَعَظَمَةِ النِّهايَةِ، فَيَزرَعَ في قُلوبِ المُؤمِنينَ الثِّقَةَ بِعَمَلِ اللهِ الَّذي لا يُقاسُ بِالمَقاييسِ البَشَرِيَّةِ.
وَيَدعونا المَثَلُ إلى الثِّقَةِ مِن خِلالِ المُقابَلَةِ بَينَ صِغَرِ الحَبَّةِ وَعَظَمَةِ الشَّجَرَةِ (متّى 13: 31-32). فَمَلَكوتُ اللهِ بَدَأَ في شَخصِ يَسوعَ، وَنَما في الكَنيسَةِ الرَّسولِيَّةِ، وَلا يَزالُ يَنمو في التّاريخِ حتّى يَبلُغَ كَمالَهُ. إِنَّ سُنَّةَ النُّمُوِّ وَسُنَّةَ الانتِظارِ هُما سُنَّتا الحَياةِ، فَما يَبدو اليَومَ ضَعيفًا وَغَيرَ مُؤثِّرٍ، قَد يَحمِلُ في داخِلِهِ قُوَّةَ اللهِ القادِرَةَ عَلَى تَجديدِ العالَمِ. وَهٰكَذا يَصيرُ المَثَلُ نِداءً إلى الثِّقَةِ وَالرَّجاءِ.
يَبدَأُ المَلَكوتُ كَبِذرَةٍ صَغيرَةٍ، ثُمَّ يَبلُغُ في مِلءِ الزَّمانِ كَمالَهُ، كَما حَدَثَ مَعَ حَبَّةِ الخَردَلِ الَّتي أَصبَحَت شَجَرَةً وافِرَةَ الظِّلالِ، تَستَظِلُّ تَحتَ أَغصانِها شُعوبُ الأَرضِ. وَهٰكَذا يَبدَأُ عَمَلُ اللهِ بِبِدايَةٍ مُتواضِعَةٍ، وَيَنتَهي بِمَجدٍ عَظيمٍ، بِالرَّغمِ مِن كُلِّ العَقَباتِ.
وَقَد رَأَى آباءُ الكَنيسَةِ في حَبَّةِ الخَردَلِ رَمزًا لِيَسوعَ المَسيحِ وَإِنجيلِهِ. فَيَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “إِنَّهُ حَبَّةُ خَردَلٍ، نَمَت في بُستانِ القَبرِ إلى شَجَرَةٍ عَظيمَةٍ. لَم يَكُنْ إِلَّا حَبَّةً حِينَ ماتَ، وَصارَ شَجَرَةً عِندَما قامَ. كانَ بِذرَةً في تَواضُعِ جَسَدِهِ، وَشَجَرَةً في قُوَّةِ مَجدِهِ… وَفي أَغصانِها تَجِدُ النُّفوسُ المُؤمِنَةُ راحَتَها وَتَعزِيَتَها.” (PL 76). وَيُوافِقُ هٰذا ما أَعلَنَهُ يَسوعُ عَن نَفسِهِ: “إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرضِ، إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها، وَإِذا ماتَت أَخرَجَت ثَمَرًا كَثيرًا” (يوحنا 12: 24). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “بِذرَةُ الإِنجيلِ هِيَ أَصغَرُ البُذورِ، لأَنَّ التَّلاميذَ كانوا في البِدايَةِ ضُعفاءَ وَبُسَطاءَ، لٰكِنَّهُم حَمَلوا في داخِلِهِم قُوَّةَ اللهِ، فَانتَشَرَت كِرازَتُهُم في العالَمِ كُلِّهِ.” (العِظَة 46 على إنجيل متّى).
أَمَّا لوقا الإِنجيليُّ، فَيُبرِزُ في هٰذا المَثَلِ خَفاءَ نُمُوِّ المَلَكوتِ، فَيُظهِرُ أَنَّ مَلكوتَ اللهِ يَعمَلُ في العالَمِ بِهُدوءٍ وَصَمتٍ، وَلا يَلفِتُ الأَنظارَ بِالمَظاهِرِ الخارِجِيَّةِ. وَهٰذا يَتَّفِقُ مَعَ قَولِ يَسوعَ: “لَيسَت مَملَكَتي مِن هٰذا العالَمِ” (يوحنا 18: 36). فَلا يَرى النّاسُ نُمُوَّ الشَّجَرَةِ لَحظَةً بِلَحظَةٍ، وَكَذٰلِكَ لا يُدرِكونَ نُمُوَّ المَلَكوتِ، إِلَّا بِعَينِ الإِيمانِ. فَهُوَ يَنمو بِقُوَّةٍ داخِلِيَّةٍ لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يُوقِفَها، لأَنَّها قُوَّةُ اللهِ نَفسِها.
أَمَّا مَرقُسُ الإِنجيليُّ، فَيُركِّزُ عَلَى انتِشارِ المَلَكوتِ مِن بِدايَةٍ مُتواضِعَةٍ إلى نِهايَةٍ مَجيدَةٍ (مرقس 4: 30-32). وَيُشبِّهُ المَلَكوتَ بِحَبَّةِ الخَردَلِ الَّتي تُزرَعُ في الخَفاءِ، ثُمَّ تَنمو بِبُطءٍ وَثَباتٍ، وَلا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَمنَعَ نُمُوَّها. وَهٰكَذا يَنمو مَلَكوتُ اللهِ في النُّفوسِ وَفي التّاريخِ، بِهُدوءٍ وَقُوَّةٍ، حتّى يُصبِحَ شَجَرَةً باسِقَةً تَمتَدُّ أَغصانُها إلى أَقاصي الأَرضِ، وَتَجِدُ فيها جَميعُ الشُّعوبِ مَأوًى وَحَياةً.
- دَعْوَةٌ إِلَى التَّغْيِيرِ مِنْ خِلَالِ مَثَلِ الْخَمِيرَةِ
يَدْعُونَا يَسُوعُ فِي مَثَلِ الْخَمِيرَةِ إِلَى أَنْ نَكُونَ أَدَاةً لِلتَّغْيِيرِ الْخَفِيِّ وَالْفَعَّالِ فِي الْعَالَمِ. فَقَدْ قَالَ: “مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ خَمِيرَةٍ أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ، فَجَعَلَتْهَا فِي ثَلَاثَةِ مَكَايِيلَ مِنَ الدَّقِيقِ حَتَّى اخْتَمَرَتْ كُلُّهَا” (متى 13: 33). فالخميرة تعمل بصمتٍ ومن الداخل، ولا تُحدثُ أثرَها إلاَّ عندما تختلط بالعجين وتختفي فيه، لكنها تُحوِّلُه كلَّه إلى عجينٍ.
اِسْتَخْدَمَ مَتَّى الْإِنْجِيلِيُّ هٰذَا الْمَثَلَ لِيَكْشِفَ طَبِيعَةَ نُمُوِّ مَلَكُوتِ اللهِ. فَمَا عَلَى الْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ الْخَمِيرَةَ وَتُخْفِيَهَا فِي الْعَجِينِ، ثُمَّ تَتْرُكَهَا تَعْمَلُ بِقُوَّتِهَا الذَّاتِيَّةِ. وَهٰكَذَا أَيْضًا يُرِيدُ اللهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْرِسَ كَلِمَةَ الْإِنْجِيلِ فِي قَلْبِ الْعَالَمِ، لَا بِالْعُنْفِ أَوِ الْإِكْرَاهِ، بَلْ بِالْحُضُورِ الْهَادِئِ وَالشَّهَادَةِ الْأَمِينَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ كْرِيزُولُوغُسُ قَائِلًا: “تَلَقَّتْ حَوَّاءُ مِنَ الشَّيْطَانِ خَمِيرَةَ الْخِدَاعِ، وَهَا هِيَ هٰذِهِ الْمَرْأَةُ تَتَلَقَّى مِنَ اللهِ خَمِيرَةَ الْإِيمَانِ. أَفْسَدَتِ الْأُولَى، فِي شَخْصِ آدَمَ، عَجِينَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كُلَّهُ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَتُجَدِّدُ، فِي شَخْصِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بِخَمِيرَةِ الْقِيَامَةِ، الْعَجِينَ الْبَشَرِيَّ كُلَّهُ، وَتَخْبِزُ خُبْزَ الْحَيَاةِ وَالْخَلَاصِ”(الْعِظَةُ 99).
فَالْخَمِيرَةُ، إِذًا، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُورَةٍ لِلنُّمُوِّ، بَلْ رَمْزٌ لِقُدْرَةِ الْإِنْجِيلِ عَلَى التَّجْدِيدِ وَالتَّحْوِيلِ. فَهِيَ تَبْدُو صَغِيرَةً وَغَيْرَ مَنْظُورَةٍ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا قُوَّةً تُغَيِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “قَلِيلٌ مِنَ الْخَمِيرِ يُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ”(غَلَاطِيَة 5: 9).
وَهٰكَذَا، وَإِنْ بَدَتْ بِدَايَاتُ الْمَلَكُوتِ صَغِيرَةً وَغَيْرَ لَافِتَةٍ لِلنَّظَرِ، فَإِنَّهَا تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا قُوَّةَ الْحَيَاةِ الْإِلٰهِيَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْخَفَاءِ حَتَّى تُغَيِّرَ الْإِنْسَانَ وَالْمُجْتَمَعَ. فَقُوَّةُ مَلَكُوتِ اللهِ تَعْمَلُ بِصَمْتٍ مِنْ خِلَالِ شَخْصِ يَسُوعَ، ثُمَّ تُوَاصِلُ عَمَلَهَا فِي تَلَامِيذِهِ، رَغْمَ ضَعْفِهِمْ وَاضْطِهَادِهِمْ، حَتَّى يَمْتَدَّ الْمَلَكُوتُ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ، تَحْقِيقًا لِمَا تَنَبَّأَ بِهِ حِزْقِيَالُ النَّبِيُّ (حِزْقِيَال 17: 23).
وَيُؤَكِّدُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ هٰذَا الْبُعْدَ الرَّسُولِيَّ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ الْكَنِيسَةَ، فِي رِسَالَتِهَا، تَسِيرُ مَعَ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، وَتَنَالُ قِسْطَهَا مِنْ مَصِيرِ الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ؛ وَهِيَ بِمَثَابَةِ خَمِيرَةٍ، وَكَرُوحٍ لِلْمُجْتَمَعِ الْبَشَرِيِّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَجَدَّدَ فِي الْمَسِيحِ وَيَتَحَوَّلَ إِلَى أُسْرَةِ اللهِ” (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ، الْبَنْدُ 854). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْعَمَلَ الرَّسُولِيَّ لَا يَقُومُ عَلَى الضَّجِيجِ أَوِ اسْتِعْرَاضِ الْقُوَّةِ، بَلْ عَلَى التَّأْثِيرِ الْهَادِئِ الَّذِي يُغَيِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَيُشِيرُ مَثَلُ الْخَمِيرَةِ إِلَى التَّفَاوُتِ الْكَبِيرِ بَيْنَ صِغَرِ كَمِّيَّةِ الْخَمِيرَةِ وَضَخَامَةِ الْعَجِينِ، لَكِنَّهُ يُضِيفُ فِكْرَةً جَدِيدَةً، هِيَ اخْتِفَاءُ الْخَمِيرَةِ فِي الْعَجِينِ وَتَحْوِيلُهُ كُلَّهُ. وَلِذٰلِكَ يَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي هٰذَا الْمَثَلِ صُورَةً بَلِيغَةً لِعَمَلِ مَلَكُوتِ اللهِ، إِذْ إِنَّ الدَّقِيقَ لَا يَخْتَمِرُ مَا لَمْ تَخْتَفِ الْخَمِيرَةُ فِيهِ. وَهٰكَذَا تَعْمَلُ نِعْمَةُ اللهِ فِي الْكَنِيسَةِ وَفِي الْمُؤْمِنِينَ: بِصَمْتٍ، وَلٰكِنْ بِفَاعِلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ. لِذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْشَغِلَ بِالْمَظَاهِرِ الْخَارِجِيَّةِ أَوْ بِالْأَرْقَامِ وَالنَّجَاحَاتِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ بِالتَّحَوُّلِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي تَصْنَعُهُ كَلِمَةُ اللهِ فِي الْقُلُوبِ، عَمَلًا بِقَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ: “لَا نَهْدِفُ إِلَى مَا يُرَى، بَلْ إِلَى مَا لَا يُرَى، فَالَّذِي يُرَى إِنَّمَا هُوَ إِلَى حِينٍ، وَأَمَّا مَا لَا يُرَى فَهُوَ لِلْأَبَدِ” (2 قُورِنْتُس 4: 18).
فَالْإِنْجِيلُ يَصْنَعُ أَعْظَمَ الْعَجَائِبِ فِي الْقُلُوبِ قَبْلَ أَنْ يَصْنَعَهَا فِي الْمُجْتَمَعِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الْمَثَلَ لَا يَدْعُونَا فَقَطْ إِلَى عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يَدْعُونَا أَيْضًا إِلَى الْإِيمَانِ بِقُوَّةِ الْعَمَلِ الْخَفِيِّ الَّذِي يُغَيِّرُ الْعَالَمَ مِنَ الدَّاخِلِ. وَيَطْرَحُ عَلَيْنَا هٰذَا الْمَثَلُ سُؤَالًا رَعَوِيًّا مُهِمًّا:
- هَلْ نَحْنُ مُنْدَمِجُونَ فِي مُجْتَمَعِنَا بِرُوحِ الْإِنْجِيلِ حَتَّى نُسْهِمَ فِي تَغْيِيرِهِ مِنَ الدَّاخِلِ؟
فَمَنْ يَقْبَلْ أَنْ يَكُونَ خَمِيرَةً، وَيَرْضَ أَنْ يَمْتَزِجَ بِالْعَجِينِ الْبَشَرِيِّ، يَتَحَوَّلْ إِلَى قُوَّةِ حَيَاةٍ تَنْتَقِلُ إِلَى كُلِّ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا. فَالْمَسِيحِيُّ مَدْعُوٌّ لِأَنْ يَكُونَ خَمِيرَةَ الْعَالَمِ، وَرِسَالَةُ الْكَنِيسَةِ هِيَ أَنْ تُخَمِّرَ عَجِينَ الْبَشَرِيَّةِ كُلَّهُ بِمَحَبَّةِ الْمَسِيحِ. وَلِهٰذَا يُوصِي بُولُسُ الرَّسُولُ: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ الْخَمِيرِ يُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟ طَهِّرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْخَمِيرَةِ الْقَدِيمَةِ، لِتَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا، لِأَنَّكُمْ فَطِيرٌ” ( 1 قُورِنْتُس 5: 6-7).
وَمِنْ هٰذَا الْمُنْطَلَقِ، كَانَ الرُّسُلُ وَالتَّلَامِيذُ أَفْضَلَ مِثَالٍ لِلْخَمِيرَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ أَعَدَّهُمْ لِيَكُونُوا قُوَّةَ التَّجْدِيدِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، لَا بِقُوَّةِ السِّلَاحِ، بَلْ بِقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالشَّهَادَةِ. وَتَدْعُو الْكَنِيسَةُ أَبْنَاءَهَا إِلَى مُمارَسَةِ هٰذَا الدَّوْرِ كُلَّ يَوْمٍ، إِذْ يَقُولُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ: “لِنَعْجُنْ بِالصَّلَاةِ عَجِينَةَ الْأَحْوَالِ الْيَوْمِيَّةِ الْوَضِيعَةِ، فَتَكُونُ جَمِيعُ صِيَغِ الصَّلَاةِ تِلْكَ الْخَمِيرَةَ الَّتِي يُشَبِّهُ بِهَا الرَّبُّ الْمَلَكُوتَ” (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ، الْبَنْدُ 2660). وَيُضِيفُ أَيْضًا: “لِنَرْفَعِ الْأَرْضَ بِرُوحِ الْمَسِيحِ كَمَا تَفْعَلُ الْخَمِيرَةُ فِي الْعَجِينِ” (التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ، الْبَنْدُ 2832).
وَهٰكَذَا يُعَلِّمُنَا مَثَلُ الْخَمِيرَةِ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَا يَنْمُو بِالضَّجِيجِ، بَلْ بِالْحُضُورِ الْأَمِينِ، وَلَا بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ، وَلَا بِالْمَظَاهِرِ، بَلْ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْخَفَاءِ. فَمَنْ يَسْمَحْ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَكُونَ خَمِيرَةَ حَيَاتِهِ، يَصِرْ هُوَ أَيْضًا خَمِيرَةً تُجَدِّدُ الْآخَرِينَ، حَتَّى يَخْتَمِرَ الْعَالَمُ كُلُّهُ بِرُوحِ الْإِنْجِيلِ، وَيَتَحَوَّلَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أُسْرَةِ اللهِ.
الخُلاصَة
يُتَابِعُ يَسُوعُ الجُزْءَ الآخَرَ مِنَ الخِطْبَةِ الثَّالِثَةِ (متى 13: 1-58)، حَيْثُ يَكْشِفُ لَنَا جَوْهَرَ الرَّجَاءِ فِي المَلَكُوتِ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ: أَوَّلُهَا مَثَلُ الزُّؤَانِ (مَتَّى 13: 24-30)، ثُمَّ مَثَلُ حَبَّةِ الخَرْدَلِ (مَتَّى 13: 31-32)، ثُمَّ مَثَلُ الخَمِيرَةِ (مَتَّى 13: 33). وَيَخْتِمُ الإِنْجِيلِيُّ هٰذَا المَقْطَعَ (مَتَّى 13: 36-43) بِتَفْسِيرِ المَثَلِ الأَوَّلِ، اسْتِجَابَةً لِطَلَبِ تَلَامِيذِهِ.
يُبيِّنُ مَثَلُ الزُّؤانِ أَنَّ صاحِبَ الحَقلِ زَرَعَ قَمحًا طَيِّبًا، غَيرَ أَنَّ عَدُوَّهُ جاءَ لَيلًا وَزَرَعَ الزُّؤانَ بَينَهُ. وَعِندَما ظَهَرَ الاثنانِ مَعًا، رَغِبَ الخَدَمُ في اقتِلاعِ الزُّؤانِ، غَيرَ أَنَّ صاحِبَ الحَقلِ دَعاهُم إِلى الصَّبرِ، لِئَلَّا يُقتَلَعَ القَمحُ مَعَهُ. فَالْقَمحُ يَحتاجُ إِلى الزَّمَنِ حتَّى يَظهَرَ ثَمَرُهُ، وَحَينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ الفَرقُ بَينَهُ وَبَينَ الزُّؤانِ.
وَمِنْ هُنا يَطرَحُ الإِنجيلُ أَسئِلَةً جَوهَرِيَّةً: مِن أَينَ جاءَ الشَّرُّ؟ وَلِماذا يَسمَحُ اللهُ بِوُجودِهِ؟ وَلِماذا يَصبِرُ عَلَى الأَشرارِ؟ ويُجيبُ المَثَلُ أَنَّ الشَّرَّ لَيسَ مِن عَملِ اللهِ، بَل مِن فِعلِ العَدُوِّ، وَأَنَّ اللهَ يَتَحَلَّى بِطُولِ الأَناةِ، مُفسِحًا المَجالَ أَمامَ التَّوبَةِ وَالتَّغَيُّرِ، إِلى أَن يَأتيَ وَقتُ الحَصادِ، أَي وَقتُ الدِّينونَةِ، حِينَ يَفصِلُ بَينَ الأَبرارِ وَالأَشرارِ بِعَدلٍ كامِلٍ.
أَمَّا مَثَلُ حَبَّةِ الخَردَلِ وَمَثَلُ الخَميرَةِ، فَيُبرِزانِ وَجهَينِ مُتكامِلَينِ لِنُموِّ مَلَكوتِ اللهِ. فَحَبَّةُ الخَردَلِ تُشيرُ إِلى النُّموِّ الظّاهِرِ الَّذي يَبدَأُ ضَئيلًا ثُمَّ يَصيرُ عَظيمًا، أَمَّا الخَميرَةُ فَتُشيرُ إِلى العَمَلِ الدّاخِلِيِّ الخَفِيِّ الَّذي يُحَوِّلُ العَجينَ كُلَّهُ. فَالأُولى تُصوِّرُ امتِدادَ المَلَكوتِ في العالَمِ، وَالثّانِيَةُ تُظهِرُ كَيفِيَّةَ نُموِّهِ وَتَأثيرِهِ مِنَ الدّاخِلِ.
وَكَما تَنمو حَبَّةُ الخَردَلِ حتَّى تُصبِحَ شَجَرَةً عَظيمَةً، وَكَما تُخَمِّرُ قِطعَةٌ صَغيرَةٌ مِنَ الخَميرَةِ العَجينَ كُلَّهُ، هٰكَذا يَنمو مَلَكوتُ اللهِ بِقُوَّةِ نِعمَتِهِ حتَّى يُغَيِّرَ العالَمَ كُلَّهُ. فَالمَلَكوتُ يَعمَلُ في الخَفاءِ كَالخَميرَةِ، وَيَبدَأُ صَغيرًا كَحَبَّةِ الخَردَلِ، لَكِنَّهُ يَحمِلُ في ذاتِهِ قُوَّةَ الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتي تُجدِّدُ الإِنسانَ وَالتّاريخَ.
لِذٰلِكَ يَدعونا يَسوعُ إِلى أَن نَعيشَ هٰذِهِ الأَمثالَ الثَّلاثَ: فَنَتَحَلَّى بِالصَّبرِ أَمامَ وُجودِ الشَّرِّ، وَبِالثِّقَةِ في قُوَّةِ المَلَكوتِ الَّذي يَنمو وَإِن بَدَا صَغيرًا، وَبِالاستِعدادِ لِنَكونَ خَميرَةً صالِحَةً تُساهِمُ، بِحُضورِها الخَفِيِّ وَشَهادَتِها الأَمِينَةِ، في تَجدِيدِ العالَمِ وَإِعدادِهِ لِمَلَكوتِ اللهِ.
دُعاء
أَيُّهَا الآبُ السَّماوِيُّ، نَشكُرُكَ لأَنَّكَ زَرَعتَ كَلِمَتَكَ في قُلوبِنا، وَدَعَوتَنا أَن نَكونَ أَبناءَ مَلَكوتِكَ. فامْنَحْنا نِعمَةَ القَلبِ الصّابِرِ، لِنَحتَمِلَ بِالإِيمانِ تَجارِبَ هٰذِهِ الحَياةِ، وَلا نَيأَسَ أَمامَ وُجودِ الشَّرِّ، بَل نَثِقَ بِأَنَّكَ أَنتَ الرَّبُّ الَّذي يُحَوِّلُ كُلَّ شَيءٍ إِلى خَيرٍ.
اغرِسْ فينا رَجاءً ثابِتًا، لِنُؤمِنَ بِأَنَّ مَلَكوتَكَ يَنمو بِصَمتٍ كَحَبَّةِ الخَردَلِ، وَيُغَيِّرُ القُلوبَ كَالخَميرَةِ الَّتي تُخَمِّرُ العَجينَ كُلَّهُ. وَاجعَلْنا خَميرَةَ صَلاحٍ وَسَلامٍ وَمَحبَّةٍ في وَسَطِ العالَمِ، نَشهَدُ لِكَ بِأَعمالِنا قَبلَ أَقوالِنا.
أَعطِنا أَن نَبقَى ساهِرينَ في عَمَلِ الخَيرِ، مُثابِرينَ في الصَّلاةِ، ثابِتينَ في الرَّجاءِ، حتَّى نَستَحِقَّ، عِندَ مَجيئِ ابنِكَ المَجيدِ، أَن نُجمَعَ مَعَ قَمحِكَ في أَهرائِكَ السَّماوِيَّةِ، وَنَفرَحَ بِرُؤيَةِ البَشَرِيَّةِ الجَديدَةِ الَّتي تُجَدِّدُها نِعمَتُكَ، وَنَدخُلَ مَعَ جَميعِ القِدِّيسينَ إِلى مَلَكوتِكَ الأَبَدِيِّ. آمين.
قِصَّة: الزُّؤانُ في البُستان
دَخَلتُ ذاتَ يَومٍ بُستانَ أَحَدِ الأَصدِقاءِ، فَلَفَتَ انتِباهي نَباتٌ ذو أَزهارٍ صَفراءَ زاهِيَةٍ تَنتَشِرُ بَينَ الأَحواضِ.
فَقُلتُ لَهُ: – ما أَجمَلَ هٰذِهِ الزُّهورَ!
فابتَسَمَ وَقالَ: – إِيّاكَ أَن تَنخَدِعَ بِمَظهَرِها! فَهٰذِهِ لَيسَت زُهورًا نافِعَةً، بَل هِيَ أَعشابٌ ضارَّةٌ (Weeds).
تَعَجَّبتُ وَسَأَلتُهُ: – وَلِماذا تُعَدُّ ضارَّةً وَهِيَ بِهٰذَا الجَمالِ؟
فَأَجابَ: – لِأَنَّها تَمتَصُّ غِذاءَ التُّربَةِ وَماءَها، وَتُنافِسُ النَّباتاتِ الصّالِحَةَ حتَّى تُضعِفَها أَو تُميتَها إِن تُرِكَت تَنمو.
فَقُلتُ: – وَما الحَلُّ؟
قالَ: – نَستَخدِمُ أَدَواتٍ خاصَّةً لاقتِلاعِها مِن جُذورِها، لِأَنَّ قَطعَها مِن فَوقِ الأَرضِ لا يَكفي، فَسُرعانَ ما تَعودُ إِلى النُّموِّ.
ثُمَّ سَأَلتُهُ: – وَمَن زَرَعَها؟
فَقالَ: – لا أَحَدَ يَزرَعُها عَمْدًا، لٰكِنَّها تَنتَشِرُ بِسُرعَةٍ، وَلا يُمَيِّزُها عَنِ النَّباتاتِ الصّالِحَةِ إِلَّا العَينُ الخَبيرةُ.
عِندَئِذٍ تَذَكَّرتُ مَثَلَ الزُّؤانِ الَّذي ضَرَبَهُ الرَّبُّ يَسوعُ، فَقُلتُ في نَفسي: هٰكَذا يَعمَلُ الشَّيطانُ أَيضًا؛ فَكثيرًا ما يَتَخَفَّى الشَّرُّ وَراءَ مَظهَرٍ جَذّابٍ، وَيَبدُو في البِدايَةِ جَميلًا وَبَرّاقًا، لٰكِنَّهُ يَسرِقُ الحَياةَ الرُّوحِيَّةَ، وَيَخنُقُ كَلِمَةَ اللهِ في القُلوبِ. وَلا يَستَطيعُ أَن يُمَيِّزَ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ إِلَّا مَن يَعيشُ في نُورِ الإِنجيلِ وَيَطلُبُ حِكمَةَ اللهِ.
العِبرة:
لَيسَ كُلُّ ما يَبدُو جَميلًا هُوَ صالِحٌ، وَلَيسَ كُلُّ ما يَلمَعُ هُوَ حَقٌّ. فَلنَطلُبْ مِنَ الرَّبِّ نِعمَةَ التَّمييزِ، لِنَعرِفَ القَمحَ مِنَ الزُّؤانِ، وَنَحفَظَ قُلوبَنا مِن كُلِّ ما يُبعِدُنا عَن مَلَكوتِ اللهِ.
قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ: الصَّبْرُ الَّذِي غَيَّرَ زُؤَانًا إِلَى قَمْحٍ
فِي القَرْنِ الرَّابِعِ الْمِيلَادِيِّ، عَاشَ شَابٌّ اسْمُهُ أُوغُسْطِينُوسُ حَيَاةً بَعِيدَةً عَنِ اللهِ. كَانَ ذَكِيًّا وَمُثَقَّفًا، لَكِنَّهُ انْقَادَ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَالْأَفْكَارِ الْمُنْحَرِفَةِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرِينَ رَأَوْا فِيهِ شَخْصًا ضَائِعًا لَا رَجَاءَ مِنْهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ، الْقِدِّيسَةُ مُونِيكَا، تَرَى ابْنَهَا يَبْتَعِدُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ عَنِ الْإِيمَانِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَيْأَسْ قَطُّ، بَلْ وَاصَلَتِ الصَّلَاةَ وَالدُّمُوعَ مِنْ أَجْلِهِ سِنِينَ طَوِيلَةً.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، قَالَتْ لِأُسْقُفِهَا وَهِيَ تَبْكِي: “لَقَدْ ضَاعَ ابْنِي، فَمَا الْعَمَلُ؟”
فَأَجَابَهَا بِكَلِمَاتٍ أَصْبَحَتْ مَشْهُورَةً فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ: “اذْهَبِي بِسَلَامٍ، فَابْنُ هٰذِهِ الدُّمُوعِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ”.
لَمْ تَطْلُبْ مُونِيكَا أَنْ يَقْتَلِعَ اللهُ “الزُّؤَانَ” فَوْرًا، وَلَمْ تَيْأَسْ مِنْ طُولِ الِانْتِظَارِ، بَلْ وَثِقَتْ بِأَنَّ اللهَ يَعْمَلُ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ. وَبَعْدَ سِنِينَ، لَمَسَ الرَّبُّ قَلْبَ أُوغُسْطِينُوسَ بِنِعْمَتِهِ، فَاهْتَدَى، وَاعْتَمَدَ، ثُمَّ أَصْبَحَ كَاهِنًا، فَأُسْقُفًا، وَأَحَدَ أَعْظَمِ آبَاءِ الْكَنِيسَةِ وَمُعَلِّمِيهَا، وَمَا تَزَالُ كِتَابَاتُهُ تُنِيرُ الْكَنِيسَةَ حَتَّى الْيَوْمِ.
لَوْ حَكَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي شَبَابِهِ، لَقَالُوا إِنَّهُ زُؤَانٌ يَجِبُ اقْتِلَاعُهُ. لَكِنَّ اللهَ رَأَى فِيهِ سُنْبُلَةَ قَمْحٍ سَتُعْطِي ثَمَرًا وَفِيرًا. إِنَّهَا صُورَةٌ حَيَّةٌ لِمَثَلِ الزُّؤَانِ، حَيْثُ قَالَ الرَّبُّ:”دَعُوهُمَا يَنْبُتَانِ مَعًا إِلَى يَوْمِ الْحَصَادِ” (مَتَّى 13: 30).
الْعِبْرَةُ
كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ نَحْكُمُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، بَيْنَمَا يَرَى اللهُ فِيهِ قِدِّيسَ الْغَدِ! لِذٰلِكَ يَدْعُونَا يَسُوعُ إِلَى الصَّبْرِ، وَإِلَى عَدَمِ التَّسَرُّعِ فِي إِصْدَارِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ يَعْرِفُ أَعْمَاقَ الْقُلُوبِ، وَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يُحَوِّلَ الزُّؤَانَ إِلَى قَمْحٍ، وَالْخَاطِئَ إِلَى قِدِّيسٍ، وَالضَّعْفَ إِلَى قَدَاسَةٍ. فَوَاجِبُنَا لَيْسَ أَنْ نُدِينَ الْآخَرِينَ، بَلْ أَنْ نُصَلِّيَ مِنْ أَجْلِهِمْ، وَنَثِقَ بِقُدْرَةِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ.