الأَحَدُ الحادِي عَشَرَ مِنَ السَّنَة: تَوْصِيَاتُ يَسوعَ في الإِرْسالِيَّةِ الأُولى

الأَحَدُ الحادِي عَشَرَ مِنَ السَّنَة: تَوْصِيَاتُ يَسوعَ في الإِرْسالِيَّةِ الأُولى (مَتّى 9: 36 – 10: 8)

أ. د. لُويس حَزبون

النص الإنجيلي (متى 9: 36-10:8)

36-ورأَى الجُموعَ فأَخذَته الشَّفَقَةُ علَيهم، لأَنَّهم كانوا تَعِبينَ رازِحين، كَغَنَمٍ لا راعيَ لها.37 فقالَ لِتلاميذِه: ((الحَصادُ كثيرٌ ولَكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون.  38فاسأَلوا رَبّ الحَصادِ أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه)). 1 ودَعا تَلاميذَه الاثَني عَشَر، فأَولاهُم سُلطاناً يَطرُدُونَ بِه الأَرواحَ النَّجِسَة ويَشْفونَ النَّاسَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة 2 وهَذِه أَسْماءُ الرُّسُل الاثنَي عَشَر: أَوَّلُهم سِمعانُ الَّذي يُقالُ لَه بُطرُس، وأَندَراوسُ أَخوه، فيَعقوبُ بْنُ زَبَدى ويوحنَّا أَخوه، 3 ففِيلِبُّس وبَرتُلُماوُس، فتُوما ومَتَّى الجابي، فيَعقوبُ بْنُ حَلْفى وتَدَّاوُس، 4 فسِمعانُ الغَيور ويهوذا الإِسْخَريُوطيّ ذاكَ الَّذي أَسلَمَه 5 هؤلاءِ الاثنا عَشَر أَرسلَهُم يسوع وأَوْصاهم قال: ((لا تَسلُكوا طَريقاً إِلى الوثَنِيِّين ولا تَدخُلوا مَدينةً لِلسَّامرِيِّين، 6 بَلِ اذهَبوا إِلى الخِرافِ الضَّالَّةِ من بَيتِ إِسرائيل، 7 وأَعلِنوا في الطَّريق أَنْ قَدِ اقتَرَبَ مَلَكوتُ السَّمَوات  8 اِشْفوا المَرْضى، وأَقيموا المَوتى، وأَبرِئوا البُرْص، واطرُدوا الشَّياطين. أَخَذتُم مَجَّاناً فَمَجَّاناً أَعطوا.

مُقَدِّمَة

بَعدَ أَنْ أَنهى يَسوعُ المَسيحُ عِظَتَهُ الأُولى، عِظَةَ الجَبَلِ (متى 5: 1-7: 29)، وَأَتْبَعَها بِسِلْسِلَةٍ مِنَ المُعجِزاتِ العَشْرِ (متى 8: 1-9: 38)، بَدَأَ عِظَتَهُ الثَّانِيَةَ الَّتي تَدورُ حَوْلَ الإِرساليَّةِ، مُقَدِّمًا لِتَلاميذِهِ التَّعْليماتِ وَالوَصايا اللّازِمَةَ قَبْلَ أَنْ يُرسِلَهُم إِلى الجُموعِ لِيُبَشِّروا بِمَلَكوتِ اللهِ وَيَشفُوا أَمراضَ الجَسَدِ وَالرُّوحِ. وَيَصِفُ إِنجيلُ مَتّى هٰذِهِ الإِرساليَّةَ الأُولى الخاصَّةَ بِالاثْنَي عَشَرَ رَسولًا (متى 9: 36-10: 8)، الَّتي تُشَكِّلُ نُقْطَةَ الاِنطِلاقِ لِرِسالَةِ الكَنيسَةِ في العالَم.

وَتَنطَلِقُ هٰذِهِ الإِرساليَّةُ مِن نَظْرَةِ يَسوعَ إِلى الجُموعِ وَشَفَقَتِهِ عَلَيهِم، إِذ رَآهُم “مُنْهَكِينَ وَمُلْقَيْنَ كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها” (متى 9: 36). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “إِنَّ المَسيحَ لَم يَنظُرْ إِلى خَطايا الجُموعِ بَل إِلى شَقائِهِم، فَتَحَرَّكَت أَحشاؤُهُ شَفَقَةً عَلَيهِم” (PG 57, 385). فَالشَّفَقَةُ هِيَ المَنبَعُ الأَوَّلُ لِلإِرساليَّةِ، وَهِيَ الَّتي دَفَعَتِ الرَّبَّ إِلى إِرسالِ تَلاميذِهِ لِيُواصِلوا عَمَلَهُ الخَلاصيَّ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ هيلاريون بواتييه عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَم يُدعَوا لِخِدمَةِ أَنفُسِهِم، بَل لِخِدمَةِ حَصادِ اللهِ، إِذ يَقولُ: “إِنَّ الحَصادَ الكَثيرَ يُشيرُ إِلى الجُموعِ المُهَيَّأَةِ لِقَبولِ كَلِمَةِ اللهِ، أَمَّا الفَعَلَةُ فَهُم خُدّامُ الإِنجيلِ” PL 9, 961)).

وَمِن جِهَةٍ أُخرى تَنطَلِقُ الإِرساليَّةُ مِن مَناخِ المَجانِيَّةِ وَالثِّقَةِ المُطلَقَةِ بِاللهِ. فَالرَّسولُ لا يَتَّكِلُ عَلَى قُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ بَل عَلَى نِعمَةِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “لَم يَختَرِ الرَّبُّ الصَّيّادينَ لأَنَّهُم أَكفاءُ، بَل جَعَلَهُم أَكفاءَ لأَنَّهُ اختارَهُم” (PL 38, 1328). فَالرِّسالَةُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ قَبلَ أَنْ تَكونَ مَهمَّةً بَشَرِيَّةً. وَيَرَى القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير أَنَّ الرَّاعِي الحَقيقيَّ يَجمَعُ بَينَ البِشارَةِ وَالخِدمَةِ، فَيَقولُ: “يَجِبُ أَنْ يَكونَ الرَّاعِي قُدوَةً في العَمَلِ قَبلَ أَنْ يَكونَ مُعَلِّمًا بِالكَلامِ” (PL 77, 30).  وَهٰكَذا تَحمِلُ الإِرساليَّةُ الإِنجيليَّةُ بُعدًا رُوحيًّا وَإِنسانيًّا مُتَكامِلًا، إِذ تُعلِنُ مَلَكوتَ اللهِ وَتُساهِمُ في شِفاءِ الإِنسانِ وَخَلاصِهِ. وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ هٰذا النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ وَاسْتِخراجِ دَلالاتِهِ اللاهوتيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، لِأَنَّهُ يَكشِفُ أُسُسَ الرِّسالَةِ المَسيحيَّةِ القائِمَةِ عَلَى شَفَقَةِ المَسيحِ، وَالمَجانِيَّةِ الإِنجيليَّةِ، وَالثِّقَةِ الكامِلَةِ بِاللهِ.

أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنْجيليِّ وَتَحْليلُهُ (مَتّى 9: 36 – 10: 8)

 36 وَرَأَى الجُموعَ فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِم، لأَنَّهُمْ كانوا تَعِبِينَ رازِحِينَ، كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها.

 تُشيرُ عِبارَةُ “وَرَأَى الجُموعَ” إِلى نَظَرَةِ يَسوعَ الرَّاعَوِيَّةِ الَّتي تَتَجاوَزُ المُعايَنَةَ الخارِجِيَّةَ إِلى أَعماقِ الإِنسانِ وَاحتِياجاتِهِ الرُّوحِيَّةِ. فَلَم يَرَ فِيهِم مُجرَّدَ جُموعٍ مُلتَفَّةٍ حَولَهُ، بَل رَأى حَقلًا قَد نَضَجَ لِلحَصادِ (متى 9: 37)، وَشَعبًا يَبحَثُ عَنِ الحَقيقَةِ وَالخَلاصِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “إِنَّ المَسيحَ لَم يَنظُرْ إِلى الجُموعِ كَأَعدَادٍ، بَل كَنُفوسٍ تَهْلِكُ وَتَحتاجُ إِلى رَاعٍ” (PG 57, 381).

أَمَّا عِبارَةُ “فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِم” فَتُشيرُ إِلى رَحمَةِ يَسوعَ العَميقَةِ. وَالفِعلُ اليونانيُّ ἐσπλαγχνίσθη يَدُلُّ عَلَى تَحَرُّكِ الأَحشاءِ دَاخِلِيًّا، كَمَا تَتَحَرَّكُ أَحشاءُ الأُمِّ نَحوَ أَولادِها. َهٰذِهِ الشَّفَقَةُ تُجَسِّدُ رَحمَةَ اللهِ نَفسِها. فَكَما أَعلَنَ الرَّبُّ عَلَى لِسانِ حَزقيالَ النَّبيِّ: “هاءَنَذا أَسأَلُ عَن غَنَمي وَأَفتَقِدُها” (حزقيال 34: 11)، هٰكَذا جاءَ يَسوعُ لِيَفتَقِدَ شَعبَهُ بِنَفسِهِ. وَبِما أَنَّ الرَّاعِي الحَقيقيَّ في العَهدِ القَديمِ هُوَ اللهُ نَفسُهُ: “الرَّبُّ راعِيَّ فَلا يُعوِزُني شَيء” (مزمور 23: 1)، فَإِنَّ يَسوعَ الَّذي يَفتَقِدُ شَعبَهُ وَيَرعاهُ يُظهِرُ حُضورَ اللهِ المَلموسَ بَينَ البَشَرِ. وَيُقَدِّمُ يَسوعُ نَفسَهُ بَوَصفِهِ الرَّاعِي الصّالِحَ الَّذي يُحَقِّقُ انتِظارَ العَهدِ القَديمِ، حِينَ قالَ: “أَنا الرَّاعِي الصّالِحُ، وَالرَّاعِي الصّالِحُ يَبذِلُ نَفسَهُ في سَبيلِ الخِراف” (يوحنا 10: 11). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “إِنَّ الرَّاعِي الصّالِحَ لَم يَكتَفِ بِالبَحثِ عَن خِرافِهِ، بَل حَمَلَها عَلَى كَتِفَيْهِ وَبَذَلَ نَفسَهُ مِن أَجلِها” (PL 35, 1730).

أَمَّا عِبارَةُ “تَعِبِينَ” فَتُرجِمَت عَنِ الكَلِمَةِ اليونانيَّة ἐσκυλμένοι، وَتَعني: مُنهَكينَ وَمُمَزَّقينَ وَمُضطَرِبينَ. وَهِيَ تُصَوِّرُ حَالَةَ البُؤسِ وَالضَّياعِ الرُّوحِيِّ النّاتِجِ عَنِ الخَطيئَةِ وَالبُعدِ عَنِ اللهِ.

أَمَّا عِبارَةُ “رازِحِينَ” فَهِيَ تَرجَمَةُ الكَلِمَةِ اليونانيَّة ἐρριμμένοι، وَمَعناها: مَطرُوحونَ عَلَى الأَرضِ أَو مُلقَونَ بِلا عَونٍ. وَتُصَوِّرُ الإِنسانَ العاجِزَ عَنِ النُّهوضِ بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ، وَالمُعَرَّضَ لِهَجَماتِ الشِّرِّيرِ وَالسُّقوطِ في الخَطيئَةِ. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ هيلاريون البواتيه إِلى أَنَّ هٰذِهِ الصُّورَةَ تَصِفُ البَشَرِيَّةَ قَبلَ مَجيءِ المَسيحِ، إِذ كانَت مُلقاةً تَحتَ ثِقلِ الخَطيئَةِ وَالمَوتِ” (PL 9, 961).

أَمَّا عِبارَةُ “كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها” فَتَستَحضِرُ نَصَّ سِفرِ العَدَدِ: “لِئَلَّا تَبقى جَماعَةُ الرَّبِّ كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها” (عدد 27: 17). وَهِيَ صُورَةٌ كِتابِيَّةٌ تُعبِّرُ عَن شَعبِ اللهِ عِندما يَفقِدُ القِيادَةَ الرُّوحِيَّةَ الأَمِينَةَ. فَقَد وَبَّخَ اللهُ رُعاةَ إِسرائيلَ الَّذينَ بَدَّدوا الخِرافَ وَلَم يَرعَوها (حزقيال 34: 2-6)، وَوَعَدَ قائِلًا: “أُقيمُ عَلَيها راعِيًا واحِدًا فَيَرعاها” (حزقيال 34: 23). هٰذِهِ النُّبوءَةُ تَجِدُ كَمالَها في شَخصِ يَسوعَ المَسيحِ. كَما تُذَكِّرُنا بِنُبوءَةِ زَكَرِيّا: “اضرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدَ الخِرافُ” (زكريا 13: 7)، الَّتي سَتَتَحَقَّقُ في آلامِ المَسيحِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير أَنَّ الرَّاعِي الحَقيقيَّ “يَحمِلُ ضَعفَ الخِرافِ في قَلبِهِ قَبلَ أَنْ يُعَلِّمَها بِفَمِهِ” (PL 77, 30).  وَمِن هٰذِهِ الشَّفَقَةِ تَنبَعُ الإِرساليَّةُ الرَّسوليَّةُ. فَالرُّسُلُ مَدعُوُّونَ أَنْ يُواصِلوا عَمَلَ الرَّاعِي الصّالِحِ، وَأَنْ يَقودوا البَشَرَ إِلى مَراعِي الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَمِن هُنا يَنبَثِقُ السُّؤالُ الرَّعَوِيُّ الدّائِمُ: كَيفَ نَكونُ رُعاةً لِإِخوَتِنا؟ وَإِلى أَيِّ مَراعٍ نَقودُهُم؟ وَما هِيَ البُشرى السّارَّةُ الَّتي نُعلِنُها لِلعالَمِ اليَومَ؟

37   فَقالَ لِتَلاميذِهِ: “الحَصادُ كَثيرٌ، ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون”.

تُشيرُ عِبارَةُ “الحَصادُ كَثيرٌ” إلى نَظرَةِ يَسوعَ الإيمانيَّةِ إلى العالَم. فَبَعدَ أَنْ رَأى الجُموعَ “تَعِبينَ رازِحينَ كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها” (متى 9: 36)، أَدركَ أَنَّ البَشَرِيَّةَ مُهَيَّأَةٌ لِقَبولِ بُشرى المَلَكوتِ، وَأَنَّ زَمَنَ الخَلاصِ قَد بَلَغَ نُضجَهُ. وَيَرِدُ لَفظُ “الحَصاد” في الأَصلِ اليونانيِّ θερισμός ، وَيَدُلُّ عَلَى وَقتِ جَمعِ الثِّمارِ بَعدَ نُضجِها. وَهُوَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ صُورَةٌ لِلاِكتمالِ وَحُلولِ السّاعَةِ الَّتي يَتَدَخَّلُ فيها اللهُ لِخَلاصِ شَعبِهِ أَو لِلدَّينونَةِ. وَقَدِ اِستَخدَمَ أَنبِياءُ العَهدِ القَديمِ هٰذِهِ الصُّورَةَ لِلإِشارَةِ إِلى يَومِ الرَّبِّ، كَما في نُبوءَةِ يُوئيل: “أَرسِلوا المِنجَلَ فَإِنَّ الحَصادَ قَد نَضَج (يوئيل 4: 13). أَمَّا هُنا فَالحَصادُ لا يُشيرُ أَوَّلًا إِلى الدَّينونَةِ، بَل إِلى نُضجِ القُلوبِ وَاستِعدادِها لِقَبولِ الإِنجيلِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم: “لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّ الزَّرعَ كَثيرٌ، بَل إِنَّ الحَصادَ كَثيرٌ، لِيُظهِرَ أَنَّ العَمَلَ قَد أُنجِزَ وَأَنَّ النُّفوسَ صَارَت مُستَعِدَّةً لِقَبولِ البِشارَةِ” (PG 57, 382).

أَمَّا عِبارَةُ “العَمَلَةُ قَليلون” فَيَرِدُ فيها لَفظُ “العَمَلَة” في الأَصلِ اليونانيِّ ἐργάται، وَهُوَ مُشتَقٌّ مِنَ الفِعلِ ἐργάζομαι الَّذي يَعني: يَعمَلُ، يَجتَهِدُ، يَخدِمُ. وَلا يَدُلُّ هُنا عَلَى مُجرَّدِ عُمّالٍ، بَل عَلَى الَّذينَ يَشتَرِكونَ في عَمَلِ اللهِ الخَلاصيِّ وَيُعاوِنونَ المَسيحَ في جَمعِ النُّفوسِ إِلى المَلَكوتِ. وَيُلاحَظُ أَنَّ يَسوعَ لا يَشتَكي مِن قِلَّةِ الحَصادِ، بَل مِن قِلَّةِ العَمَلَةِ. فَالمُشكِلَةُ لَيسَت في اِستِعدادِ البَشَرِ لِقَبولِ الإِنجيلِ، بَل في نُدرَةِ الخُدّامِ المُكرَّسينَ لِحَملِ البِشارَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاريون بواتيه: “الحَصادُ هُوَ جَماهيرُ الشُّعوبِ الَّتي نَضَجَت لِلإِيمانِ، أَمَّا العَمَلَةُ فَهُمُ الرُّسُلُ وَخُدّامُ الكَلِمَةِ” (PL 9, 962). وَيُفِيدُ السِّياقُ أَنَّ يَسوعَ يَرَى نَفسَهُ رَبَّ الحَصادِ، لأَنَّ الحَصادَ هُوَ حَصادُهُ، وَالمَلَكوتُ هُوَ مَلَكوتُهُ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ الدَّعوَةَ الرَّسوليَّةَ تَنبَعُ مِن مُبادَرَةِ اللهِ لا مِن مُبادَرَةِ الإِنسانِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “إِذا كَثُرَ الحَصادُ وَقَلَّ العَمَلَةُ، فَلنَطلُب مِن رَبِّ الحَصادِ أَنْ يُرسِلَ مَن يَعمَلُ في حَقلِهِ، لأَنَّ الَّذي يَدعو هُوَ نَفسُهُ الَّذي يُعِدُّ الخُدّامَ” (PL 76, 1139). وَمِن هُنا تَحمِلُ الآيَةُ بُعدًا دَعَوِيًّا دائِمًا، فَكُلُّ مُؤمِنٍ مَدعُوٌّ أَنْ يَسأَلَ نَفسَهُ: هَل أَنا مِن “العَمَلَة” ἐργάται الَّذينَ يُريدُهُمُ المَسيحُ لِحَصادِهِ؟ وَهَل أُساهِمُ في جَمعِ النُّفوسِ إِلى المَلَكوتِ أَم أَكتَفي بِمُشاهَدَةِ الحَصادِ؟

38 فَاسأَلوا رَبَّ الحَصادِ أَنْ يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِهِ.

تُشيرُ عِبارَةُ “فَاسأَلوا رَبَّ الحَصادِ” إلى أَنَّ الدَّعوَةَ الرَّسوليَّةَ تَنبَعُ أَوَّلًا مِنَ الصَّلاةِ. فَيَرِدُ الفِعلُ δεήθητε في الأَصلِ اليونانيِّ، وَهُوَ لا يَعني مُجرَّدَ الطَّلَبِ، بَل “التَّضَرُّعَ بِإِلحاحٍ” أَو “الاِبتِهالَ بِعُمقٍ”. وَهٰكَذا يُريدُ يَسوعُ أَنْ يُفهِمَ تَلاميذَهُ أَنَّ الدَّعوَاتِ الكَهنوتِيَّةَ وَالرَّسوليَّةَ لَيسَت نَتاجَ تَخطيطٍ بَشَرِيٍّ، بَل عَطيَّةٌ تُستَمَدُّ مِنَ اللهِ بِالصَّلاةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: “لَم يَقُلْ لَهُم اِذهَبوا وَاجمَعوا عَمَلَةً، بَل صَلُّوا، لِيُعَلِّمَهُم أَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَبدَأُ مِن فَوق” (PG 57, 383).

أَمَّا عِبارَةُ “رَبُّ الحَصادِ” فَتُشيرُ إِلى اللهِ نَفسِهِ، صاحِبِ الحَقلِ وَمَالِكِ الحَصادِ. فَالحَصادُ لَيسَ حَصادَ الرُّسُلِ، بَل حَصادُ اللهِ. هُوَ الَّذي يَزرَعُ الكَلِمَةَ، وَهُوَ الَّذي يُنمِّيها، وَهُوَ الَّذي يَجمَعُ الثِّمارَ. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: “بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شَيئًا” (يوحنا 15: 5). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “إِنَّ الَّذي يَدعو الخُدّامَ إِلى حَقلِهِ هُوَ نَفسُهُ الَّذي يُعِدُّهُم وَيُقَوِّيهِم لِلخِدمَةِ” (PL 76, 1139).

أَمَّا عِبارَةُ “أَنْ يُرسِلَ عَمَلَةً” فَيَرِدُ فيها الفِعلُ اليونانيُّ ἐκβάλῃ، وَمَعناهُ الحَرفيُّ “أَنْ يَدفَعَ إِلى الخارِجِ” أَو “أَنْ يَزُجَّ”. وَهُوَ الفِعلُ نَفسُهُ الَّذي يَستَعمِلُهُ الإِنجيلُ لِطَردِ الشَّياطينِ. وَهٰذا يَكشِفُ أَنَّ الدَّعوَةَ الرَّسوليَّةَ لَيسَت مُجرَّدَ وَظيفَةٍ يَختارُها الإِنسانُ، بَل دَفعَةٌ إِلٰهيَّةٌ وَإِرسالٌ مِنَ اللهِ نَحوَ الحَقلِ الَّذي يَنتَظِرُ البِشارَةَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاريون بواتييه: “إِنَّ اللهَ لا يَكتَفي بِدَعوَةِ الخادِمِ، بَل يُرسِلُهُ وَيُقَوِّيهِ لِيُتِمَّ الخِدمَةَ” (PL 9, 963).

وَتُعَدُّ هاتانِ الآيَتانِ: “الحَصادُ كَثيرٌ ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون. فَاسأَلوا رَبَّ الحَصادِ أَنْ يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِهِ” (متى 9: 37-38)، مِن أَهمِّ نُّصوصِ الدَّعَوِة في العَهدِ الجَديدِ. فَهُما تَكشِفانِ أَنَّ الرِّسالَةَ تَنبَعُ مِن رَحمَةِ المَسيحِ عَلَى الجُموعِ، وَأَنَّ أَوَّلَ عَمَلٍ رَسوليٍّ هُوَ الصَّلاةُ مِن أَجلِ الدَّعَواتِ. وَمِن هٰذا المَنظورِ تَأتي إِرساليَّةُ الاثنَي عَشَرَ (متى 10: 1-8)، ثُمَّ إِرساليَّةُ الاثنَينِ وَالسَّبعينَ (لوقا 10: 1-17)، وَأَخيرًا إِرساليَّةُ الحَصادِ في السّامِرَةِ: رَفعوا عُيونَكُم وَانظُروا إِلى الحُقولِ، فَإِنَّها قَدِ ابيَضَّت لِلحَصادِ (يوحنا 4: 35). لِذٰلِكَ يَدعونا النَّصُّ إِلى أَلّا نَنظُرَ إِلى خَطايا النّاسِ وَضَعفِهِم بِعَينِ الإِدانَةِ، بَل بِعَينِ الرَّحمَةِ الَّتي نَظَرَ بِها المَسيحُ إِلى الجُموعِ. وَيَدعونا أَيضًا إِلى أَنْ نُصَلِّيَ بِإِلحاحٍ مِن أَجلِ الدَّعَواتِ الكَهنوتِيَّةِ وَالرَّهبانِيَّةِ وَالإرِّساليَّةِ، لِكَي يَبعَثَ الرَّبُّ عَمَلَةً جُدُدًا إِلى حَصادِهِ الكَثيرِ.

10: 1 وَدَعا تَلاميذَهُ الاثنَي عَشَرَ، فَأَوْلاهُم سُلطانًا يَطرُدونَ بِهِ الأَرواحَ النَّجِسَةَ وَيَشفونَ النّاسَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ.

تُشيرُ عِبارَةُ “وَدَعا تَلاميذَهُ الاثنَي عَشَرَ” إلى مُبادَرَةِ يَسوعَ الشَّخصيَّةِ في اختيارِ رُسُلِهِ وَإِعدادِهِم لِمُواصَلَةِ الرِّسالَةِ الَّتي بَدَأَها هُوَ نَفسُهُ، إِذ كانَ “يَطوفُ المُدُنَ كُلَّها وَالقُرى يُعَلِّمُ وَيُبَشِّرُ بِبُشرى المَلَكوتِ وَيَشفِي كُلَّ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ” (متى 9: 35). وَيَرِدُ الفِعلُπροσκαλεσάμενος   في النَّصِّ اليونانيِّ، وَيَعني: “دَعا إِلَيهِ” أَو “اِستَدعَى إِلى جانِبِهِ”، مِمّا يُفيدُ أَنَّ الرِّسالَةَ تَنبَعُ مِنَ القُربِ مِنَ المَسيحِ قَبلَ أَنْ تَكونَ إِرسالًا إِلى العالَم. فَالرَّسولُ يَكونُ أَوَّلًا تِلميذًا ثُمَّ مُرسَلًا. وَكَما يَقولُ الرِّسالَةُ إِلى العِبرانيّين: “لا يَأخُذُ أَحَدٌ هٰذِهِ الكَرامَةَ بِنَفسِهِ، بَل مَن يَدعوهُ اللهُ (عبرانيين 5: 4). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: “لَم يَختَرِ المَسيحُ حُكَماءَ العالَمِ وَلا أَصحابَ السُّلطانِ، بَل رِجالًا بُسَطاءَ لِيُظهِرَ أَنَّ قُوَّةَ البِشارَةِ مِنَ اللهِ لا مِنَ البَشَرِ” (PG 57, 384).

أَمَّا عِبارَةُ “فَأَوْلاهُم سُلطانًا” فَيَرِدُ فيها اللَّفظُ اليونانيُّ ἐξουσίαν، وَيَعني سُلطانًا حَقيقيًّا مُفوَّضًا، لا مُجرَّدَ قُدرَةٍ أَو مَوهِبَةٍ. وَهٰذا السُّلطانُ هُوَ اِمتِدادٌ لِسُلطانِ المَسيحِ نَفسِهِ. فَالرُّسُلُ لا يَعمَلونَ بِقُوَّتِهِم الذّاتِيَّةِ، بَل بِالسُّلطانِ الَّذي نالوهُ مِنَ الرَّبِّ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ هيلاريوس البواتيي أَنَّ “المَسيحَ أَعطاهُم سُلطانَهُ لِيَكونوا صُورَةً لِحُضورِهِ في العالَمِ” (PL 9, 967).

أَمَّا عِبارَةُ “يَطرُدونَ بِهِ الأَرواحَ النَّجِسَةَ” فَتُشيرُ إِلى أَوَّلِ مَظاهِرِ مَلَكوتِ اللهِ. وَيَرِدُ الفِعلُ اليونانيُّ ἐκβάλλειν وَمَعناهُ “«يَطرُدُ بِقُوَّةٍ” أَو “يُخرِجُ إِلى الخارِجِ”.

أَمَّا “الأَرواحُ النَّجِسَةُ” فَتَرِدُ بِاللَّفظِ اليونانيِّ πνεύματα ἀκάθαρτα، أَي الأَرواحُ الشِّرِّيرَةُ المُعادِيَةُ لِمَلَكوتِ اللهِ. وَإِعطاءُ الرُّسُلِ هٰذا السُّلطانَ يَعني مُشارَكَتَهُم في مَعركَةِ المَسيحِ ضِدَّ الشَّيطانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإِسكندريّ: “إِنَّ المَسيحَ أَعطى تَلاميذَهُ سُلطانًا عَلَى الشَّياطينِ لِيُظهِرَ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ قَد بَدَأَ يَنتَصِرُ عَلَى قُوَّاتِ الظُّلمَةِ” (PG 72, 413)).

وَأَمَّا عِبارَةُ “وَيَشفونَ النّاسَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ” فَتُظهِرُ أَنَّ الخَلاصَ الَّذي أَتى بِهِ المَسيحُ يَشمَلُ الإِنسانَ كُلَّهُ: جَسَدًا وَنَفسًا وَرُوحًا. وَيَرِدُ الفِعلُ اليونانيُّ θεραπεύειν، وَيَعني “يُعالِجُ وَيُعيدُ إِلى الصِّحَّةِ”. فَالشِّفاءُ في الإِنجيلِ لَيسَ مُجرَّدَ عَمَلٍ طِبِّيٍّ، بَل عَلامَةٌ عَلَى حُضورِ مَلَكوتِ اللهِ وَانكِسارِ سُلطانِ الشَّرِّ وَالخَطيئَةِ.  وَيُشيرُ اللَّفظانِ اليونانيّانِ νόσος  “مَرَض”  وَμαλακία  “عِلَّة” او ضَعف، وَهَن) إِلى جَميعِ أَشكالِ الضُّعفِ الإِنسانيِّ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أيرونيموس: “إِنَّ الرَّبَّ لَم يَمنَح رُسُلَهُ سُلطانًا عَلَى الأَجسادِ فَحَسب، بَل عَلَى الأَرواحِ أَيضًا، لِأَنَّ شِفاءَ النَّفسِ أَسمى مِن شِفاءِ الجَسَدِ” (PL 26, 61). وَهٰكَذا تَظهَرُ هُوِيَّةُ الرِّسالَةِ الرَّسوليَّةِ: فَهِيَ اِمتِدادٌ لِعَمَلِ يَسوعَ نَفسِهِ. فَالرُّسُلُ مَدعُوُّونَ إِلى هَدمِ مَملَكَةِ الشَّرِّ وَإِعلانِ مَلَكوتِ اللهِ، وَإِلى شِفاءِ الإِنسانِ مِن جِراحِ الخَطيئَةِ وَآثارِها. وَمِن هُنا يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “إِنَّ الراعِيَ الحَقيقيَّ يَحمِلُ في يَدِهِ عَصا التَّعليمِ وَدَواءَ الرَّحمَةِ مَعًا” (PL 77, 33). لِذٰلِكَ يَبقى السُّؤالُ قائِمًا لِكُلِّ مُؤمِنٍ: هَل أَنا مُستَعِدٌّ أَنْ أَستَجيبَ لِدَعوَةِ المَسيحِ، وَأَنْ أَكونَ أَداةً لِشِفاءِ الإِنسانِ وَبِناءِ مَلَكوتِ اللهِ في العالَم؟

10: 2 وَهذِهِ أَسْماءُ الرُّسُلِ الاثنَي عَشَرَ: أَوَّلُهُم سِمعانُ الَّذي يُقالُ لَهُ بُطرُسُ، وَأَندَراوسُ أَخوهُ، فَيَعقوبُ بنُ زَبَدى وَيوحنَّا أَخوهُ.

تُشيرُ عِبارَةُ “الرُّسُلِ الاثنَي عَشَرَ” إلى التَّسميةِ الرَّسميَّةِ لِلجَماعَةِ الَّتي اِختارَها يَسوعُ لِتَكونَ أَساسَ الكَنيسَةِ وَأَداةَ اِمتِدادِ رِسالَتِهِ في العالَم. وَتَجمَعُ هٰذِهِ العِبارَةُ بَينَ لَقَبَينِ مُهِمَّينِ في العَهدِ الجَديدِ: “الاثنا عَشَر” οἱ δώδεκα وَ”الرُّسُل” οἱ ἀπόστολοι.  وَقَد وَرَدَت هٰذِهِ الصِّيغَةُ بِشَكلٍ شِبهِ فَريدٍ في العَهدِ الجَديدِ (متى 10: 2؛ أعمال 1: 26؛ رؤيا 21: 14). أَمَّا لَفظَةُ “الرَّسول” فَتُترجِمُ الكَلِمَةَ اليونانيَّةَ ἀπόστολος أ، وَمَعناها: “المُرسَل” أَو “المُفوَّض بِسُلطانٍ”. وَفي اللُّغَةِ السُّريانيَّةِ تُرجِمَت بِكَلِمَة ܫܠܝܚܐ (شليحا) أَي “المُرسَل”. وَلا يَدلُّ اللَّقبُ عَلَى مُجرَّدِ التَّلمَذَةِ، بَل عَلَى إِرساليَّةٍ وَسُلطانٍ مُستَمَدَّينِ مِنَ المَسيحِ نَفسِهِ. وَقَد قالَ يَسوعُ لِرُسُلِهِ: “مَن يَقبَلُكُم يَقبَلُني، وَمَن يَقبَلُني يَقبَلُ الَّذي أَرسَلَني” (متى 10: 40). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: “لَم يَدعُهُم رُسُلًا إِلَّا بَعدَ أَنْ أَرسَلَهُم، لأَنَّ الكَرامَةَ لا تَكمُنُ في الاِسمِ بَل في الرِّسالَةِ الَّتي اِئتُمِنوا عَلَيها” (PG 57, 373).

أَمَّا عِبارَةُ “الاثنَي عَشَرَ” فَلَيسَت رَقمًا عَرَضيًّا، بَل تَحمِلُ دَلالَةً لاهوتيَّةً عَميقَةً. فَهِيَ تُشيرُ إِلى أَسباطِ إِسرائيلَ الاثنَي عَشَرَ، الَّذينَ تَشَكَّلَ مِنهم شَعبُ العَهدِ القَديم. وَكَما كانَ أَسباطُ إِسرائيلَ أَساسَ شَعبِ اللهِ الأَوَّلِ، كَذٰلِكَ صارَ الرُّسُلُ الاثنا عَشَرَ أَساسَ شَعبِ اللهِ الجَديدِ، أَي الكَنيسَةِ. وَقَد وَعَدَهُم يَسوعُ قائِلًا: “تَجلِسونَ أَنتُم أَيضًا عَلَى اثنَي عَشَرَ عَرشًا لِتَدينوا أَسباطَ إِسرائيلَ الاثنَي عَشَرَ” (متى 19: 28). وَيُشيرُ القِدِّيسُ إيرونيموس إِلى هٰذِهِ الرَّمزِيَّةِ قائِلًا: “كَما أَنَّ إِسرائيلَ تَأَسَّسَ عَلَى الاثنَي عَشَرَ سِبطًا، هٰكَذا الكَنيسَةُ تَأَسَّسَت عَلَى الاثنَي عَشَرَ رَسولًا” (PL 26, 64). وَقَد أَكَّدَ المَجمَعُ الفاتيكانيُّ الثّاني هٰذِهِ الحَقيقَةَ عِندَما أَعلَنَ: “كَما يُؤَلِّفُ القِدِّيسُ بُطرُسُ وَسائِرُ الرُّسُلِ جَماعَةً رَسوليَّةً واحِدَةً، كَذٰلِكَ يَرتَبِطُ الحَبرُ الرّومانيُّ خَليفَةُ بُطرُسَ وَالأَساقِفَةُ خُلَفاءُ الرُّسُلِ بَعضُهُم بِبَعضٍ” (نور الأمم، 22).

أَمَّا عِبارَةُ “أَوَّلُهُم سِمعانُ الَّذي يُقالُ لَهُ بُطرُسُ، وَأَندَراوسُ أَخوهُ، فَيَعقوبُ بنُ زَبَدى وَيوحنَّا أَخوهُ” (متى 10: 2)، فَتُشيرُ إِلى أَوَّلِ مَجموعَةٍ مِنَ الرُّسُلِ الاثنَي عَشَرَ، وَهُمُ التَّلاميذُ الأَربَعَةُ الأَوَّلونَ الَّذينَ دَعاهُم يَسوعُ لِيَتَّبِعوهُ (متى 4: 18-22). وَيُلاحَظُ أَنَّ هٰذِهِ القائِمَةَ تَبدأُ بِبُطرُسَ وَتَنتهي بِيوحنّا، مِمَّا يُظْهِرُ مَكانَةَ هٰؤُلاءِ الرُّسُلِ في الجَماعَةِ الرَّسوليَّةِ الأُولى. وَقَد وَرَدَت أَسماءُ الرُّسُلِ بِتَرتيباتٍ مُختَلِفَةٍ في الأَناجيلِ الإِزائِيَّةِ. فَيُقَدِّمُ إِنجيلُ مَرقُسَ (3: 16-19) اِبنَي زَبَدى، يَعقوبَ وَيوحنّا، مُباشَرَةً بَعدَ بُطرُسَ، لأَنَّهُما مَعَهُ يُؤَلِّفانِ الثُّلاثِيَّ المُقَرَّبَ مِن يَسوعَ، الَّذي شَهِدَ إِقامَةَ اِبنَةِ يائيرُس (مرقس 5: 37)، وَالتَّجَلِّي (مرقس 9: 2)، وَصَلاةَ جَثسَيماني (مرقس 14: 33). أَمَّا لوقا (6: 14-16) فَيَذكُرُ يوحنّا قَبلَ يَعقوبَ، رُبَّما بِسَبَبِ الدَّورِ البارِزِ الَّذي أَدّاهُ يوحنّا في الكَنيسَةِ الأُولى (أعمال 1: 13؛ 3: 1؛ 8: 14).

أَمَّا عِبارَةُ “أَوَّلُهُم” فَتُرجِمُ اللَّفظَةَ اليونانيَّةَ πρῶτος،) تُفيدُ التَّقدُّمَ وَالرِّيادَةَ) فَلا تَعني أَنَّهُ أَوَّلُ مَن دُعِيَ، بَل أَنَّهُ الأَوَّلُ في المَكانَةِ وَالخِدمَةِ.  فَبُطرُسُ يَتَصَدَّرُ دائِمًا قَوائِمَ الرُّسُلِ في العَهدِ الجَديدِ (متى 10: 2؛ مرقس 3: 16؛ لوقا 6: 14؛ أعمال 1: 13)، وَمارَسَ دَورًا قِيادِيًّا واضِحًا في الجَماعَةِ الرَّسوليَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائلًا: “وُضِعَ بُطرُسُ أَوَّلًا لا لِأَنَّهُ كانَ أَكبَرَ سِنًّا، بَل لِأَنَّهُ كانَ أَكثَرَهُم غَيرَةً وَحَماسًا، وَقَد ائتُمِنَ عَلَى إِخوَتِهِ” (PG 57, 378).

أَمَّا “سِمعانُ الَّذي يُقالُ لَهُ بُطرُسُ”، فَسِمعانُ (Σίμων) اِسمٌ عِبرانيٌّ مَعناهُ “اللهُ سَمِعَ”، وَكانَ اِبنَ يُونا (متى 16: 17)، وَمِن أَهلِ بَيتِ صَيدا (يوحنا 1: 44). وَعِندَما قَدَّمَهُ أَندَراوسُ إِلى يَسوعَ قالَ لَهُ الرَّبُّ: “أَنتَ سِمعانُ بنُ يُونا، أَنتَ تُدعَى كيفا (يوحنا 1: 42). وَ”كيفا” Κηφᾶς كَلِمَةٌ آراميَّةٌ مَعناها “صَخرَة”، وَتُرجِمَت إِلى اليونانيَّةِ بِكَلِمَة Πέτρος   بُطرُس. وَقَد ثَبَّتَ يَسوعُ هٰذا الاِسمَ الجَديدَ قائِلًا: “أَنتَ بُطرُسُ وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخرَةِ أَبني كَنيسَتي” (متى 16: 18). وَكانَ بُطرُسُ صَيّادًا في بَحرِ الجَليلِ، يَعيشُ في كَفرناحومَ مَعَ عائِلَتِهِ، وَيُستَدَلُّ عَلَى ذٰلِكَ مِن شِفاءِ يَسوعَ لِحَماتِهِ (متى 8: 14). وَيَرجِّحُ الكَثيرونَ أَنَّهُ كانَ مِن تَلاميذِ يوحنّا المَعمَدانِ قَبلَ اِتِّباعِهِ لِلمَسيحِ. وَقَد أَظهَرَ مُنذُ البِدايَةِ غَيرَةً وَحَماسًا جَعَلاهُ يَتَقَدَّمُ زُمَلاءَهُ، فَكانَ المُتَكَلِّمَ بِاسمِ الرُّسُلِ (متى 16: 16؛ يوحنا 6: 68)، وَقائِدَ الكَنيسَةِ الأُولى بَعدَ القِيامَةِ (أعمال 1-12). وَيَقُولُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس: ” لَم يُدْعَ صَخرَةً بِسَبَبِ قُوَّتِهِ البَشَرِيَّةِ، بَل لأَنَّهُ أَوَّلُ مَن اِعتَرَفَ بِصَخرَةِ الإِيمانِ بِاعتِرافِهِ بِالمَسيحِ ” (PL 15, 1677).

أَمَّا ” أَندَراوسُ” Ἀνδρέας، فَاِسمُهُ يونانيٌّ وَمَعناهُ “الرَّجُلُ الشُّجاعُ” أَو “الرَّجُلُ الحَقّ”. وَهُوَ أَخو بُطرُسَ وَمِن أَهلِ بَيتِ صَيدا (يوحنا 1: 44)، وَكانَ يَعمَلُ صَيّادًا مَعَ أَخيهِ (مرقس 1: 16-18). وَقَبلَ أَنْ يَتبَعَ يَسوعَ كانَ تِلميذًا لِيوحنّا المَعمَدانِ، الَّذي أَرشَدَهُ إِلى المَسيحِ قائلًا: “هُوَذا حَمَلُ الله” (يوحنا 1: 36). وَتَكمُنُ عَظَمَةُ أَندَراوسَ في أَنَّهُ أَوَّلُ مَن قادَ غَيرَهُ إِلى المَسيحِ، إِذ أَحضَرَ أَخاهُ سِمعانَ قائلًا: “وَجَدْنا المَسيحَ (يوحنا 1: 41). وَمِن هُنا يَراهُ الآباءُ نَموذَجًا لِلرَّسولِ الَّذي يَبدأُ رِسالَتَهُ بِقِيادَةِ أَقرَبِ النّاسِ إِلى المَسيحِ.  وَبِهٰذا يَستَحِقُّ أَنْ يُدعى أَوَّلَ المُبَشِّرينَ. كَما يَظهَرُ دَورُهُ في قِصَّةِ تَكثيرِ الأَرغِفَةِ (يوحنا 6: 8-9)، وَفي نَقلِ طَلَبِ اليونانيّينَ الرّاغِبينَ في رُؤيَةِ يَسوعَ (يوحنا 12: 20-22). وَيَذكُرُ التَّقليدُ الكَنَسيُّ أَنَّ أَندَراوسَ بَشَّرَ في اليونانِ وَاستُشهِدَ في مَدينَةِ بَطْرَة (Patras) في أَخائيَا، مَصلوبًا عَلَى صَليبٍ مُتَقاطِعٍ عَلَى شَكلِ الحَرفِ X، وَهُوَ ما يُعرَفُ اليَومَ بِـ”صَليبِ القِدِّيسِ أَندَراوس”. وَهٰكَذا تَظهَرُ في هٰذِهِ الآيَةِ أَوَّلُ نَواةٍ لِلجَماعَةِ الرَّسوليَّةِ: بُطرُسُ صاحِبُ القِيادَةِ، وَأَندَراوسُ المُبَشِّرُ الَّذي يَقودُ الآخَرينَ إِلى المَسيحِ، وَيَعقوبُ وَيوحنّا اِبنا زَبَدى اللَّذانِ سَيُصبِحانِ شاهِدَينِ مُميَّزَينِ لِمَجدِ الرَّبِّ وَآلامِهِ. وَمِن خِلالِ هٰؤُلاءِ البُسَطاءِ أَسَّسَ المَسيحُ كَنيسَتَهُ وَبَدَأَ مَسيرَةَ الإِنجيلِ إِلى أَقاصِي الأَرضِ.

أَمَّا عِبارَةُ ““يَعقوبُ بنُ زَبَدى وَيوحنَّا أَخوهُ” فَتُشيرُ إِلى الاِبنَينِ اللَّذينِ دَعاهُما يَسوعُ مَعَ أَبِيهِما زَبَدى وَهُما يُصلِحانِ شِباكَهُما عَلَى بَحرِ الجَليلِ (متى 4: 21-22). وَقَد سَمّاهُما يَسوعُ بُوانِرجِس Βοανηργές، أَي “اِبنَي الرَّعدِ” (مرقس 3: 17)، في إِشارَةٍ إِلى طَبيعَتِهِما الحَماسِيَّةِ وَغَيرَتِهِما القَوِيَّةِ، وَيَظهَرُ ذٰلِكَ عِندَما طَلَبا إِنزالَ نارٍ مِنَ السَّماءِ عَلَى السّامِرِيّينَ الَّذينَ رَفَضوا اِستِقبالَ يَسوعَ (لوقا 9: 54). غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ الغَيرَةَ تَحَوَّلَت بَعدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ إِلى حَماسٍ رَسوليٍّ وَغَيرَةٍ مُقدَّسَةٍ لِخِدمَةِ الإِنجيلِ.

أَمَّا “يَعقوبُ بنُ زَبَدى”، فَفي الأَصلِ اليونانيِّ Ἰάκωβος، وَهُوَ اِسمٌ مُشتَقٌّ مِنَ العِبرِيَّةِ יַעֲקֹב (يعقوب)، وَمَعناهُ “يَعقُب” أَو “يُمسِكُ بِالعَقِب”. وَيُعرَفُ في التَّقليدِ الكَنَسيِّ بِـ”يَعقوبِ الكَبيرِ” تَمييزًا لَهُ عَن يَعقوبَ بنِ حَلفى. وَكانَ الأَخَ الأَكبَرَ لِيوحنّا الرَّسولِ (متى 4: 21). وَكانَ يَعقوبُ مِنَ الدّائِرَةِ الدّاخِلِيَّةِ المُقَرَّبَةِ إِلى يَسوعَ مَعَ بُطرُسَ وَيوحنّا، فَشَهِدَ مَعَهُما إِقامَةَ اِبنَةِ يائيرُس (مرقس 5: 37)، وَتَجَلِّي الرَّبِّ عَلَى الجَبَلِ (متى 17: 1)، وَصَلاتَهُ في بُستانِ جَثسَيماني (متى 26: 37). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم أَنَّ يَسوعَ “اِصطَفَى هٰؤُلاءِ الثَّلاثَةَ لِيَكونوا شُهودًا عَلَى أَسرارٍ خاصَّةٍ، فَيَتَقَوَّى إِيمانُهُم وَيُقَوُّوا إِخوَتَهُم” (PG 58, 549). وَقَد خَتَمَ يَعقوبُ شَهادَتَهُ بِالاِستِشهادِ، إِذ أَمَرَ هيرودُس أَغريباس الأَوَّل بِقَتلِهِ بِالسَّيفِ (أعمال 12: 2)، حَوالَي سَنَة 44 م، فَكانَ أَوَّلَ الرُّسُلِ الاثنَي عَشَرَ الَّذينَ سَفَكوا دِماءَهُم شَهادَةً لِلمَسيحِ.

أَمَّا “يوحنَّا بنُ زَبَدى”، فَفي الأَصلِ اليونانيِّ Ἰωάννης، المُشتَقِّ مِنَ العِبرِيَّةِ יוֹחָנָן، وَمَعناهُ: “اللهُ تَحنَّنَ” أَو “اللهُ أَنعَمَ”. وَكانَ مِن أَهلِ بَيتِ صَيدا (يوحنا 1: 44)، وَيُرجَّحُ أَنَّ عائِلَتَهُ كانَت مَيّالَةً إِلى اليَسارِ النِّسبيِّ، لأَنَّ زَبَدى كانَ يَملِكُ عُمّالًا مَأجورينَ (مرقس 1: 20). وَيَبدو أَنَّ يوحنّا كانَ قَبلَ اِتِّباعِهِ لِيَسوعَ تِلميذًا لِيوحنّا المَعمَدانِ (يوحنا 1: 35-40)، ثُمَّ صارَ مِن أَوَّلِ مَن تَبِعوا المَسيحَ. وَكانَ مَعَ أَخيهِ يَعقوبَ شَريكًا لِبُطرُسَ في مِهنَةِ الصَّيدِ (لوقا 5: 10). وَقَد اِحتَلَّ يوحنّا مَكانَةً فَريدَةً في قَلبِ الرَّبِّ، حَتّى أَشارَ إِلَيهِ الإِنجيلُ الرّابِعُ بِتَعبيرِ التِّلميذِ الَّذي كانَ يَسوعُ يُحِبُّهُ (يوحنا 13: 23؛ 19: 26؛ 21: 20). وَظَلَّ أَمينًا لِلمَسيحِ في أَصعَبِ اللَّحَظاتِ، فَتَبِعَهُ إِلى دارِ رَئيسِ الكَهَنَةِ (يوحنا 18: 15)، وَوَقَفَ عِندَ الصَّليبِ حَتّى أَوصاهُ يَسوعُ بِأُمِّهِ العَذراءِ مَريَمَ (يوحنا 19: 26-27). وَكانَ يوحنّا أَوَّلَ مَن أَدرَكَ حَقيقَةَ القِيامَةِ عِندَما دَخَلَ القَبرَ الفارِغَ، “فَرَأَى وَآمَنَ” (يوحنا 20: 8). ثُمَّ صارَ مَعَ بُطرُسَ وَيَعقوبَ أَحَدَ “أَعمِدَةِ” الكَنيسَةِ الأُولى في أُورَشَليمَ (غلاطية 2: 9). وَيَنسبُ التَّقليدُ الكَنَسيُّ إِلَيهِ الإِنجيلَ الرّابِعَ، وَالرَّسائِلَ الثَّلاثَ، وَسِفرَ الرُّؤيا. وَيَذكُرُ القِدِّيسُ إيريناوس، الَّذي تَسَلَّمَ التَّقليدَ عَن طَريقِ بُوليكاربُس تِلميذِ يوحنّا، أَنَّ الرَّسولَ “أَقامَ في أَفَسُسَ حَتّى أَزمِنَةِ تَراجان” (PG 7, 848). وَبَعدَ نَفيِهِ إِلى جَزيرَةِ بَطمُسَ أَيّامَ الاِمبِراطورِ دوميتيانُس (81-96 م)، تَلَقَّى رُؤياهُ السَّماوِيَّةَ وَكَتَبَ سِفرَ الرُّؤيا (رؤيا 1: 9). وَبَعدَ اِعتِلاءِ الإمبراطورِ نِرفا العَرشَ (96-98 م) عادَ إِلى أَفَسُسَ، حَيثُ أَكمَلَ خِدمَتَهُ حَتّى وَفَاته نَحوَ سَنَةِ 100 م. وَيُعَدُّ الرَّسولُ الوَحيدُ مِنَ الاثنَي عَشَرَ الَّذي لَم يَختِم حَياتَهُ بِالاِستِشهادِ، بَل بِشَهادَةِ العُمرِ الطَّويلِ وَالأَمانَةِ لِلمَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرزنيموس: “كانَ يوحنّا يُكَرِّرُ دَومًا لِتَلاميذِهِ: يا أَبنائي، أَحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا. فَلَمّا سُئِلَ لِماذا يُكَرِّرُ هٰذِهِ الكَلِماتِ وَحدَها، أَجابَ: لأَنَّها وَصيَّةُ الرَّبِّ، وَإِذا حُفِظَت وَحدَها فَهِيَ كافِيَةٌ”(PL 26, 401). وَيُلاحَظُ أَنَّ الأَسماءَ تُذكَرُ في أَزواجٍ، مِمّا يَكشِفُ أَنَّ الرِّسالَةَ الكَنَسيَّةَ لَيسَت عَمَلًا فَردِيًّا، بَل عَمَلُ شَرِكَةٍ. فَالرَّسولُ لا يُرسَلُ وَحدَهُ، بَل ضِمنَ جَماعَةٍ تَحمِلُ مَعًا بُشرى المَلَكوت. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: “أَرادَ الرَّبُّ أَنْ يُرسِلَ تَلاميذَهُ اِثنَينِ اِثنَينِ، لِكَي يَتَعَلَّموا أَنَّ المَحبَّةَ الأَخَوِيَّةَ هِيَ أَوَّلُ شَهادَةٍ لِلإِنجيلِ” (PL 76, 1139).  وَهٰكَذا يَظهَرُ أَنَّ جَماعَةَ الرُّسُلِ الاثنَي عَشَرَ هِيَ نَواةُ إِسرائيلَ الجَديدِ، وَأَساسُ الكَنيسَةِ الرَّسوليَّةِ، وَأَنَّ دَعوَتَهُم لَم تَكُن اِمتِيازًا شَخصِيًّا، بَل خِدمَةً وَمَسؤوليَّةً مِن أَجلِ خَلاصِ العالَم.

10: 3 فَفِيلِبُّسُ وَبَرتُلُماوُسُ، وَتُوما وَمَتَّى الجابِي، وَيَعقوبُ بنُ حَلفى وَتَدَّاوُسُ

تُشيرُ عِبارَةُ “فِيلِبُّسُ” إِلى الاسْمِ اليونانيِّ Φίλιππος، وَمَعناهُ “مُحِبُّ الخَيْلِ”. وَكانَ مِن مَدينَةِ بَيْتِ صَيْدا، مَوْطِنِ بُطرُسَ وَأَندَراوُسَ (يوحنّا 1: 44). وَيَبدو أَنَّهُ كانَ مِن أَوائِلِ الَّذينَ دَعاهُم يَسوعُ مُباشَرَةً إِلى اتِّباعِهِ، إِذْ يَقولُ الإِنْجيلُ: “اِتْبَعْني” (يوحنّا 1: 43). وَما إِنِ اخْتَبَرَ شَخْصَ المَسيحِ حتّى سارَعَ إِلى دَعْوَةِ نَثَنائيلَ قائِلًا: “«وَجَدْنا الَّذي كَتَبَ عَنْهُ موسى” (يوحنّا 1: 45). وَيَظهَرُ فِيلِبُّسُ في إِنجيلِ يوحنّا بِصُورَةِ التِّلميذِ الباحِثِ عَنِ الفَهْمِ وَالتَّعَمُّقِ في الإِيمانِ. فَعِندَما أَرادَ يَسوعُ إِطْعامَ الجُموعِ سَأَلَهُ: “مِن أَيْنَ نَبْتاعُ خُبزًا لِيَأكُلَ هؤُلاءِ؟” (يوحنّا 6: 5)، مُمْتَحِنًا إِيمانَهُ. وَكَذلكَ تَوَسَّطَ لَدَى الرَّبِّ عِندَما أَرادَ بَعْضُ اليونانيّينَ رُؤْيَتَهُ (يوحنّا 12: 20-22). وَفي العَشاءِ الأَخيرِ قالَ لِيَسوعَ: “يا رَبُّ، أَرِنا الآبَ وَحَسْبُنا” (يوحنّا 14: 8)، فَكانَ جَوابُ الرَّبِّ مِن أَعْمَقِ الإِعلاناتِ اللاهوتيَّةِ في العَهْدِ الجَديدِ: “مَنْ رآني فَقَدْ رَأى الآبَ” (يوحنّا 14: 9). وَيَذكُرُ المُؤَرِّخُ الكَنَسيُّ أوسابيوسُ القَيْصَرِيُّ أَنَّ فِيلِبُّسَ بَشَّرَ في آسِيَا الصُّغرى، وَدُفِنَ في هيرابولِيس (في تركيا الحالية) (PG 20, 280).

أَمَّا عِبارَةُ “بَرتُلُماوُس“، فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ Βαρθολομαῖος، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الآراميَّةِ בר־תלמי أَي “ابْنُ تَلْمَي”. وَيُرَجِّحُ مُعْظَمُ المُفَسِّرينَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ نَثَنائيلُ المَذكورُ في إِنجيلِ يوحنّا، لأَنَّ نَثَنائيلَ يَرِدُ دائِمًا مُرْتَبِطًا بِفِيلِبُّسَ (يوحنّا 1: 45-51؛ 21: 2)، بَيْنَما لا يَرِدُ اسْمُ بَرتُلُماوُسَ في إِنجيلِ يوحنّا مُطْلَقًا. وَقَدِ امْتَدَحَهُ يَسوعُ بِقَوْلِهِ: “هُوَذا إِسْرائِيليٌّ حَقًّا لا غِشَّ فيه” (يوحنّا 1: 47). وَيَروي التَّقليدُ الكَنَسيُّ أَنَّهُ بَشَّرَ في بِلادِ الشَّرْقِ، وَخُصوصًا في أَرْمِينِيَا، وَخَتَمَ حَياتَهُ بِالشَّهادَةِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ ايرونيموس إِلى نَشاطِهِ الرَّسوليِّ في الشَّرْقِ (PL 22, 907).

أَمَّا عِبارَةُ “تُوما“، فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ Θωμᾶς، وَهِيَ تَرْجَمَةٌ لِلاسْمِ الآراميِّ תְּאוֹמָא، وَمَعناهُ “التَّوأَم”. لِذلِكَ يُضيفُ يوحنّا الإِنجيليُّ مِرارًا لَقَبَ “التَّوأَم” Δίδυμος (يوحنّا 11: 16؛ 20: 24). وَيَبْرُزُ تُوما في الإِنجيلِ شَخْصِيَّةً صَريحَةً وَصادِقَةً تَبْحَثُ عَنِ اليَقينِ. فَعِندَما قَرَّرَ يَسوعُ الذَّهابَ إِلى بَيْتِ عَنْيا قالَ: “فَلْنَمْضِ نَحْنُ أَيْضًا لِنَموتَ مَعَهُ” (يوحنّا 11: 16)، وَهِيَ عِبارَةٌ تَكشِفُ عَن مَحَبَّتِهِ العَميقَةِ لِلمَسيحِ. وَكَما سَأَلَ الرَّبَّ: “يا رَبُّ، إِنَّنا لا نَعْرِفُ إِلى أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيفَ نَعْرِفُ الطَّريقَ؟” (يوحنّا 14: 5)، فَكانَ الجَوابُ الشَّهيرُ: “أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ” (يوحنّا 14: 6). وَاشْتَهَرَ تُوما بِشَكِّهِ في القِيامَةِ (يوحنّا 20: 24-29)، غَيْرَ أَنَّ شَكَّهُ قادَهُ إِلى أَسْمَى اعْتِرافٍ بِالإِيمانِ في الأَناجيلِ: “رَبِّي وَإِلٰهي” (يوحنّا 20: 28). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوسُ قائِلًا: “«شَكَّ تُوما لِكَيْلا نَشُكَّ نَحْنُ” (PL 38, 802). وَيَشْهَدُ التَّقليدُ الكَنَسيُّ أَنَّ تُوما بَشَّرَ في فارِسَ ثُمَّ في الهِنْدِ، حَيْثُ نالَ إِكْليلَ الشَّهادَةِ.

أَمَّا عِبارَةُ “مَتَّى الجابِي“، فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ Ματθαῖος، المُشْتَقِّ مِنَ العِبْرِيَّةِ מַתִּתְיָהוּ (مَتِّتْياهو)، وَمَعناهُ “عَطِيَّةُ اللهِ”. وَقَدْ أَضافَ الإِنجيليُّ صِفَتَهُ السَّابِقَةَ “الجابِي” (ὁ τελώνης) تَواضُعًا مِنْهُ وَتَذْكيرًا بِنِعْمَةِ الدَّعْوَةِ الَّتي نَقَلَتْهُ مِن مائِدَةِ الجِبايَةِ إِلى الرِّسالَةِ الرَّسوليَّةِ. وَكانَ مَتَّى عَشَّارًا في كَفْرَناحومَ (متّى 9: 9)، وَهِيَ مِهْنَةٌ كانَتْ مَكْروهَةً عِنْدَ اليَهودِ بِسَبَبِ ارْتِباطِها بِالسُّلْطَةِ الرُّومانِيَّةِ. لَكِنَّ يَسوعَ دَعاهُ قائِلًا: “اِتْبَعْني”، فَتَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بيدا المُكَرَّمُ قائِلًا: “نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّبُّ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ فَاخْتارَهُ رَسولًا بَعْدَ أَنْ كانَ جابِيَ ضَرائِبَ” (PL 94, 562).  وَيَنْسِبُ التَّقليدُ الكَنَسيُّ إِلَيْهِ كِتابَةَ الإِنجيلِ الأَوَّلِ، الَّذي يُبْرِزُ تَحْقيقَ النُّبوءاتِ المَسيانِيَّةِ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ. يستحسن استعمال صيغة “العشّار” بدل “الجابي”عند الحديث عن مهنة متّى، لأنّها أقرب إلى المصطلح الإنجيلي التقليدي العربي.

أَمَّا عِبارَةُ “يَعقوبُ بْنُ حَلْفى“، فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ Ἰάκωβος ὁ τοῦ Ἁλφαίου، وَيُعْرَفُ تَقليديًّا بِاسْمِ “يَعقوبَ الصَّغيرِ” (مرقس 15: 40)، تَمْييزًا لَهُ عَنْ يَعقوبَ بْنِ زَبَدي. غَيْرَ أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ “يَعقوبَ أَخِي الرَّبِّ” أَو أَسْقُفِ أُورَشَليمَ الأَوَّلِ ما زالَ مَوْضِعَ نِقاشٍ بَيْنَ المُفَسِّرينَ وَالباحِثينَ. وَقَدْ وَرَدَ اسْمُهُ ضِمْنَ لَوائِحِ الرُّسُلِ الاثْنَيْ عَشَرَ (متّى 10: 3؛ مرقس 3: 18؛ لوقا 6: 15)، دُونَ أَنْ يَنْقُلَ الإِنجيلُ تَفاصيلَ كَثيرَةً عَنْ نَشاطِهِ الشَّخْصِيِّ، مِمَّا يُظْهِرُ أَنَّ عَظَمَةَ الرِّسالَةِ لا تَقُومُ عَلَى الشُّهْرَةِ بَلْ عَلَى الأَمانَةِ لِلدَّعْوَةِ.

أَمَّا عِبارَةُ “تَدَّاوُس“، فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ Θαδδαῖος وَيُدْعَى في بَعْضِ المَخْطوطاتِ Λεββαῖος، بَيْنَما يُسَمِّيهِ لوقا “يَهوذا بْنَ يَعقوبَ” (لوقا 6: 16؛ أعمال 1: 13). لِذلِكَ يَرَى مُعْظَمُ المُفَسِّرينَ أَنَّ هذِهِ الأَسْماءَ تُشيرُ إِلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ. وَلا يَرِدُ عَنْهُ في الأَناجيلِ سِوى سُؤالِهِ لِيَسوعَ أَثْناءَ العَشاءِ الأَخيرِ: “يا رَبُّ، ما الأَمْرُ حتّى إِنَّكَ تُظْهِرُ نَفْسَكَ لَنا وَلا تُظْهِرُها لِلعالَمِ؟” (يوحنّا 14: 22). وَيَكشِفُ هٰذا السُّؤالُ عَنْ تَوْقِهِ إِلى ظُهورِ مَجْدِ المَسيحِ لِلعالَمِ أَجْمَعَ. وَيَذْكُرُ التَّقليدُ الكَنَسيُّ أَنَّ تَدَّاوُسَ بَشَّرَ في سُورِيَا وَبِلادِ ما بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَخَتَمَ حَياتَهُ بِالشَّهادَةِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ ايرونيموسُ إِلى نَشاطِهِ الرَّسوليِّ في الشَّرْقِ (PL 26, 43). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ المَجْموعَةُ مِنَ الرُّسُلِ أَنَّ يَسوعَ لَمْ يَخْتَرْ أَصْحابَ النُّفوذِ أَوِ السُّلْطَةِ، بَلْ أَشْخاصًا عادِيِّينَ مُخْتَلِفي الطِّباعِ وَالخَلْفِيّاتِ. غَيْرَ أَنَّ ما جَمَعَهُمْ هُوَ الدَّعْوَةُ الإِلٰهِيَّةُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَخْتَرِ المَسيحُ حُكَماءَ العالَمِ وَلا عُظَماءَهُ، بَلْ صَيّادينَ وَعَشَّارينَ، لِكَيْ يُظْهِرَ أَنَّ قُوَّةَ الإِنجيلِ لَيْسَتْ مِنَ البَشَرِ بَلْ مِنَ اللهِ” (PG 57, 380).

10: 4 سِمعانُ الغَيورُ وَيَهوذا الإِسْخَريوطيُّ، ذاكَ الَّذي أَسلَمَهُ

تُشيرُ عِبارَةُ “سِمعانُ الغَيورُ” إِلى الرَّسولِ المَعروفِ في الأَصْلِ اليونانيِّ بِاسْمِ Σίμων ὁ Καναναῖος (متّى 10: 4)، أَو Σίμων ὁ Ζηλωτής “سِمعانُ الغَيورُ” (لوقا 6: 15؛ أَعمالُ الرُّسُلِ 1: 13). وَالاسْمُ Σίμων مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْرِيَّةِ שמעון (شِمْعون)، وَمَعناهُ “السَّامِعُ” أَو “المُسْتَجيبُ”.

أَمَّا لَقَبُ “الغَيورُ” باليونانية   Καναναῖος فَلا يَعني أَنَّهُ مِن كَنْعانَ، بَلْ هُوَ تَعْريبٌ لِلكَلِمَةِ الآراميَّةِ קנאן، أَي “الغَيورُ”، وَيُقابِلُها في اليونانيَّةِ Ζηλωτής، أَي “المُتَحَمِّسُ” أَو «الغَيورُ». وَيُرَجِّحُ بَعْضُ الباحِثينَ أَنَّ سِمعانَ كانَ قَبْلَ دَعْوَتِهِ مُنْتَمِيًا إِلى تَيّارِ الغَيورينَ اليَهودِ الَّذينَ اشْتَهَروا بِحَماسَتِهِم لِلشَّريعَةِ وَرَفْضِهِم لِلسَّيْطَرَةِ الرُّومانِيَّةِ، وَإِنْ كانَ مِنَ الصَّعْبِ الجَزْمُ بِانْتِمائِهِ الرَّسْمِيِّ إِلى الحَرَكَةِ السِّياسِيَّةِ المَعروفَةِ الَّتي ظَهَرَتْ حَوالَي سَنَةِ 6م بِقِيادَةِ يَهوذا الجَليليِّ. وَمِنَ اللاَّفِتِ أَنَّ المَسيحَ جَمَعَ في جَماعَةِ الرُّسُلِ أَشْخاصًا مِنِ اتِّجاهاتٍ مُتَبايِنَةٍ؛ فَسِمعانُ الغَيورُ الَّذي يَميلُ إِلى النَّزْعَةِ الوَطَنِيَّةِ المُتَشَدِّدَةِ، وَمَتَّى العَشَّارُ المُتَعاوِنُ سابِقًا مَعَ السُّلْطَةِ الرُّومانِيَّةِ، يَجْلِسانِ مَعًا في مَدْرَسَةِ الإِنجيلِ. وَهكَذا يُظْهِرُ يَسوعُ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ يَتَجاوَزُ الانْقِساماتِ السِّياسِيَّةَ وَالاجْتِماعِيَّةَ، وَيَخْلُقُ وَحْدَةً جَديدَةً أَساسُها الإِيمانُ وَالمَحَبَّةُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَقَدْ جَمَعَ المَسيحُ رِجالًا مُخْتَلِفينَ جِدًّا في الطِّباعِ وَالخَلْفِيّاتِ، لِكَيْ يُظْهِرَ أَنَّ قُوَّةَ الوَحْدَةِ تَأْتي مِن نِعْمَتِهِ لا مِنِ اتِّفاقِهِمُ الطَّبيعيِّ” (PG 57, 381). وَلا يُقَدِّمُ العَهْدُ الجَديدُ تَفاصيلَ كَثيرَةً عَنْ خِدْمَةِ سِمعانَ بَعْدَ العَنْصَرَةِ، لٰكِنَّ التَّقْليدَ الكَنَسيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ بَشَّرَ في مِصْرَ وَسُورِيَا وَبِلادِ ما بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَرُبَّما في فارِسَ، حَيْثُ نالَ إِكْليلَ الشَّهادَةِ. غَيْرَ أَنَّ تَفاصيلَ اسْتِشْهادِهِ تَبْقى ضِمْنَ نِطاقِ التَّقْليدِ الكَنَسيِّ المُتَأَخِّرِ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِها حَقائِقَ تاريِخيَّةً مُؤَكَّدَةً.

أَمَّا عِبارَةُ “يَهوذا الإِسْخَريوطيُّ“، فَالاسْمُ Ἰούδας مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْرِيَّةِ יהודה (يَهوذا)، وَمَعناهُ “الحَمْدُ” أَو “المَحْمودُ”. أَمَّا لَقَبُهُ “ الإِسْخَريوطيُّ“، Ἰσκαριώτης فَقَدْ تَعَدَّدَتِ التَّفْسيراتُ بِشَأْنِهِ. وَالتَّفْسيرُ الأَكْثَرُ قَبولًا بَيْنَ المُفَسِّرينَ يَرْبِطُهُ بِالعِبارَةِ العِبْرِيَّةِ אִישׁ קְרִיּוֹת، أَي “رَجُلُ قِرْيوث”، وَهِيَ بَلْدَةٌ في جَنوبيِّ اليَهودِيَّةِ (يشوع 15: 25). وَبِذلِكَ يَكونُ يَهوذا الإِسْخَريوطيُّ الرَّسولَ الوَحيدَ بَيْنَ الاثْنَيْ عَشَرَ الَّذي لَمْ يَكُنْ مِنَ الجَليلِ. وَقَدِ اقْتُرِحَتْ تَفْسيراتٌ أُخْرى، مِثْلُ رَبْطِ الاسْمِ بِجَماعَةِ الغَيورينَ أَو بِحَمْلِ كيسِ المالِ، إِلَّا أَنَّ هٰذِهِ الآراءَ تَبْقى أَقَلَّ قَبولًا مِنَ التَّفْسيرِ الجُغْرافيِّ.

أَمَّا عِبارَةُ “ذاكَ الَّذي أَسْلَمَهُ” فَتُشيرُ إِلى الحَدَثِ المَأْساوِيِّ الَّذي خَتَمَ مَسيرَةَ يَهوذا. فَالفِعْلُ اليونانيُّ παραδιδόναι لا يَعني فَقَطْ “يَخونُ”، بَلْ أَيْضًا “يُسَلِّمُ” أَو “يُسَلِّمُ إِلى يَدِ الآخَرينَ”. وَيَسْتَخْدِمُهُ مَتّى هُنا اسْتِباقًا لِرِوايَةِ آلامِ المَسيحِ وَمَوْتِهِ. وَمِنَ المُؤْلِمِ أَنَّ يَهوذا كانَ مِنَ الَّذينَ اخْتارَهُمُ الرَّبُّ شَخْصِيًّا، وَسَمِعوا تَعْليمَهُ، وَشاهَدوا مُعْجِزاتِهِ، وَنالوا السُّلْطانَ الرَّسوليَّ نَفْسَهُ الَّذي نالَهُ سائِرُ الرُّسُلِ (متّى 10: 1). وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَحْفَظْ قَلْبَهُ في شَرِكَةِ المَحَبَّةِ مَعَ المَسيحِ. لِذلِكَ يَرَى الآباءُ في شَخْصِهِ تَحْذيرًا دائِمًا لِكُلِّ خادِمٍ في الكَنيسَةِ مِن خَطَرِ السُّقوطِ رَغْمَ الامْتِيازاتِ الرُّوحِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “كانَ يَهوذا بَيْنَ الرُّسُلِ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الرُّسُلِ في قَلْبِهِ؛ كانَ قَريبًا مِنَ النُّورِ، لٰكِنَّهُ أَحَبَّ الظُّلْمَةَ” (PL 35, 1760). وَيُضيفُ القِدِّيسُ ايرونيموس: “إِنَّ ذِكْرَ يَهوذا بَيْنَ الرُّسُلِ يُعَلِّمُنا أَلَّا نَفْتَخِرَ بِامْتِيازاتِنا، بَلْ أَنْ نَخافَ السُّقوطَ وَنُثابِرَ في الأَمانَةِ” (PL 26, 65). وَتُظْهِرُ قائِمَةُ الرُّسُلِ الاثْنَيْ عَشَرَ أَنَّ يَسوعَ لَمْ يَبْحَثْ عَنْ أَصْحابِ النُّفوذِ أَوِ الثَّقافَةِ أَوِ المَكانَةِ الاجْتِماعِيَّةِ، بَلْ عَنْ أَشْخاصٍ مُسْتَعِدِّينَ لِتَرْكِ كُلِّ شَيْءٍ وَاتِّباعِهِ. فَقَدْ ضَمَّتِ الجَماعَةُ الرَّسوليَّةُ صَيّادينَ، وَعَشَّارينَ، وَغَيورينَ، وَأَشْخاصًا بُسَطاءَ مِن خَلْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لٰكِنَّ نِعْمَةَ المَسيحِ وَحَّدَتْهُمْ وَجَعَلَتْ مِنْهُمْ أَساسَ الكَنيسَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “اخْتارَ الرَّبُّ غَيْرَ المُتَعَلِّمينَ لِيُخْزِيَ حُكَماءَ العالَمِ، حتّى يُنْسَبَ نَجاحُ البِشارَةِ إِلى قُدْرَةِ اللهِ لا إِلى حِكْمَةِ البَشَرِ” (PL 76, 1139). وَهكَذا تَحَوَّلَ هؤُلاءِ الرِّجالُ مِن تَلاميذَ بُسَطاءَ إِلى رُسُلٍ لِلعالَمِ كُلِّهِ، يَحْمِلونَ الإِنجيلَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَيُواصِلونَ رِسالَةَ المَسيحِ نَفْسَها: إِعْلانَ مَلَكوتِ اللهِ، وَطَرْدَ قُوَى الشَّرِّ، وَشِفاءَ الإِنْسانِ جَسَدًا وَنَفْسًا وَرُوحًا.

10: 5 هٰؤُلاءِ الاثْنا عَشَرَ أَرْسَلَهُم يَسوعُ وَأَوْصاهُم قائِلًا: “لا تَسْلُكوا طَريقًا إِلى الوَثَنِيِّينَ وَلا تَدْخُلوا مَدينَةً لِلسَّامِرِيِّينَ” (متّى 10: 5).

تُشيرُ عِبارَةُ “أَرْسَلَهُم” إِلى بِدايَةِ الإِرْسالِيَّةِ الرَّسوليَّةِ الأُولى. وَالفِعْلُ اليونانيُّ ἀπέστειλεν مُشْتَقٌّ مِنَ الجَذْرِ ἀποστέλλω، وَمَعناهُ “يُرْسِلُ” أَو “يُوفِدُ بِمُهِمَّةٍ رَسْمِيَّةٍ”. وَمِنْ هٰذا الجَذْرِ جاءَتْ كَلِمَةُ ἀπόστολος، أَي “الرَّسولُ” أَو “المُرْسَلُ”. وَهٰكَذا، فَالرُّسُلُ لَيْسوا أَصْحابَ رِسالَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ يَحْمِلونَ رِسالَةَ المَسيحِ نَفْسِهِ وَسُلْطانَهُ. وَيَكْشِفُ إِنْجيلُ متّى عَنْ تَسَلْسُلٍ لاهوتيٍّ مُهِمٍّ: فَالمَسيحُ دَعا التَّلاميذَ، ثُمَّ اخْتارَهُم، ثُمَّ أَرْسَلَهُم. وَهٰذِهِ الأَفْعالُ الثَّلاثَةُ، أَي الدَّعْوَةُ وَالاخْتِيارُ وَالإِرْسالُ، تُعَبِّرُ عَنِ المُبادَرَةِ الإِلٰهِيَّةِ في كُلِّ دَعْوَةٍ رَسوليَّةٍ. فَكَما أَنَّ الابْنَ أُرْسِلَ مِنَ الآبِ: “لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَمُ” (يوحنّا 3: 17)، كَذٰلِكَ يُرْسِلُ الابْنُ رُسُلَهُ إِلى العالَمِ. وَمِنْ هُنا يَبْرُزُ المَبْدَأُ الإِنْجيليُّ: “مَنْ يَقْبَلُكُم يَقْبَلُني، وَمَنْ يَقْبَلُني يَقْبَلُ الَّذي أَرْسَلَني” (متّى 10: 40). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يُرْسِلْهُم قَبْلَ أَنْ يُهَيِّئَهُم، وَلَمْ يُهَيِّئْهُم لِيَبْقَوْا عِنْدَهُ، بَلْ لِيَذْهَبوا إِلى العالَمِ حامِلينَ قُوَّتَهُ وَتَعْليمَهُ” (PG 57, 379).

أَمَّا عِبارَةُ “أَوْصاهُم” فَالفِعْلُ اليونانيُّ هُوَ παρήγγειλεν، مِنَ الفِعْلِ παραγγέλλω، وَمَعناهُ “أَوْصى” أَو “أَعْطى أَمْرًا رَسْمِيًّا”. وَيُسْتَعْمَلُ هٰذا الفِعْلُ في السِّياقِ العَسْكَرِيِّ لِلإِشارَةِ إِلى أَوامِرِ القائِدِ لِجُنودِهِ، كَما يُسْتَعْمَلُ في التَّعْليمِ لِلإِشارَةِ إِلى تَوْجيهاتِ المُعَلِّمِ لِتَلاميذِهِ. لِذٰلِكَ يَتَكَلَّمُ يَسوعُ هُنا بِسُلْطانِ الرَّبِّ وَالمُعَلِّمِ وَالمَلِكِ في آنٍ واحِدٍ. وَيُعَلِّمُ التَّعْليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ أَنَّ الرُّسُلَ تَسَلَّموا مِنَ المَسيحِ وَديعَةَ الإِيمانِ وَرِسالَةَ الخَلاصِ، لِيَحْفَظوها وَيَنْقُلوها إِلى الأَجْيالِ اللّاحِقَةِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ (التَّعْليمُ المَسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكيَّة، 75-77).

أَمَّا عِبارَةُ “لا تَسْلُكوا طَريقًا إِلى الوَثَنِيِّينَ وَلا تَدْخُلوا مَدينَةً لِلسَّامِرِيِّينَ” فَتُشيرُ إِلى الطَّابَعِ المَرْحَلِيِّ لِهٰذِهِ الإِرْسالِيَّةِ. فَالمَسيحُ لا يَسْتَثْني الأُمَمَ أَوِ السَّامِرِيِّينَ مِنَ الخَلاصِ، بَلْ يَبْدَأُ أَوَّلًا بِبَيْتِ إِسْرائيلَ تَحْقيقًا لِمَواعيدِ اللهِ لِشَعْبِ العَهْدِ القَديمِ. لِذٰلِكَ يُصَرِّحُ بَعْدَ قَليلٍ: “اِذْهَبوا بِالأَحْرى إِلى الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” (متّى 10: 6). إِنَّ هٰذِهِ الأَوْلَوِيَّةَ التّاريخِيَّةَ لا تَعْني حَصْرَ الخَلاصِ بِاليَهودِ، بَلْ تُعَبِّرُ عَنْ تَدْبيرِ اللهِ الخَلاصيِّ الَّذي يَبْدَأُ بِإِسْرائيلَ ثُمَّ يَمْتَدُّ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ. لِذٰلِكَ سَيُعْلِنُ الرَّبُّ بَعْدَ القِيامَةِ الإِرْسالِيَّةَ الشّامِلَةَ: “اِذْهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَمِ” (متّى 28: 19). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “بَدَأَتِ البِشارَةُ بِإِسْرائيلَ لِكَيْ لا يَكونَ لَهُم عُذْرٌ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلى الأُمَمِ عِندَما رَفَضَ كَثيرونَ مِنهُم نِعْمَةَ المَسيحِ” (PL 26, 62).

أَمَّا عِبارَةُ “الوَثَنِيِّينَ” فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ τὰ ἔθνη، أَي “الأُمَمُ”. وَكانَتْ هٰذِهِ التَّسْمِيَةُ تُطْلَقُ عِنْدَ اليَهودِ عَلى جَميعِ الشُّعوبِ غَيْرِ اليَهودِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ إِنْجيلَ متّى يَنْتَهي بِإِعْلانِ دُخولِ هٰذِهِ الأُمَمِ إِلى شَعْبِ اللهِ الجَديدِ: “اِذْهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَمِ” (متّى 28: 19).

وَأَمَّا عِبارَةُ “السَّامِرِيِّينَ” فَتُشيرُ إِلى سُكّانِ مِنْطَقَةِ السَّامِرَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ الجَليلِ وَاليَهودِيَّةِ. وَقَدْ نَشَأَتْ جَماعَتُهُم بَعْدَ سُقوطِ مَمْلَكَةِ إِسْرائيلَ الشَّمالِيَّةِ سَنَةَ 722 ق.م.، نَتيجَةَ اخْتِلاطِ السُّكّانِ الباقينَ بِالأَقْوامِ الَّتي جَلَبَها الآشورِيّونَ (2 ملوك 17: 24-41). وَكانَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ اليَهودِ عَداءٌ دينيٌّ وَتاريخيٌّ طَويلٌ، إِذْ أَقامَ السَّامِرِيّونَ هَيْكَلَهُم عَلى جَبَلِ جِرِزّيمَ، بَيْنَما كانَ اليَهودُ يَعْتَبِرونَ أُورَشَليمَ وَحْدَها المَكانَ الشَّرْعيَّ لِلعِبادَةِ (يوحنّا 4: 20). لٰكِنَّ يَسوعَ بَدَأَ مُنْذُ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ في إِزالَةِ هٰذا الحاجِزِ التّاريخيِّ، فَامْتَدَحَ السَّامِرِيَّ الصّالِحَ (لوقا 10: 30-37)، وَكَشَفَ ذاتَهُ لِلمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ (يوحنّا 4)، ثُمَّ أَوْصى بَعْدَ القِيامَةِ بِأَنْ تَمْتَدَّ الشَّهادَةُ إِلى السَّامِرَةِ أَيْضًا: “وَتَكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وَفي كُلِّ اليَهودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلى أَقاصي الأَرْضِ” (أَعمالُ الرُّسُلِ 1: 8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “لَقَدْ أُرْسِلَ الرُّسُلُ أَوَّلًا إِلى اليَهودِ لأَنَّهُمُ الأَصْلُ، ثُمَّ إِلى السَّامِرِيِّينَ لأَنَّهُمُ الجيرانُ، ثُمَّ إِلى الأُمَمِ لأَنَّ المَسيحَ جاءَ لِيَجْمَعَ العالَمَ كُلَّهُ في كَنيسَةٍ واحِدَةٍ” (PL 38, 531). وَهٰكَذا تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الرِّسالَةَ المَسيحيَّةَ تَبْدَأُ مِنَ القَريبِ قَبْلَ البَعيدِ، وَمِنَ البَيْتِ قَبْلَ العالَمِ، لٰكِنَّها لا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدودِ قَوْمٍ أَو شَعْبٍ. فَالإِنْجيلُ الَّذي بَدَأَ في إِسْرائيلَ امْتَدَّ إِلى أَقاصي الأَرْضِ. وَمِنْ هُنا يَبْقى مَبْدَأُ الإِرْسالِيَّةِ قائِمًا في الكَنيسَةِ: أَنْ تَبْدَأَ الشَّهادَةُ لِلمَسيحِ مِنَ البِيئَةِ القَريبَةِ، ثُمَّ تَمْتَدَّ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ وَالأُمَمِ.

10: 6 بَلِ اذْهَبوا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ

تُشيرُ عِبارَةُ “بَلِ اذْهَبوا” إِلى تَحْديدِ مَجالِ الإِرْسالِيَّةِ الأُولى وَتَوْجيهِها. فَبَعْدَ أَنْ أَوْصى يَسوعُ تَلاميذَهُ أَلَّا يَتَوَجَّهوا في هٰذِهِ المَرْحَلَةِ إِلى الأُمَمِ أَوِ السَّامِرِيِّينَ، حَدَّدَ لَهُمْ مَيْدانَ رِسالَتِهِمُ الأَوَّلَ: “الخِرافُ الضَّالَّةُ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ”. وَلا يَعْني هٰذا اسْتِبْعادَ الأُمَمِ مِنْ مَشْروعِ الخَلاصِ، بَلْ يُظْهِرُ التَّدَرُّجَ التّاريخيَّ في تَدْبيرِ اللهِ الخَلاصيِّ، إِذْ تَبْدَأُ البِشارَةُ بِالشَّعْبِ الَّذي أُعْطِيَتْ لَهُ المَواعيدُ وَالعُهودُ وَالنُّبوءاتُ، ثُمَّ تَمْتَدُّ إِلى جَميعِ الأُمَمِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ بولُسُ هٰذا التَّرْتيبَ بِقَوْلِهِ: “إِنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِخَلاصِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِليَهودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِليونانِيِّ” (رومة 1: 16). فَلَمْ يَكُنِ اخْتِيارُ إِسْرائيلَ أَوَّلًا امْتِيازًا قَوْمِيًّا، بَلْ مَسؤُولِيَّةً تاريِخيَّةً في إِطارِ خُطَّةِ اللهِ الخَلاصيَّةِ.

أَمَّا الفِعْلُ “اذْهَبوا” فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ πορεύεσθε، وَهُوَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ المُسْتَمِرَّةِ وَالرِّسالَةِ الدّائِمَةِ، لا عَلى انْتِقالٍ جُغْرافيٍّ فَحَسْب. فَالتِّلْميذُ مَدْعُوٌّ إِلى الخُروجِ مِنْ ذاتِهِ وَمِنْ دائِرَةِ راحَتِهِ، لِيَحْمِلَ كَلِمَةَ اللهِ إِلى الآخَرينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَقَدْ أَرْسَلَهُمْ أَوَّلًا إِلى اليَهودِ لأَنَّهُمْ كانُوا أَكْثَرَ اسْتِعْدادًا لِقَبولِ النُّبوءاتِ الَّتي سَبَقَ أَنْ سَمِعوها، وَلِكَيْ لا يَقُولوا إِنَّهُمْ حُرِموا مِنْ سَماعِ البِشارَةِ” (PG 57, 382).

أَمَّا عِبارَةُ “الخِرافِ الضَّالَّةِ” فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ τὰ πρόβατα τὰ ἀπολωλότα، أَي “الخِرافُ الضّائِعَةُ” أَو “الهالِكَةُ”. وَالفِعْلُ ἀπόλλυμι لا يَعْني مُجَرَّدَ الضَّياعِ المَكانيِّ، بَلْ يُشيرُ إِلى حالَةِ الضَّياعِ الرُّوحيِّ وَالابْتِعادِ عَنِ اللهِ. وَتَسْتَعيدُ هٰذِهِ الصُّورَةُ تَقْليدَ العَهْدِ القَديمِ، حَيْثُ يُشَبَّهُ شَعْبُ اللهِ بِالخِرافِ، وَيُشَبَّهُ اللهُ بِالرّاعي. وَقَدْ وَبَّخَ الأَنْبِياءُ رُعاةَ إِسْرائيلَ غَيْرَ الأُمَناءِ الَّذينَ أَهْمَلوا القَطيعَ، فَقالَ الرَّبُّ عَلى لِسانِ حَزْقِيالَ: “ضَلَّتْ غَنَمي في جَميعِ الجِبالِ … وَلا أَحَدَ يَبْحَثُ عَنْها” (حزقيال 34: 6). ثُمَّ وَعَدَ قائِلًا: “هاءَنَذا أَنا أَطْلُبُ غَنَمي وَأَفْتَقِدُها” (حزقيال 34: 11). وَيَرَى الآباءُ أَنَّ يَسوعَ يُعْلِنُ هُنا أَنَّهُ الرّاعي الإِلٰهيُّ المُنْتَظَرُ الَّذي جاءَ لِيُتَمِّمَ هٰذِهِ النُّبوءَةَ. وَيَقولُ القِدِّيسُ كيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ: “المَسيحُ هُوَ الرّاعي الحَقيقيُّ الَّذي جاءَ يَبْحَثُ عَنِ الخَروفِ الضّالِّ، لا بِعَصا السُّلْطَةِ بَلْ بِمَحَبَّةِ الفادي” (PG 72, 589).

إنَّ صُورَةَ “الخِرافِ الضَّالَّةِ” تَرْتَبِطُ ارْتِباطًا وَثيقًا بِما سَبَقَها في خاتِمَةِ الفَصْلِ التّاسِعِ، حَيْثُ يَقولُ الإِنْجيلُ عَن يَسوعَ: “فَلَمَّا رَأَى الجُموعَ أَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِم، لأَنَّهُمْ كانوا مُنْهَكِينَ وَمُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها” (متّى 9: 36). فَالإِنْجِيلِيُّ مَتّى لا يَنْتَقِلُ مِنْ مَشْهَدٍ إِلى آخَرَ انْتِقالًا عَرَضِيًّا، بَلْ يُقَدِّمُ تَطَوُّرًا مَنْطِقِيًّا وَلاهوتِيًّا مُتَرابِطًا. فَشَفَقَةُ يَسوعَ عَلى الجُموعِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شُعورٍ عاطِفِيٍّ، بَلْ تَقودُهُ إِلى العَمَلِ الخَلاصيِّ. فَبَعْدَ أَنْ رَأَى بُؤْسَ الشَّعْبِ وَضَياعَهُ الرُّوحيَّ، دَعا الاثْنَيْ عَشَرَ وَمَنَحَهُم سُلْطانَهُ وَأَرْسَلَهُم إِلى “الخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” (متّى 10: 6). وَهٰكَذا يَأْتي إِرْسالُ الرُّسُلِ جَوابًا عَمَلِيًّا عَلى حاجاتِ الشَّعْبِ الَّتي شاهَدَها المَسيحُ بِنَفْسِهِ. وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الفَصْلَ العاشِرَ هُوَ الامْتِدادُ الطَّبيعِيُّ لِخاتِمَةِ الفَصْلِ التّاسِعِ. فَالخِرافُ الَّتي لا راعِيَ لَها في مَتّى 9: 36 تُصْبِحُ هِيَ نَفْسَها “الخِرافَ الضَّالَّةَ” الَّتي يُرْسَلُ الرُّسُلُ لِخِدْمَتِها في مَتّى 10: 6. وَبِذٰلِكَ يَتَّضِحُ أَنَّ الإِرْسالِيَّةَ الرَّسوليَّةَ لا تَنْبَعُ مِنْ مُبادَرَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ مِنْ قَلْبِ المَسيحِ الرَّاعي الصّالِحِ الَّذي يَرَى احْتِياجَ الشَّعْبِ وَيُبادِرُ إِلى تَلْبِيَتِهِ. وَقَدْ رَأَى الآباءُ في هٰذا الرَّبْطِ تَحْقيقًا لِنُبُوءَةِ حَزْقِيالَ عَنِ الرّاعي الإِلٰهيِّ الَّذي يَبْحَثُ عَنْ خِرافِهِ الضّائِعَةِ. فَيَقولُ الرَّبُّ: “هاءَنَذا أَنا أَطْلُبُ غَنَمي وَأَفْتَقِدُها” (حَزْقِيال 34: 11). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَكْتَفِ المَسيحُ بِأَنْ يَشْفِقَ عَلى الجُموعِ، بَلْ جَعَلَ تَلاميذَهُ شُرَكاءَ في رِعايَتِهِ لَهُمْ، لِكَيْ يَمْتَدَّ عَمَلُ الرّاعي إِلى جَميعِ الخِرافِ الضّالَّةِ” (PG 57, 381).

أَمَّا عِبارَةُ “مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” فَتُشيرُ إِلى شَعْبِ العَهْدِ القَديمِ، أَبْناءِ إِبراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقوبَ، الَّذينَ تَسَلَّموا الشَّريعَةَ وَالأَنْبِياءَ وَانْتَظَروا مَجيءَ المَسيحِ. لٰكِنَّ يَسوعَ يَرَى أَنَّ كَثيرينَ مِنْهُمْ صاروا كَخِرافٍ بِلا راعٍ (متّى 9: 36)، بِسَبَبِ ضَعْفِ القِيادَةِ الدّينِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ في زَمَنِهِ. وَمِنْ هُنا نَفْهَمُ قَوْلَهُ: “إِنِّي لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلى الخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” (متّى 15: 24). فَالمَسيحُ يَبْدَأُ بِإِسْرائيلَ لأَنَّهُ شَعْبُ المَوْعِدِ، لٰكِنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، إِذْ سَتَنْفَتِحُ الرِّسالَةُ لاحِقًا عَلى العالَمِ كُلِّهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “لَقَدْ بَدَأَتِ البِشارَةُ بِإِسْرائيلَ، لٰكِنَّها لَمْ تُحْصَرْ فيهِ، لأَنَّ المَسيحَ جاءَ لِيَجْمَعَ في كَنيسَةٍ واحِدَةٍ أَبْناءَ اللهِ المُتَفَرِّقينَ” (PL 26, 64). وَيَظْهَرُ هٰذا التَّطَوُّرُ بِوُضوحٍ في خِتامِ الإِنجيلِ، حَيْثُ يُوَسِّعُ الرَّبُّ آفاقَ الرِّسالَةِ قائِلًا: “فَاذْهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَمِ” (متّى 28: 19). وَهٰكَذا تَنْتَقِلُ الكَنيسَةُ مِنْ إِرْسالِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ إِلى إِرْسالِيَّةٍ كَوْنِيَّةٍ، وَمِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ إِلى أَقاصِي الأَرْضِ. وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الآيَةُ بُعْدًا رَعَوِيًّا دائِمًا. فَقَبْلَ أَنْ تَنْطَلِقَ الكَنيسَةُ إِلى البَعيدِ، عَلَيْها أَنْ تَبْحَثَ عَنِ “الخِرافِ الضَّالَّةِ” القَريبَةِ مِنْها: الَّذينَ ابْتَعَدوا عَنِ الإِيمانِ، أَو جُرِحوا مِنَ الحَياةِ، أَو فَقَدوا الرَّجاءَ. فَالإِرْسالِيَّةُ الحَقيقيَّةُ تَبْدَأُ دائِمًا بِالبَحْثِ عَنِ الضّائِعِ وَإِعادَتِهِ إِلى حِضْنِ الرّاعي الصّالِحِ. وَيَقولُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ: “عَلَى الرّاعي أَنْ يُفَتِّشَ أَوَّلًا عَنِ الخَروفِ الضّالِّ قَبْلَ أَنْ يَفْتَخِرَ بِعَدَدِ الخِرافِ الباقِيَةِ في الحَظيرَةِ” (PL 77, 33). وَهٰكَذا تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ قَلْبَ المَسيحِ الرّاعي الصّالِحِ، الَّذي لا يَكْتَفي بِالقَطيعِ المَوْجودِ، بَلْ يَخْرُجُ باحِثًا عَنِ الضّائِعِ، وَيُشْرِكُ تَلاميذَهُ في رِسالَتِهِ الخَلاصيَّةِ، لِكَيْ يَجْمَعَ الجَميعَ في قَطيعٍ واحِدٍ وَراعٍ واحِدٍ (يوحنّا 10: 16).

10: 7 وَأَعْلِنوا في الطَّريقِ أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكوتُ السَّمَواتِ

تُشيرُ عِبارَةُ “وَأَعْلِنوا” إِلى جَوْهَرِ الرِّسالَةِ الرَّسوليَّةِ وَمَحْوَرِها الأَساسيِّ. فَالفِعْلُ اليونانيُّ κηρύσσετε مُشْتَقٌّ مِنَ الفِعْلِ κηρύσσω، وَمَعناهُ “يُكَرِزُ” أَو “يُنادي كَمُنادٍ رَسْمِيٍّ”. وَكانَ المُنادي في العالَمِ القَديمِ يَنْقُلُ أَوامِرَ المَلِكِ وَإِرادَتَهُ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِاسْمِهِ الشَّخْصِيِّ. وَهٰكَذا فَالرُّسُلُ لا يَحْمِلونَ رِسالَةً مِنْ عِنْدِهِم، بَلْ يُعْلِنونَ ما تَسَلَّموهُ مِنَ المَسيحِ وَيَنْقُلونَ سُلْطانَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَقُلْ لَهُمْ ناقِشوا أَو جادِلوا، بَلِ اكْرِزوا، لأَنَّهُمْ سُفَراءُ المَلِكِ السَّماويِّ” (PG 57, 383).

أَمَّا عِبارَةُ “في الطَّريقِ” فَتُشيرُ إِلى الطَّابَعِ المُتَحَرِّكِ لِلإِرْسالِيَّةِ. فَالبِشارَةُ لا تَنْتَظِرُ النّاسَ في مَكانٍ ثابِتٍ، بَلْ تَخْرُجُ إِلَيْهِم حَيْثُ يَعيشونَ. وَمِنْذُ نَشْأَتِها ظَلَّتِ الكَنيسَةُ كَنيسَةً مُرْسَلَةً تَسيرُ في طُرُقِ العالَمِ حامِلَةً بُشْرى الخَلاصِ. لِذٰلِكَ لَمْ يَكُنِ التَّلاميذُ مَدْعُوِّينَ إِلى بِناءِ جَماعاتٍ مُغْلَقَةٍ، بَلْ إِلى الانْطِلاقِ نَحْوَ الآخَرينَ.

أَمَّا عِبارَةُ “قَدِ اقْتَرَبَ” فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ ἤγγικεν، وَهُوَ فِعْلٌ في صِيغَةِ التّامِّ مِنَ الفِعْلِ ἐγγίζω (يَقْتَرِبُ). وَلا يَدُلُّ عَلى اقْتِرابِ حَدَثٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ فَحَسْب، بَلْ عَلى وَاقِعٍ بَدَأَ حُضورُهُ وَما زالَتْ آثَارُهُ مُسْتَمِرَّةً. فَالمَلَكوتُ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَعْدٍ آتٍ، بَلْ حَقيقَةٌ بَدَأَتْ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ وَأَعْمالِهِ وَتَعْليمِهِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ يوحنّا المَعْمَدانُ التَّعْبيرَ نَفْسَهُ: “توبوا، فَقَدِ اقْتَرَبَ مَلَكوتُ السَّمَواتِ” (متّى 3: 2)، ثُمَّ كَرَّرَهُ يَسوعُ في بِدايَةِ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ (متّى 4: 17). وَها هُوَ الآنَ يُسَلِّمُهُ لِتَلاميذِهِ لِيُصْبِحَ مَضْمونَ كِرازَتِهِمُ الأَساسيَّ. وَيُلاحَظُ أَنَّ كِرازَةَ يوحنّا وَيَسوعَ وَالرُّسُلِ تَتَّحِدُ في المَوْضوعِ نَفْسِهِ، أَي إِعْلانِ اقْتِرابِ المَلَكوتِ وَالدَّعْوَةِ إِلى التَّوْبَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “لَقَدِ اقْتَرَبَ المَلَكوتُ لأَنَّ المَلِكَ نَفْسَهُ صارَ حاضِرًا بَيْنَ البَشَرِ” (PL 26, 66).

أَمَّا عِبارَةُ “مَلَكوتُ السَّمَواتِ” فَفي الأَصْلِ اليونانيِّ ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν وَكَلِمَةُ βασιλεία لا تَعْني أَوَّلًا مَكانًا أَو إِقْليمًا جُغْرافِيًّا، بَلْ “المُلْكَ” أَو “السِّيادَةَ” أَو “السُّلْطانَ المَلَكِيَّ”. لِذٰلِكَ فَالمَقْصودُ لَيْسَ مَكانًا سَماوِيًّا بَعيدًا، بَلْ سُلْطانُ اللهِ الفَعّالُ الَّذي يَدْخُلُ تاريخَ الإِنْسانِ وَيُجَدِّدُهُ. وَيَتَمَيَّزُ متّى الإِنْجيليُّ بِاسْتِعْمالِ عِبارَةِ “مَلَكوتِ السَّمَواتِ” أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثينَ مَرَّةً، بَيْنَما يَسْتَعْمِلُ مَرْقُسُ وَلوقا غالِبًا عِبارَةَ “مَلَكوتِ اللهِ”. وَيَرْجِعُ ذٰلِكَ إِلى التَّقْلِيدِ اليَهودِيِّ الَّذي كانَ يَتَجَنَّبُ ذِكْرَ اسْمِ اللهِ مُباشَرَةً، فَاسْتُعْمِلَتْ كَلِمَةُ “السَّماءِ” بَدَلًا مِنْهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوريجانوس قائِلًا: “حَيْثُ يَمْلِكُ المَسيحُ في النَّفْسِ هُناكَ يَبْدَأُ مَلَكوتُ السَّمَواتِ” (PG 13, 1197). إِنَّ المَلَكوتَ عِنْدَ متّى يَحْمِلُ بُعْدَيْنِ مُتَكامِلَيْنِ:

  • أَوَّلًا: البُعْدُ الحاضِرُ: المَلَكوتُ حاضِرٌ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ، وَفي أَعْمالِهِ الخَلاصيَّةِ، وَفي الكَنيسَةِ الَّتي أَسَّسَها. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ: “إِنْ كُنْتُ بِروحِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّياطينَ، فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْكُم مَلَكوتُ اللهِ” (متّى 12: 28).
  • ثانِيًا: البُعْدُ المُسْتَقْبَلِيُّ” فَالمَلَكوتُ سَيَبْلُغُ كَمالَهُ عِنْدَ مَجيءِ المَسيحِ الثّاني، عِنْدَما يَنْتَصِرُ اللهُ نِهائِيًّا عَلى الخَطيئَةِ وَالمَوْتِ، وَيُجَدِّدُ الخَليقَةَ كُلَّها. لِذٰلِكَ يُصَلِّي المُؤْمِنونَ قائِلينَ: “لِيَأْتِ مَلَكوتُكَ” (متّى 6: 10). وَمِنْ هُنا فَالمَلَكوتُ هُوَ وَاقِعٌ حاضِرٌ وَرَجاءٌ مُسْتَقْبَلِيٌّ في آنٍ واحِدٍ، وَهٰذا ما يُسَمِّيهِ اللاهوتُ المَسيحيُّ “الحاضِرُ وَالآتِي”. وَكانَ كَثيرٌ مِنَ اليَهودِ يَنْتَظِرونَ مَلِكًا سِياسِيًّا يُحَرِّرُهُمْ مِنَ الاحْتِلالِ الرُّومانِيِّ وَيُعيدُ مَجْدَ مَمْلَكَةِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ. أَمَّا يَسوعُ فَأَعْلَنَ مَلَكوتًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، لا يَقومُ عَلى القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ، بَلْ عَلى التَّوْبَةِ وَالإِيمانِ وَالمَحَبَّةِ وَالسَّلامِ. لِذٰلِكَ قالَ أَمامَ بيلاطُسَ: “مَمْلَكَتي لَيْسَتْ مِنْ هٰذا العالَمِ” (يوحنّا 18: 36). إِنَّ اقْتِرابَ المَلَكوتِ يَتَطَلَّبُ التَّوْبَةَ. فَالقَلْبُ الَّذي يَتوبُ يَفْتَحُ أَبْوابَهُ لِسِيادَةِ اللهِ، أَمَّا القَلْبُ المُنْغَلِقُ فَيَبْقى بَعيدًا عَنْ هٰذا المَلَكوتِ. لِذٰلِكَ كانَتْ كِرازَةُ يوحنّا المَعْمَدانِ وَيَسوعَ وَالتَّلاميذِ تَبْدَأُ جَميعُها بِالدَّعْوَةِ إِلى التَّوْبَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “يَقْتَرِبُ مَلَكوتُ اللهِ مِنَ الإِنْسانِ عِنْدَما يَبْتَعِدُ الإِنْسانُ عَنِ الخَطيئَةِ” (PL 76, 1139). وَهٰكَذا فَإِنَّ جَوْهَرَ الرِّسالَةِ الرَّسوليَّةِ لَيْسَ إِعْلانَ أَفْكارٍ أَو مَبادِئَ أَخْلاقِيَّةٍ فَحَسْب، بَلْ إِعْلانُ حَدَثٍ خَلاصيٍّ: لَقَدِ اقْتَرَبَ اللهُ مِنَ الإِنْسانِ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ. فَالمَلَكوتُ لَمْ يَعُدْ وَعْدًا بَعيدًا، بَلْ صارَ حاضِرًا بَيْنَ البَشَرِ، يَدْعوهُمْ إِلى التَّوْبَةِ وَالإِيمانِ وَالدُّخولِ في شَرِكَةِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. وَمَنْ يَقْبَلْ هٰذا المَلَكوتَ يَخْتَبِرْ مُنْذُ الآنَ فَرَحَ اللهِ وَسَلامَهُ وَحَياتَهُ الجَديدَةَ، مُنْتَظِرًا اكْتِمالَهُ في المَجْدِ الأَبَدِيِّ.

10: 8 اِشْفُوا المَرْضى، وَأَقيمُوا المَوْتى، وَأَبْرِئوا البُرْصَ، وَاطْرُدوا الشَّياطينَ. أَخَذْتُم مَجَّانًا فَمَجَّانًا أَعْطوا

تُشيرُ عِبارَةُ “اِشْفُوا المَرْضى” إِلى اسْتِمْرارِ عَمَلِ يَسوعَ الخَلاصيِّ مِن خِلالِ رُسُلِهِ. فَالفِعْلُ اليونانيُّ θεραπεύετε لا يَدُلُّ فَقَطْ عَلى المُعالَجَةِ الجَسَدِيَّةِ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا مَعْنى الخِدْمَةِ وَالرِّعايَةِ وَاسْتِعادَةِ الإِنْسانِ إِلى مِلْءِ حَياتِهِ. فَالرُّسُلُ لا يَكْتَفونَ بِإِعْلانِ اقْتِرابِ مَلَكوتِ السَّمَواتِ، بَلْ يَجْعَلونَ هٰذا المَلَكوتَ مَنْظورًا مِن خِلالِ أَعْمالِ الرَّحْمَةِ وَالشِّفاءِ. وَهٰكَذا تُصْبِحُ المُعْجِزاتُ عَلامَةً مَنْظورَةً لِحُضورِ اللهِ الخَلاصيِّ في وَسَطِ شَعْبِهِ.

وَيُلاحَظُ أَنَّ الأَفْعالَ الأَرْبَعَةَ: “اِشْفُوا المَرْضى، أَقيمُوا المَوْتى، أَبْرِئوا البُرْصَ، اطْرُدوا الشَّياطينَ“، تُلَخِّصُ خِدْمَةَ يَسوعَ نَفْسَها كَما وَصَفَها متّى الإِنْجيليُّ سابِقًا: “يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِم وَيُبَشِّرُ بِإِنْجيلِ المَلَكوتِ وَيَشْفي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ عِلَّةٍ” (متّى 9: 35). فَالرُّسُلُ لا يَحْمِلونَ رِسالَةً مُخْتَلِفَةً عَنْ رِسالَةِ مُعَلِّمِهِم، بَلْ يُواصِلونَ عَمَلَهُ بِقُوَّتِهِ وَسُلْطانِهِ.

أَمَّا عِبارَةُ “وَأَقيمُوا المَوْتى” فَتُشيرُ إِلى السُّلْطانِ الإِلٰهيِّ الَّذي يَمْنَحُهُ المَسيحُ لِرُسُلِهِ. فَالإِقامَةُ مِنَ المَوْتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ عَجائِبيٍّ، بَلْ عَلامَةٌ عَلى أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ قَدْ بَدَأَ يَهْزِمُ سُلْطانَ المَوْتِ. وَقَدْ رَأَى الآباءُ في ذٰلِكَ إِعْلانًا مُسْبَقًا لِقِيامَةِ المَسيحِ وَقِيامَةِ المُؤْمِنينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَقَدْ أَعْطاهُم سُلْطانًا لَمْ يُعْطَ لِلأَنْبِياءِ جَميعًا، لأَنَّهُم لَمْ يَطْرُدوا الشَّياطينَ فَقَطْ، بَلْ أَقاموا المَوْتى أَيْضًا، لِكَيْ يَظْهَرَ أَنَّ قُوَّةَ المَلَكوتِ تَعْمَلُ فيهِم” (PG 57, 384).

أَمَّا عِبارَةُ “وَأَبْرِئوا البُرْصَ” فَتُشيرُ إِلى إِعادَةِ المَنْبوذينَ إِلى جَماعَةِ الشَّعْبِ. فَالبَرَصُ في الفِكْرِ اليَهوديِّ لَمْ يَكُنْ مَرَضًا جَسَدِيًّا فَحَسْب، بَلْ كانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَزْلٌ اجْتِماعِيٌّ وَطَقْسِيٌّ. وَلِذٰلِكَ فَتَطْهيرُ الأَبْرَصِ يَرْمُزُ إِلى اسْتِعادَةِ الإِنْسانِ المُثْقَلِ بِالخَطيئَةِ إِلى شَرِكَةِ اللهِ وَشَعْبِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاريونُ، أُسْقُفُ بواتييه، قائِلًا: “كَما يُطَهَّرُ الأَبْرَصُ مِن دَنَسِ جَسَدِهِ، هٰكَذا يُطَهَّرُ الخاطِئُ مِن دَنَسِ خَطيئَتِهِ بِنِعْمَةِ المَسيحِ” (PL 9, 967).

أَمَّا عِبارَةُ “وَاطْرُدوا الشَّياطينَ” فَتُشيرُ إِلى الانْتِصارِ عَلى قُوى الشَّرِّ. فَالفِعْلُ اليونانيُّ ἐκβάλλετε يَعْني “اطْرُدوا بِقُوَّةٍ”. وَلَمْ تَكُنْ رِسالَةُ الرُّسُلِ مُجَرَّدَ تَعْليمٍ أَخْلاقيٍّ، بَلْ مُواجَهَةً حَقيقيَّةً مَعَ سُلْطانِ الشَّرِّ. فَالمَسيحُ جاءَ “لِيَنْقُضَ أَعْمالَ إِبْليسَ” (1 يوحنّا 3: 8)، وَيُشْرِكُ رُسُلَهُ في هٰذا العَمَلِ الخَلاصيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “أَعْطاهُمُ السُّلْطانَ عَلى الأَرْواحِ النَّجِسَةِ لِكَيْ يُظْهِرَ أَنَّ مَلَكوتَ الشَّيطانِ قَدْ بَدَأَ يَنْهارُ أَمامَ مَجيءِ المَسيحِ” (PL 26, 71). طَرْدُ الشَّياطينِ في خِدْمَةِ يَسوعَ يُشَكِّلُ طَرْدُ الشَّياطينِ جُزْءًا أَساسِيًّا مِنْ خِدْمَةِ يَسوعَ العَلَنِيَّةِ. فَقَدْ طَرَدَ الشَّياطينَ مِنَ المَمْسوسِ في مَجْمَعِ كَفْرَناحوم (مرقس 1: 21-28)، وَمِنَ الرَّجُلِ المَمْسوسِ في أَرْضِ الجَرَسِيِّينَ (مرقس 5: 1-20)، وَمِنْ كَثيرينَ غَيْرِهِم.

أَمَّا كَلِمَةُ ” الشَّياطينَ ” δαιμόνια فَتُشيرُ في العَهْدِ الجَديدِ إِلى الأَرْواحِ الشِّرِّيرَةِ الَّتي تُعارِضُ اللهَ وَتُسْبِّبُ الأَذى وَالعُبودِيَّةَ لِلإِنْسانِ. يُقَدِّمُ الكِتابُ المُقَدَّسُ الشَّيطانَ عَلَى أَنَّهُ كائِنٌ رُوحيٌّ ساقِطٌ يُعارِضُ مَشيئَةَ اللهِ وَيَسْعى إِلى إِضْلالِ الإِنْسانِ. وَيَصِفُهُ يَسوعُ بِأَنَّهُ: “قاتِلٌ لِلنّاسِ مِنَ البَدْءِ” (يوحنّا 8: 44). وَيُسَمِّيهِ: “رَئيسَ هٰذا العالَمِ” (يوحنّا 12: 31). إِلَّا أَنَّ سُلْطانَهُ لَيْسَ مُطْلَقًا، بَلْ خاضِعٌ لِسُلْطانِ اللهِ، وَقَدْ بَدَأَ يَنْهارُ بِمَجيءِ المَسيحِ.

أَمَّا عِبارَةُ “أَخَذْتُم مَجَّانًا” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ كُلَّ ما يَمْلِكُهُ الرُّسُلُ هُوَ عَطِيَّةٌ مَجّانِيَّةٌ مِنَ اللهِ. فَالدَّعْوَةُ، وَالسُّلْطانُ، وَالنِّعْمَةُ، وَالمَواهِبُ الرُّوحِيَّةُ، لَيْسَتِ اسْتِحْقاقًا بَشَرِيًّا، بَلْ هِبَةٌ إِلٰهِيَّةٌ. وَالكَلِمَةُ اليونانيَّةُ δωρεάν تَعْني “بِلا ثَمَنٍ” أَو “مَجّانًا“. لِذٰلِكَ لا يَسْتَطيعُ الرَّسولُ أَنْ يَنْسِبَ شَيْئًا إِلى ذاتِهِ، لأَنَّ كُلَّ ما لَدَيْهِ قَدْ نالَهُ مِنَ الرَّبِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “إِنْ كانَ ما نِلْناهُ عَطِيَّةً، فَلِماذا نَفْتَخِرُ كَأَنَّنا لَمْ نَنَلْهُ؟ لَقَدْ أُعْطينا مَجّانًا، فَلْنُعْطِ مَجّانًا” (؛ PL 38, 605).

أَمَّا عِبارَةُ “فَمَجَّانًا أَعْطوا” فَتُشيرُ إِلى رُوحِ الخِدْمَةِ المَسيحيَّةِ الأَصيلَةِ. فَالرِّسالَةُ لا تُمارَسُ لأَجْلِ الرِّبْحِ أَوِ المَجْدِ الشَّخْصِيِّ، بَلْ بِرُوحِ العَطاءِ المَجّانيِّ. وَلِذٰلِكَ شَدَّدَ متّى الإِنْجيليُّ عَلى هٰذا المَبْدَأِ، لأَنَّ خَطَرَ تَحْويلِ الخِدْمَةِ إِلى وَسيلَةِ مَنْفَعَةٍ كانَ قائِمًا مُنْذُ البِداياتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “مَنْ يَبيعُ مَواهِبَ اللهِ بِثَمَنٍ أَرْضِيٍّ يَجْعَلُ ما هُوَ سَماوِيٌّ سِلْعَةً بَشَرِيَّةً؛ أَمَّا الخادِمُ الحَقيقيُّ فَيُوَزِّعُ ما نالَهُ مَجّانًا كَما نالَهُ مَجّانًا” (PL 77, 21).  إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ تُقَدِّمُ بَرْنامَجَ الخِدْمَةِ الرَّسوليَّةِ في الكَنيسَةِ عَبْرَ العُصورِ: إِعْلانَ المَلَكوتِ، وَشِفاءَ الإِنْسانِ، وَتَحْريرَهُ مِنَ الشَّرِّ، وَخِدْمَتَهُ بِمَحَبَّةٍ مَجّانِيَّةٍ. فَالرَّسولُ الحَقيقيُّ لا يَطْلُبُ ما لِلنّاسِ بَلِ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ، وَلا يَسْعى إِلى مَكْسَبٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ إِلى خَلاصِ النُّفوسِ. وَكَما نالَ الرُّسُلُ سُلْطانَهُم مِنَ المَسيحِ مَجّانًا، هٰكَذا يَبْقى كُلُّ خادِمٍ في الكَنيسَةِ مَدْعُوًّا إِلى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ حَياتِهِ عَطِيَّةً مَجّانِيَّةً للهِ وَلِلآخَرينَ، مُقْتَدِيًا بِالمَسيحِ الَّذي “لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدِمَ وَيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثيرينَ” (متّى 20: 28).

ثانياً: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجيليِّ (متّى 9: 36 – 10: 8)

بَعْدَ دِراسَةِ النَّصِّ الإِنْجيليِّ وَتَحْليلِهِ (متّى 9: 36 – 10: 8)، يَتَبَيَّنُ أَنَّ المِحْوَرَ الرَّئيسَ يَدورُ حَوْلَ إِرْسالِيَّةِ الرُّسُلِ وَالتَّوْجيهاتِ الَّتي أَوْصاهُم بِها الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ، وَالسِّماتِ الجَوْهَرِيَّةِ الَّتي تُمَيِّزُ هٰذِهِ الإِرْسالِيَّةَ في حَياةِ الكَنيسَةِ وَرِسالَتِها. وَإِذا كانَ المَسيحُ قَدْ رَأَى الجُموعَ “مُنْهَكِينَ وَمُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها”(متّى 9: 36)، فَقَدْ جَعَلَ مِنَ الرُّسُلِ أَدَواتٍ لِمُواصَلَةِ عَمَلِهِ الخَلاصيِّ في العالَمِ.

  1. الإِرْسالِيَّةُ

يُعَدُّ مَفْهومُ الإِرْسالِيَّةِ مِنَ المَفاهيمِ الأَساسِيَّةِ في تَاريخِ الخَلاصِ. فَاللهُ إِلٰهٌ يُرْسِلُ: أَرْسَلَ الأَنْبِياءَ في العَهْدِ القَديمِ، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ الوَحيدَ في مِلْءِ الزَّمانِ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ بَعْدَ ذٰلِكَ لِيُواصِلوا رِسالَةَ الخَلاصِ. وَمِنْ هُنا تَظْهَرُ وَحْدَةُ تَدْبيرِ اللهِ الخَلاصيِّ عَبْرَ التّاريخِ.

  • إِرْسالِيَّةُ الأَنْبِياءِ

 تَفْتَرِضُ الإِرْسالِيَّةُ الإِلٰهِيَّةُ وُجودَ دَعْوَةٍ إِلٰهِيَّةٍ تَسْبِقُ كُلَّ خِدْمَةٍ. فَاللهُ هُوَ المُبادِرُ، وَالإِنْسانُ هُوَ المُسْتَجيبُ. وَقَدْ أَكَّدَ الرَّبُّ هٰذِهِ الحَقيقَةَ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ إِرْميا قائِلًا: “مِن يَومِ خُروجِ آبائِكُم مِن أَرْضِ مِصرَ إِلى هٰذا اليَومِ، ما زِلْتُ أُرْسِلُ إِلَيْكُم جَميعَ عَبيديَ الأَنْبِياءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ” (إرميا 7: 25). فَالإِرْسالُ هُوَ جَوْهَرُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ، كَما نَرى في دَعْوَةِ إِرْميا: “إِلى كُلِّ مَن أُرْسِلُكَ تَذْهَبُ، وَكُلَّ ما آمُرُكَ بِهِ تَتَكَلَّمُ” (إرميا 1: 7). فَالنَّبِيُّ لا يَتَكَلَّمُ بِاسْمِهِ الشَّخْصِيِّ، بَلْ يَحْمِلُ كَلِمَةَ اللهِ إِلى الشَّعْبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ قائلًا: “إِنَّ الَّذي يُرْسَلُ مِنَ اللهِ لا يَنْطِقُ بِما يُرْضيهِ هُوَ، بَلْ بِما أُمِرَ أَنْ يُعْلِنَهُ لِخَلاصِ الشَّعْبِ” (PL 76, 910).

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ اسْتِجابَةُ الأَنْبِياءِ لِلدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ بِحَسَبِ شَخْصِيّاتِهِم وَظُروفِهِم. فَأَشَعْيا أَجابَ بِسُرْعَةٍ وَسَخاءٍ: “هاءَنَذا، فَأَرْسِلْني” (أشعيا 6: 8)، فَرَأَى فيهِ الآباءُ مِثالًا لِلنَّفْسِ المُنْفَتِحَةِ عَلى مَشيئَةِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّسُ الأُورُشَليميُّ قائلًا: “إِنَّ أَشَعْيا لَمْ يَسْأَلْ عَنِ الصُّعوباتِ، بَلْ قَدَّمَ ذاتَهُ أَوَّلًا لِلرَّبِّ” (PG 33, 741).

أَمَّا إِرْميا فَقَدْ أَبْدَى تَرَدُّدَهُ قائِلًا: “آهِ أَيُّها السَّيِّدُ الرَّبُّ، هاءَنَذا لا أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ” (إرميا 1: 6). وَهٰذا التَّرَدُّدُ لا يُعَبِّرُ عَنْ عَدَمِ إِيمانٍ، بَلْ عَنْ شُعورٍ بِضَعْفِ الإِنْسانِ أَمامَ عَظَمَةِ الدَّعْوَةِ. وَكَذٰلِكَ طَلَبَ موسى عَلامَةً تُؤَكِّدُ رِسالَتَهُ، قائِلًا: “مَنْ أَنا حتّى أَذْهَبَ إِلى فِرْعَوْنَ؟” (خروج 3: 11). فَكانَ جَوابُ اللهِ: “إِنِّي أَكونُ مَعَكَ” (خروج 3: 12). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ: “لَمْ يَكُنْ سِرُّ نَجاحِ موسى في قُدْراتِهِ، بَلْ في حُضورِ اللهِ مَعَهُ” (PL 38, 648).

وَعَلى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلافِ رُدودِ الفِعْلِ، فَإِنَّ الأَنْبِياءَ انْتَهَوْا إِلى الطّاعَةِ وَقَبولِ الرِّسالَةِ. وَتَبْقى حالَةُ يونانَ النَّبِيِّ اسْتِثْناءً لافِتًا، إِذْ “قامَ يونانُ لِيَهْرُبَ إِلى تَرْشيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (يونان 1: 3). فَقَدْ رَفَضَ في البِدايَةِ البُعْدَ العالَميَّ لِرَحْمَةِ اللهِ، غَيْرَ أَنَّ اللهَ حَوَّلَ عِصْيانَهُ إِلى أَداةٍ لِإِظْهارِ شُموليَّةِ الخَلاصِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائلًا: “هَرَبَ يونانُ لا مِن قُدْرَةِ اللهِ، بَلْ مِن مَهَمَّةٍ لَمْ يَفْهَمْ بَعْدُ مَدى رَحْمَتِها” (PL 25, 1117).

وَهٰكَذا كانَ الأَنْبِياءُ مُرْسَلينَ لِإِعْلانِ كَلِمَةِ اللهِ، وَدَعْوَةِ الشَّعْبِ إِلى التَّوْبَةِ، وَالإِنْذارِ بِالعِقابِ عِنْدَ الضَّرورَةِ، أَوِ التَّبْشيرِ بِالخَلاصِ وَالمَواعيدِ الإِلٰهِيَّةِ. وَيَرْتَبِطُ دَوْرُهُمْ ارْتِباطًا وَثيقًا بِكَلِمَةِ اللهِ الَّتي حَمَلوها وَأَعْلَنوها. وَيُلَخِّصُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمُ دَوْرَ الأَنْبِياءِ قائلًا: “كانوا أَفْواهَ اللهِ بَيْنَ النّاسِ، يُذَكِّرونَ بِالعَهْدِ، وَيُهَيِّئونَ الطَّريقَ لِمَجيءِ المَسيحِ” (PG 57, 43).

فَتاريخُ الخَلاصِ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِصُورَةٍ مُفاجِئَةٍ، بَلْ مِنْ خِلالِ سِلْسِلَةٍ مِنَ الإِرْسالِيّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتي هَيَّأَتِ الطَّريقَ لِمَجيءِ الابْنِ المُتَجَسِّدِ. وَكَمَا أُرْسِلَ الأَنْبِياءُ لِيُعِدّوا الشَّعْبَ، هٰكَذا أَرْسَلَ الآبُ ابْنَهُ لِيُتَمِّمَ الخَلاصَ، وَأَرْسَلَ الابْنُ رُسُلَهُ لِيُواصِلوا عَمَلَهُ في الكَنيسَةِ وَالعالَمِ. وَمِنْ هُنا تَتَّضِحُ وَحْدَةُ الإِرْسالِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ عَبْرَ العَهْدَيْنِ، مِنَ الأَنْبِياءِ إِلى المَسيحِ، وَمِنَ المَسيحِ إِلى الرُّسُلِ وَالكَنيسَةِ.

  • إِرْسالِيَّةُ يَسوعَ المَسيحِ

 بَعْدَ ظُهورِ يوحنّا المَعْمَدانِ، آخِرِ الأَنْبِياءِ وَأَعْظَمِهِم، كَما شَهِدَ لَهُ الرَّبُّ يَسوعُ قائِلًا: “فَماذا خَرَجتُم لِتَرَوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَم، أَقولُ لَكم: وأَفْضَلَ مِن نَبِيّ” (متّى 11: 9)، تَقَدَّمَ يَسوعُ المَسيحُ إِلى النّاسِ بِاعْتِبارِهِ المُرْسَلَ مِنَ الآبِ وَالرَّسولَ بِالمَعْنى الأَكْمَلِ لِلكَلِمَةِ. فَهُوَ ذٰلِكَ الَّذي تَنَبَّأَ عَنْهُ أَشَعْيا قائِلًا: “روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَني وَأَرْسَلَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراءَ، وَأَجْبُرَ مُنْكَسِرِي القُلوبِ، وَأُناديَ بِالإِفْراجِ عَنِ المَسْبِيِّينَ وَبِالحُرِّيَّةِ لِلمَأْسورينَ” (أشعيا 61: 1-2).

وَإِذا كانَ اللهُ قَدْ أَرْسَلَ الأَنْبِياءَ مِرارًا وَتَكْرارًا، فَإِنَّهُ في مِلْءِ الزَّمانِ أَرْسَلَ ابْنَهُ الوَحيدَ، كَما يُصَوِّرُ ذٰلِكَ مَثَلُ الكَرّامينَ الأَشْرارِ: “فَبَقِيَ عِنْدَهُ واحِدٌ وَهُوَ ابْنُهُ الحَبيبُ، فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِم آخِرَ الأَمْرِ” (مرقس 12: 6). فَالابْنُ هُوَ خاتِمَةُ الإِرْسالِيّاتِ الإِلٰهِيَّةِ وَكَمالُها، وَفيهِ بَلَغَ وَحْيُ اللهِ أَوْجَهُ.

وَقَدْ أَرْسَلَ الآبُ ابْنَهُ لِيُبَشِّرَ بِالمَلَكوتِ، وَيُتِمَّ الشَّريعَةَ وَالأَنْبِياءَ (متّى 5: 17)، وَيَدْعو الخاطِئينَ إِلى التَّوْبَةِ (مرقس 2: 17)، وَيَبْحَثَ عَنِ الهالِكِ فَيُخَلِّصَهُ (لوقا 19: 10)، وَيَخْدِمَ وَيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثيرينَ (مرقس 10: 45).  َمِنْ هُنا تَتَجَلَّى فَرادَةُ إِرْسالِيَّتِهِ، لأَنَّها لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِعْلانٍ لِكَلِمَةِ اللهِ، بَلْ حُضورُ كَلِمَةِ اللهِ المُتَجَسِّدِ بَيْنَ البَشَرِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوسُ أُسْقُفُ لِيونَ قائِلًا: “إِنَّ الابْنَ أُرْسِلَ مِنَ الآبِ لِيُعْلِنَ اللهَ لِلبَشَرِ وَيُعِيدَ الإِنْسانَ إِلى شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ” (PG 7, 1037).

وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ قَبولَ يَسوعَ أَو رَفْضَهُ يَعْني قَبولَ الآبِ أَو رَفْضَهُ. فَالرَّبُّ نَفْسُهُ يُصَرِّحُ: “مَنْ سَمِعَ مِنْكُم سَمِعَ مِنِّي، وَمَنْ رَفَضَكُم رَفَضَني، وَمَنْ رَفَضَني رَفَضَ الَّذي أَرْسَلَني” (لوقا 10: 16). وَمِنْ هُنا أَصْبَحَ الإِيمانُ بِرِسالَةِ يَسوعَ جُزْءًا أَساسيًّا مِنَ الإِيمانِ المَسيحيِّ. فَقَدْ صَلّى يَسوعُ إِلى الآبِ قائِلًا: “لِيُؤْمِنَ العالَمُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَني” (يوحنّا 17: 21).

وَيُؤَكِّدُ إِنْجيلُ يوحنّا بِشَكْلٍ خاصٍّ هٰذِهِ الحَقيقَةَ، إِذْ يَرْبِطُ الخَلاصَ بِالإِيمانِ بِأَنَّ يَسوعَ هُوَ المُرْسَلُ مِنَ الآبِ. فَيَقولُ الرَّبُّ: “هٰذا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنوا بِالَّذي أَرْسَلَهُ” (يوحنّا 6: 29)، وَيُضيفُ: “مَنْ يَسْمَعُ كَلامي وَيُؤْمِنُ بِالَّذي أَرْسَلَني فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ” (يوحنّا 5: 24). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “لَمْ يُرْسَلِ الابْنُ بِمَعْنى أَنَّهُ أَقَلُّ مِنَ الآبِ، بَلْ لأَنَّهُ ظَهَرَ في الجَسَدِ لِيُتِمَّ عَمَلَ الخَلاصِ الَّذي أَرادَهُ الآبُ” (PL 35, 1663).

وَلَمْ يَتَرَدَّدْ بولُسُ الرَّسولُ في التَّأْكيدِ أَنَّ إِرْسالَ الابْنِ هُوَ قِمَّةُ التَّدْبيرِ الخَلاصيِّ، قائِلًا: “لَمَّا تَمَّ الزَّمانُ أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلودًا لامْرَأَةٍ، مَوْلودًا في حُكْمِ الشَّريعَةِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذينَ هُمْ في حُكْمِ الشَّريعَةِ، فَنَحْظى بِالتَّبَنِّي” (غلاطية 4: 4-5). وَكَذٰلِكَ يَكْتُبُ الرَّسولُ يوحنّا: “ما ظَهَرَتْ بِهِ مَحَبَّةُ اللهِ بَيْنَنا هُوَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ ابْنَهُ الوَحيدَ إِلى العالَمِ لِنَحْيا بِهِ” (1 يوحنّا 4: 9).

وَبِهٰذا المَعْنى يَصيرُ يَسوعُ “المُرْسَلَ” بِالمَعْنى الكامِلِ وَالنِّهائِيِّ، بَلْ “رَسولَ اعْتِرافِنا” كَما يَصِفُهُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبْرانِيِّينَ: “تَأَمَّلوا رَسولَ اعْتِرافِنا وَرَئيسَ كَهَنَتِنا يَسوعَ” (عبرانيين 3: 1). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “دُعِيَ المَسيحُ رَسولًا لأَنَّهُ أُرْسِلَ مِنَ الآبِ لِيُعْلِنَ لَنا مَشيئَتَهُ، وَيَقودَنا إِلى الخَلاصِ” (PG 63, 45).

وَبَعْدَ التَّأَمُّلِ في إِرْسالِيَّةِ يَسوعَ المَسيحِ، لا بُدَّ مِنَ الانْتِقالِ إِلى إِرْسالِيَّةِ الرُّسُلِ، لأَنَّ الرِّسالَةَ الَّتي تَسَلَّمَها الابْنُ مِنَ الآبِ أَصْبَحَتْ بِدَوْرِها رِسالَةً يُسَلِّمُها لِتَلاميذِهِ. وَهٰذا ما يُعَبِّرُ عَنْهُ الرَّبُّ بوضوحٍ قائِلًا: “كَما أَرْسَلَني الآبُ، أُرْسِلُكُم أَنا أَيْضًا” (يوحنّا 20: 21). وَهٰكَذا يَتَكَشَّفُ أَمامَنا التَّسَلْسُلُ الخَلاصيُّ العَظيمُ: الآبُ يُرْسِلُ الابْنَ، وَالابْنُ يُرْسِلُ الرُّسُلَ، وَالرُّسُلُ يُرْسِلونَ الكَنيسَةَ إِلى العالَمِ. وَفي ضَوْءِ هٰذا المَنْظورِ يَصِفُ إِنْجيلُ اليَوْمِ مَصْدَرَ إِرْسالِيَّةِ الرُّسُلِ وَمَجالَها وَتَوْجيهاتِ المَسيحِ لَها وَالسِّماتِ الَّتي تُمَيِّزُها، وَالَّتي تَبْقى نَموذَجًا لِكُلِّ خِدْمَةٍ رَسوليَّةٍ في الكَنيسَةِ عَبْرَ العُصورِ.

ج) إِرْسالِيَّةُ الرُّسُلِ

إِنَّ إِرْسالِيَّةَ الرُّسُلِ تَنْبَعُ، عَلى الصَّعيدِ البَشَرِيِّ، مِنْ قَلْبِ المَسيحِ الرَّاعَوِيِّ الَّذي “أَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَى الجُموعِ، لأَنَّهُمْ كانُوا مُنْهَكِينَ وَمُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها” (متّى 9: 36). فَالإِرْسالِيَّةُ لَيْسَتْ مَشْروعًا بَشَرِيًّا أَو مُبادَرَةً تَنْظيمِيَّةً، بَلْ هِيَ تَعْبيرٌ عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الخَلاصِيَّةِ الَّتي تَبْحَثُ عَنِ الإِنْسانِ وَتَسْعى إِلى خَلاصِهِ.

وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ، فَالإِرْسالِيَّةُ تَنْبُعُ أَوَّلًا مِنَ الآبِ، “رَبِّ الحَصادِ” (متّى 9: 38)، وَتَتَجَلَّى في الابْنِ الَّذي تَحَرَّكَتْ أَحْشاؤُهُ شَفَقَةً عَلى الجُموعِ، وَتَتِمُّ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُرافِقُ المُرْسَلينَ وَيَتَكَلَّمُ فيهم. فَقَدْ وَعَدَ يَسوعُ تَلاميذَهُ قائِلًا: “فَلَسْتُم أَنْتُمُ المُتَكَلِّمينَ، بَلْ رُوحُ أَبيكُم يَتَكَلَّمُ فيكُم” (متّى 10: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ قائِلًا: “لَمْ يَتْرُكِ المَسيحُ رُسُلَهُ يَعْتَمِدونَ عَلى قُدْرَتِهِم البَشَرِيَّةِ، بَلْ وَهَبَهُم قُوَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ لِيَكُونَ هُوَ المُتَكَلِّمَ فيهِم” (PG 72, 912).

وَتَرْتَبِطُ إِرْسالِيَّةُ الرُّسُلِ ارْتِباطًا جَوْهَرِيًّا بِإِرْسالِيَّةِ يَسوعَ نَفْسِهِ، فَالرُّسُلُ لا يَحْمِلونَ رِسالَةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ مُعَلِّمِهِم، بَلْ يُواصِلونَ رِسالَتَهُ وَعَمَلَهُ. وَقَدْ عَبَّرَ الرَّبُّ عَنْ هٰذِهِ الحَقيقَةِ بِوُضوحٍ بَعْدَ القِيامَةِ حِين قالَ لِتَلاميذِهِ: “كَما أَرْسَلَني الآبُ، أُرْسِلُكُم أَنا أَيْضًا” (يوحنّا 20: 21). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “كَمَا خَرَجَ الابْنُ مِنَ الآبِ لِيُظْهِرَ مَحَبَّتَهُ لِلعالَمِ، هٰكَذا أُرْسِلَ الرُّسُلُ لِيَحْمِلوا هٰذِهِ المَحَبَّةَ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ” (PL 35, 1967).

وَمِنْ هٰذا المَنْظورِ تَسْتَمِرُّ إِرْسالِيَّةُ يَسوعَ في التّاريخِ مِنْ خِلالِ المُرْسَلينَ. فَقَدِ اخْتارَ الاثْنَي عَشَرَ وَأَرْسَلَهُم أَوَّلًا، ثُمَّ أَرْسَلَ التَّلاميذَ الاثْنَيْنِ وَالسَّبْعينَ (لوقا 10: 1)، ثُمَّ وَكَلَ إِلى الكَنيسَةِ بِأَسْرِها مُواصَلَةَ هٰذِهِ الرِّسالَةِ حَتّى نِهايَةِ الأَزْمِنَةِ. وَلِهٰذا السَّبَبِ حَمَلَ التَّلاميذُ اسْمَ “الرُّسُلِ”، أَي “المُرْسَلينَ”، لأَنَّ هُوِيَّتَهُم وَجَوْهَرَ دَعْوَتِهِم يَقومانِ عَلى الإِرْسالِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ إيريناوسُ إِلى هٰذِهِ الاسْتِمْرارِيَّةِ قائِلًا: “ما تَسَلَّمَهُ الرُّسُلُ مِنَ المَسيحِ سَلَّموهُ إِلى الكَنيسَةِ، لِكَيْ يَبْقى إِعلانُ الخَلاصِ حَيًّا في العالَمِ كُلِّهِ” (PG 7, 848).

وَلا عَجَبَ أَنْ يَكونَ المَسيحُ القائِمُ مِن بَيْنِ الأَمْواتِ وَحْدَهُ قادِرًا عَلى إِرْسالِ تَلاميذِهِ إِلى العالَمِ كُلِّهِ، لأَنَّهُ نالَ السُّلْطانَ الكامِلَ بَعْدَ قِيامَتِهِ، كَما أَعْلَنَ قائِلًا: “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطانٍ في السَّماءِ وَالأَرْضِ” (متّى 28: 18). وَمِنْ هٰذا السُّلْطانِ الإِلٰهيِّ تَنْبَعُ قُوَّةُ الإِرْسالِيَّةِ وَشَرْعِيَّتُها.

لِذٰلِكَ لَمْ يَتْرُكِ الرَّبُّ تَلاميذَهُ وَحْدَهُمْ، بَلْ وَعَدَهُمْ بِحُضورِهِ الدّائِمِ قائِلًا: “هاءَنَذا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَمِ” (متّى 28: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَقُلْ إِنِّي سَأُرْسِلُكُم فَقَطْ، بَلْ أَنَا مَعَكُم أَيْضًا، لِكَيْ لا يَخافوا صُعوبَةَ الرِّسالَةِ وَلا عِظَمَةَ العالَمِ” (PG 58, 789).

وَبِما أَنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ الإِرْسالِيَّةِ، فَإِنَّ التَّغَلُّبَ عَلى نَقْصِ المُرْسَلينَ لا يَبْدَأُ بِالتَّخْطيطِ البَشَرِيِّ فَحَسْب، بَلْ بِالصَّلاةِ. فَالدَّعْوَةُ الرَّسوليَّةُ نِعْمَةٌ مَجّانِيَّةٌ يَهَبُها اللهُ لِمَنْ يَشاءُ. وَقَدْ عَبَّرَ القِدِّيسُ بولُسُ عَنْ هٰذِهِ الحَقيقَةِ بِقَوْلِهِ: “وَبِنِعْمَةِ اللهِ ما أَنا عَلَيْهِ” (1 قورنتس 15: 10). وَلِذٰلِكَ لا نَسْتَغْرِبُ أَنْ يَجْعَلَ يَسوعُ الصَّلاةَ أَوَّلَ وَسيلَةٍ لِدَعْمِ الإِرْسالِيَّةِ، قائِلًا: “الحَصادُ كَثيرٌ، وَلكِنَّ العَمَلَةَ قَليلونَ، فَاسْأَلوا رَبَّ الحَصادِ أَنْ يُرْسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِهِ” (لوقا 10: 2). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “إِذا كانَ الحَصادُ لِلرَّبِّ، فَالعَمَلَةُ أَيْضًا مِنْ عَطائِهِ؛ لِذٰلِكَ تَسْبِقُ الصَّلاةُ كُلَّ خِدْمَةٍ رَسوليَّةٍ” (PL 76, 1139).

وَهٰكَذا تَظْهَرُ إِرْسالِيَّةُ الرُّسُلِ عَمَلًا ثالوثِيًّا بِامْتِيازٍ: فَالآبُ يَدْعو وَيُرْسِلُ، وَالابْنُ يُشْرِكُ تَلاميذَهُ في رِسالَتِهِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ يَقودُهُمْ وَيُعَضِّدُهُمْ. وَمِنْ هُنا فَإِنَّ الإِرْسالِيَّةَ لَيْسَتْ نَشاطًا مِن نَشاطاتِ الكَنيسَةِ، بَلْ هِيَ جَوْهَرُ وُجودِها وَسَبَبُ رِسالَتِها في العالَمِ، لِأَنَّ الكَنيسَةَ، بِحَسَبِ طَبيعَتِها، كَنيسَةٌ مُرْسَلَةٌ تَحْمِلُ بُشْرى الخَلاصِ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ وَالأُمَمِ.

(1) مَكانُ إِرْسالِيَّةِ الرُّسُلِ

لَمْ تَكُنْ إِرْسالِيَّةُ الرُّسُلِ عَمَلًا عَشْوائِيًّا، بَلْ جَرَتْ وَفْقَ خُطَّةٍ خَلاصِيَّةٍ وَاضِحَةٍ وَتَدَرُّجٍ مَقْصودٍ. فَفِي الإِرْسالِيَّةِ الأُولى أَرْسَلَ يَسوعُ الاثْنَيْ عَشَرَ إِلى “الخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” (متّى 10: 6)، أَي إِلى المُجْتَمَعِ اليَهودِيِّ الَّذي تَرَكَتْهُ القِيادَةُ الدِّينِيَّةُ كَخِرافٍ بِلا راعٍ (متّى 9: 36). فَبِدايَةُ الإِرْسالِيَّةِ كانَتْ في الجَليلِ وَالمَناطِقِ الشَّمالِيَّةِ الَّتي جالَ فيها الرَّبُّ مُبَشِّرًا وَشافيًا، حَيْثُ رَأَى كَثْرَةَ الحَصادِ وَقِلَّةَ العَمَلَةِ (متّى 9: 37-38).

وَلَمْ يَكُنْ هٰذا الاخْتِيارُ تَفْضيلًا قَوْمِيًّا لِإِسْرائيلَ، بَلْ تَحْقيقًا لِلتَّدْبيرِ الخَلاصيِّ الَّذي يَبْدَأُ بِشَعْبِ المَوْعِدِ ثُمَّ يَمْتَدُّ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ. فَقَدْ شاءَ اللهُ أَنْ يَبْدَأَ الخَلاصُ مِنَ الشَّعْبِ الَّذي تَسَلَّمَ الشَّريعَةَ وَالأَنْبِياءَ، لِيَنْتَشِرَ مِنْهُ إِلى العالَمِ أَجْمَعَ.

وَفِي هٰذا السِّياقِ يُعَلِّمُ المجمع الفاتيكاني الثاني: “بَعْدَ أَنْ صَلَّى الرَّبُّ يَسوعُ إِلى الآبِ طَويلًا، دَعا الَّذينَ أَرادَهُم هُوَ، وَأَقامَ مِنْهُمُ الاثْنَيْ عَشَرَ لِيَكونوا مَعَهُ وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيُبَشِّروا بِمَلَكوتِ اللهِ (مرقس 3: 13-19؛ متّى 10: 1-42). وَقَدْ جَعَلَهُمْ رُسُلًا (لوقا 6: 13)، وَأَرْسَلَهُمْ أَوَّلًا إِلى بَني إِسْرائيلَ ثُمَّ إِلى جَميعِ الأُمَمِ، لِكَيْ يُشْرِكوهُمْ في الحَياةِ الجَديدَةِ وَيَجْمَعوهُمْ في شَعْبِ اللهِ” (نور الأمم، 19).

أَمَّا في الإِرْسالِيَّةِ الثّانِيَةِ، فَقَدْ أَرْسَلَ الرَّبُّ “الاثْنَيْنِ وَالسَّبْعينَ” أَمامَهُ إِلى المُدُنِ وَالقُرى الَّتي كانَ مُزْمِعًا أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْها (لوقا 10: 1). وَيُلاحَظُ أَنَّ هٰذِهِ الإِرْسالِيَّةَ أَوْسَعُ نِطاقًا مِنَ الإِرْسالِيَّةِ الأُولى، مِمَّا يُشِيرُ إِلى اتِّساعِ آفاقِ البِشارَةِ وَالاسْتِعْدادِ لِلانْتِقالِ مِنَ الإِطارِ المَحَلِّيِّ إِلى الأُفُقِ الكَونِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “أُرْسِلَ الاثْنا عَشَرَ أَوَّلًا إِلى إِسْرائيلَ، ثُمَّ أُرْسِلَ الاثْنانِ وَالسَّبْعونَ لِلدَّلالَةِ عَلى أَنَّ البِشارَةَ سَتَمْتَدُّ إِلى جَميعِ الأُمَمِ وَالشُّعوبِ” (PL 38, 604).

وَبَعْدَ القِيامَةِ يَبْلُغُ البُعْدُ الكَونِيُّ لِلإِرْسالِيَّةِ كَمالَهُ. فَالرَّبُّ القائِمُ لا يَحْصُرُ الرِّسالَةَ في إِسْرائيلَ أَو فِي مَنْطِقَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ يُعْطي وَصِيَّتَهُ العُظْمى: “فَاذْهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَمِ” (متّى 28: 19)، وَ”اذْهَبوا إِلى العالَمِ كُلِّهِ وَأَعْلِنوا الإِنْجيلَ لِلخَليقَةِ كُلِّها” (مرقس 16: 15).

وَقَدْ حَدَّدَ سِفْرُ أَعْمالِ الرُّسُلِ مَسارَ هٰذِهِ الإِرْسالِيَّةِ تَدْرِيجِيًّا بِقَوْلِ المَسيحِ: “وَتَكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وَفي كُلِّ اليَهودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلى أَقاصِي الأَرْضِ” (أعمال 1: 8). فَأُورَشَليمُ هِيَ نُقْطَةُ الانْطِلاقِ، وَاليَهودِيَّةُ وَالسَّامِرَةُ هُما الدَّائِرَةُ الأَوْسَعُ، أَمَّا أَقاصِي الأَرْضِ فَتُمَثِّلُ شُموليَّةَ الخَلاصِ لِجَميعِ الشُّعوبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَدَعِ المَسيحُ جُزْءًا مِنَ العالَمِ بِلا بَشارَةٍ، بَلْ جَعَلَ الرُّسُلَ يَجُوبونَ المَسْكونَةَ كُلَّها لِيُعْلِنوا الخَلاصَ” (PG 60, 43).

وَهٰكَذا نَرَى أَنَّ مَكانَ الإِرْسالِيَّةِ يَتَّسِعُ تَدْرِيجِيًّا وَفْقَ مَشِيئَةِ اللهِ: مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ، إِلى اليَهودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، ثُمَّ إِلى جَميعِ الأُمَمِ. وَبِذٰلِكَ تَبْلُغُ إِرْسالِيَّةُ الابْنِ غايَتَها، إِذْ يَصِلُ إِنْجيلُ الخَلاصِ إِلى كُلِّ إِنْسانٍ بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ وَالتَّلاميذِ وَالكَنيسَةِ عَبْرَ العُصورِ. وَيُخْتِمُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ هٰذِهِ الفِكْرَةَ قائِلًا: “إِنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لا تَعْرِفُ حُدودًا، لِذٰلِكَ فَإِنَّ البِشارَةَ الَّتي بَدَأَتْ في بُقْعَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ الأَرْضِ كانَ لا بُدَّ أَنْ تَبْلُغَ أَقاصِي العالَمِ” (PL 76, 1140).

(2) تَوْصِياتُ الإِرْسالِيَّةِ لِلرُّسُلِ

أَرْسَلَ يَسوعُ الاثْنَيْ عَشَرَ في إِرْسالِيَّتِهِمُ الأُولى بَعْدَ أَنْ رَأَى كَثْرَةَ الحَصادِ وَقِلَّةَ العَمَلَةِ (متّى 9: 37-38). وَقَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهُمْ إِلى حَقْلِ الرَّبِّ، زَوَّدَهُمْ بِسِلْسِلَةٍ مِنَ التَّوْجيهاتِ الرَّعَوِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ الَّتي تُشَكِّلُ دُسْتورَ الإِرْسالِيَّةِ المَسيحيَّةِ. هٰذِهِ التَّوْصِياتُ لا تَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِصِياغَةِ عَقائِدَ أَو مَبادِئَ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ بِإِعْلانِ حَدَثِ الخَلاصِ الَّذي تَحَقَّقَ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ. فَالرِّسالَةُ المَسيحيَّةُ لَيْسَتْ نِظامًا فِكْرِيًّا فَحَسْب، بَلْ لِقاءٌ مَعَ اللهِ الَّذي دَخَلَ تَاريخَ الإِنْسانِ وَافْتَتَحَ زَمَنَ الخَلاصِ.

التَّوْصِيَةُ الأُولى: إِعْلانُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ

أَوْصى يَسوعُ رُسُلَهُ قائِلًا: “وَأَعْلِنوا في الطَّريقِ أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكوتُ السَّمَواتِ” (متّى 10: 7). بِهٰذِهِ العِبارَةِ يَضَعُ الرَّبُّ أَمامَ الرُّسُلِ المَوْضوعَ الجَوْهَرِيَّ لِكِرازَتِهِم. فَمَلَكوتُ اللهِ هُوَ المَحْوَرُ الرَّئيسُ لِبِشارَةِ يَسوعَ وَتَعْليمِهِ. وَمِنْ أَجْلِ هٰذا المَلَكوتِ جالَ في مُدُنِ الجَليلِ وَقُراهُ “يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِم وَيُبَشِّرُ بِإِنْجيلِ المَلَكوتِ” (متّى 4: 23؛ 9: 35).

وَفي إِنْجيلِ مَتّى، لا تُفْهَمُ عِبارَةُ “مَلَكوتُ السَّمَواتِ” عَلى أَنَّها مُجَرَّدُ مَوْضوعٍ مِن مَوْضوعاتِ الكِرازَةِ، بَلْ هِيَ المِفْتاحُ اللاهوتِيُّ الَّذي يُوَحِّدُ الإِنْجيلَ كُلَّهُ وَيَكْشِفُ بِنْيَتَهُ الفِكْرِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ. فَالْمَلَكوتُ هُوَ المِحْوَرُ الَّذي تَدورُ حَوْلَهُ رِسالَةُ يَسوعَ وَتَعْليمُهُ وَأَعْمالُهُ الخَلاصِيَّةُ، وَهُوَ الخَيْطُ النّاظِمُ الَّذي يَرْبِطُ مُخْتَلِفَ أَقْسامِ الإِنْجيلِ بَعْضَها بِبَعْضٍ.

فَالْمَوْعِظَةُ عَلى الجَبَلِ (مَتّى 5–7) تُبَيِّنُ أَخْلاقَ المَلَكوتِ وَشُروطَ الانْتِماءِ إِلَيْهِ، وَتَصِفُ الإِنْسانَ الَّذي يَعيشُ تَحْتَ سِيادَةِ اللهِ. وَأَمْثالُ المَلَكوتِ (مَتّى 13) تَكْشِفُ سِرَّ حُضورِهِ وَنُمُوِّهِ التَّدْريجِيِّ في التّاريخِ، رَغْمَ المُقاوَمَةِ وَالرَّفْضِ. أَمّا خِطابُ الجَماعَةِ الكَنَسِيَّةِ (مَتّى 18) فَيُظْهِرُ كَيْفَ تُعاشُ قِيَمُ المَلَكوتِ داخِلَ جَماعَةِ التَّلاميذِ مِنْ خِلالِ التَّواضُعِ وَالمَغْفِرَةِ وَالمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ. وَفي الخِطابِ الإِسْكاتولوجِيِّ (مَتّى 24–25) يَبْلُغُ تَعْليمُ المَلَكوتِ ذِرْوَتَهُ بِالإِعْلانِ عَنْ اكْتِمالِهِ النِّهائِيِّ عِنْدَ مَجيءِ ابْنِ الإِنْسانِ في المَجْدِ وَالدَّيْنونَةِ الأَخيرَةِ.

وَمِنْ هُنا يَرى العَديدُ مِنَ المُفَسِّرينَ أَنَّ إِنْجيلَ مَتّى هُوَ بِحَقٍّ “إِنْجيلُ مَلَكوتِ السَّمَواتِ”، إِذْ تَرِدُ فيهِ هٰذِهِ العِبارَةُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثينَ مَرَّةً، بَيْنَما لا يَسْتَعْمِلُها الإِنْجِيلِيّونَ الآخَرونَ إِلَّا نادِرًا أَو يَسْتَبْدِلونَها بِعِبارَةِ “مَلَكوتِ اللهِ”. وَيَعودُ ذٰلِكَ إِلى خَلْفِيَّةِ مَتّى اليَهودِيَّةِ، حَيْثُ جَرَتِ العادَةُ عَلى اسْتِعْمالِ كَلِمَةِ “السَّماءِ” بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللهِ تَوْقيرًا لَهُ.

وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوريجانوس قائِلًا: “إِنَّ مَوْضوعَ الإِنْجيلِ كُلِّهِ هُوَ إِعْلانُ مَلَكوتِ اللهِ الَّذي ظَهَرَ في المَسيحِ وَيَنْمُو في المُؤْمِنينَ حَتّى يَبْلُغَ كَمالَهُ في المَجْدِ” (PG 13, 1197). كَما يَرى القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ “غايَةَ تَعْليمِ المَسيحِ كُلِّهِ كانَتْ أَنْ تَقودَ الإِنْسانَ إِلى مَلَكوتِ السَّمَواتِ وَتَجْعَلَهُ مُواطِنًا فيهِ مُنْذُ الآنَ” (PG 57, 228).

لِذٰلِكَ فَإِنَّ عِبارَةَ «قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكوتُ السَّمَواتِ» (مَتّى 10: 7) لا تَخْتَصِرُ فَقَطْ مَضْمونَ كِرازَةِ الرُّسُلِ، بَلْ تُلَخِّصُ رِسالَةَ إِنْجيلِ مَتّى بِأَسْرِها. فَالْمَلَكوتُ حاضِرٌ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ، وَيَنْمُو في الكَنيسَةِ، وَيُعاشُ في حَياةِ المُؤْمِنينَ، وَيَنْتَظِرُ اكْتِمالَهُ النِّهائِيَّ عِنْدَ مَجيءِ الرَّبِّ في المَجْدِ. وَهٰكَذا يُصْبِحُ إِنْجيلُ مَتّى كُلُّهُ دَعْوَةً إِلى الدُّخولِ في هٰذا المَلَكوتِ، وَالعَيْشِ بِحَسَبِ قِيَمِهِ، وَانْتِظارِ تَحْقيقِهِ الكامِلِ في الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. يُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “إِنَّ المَلَكوتَ اقْتَرَبَ لأَنَّ المَلِكَ نَفْسَهُ صارَ حاضِرًا بَيْنَ البَشَرِ” (PL 26, 66).

إِنَّ مَلَكوتَ اللهِ لا يَعْني مَكانًا جُغْرافِيًّا أَو دَوْلَةً سِياسِيَّةً، بَلْ سِيادَةَ اللهِ وَحُضورَهُ الخَلاصيَّ في حَياةِ الإِنْسانِ. فَهُوَ دُخولُ اللهِ في حَياةِ الإِنْسانِ، وَدُخولُ الإِنْسانِ في شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَ اللهِ. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: “هاءَنَذا مَلَكوتُ اللهِ بَيْنَكُم” (لوقا 17: 21). وَمِنْ هُنا فَإِنَّ المَلَكوتَ هُوَ مَلَكوتُ القَداسَةِ وَالسَّلامِ وَالمَحَبَّةِ وَالعَدالَةِ وَالحَقِّ وَالحُرِّيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوريجانوس قائِلًا: “حَيْثُ يَمْلِكُ المَسيحُ في النَّفْسِ، هُناكَ يَبْدَأُ مَلَكوتُ السَّمَواتِ” (PG 13, 1197).

وَمَلَكوتُ اللهِ حَقيقَةٌ حاضِرَةٌ وَمُسْتَقْبَلِيَّةٌ في آنٍ واحِدٍ. فَقَدْ بَدَأَ فِعْلِيًّا بِمَجيءِ المَسيحِ وَخِدْمَتِهِ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ مَلْأَهُ النِّهائِيَّ. لِذٰلِكَ تَتَحَدَّثُ أَمْثالُ المَلَكوتِ عَنْ نُمُوٍّ تَدْرِيجِيٍّ لِعَمَلِ اللهِ في التّاريخِ، كَمَثَلِ الزَّرْعِ وَالزُّؤانِ (متّى 13: 24-30)، وَحَبَّةِ الخَرْدَلِ (متّى 13: 31-32)، وَالخَميرَةِ (متّى 13: 33)، وَالشَّبَكَةِ (متّى 13: 47-50). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “إِنَّ الكَنيسَةَ الآنَ هِيَ مَلَكوتُ المَسيحِ في مَسيرَتِهِ التّاريخِيَّةِ، أَمَّا كَمالُ المَلَكوتِ فَسَيَظْهَرُ عِنْدَ مَجيئِهِ المَجيدِ” (مدينة الله 10، 9؛ PL 41, 675).

غَيْرَ أَنَّ الدُّخولَ في هٰذا المَلَكوتِ يَفْتَرِضُ تَغْييرًا جِذْرِيًّا في الحَياةِ. فَلا يَسْتَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَصيرَ تِلْميذًا حَقِيقِيًّا لِيَسوعَ إِلَّا إِذا تَابَ وَقَبِلَ مُقْتَضَياتِ المَلَكوتِ. وَمِنْ هٰذِهِ المُقْتَضَياتِ: الفَقْرُ بِالرُّوحِ (متّى 5: 3)، وَالبَساطَةُ وَرُوحُ البُنُوَّةِ (متّى 18: 1-4)، وَطَلَبُ مَلَكوتِ اللهِ أَوَّلًا (متّى 6: 33)، وَاحْتِمالُ الاضْطِهادِ مِنْ أَجْلِ الحَقِّ (متّى 5: 10)، وَالاسْتِعْدادُ لِلتَّضْحِيَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ المَلَكوتِ (متّى 13: 44-46). وَيُوجِزُ يَسوعُ هٰذِهِ المُتَطَلَّباتِ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقولُ لي: يا رَبُّ، يا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكوتَ السَّمَواتِ، بَلِ الَّذي يَعْمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَواتِ” (متّى 7: 21). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “إِنَّ المَلَكوتَ لا يُنالُ بِالأَقْوالِ، بَلْ بِالحَياةِ المُوافِقَةِ لِمَشيئَةِ اللهِ” (PG 57, 321).

وَهٰكَذا فَإِنَّ أَوَّلَ وَصِيَّةٍ أَعْطاها يَسوعُ لِرُسُلِهِ هِيَ أَنْ يَجْعَلوا مَلَكوتَ اللهِ مَرْكَزَ كِرازَتِهِم وَخِدْمَتِهِم. فَالكنيسَةُ لا تُبَشِّرُ بِنَفْسِها، وَلا بِمَشْروعٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ تُعْلِنُ حُضورَ اللهِ الخَلاصيَّ بَيْنَ البَشَرِ، وَتَدْعو الجَميعَ إِلى الدُّخولِ في شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَهُ، انْتِظارًا لاكْتِمالِ المَلَكوتِ في المَجْدِ الأَبَدِيِّ.

التَّوْصِيَةُ الثَّانِيَةُ: شِفاءُ المَرْضى

 تَتَجَلَّى الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتي أَوْصى بِها يَسوعُ رُسُلَهُ في قَوْلِهِ: “اِشْفُوا المَرْضى” (متّى 10: 8). فَبَعْدَ أَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ إِعْلانَ اقْتِرابِ مَلَكوتِ السَّمَواتِ، دَعاهُمْ إِلى أَنْ يَجْعَلوا هٰذِهِ البِشارَةَ مَرْئِيَّةً مِنْ خِلالِ أَعْمالِ الرَّحْمَةِ وَالشِّفاءِ. فَالكَلِمَةُ وَالعَمَلُ يَسيرانِ مَعًا في الرِّسالَةِ المَسيحيَّةِ. لِذٰلِكَ قالَ لِلتَّلاميذِ السَّبْعينَ: “اِشْفُوا المَرْضى الَّذينَ فيها وَقولوا لَهُم: قَدِ اقْتَرَبَ مِنكُم مَلَكوتُ اللهِ” (لوقا 10: 9). وَالفِعْلُ اليونانيُّ θεραπεύετε “اِشْفُوا ” لا يَعْني فَقَطْ المُعالَجَةَ الجَسَدِيَّةَ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا مَعْنى الخِدْمَةِ وَالرِّعايَةِ وَاسْتِعادَةِ الإِنْسانِ إِلى مِلْءِ حَياتِهِ. وَمِنْ هُنا فَإِنَّ شِفاءَ المَرْضى لَيْسَ مُجَرَّدَ عَمَلٍ إِنْسانِيٍّ، بَلْ عَلامَةٌ مَنْظورَةٌ لِحُضورِ مَلَكوتِ اللهِ وَعَمَلِهِ الخَلاصيِّ.

وَقَدْ رَأَى يَسوعُ في المَرَضِ أَحَدَ أَوْجُهِ البُؤْسِ الإِنْسانيِّ النّاتِجِ عَنْ وَضْعِ الإِنْسانِ السّاقِطِ. فَعَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الإِنْجيلَ لا يَرْبِطُ كُلَّ مَرَضٍ بِخَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى في المَرَضِ وَالمَوْتِ وَالأَلَمِ مِن نَتائِجِ دُخولِ الخَطِيئَةِ إِلى العالَمِ. وَقَدْ أَشارَ الرَّبُّ إِلى هٰذا البُعْدِ عِنْدَ شِفائِهِ المَرْأَةَ المُنْحَنِيَةِ قائِلًا: “هٰذِهِ ابْنَةُ إِبراهيمَ رَبَطَها الشَّيطانُ مُدَّةَ ثَمانيَ عَشْرَةَ سَنَةً” (لوقا 13: 16). لِذٰلِكَ أَصْبَحَ شِفاءُ المَرْضى عَلامَةً عَلى انْتِصارِ المَسيحِ عَلى قُوَى الشَّرِّ وَبِدايَةِ إِقامَةِ مَلَكوتِ اللهِ في العالَمِ. وَمِنْ هُنا أَشْرَكَ يَسوعُ رُسُلَهُ في سُلْطانِهِ، “فَدَعا تَلاميذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطاهُم سُلْطانًا عَلى الأَرْواحِ النَّجِسَةِ … وَعَلى شِفاءِ كُلِّ مَرَضٍ وَكُلِّ عِلَّةٍ” (متّى 10: 1)، لِتَكونَ مُعْجِزاتُهُمْ تَأْكيدًا لِصِدْقِ البِشارَةِ الَّتي يُعْلِنونَها (مرقس 16: 17-18). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يُرْسِلْهُم لِيُعَلِّموا بِالكَلامِ فَقَطْ، بَلْ لِيُظْهِروا بِالأَعْمالِ أَنَّ قُوَّةَ المَلَكوتِ حاضِرَةٌ فيهِم” (PG 57, 384).

إِنَّ المُعْجِزاتِ الَّتي تُرافِقُ الكِرازَةَ، مِثْلَ شِفاءِ المَرْضى وَإِقامَةِ المَوْتى وَتَطْهيرِ البُرْصِ وَطَرْدِ الشَّياطينِ (متّى 10: 8)، لَيْسَتْ غايَةً في ذاتِها، بَلْ هِيَ عَلاماتٌ تُشيرُ إِلى حُضورِ المَلَكوتِ. فَبِمَجيءِ المَلَكوتِ يَبْدَأُ انْحِسارُ سُلْطانِ إِبْليسَ وَالخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ: “إِذا كُنْتُ أَنا بِروحِ اللهِ أَطْرُدُ الشَّياطينَ، فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْكُم مَلَكوتُ اللهِ” (متّى 12: 28). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “حَيْثُ يَنْهَزِمُ الشَّيطانُ وَتُرَدُّ الصِّحَّةُ إِلى الإِنْسانِ، هُناكَ يَظْهَرُ عَمَلُ المَلَكوتِ” (PL 26, 71).

وَقَدْ وَاصَلَ الرُّسُلُ هٰذِهِ الخِدْمَةَ بَعْدَ القِيامَةِ وَالعَنْصَرَةِ. فَيَذْكُرُ سِفْرُ أَعْمالِ الرُّسُلِ مَواقِفَ عَديدَةً أَظْهَرَتْ فِيها قُوَّةُ اسْمِ يَسوعَ القائِمِ مِنْ بَيْنِ الأَمْواتِ. فَشَفَى بُطْرُسُ الرَّسولُ المُقْعَدَ عِنْدَ بابِ الهَيْكَلِ (أعمال 3: 1-10)، وَشَفَى فِيلِبُّسُ المَمْسوسينَ وَالمُقْعَدينَ وَالعُرْجَ في السَّامِرَةِ (أعمال 8: 7)، وَشَفَى بُطْرُسُ أَيْناسَ في اللُّدِّ (أعمال 9: 32-35)، وَشَفَى بولُسُ الرَّسولُ الرَّجُلَ المُقْعَدَ في لِسْتَرَةَ (أعمال 14: 8-10)، كَما شَفَى أَبا حاكِمِ جَزيرَةِ مالِطَةَ مِنَ الحُمَّى وَالدُّوسِنْطارِيا (أعمال 28: 8-9). وَلا يَقِفُ مَعْنى هٰذِهِ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُدودِ المُعْجِزاتِ الجَسَدِيَّةِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلى كُلِّ خِدْمَةٍ تُخَفِّفُ أَلَمَ الإِنْسانِ وَتُعِيدُ إِلَيْهِ كَرامَتَهُ وَرَجاءَهُ. فَالطَّبيبُ وَالمُمَرِّضُ وَالكاهِنُ وَكُلُّ مَنْ يَخْدِمُ المَرِيضَ يَشْتَرِكُ بِطَريقَتِهِ في رِسالَةِ المَسيحِ الشَّافِي. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ باسيليوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “إِنَّ العِنايَةَ بِالمَرِيضِ هِيَ أَعْظَمُ أَعْمالِ المَحَبَّةِ، لأَنَّها تَلْمَسُ المَسيحَ في أَضْعَفِ أَعْضائِهِ” (PG 31, 1048).

وَقَدْ لَخَّصَ الرَّبُّ نَفْسُهُ هٰذَا البُعْدَ الرَّعَوِيَّ عِنْدَما قالَ: “كُنْتُ مَريضًا فَعُدْتُموني” (متّى 25: 36). فَالمَريضُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِنْسانٍ مُحْتاجٍ إِلى المُساعَدَةِ، بَلْ هُوَ صُورَةُ المَسيحِ المُتَأَلِّمِ وَعَلامَتُهُ الحَيَّةُ في العالَمِ. وَهٰكَذا تَبْقى وَصِيَّةُ يَسوعَ: “اِشْفُوا المَرْضى” دَعْوَةً دائِمَةً لِلكَنيسَةِ إِلى أَنْ تُواصِلَ خِدْمَةَ المَسيحِ الشَّافِي، لا بِالكَلِمَةِ فَقَطْ، بَلْ بِأَعْمالِ الرَّحْمَةِ وَالمُؤاساةِ وَالعِنايَةِ بِالمُتَأَلِّمينَ، لِكَيْ يَخْتَبِرَ الإِنْسانُ مِنْ خِلالِها اقْتِرابَ مَلَكوتِ اللهِ وَحُضورَهُ الخَلاصيَّ.

التَّوْصِيَةُ الثَّالثة ُ: “وَأَقيمُوا المَوْتى (مَتّى 10: 8)

“وَأَقيمُوا المَوْتى” هي التَّوْصِيَةُ الثَّالثة في سِياقِ التَّوْصِياتِ الَّتي وَجَّهَها يَسوعُ إِلى رُسُلِهِ عِنْدَ إِرْسالِهِم الأَوَّل. وَهِيَ تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ السُّلْطاتِ الَّتي مَنَحَها المَسيحُ لِرُسُلِهِ، لأَنَّها تَمَسُّ أَعْظَمَ عَدُوٍّ لِلإِنْسانِ، أَلَا وَهُوَ المَوْتُ. فَإِقامَةُ المَوْتى لا تُعَبِّرُ فَقَطْ عَنْ عَمَلٍ عَجائِبِيٍّ، بَلْ عَنْ حُضورِ قُوَّةِ اللهِ الخَلاصيَّةِ الَّتي بَدَأَتْ تَغْلِبُ سُلْطانَ المَوْتِ في العالَمِ.

 “وَأَقيمُوا المَوْتى” في النَّصِّ اليونانيِّ يَرِدُ الفِعْلُ: ἐγείρετε وَالفِعْلُ ἐγείρω يَعْني: “يُوقِظُ، يُنْهِضُ، يُقيمُ”. فَإِنَّ إِقامَةَ المَوْتى في الإِنْجيلِ لا تَعْني مُجَرَّدَ إِعادَةِ الحَياةِ البِيولوجِيَّةِ، بَلْ تُشِيرُ إِلى قُوَّةِ اللهِ الَّتي تَهَبُ الحَياةَ وَتَتَغَلَّبُ عَلى المَوْتِ.

إِنَّ مَنْحَ الرُّسُلِ هٰذا السُّلْطانَ يَحْمِلُ عِدَّةَ دَلالاتٍ لاهوتِيَّةٍ: إِظْهارُ حُضورِ المَلَكوتِ. فَالمَوْتُ هُوَ آخِرُ أَعْداءِ الإِنْسانِ. وَإِذا كانَ الرُّسُلُ يُقيمونَ المَوْتى، فَهٰذا يَعْني أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ قَدْ بَدَأَ يَعْمَلُ بَيْنَ النّاسِ، وتَأْكيدُ صِدْقِ البِشارَةِ فَالْمُعْجِزاتُ تُصاحِبُ الكِرازَةَ وَتُؤَيِّدُها. وَقَدْ أَشارَ مَرْقُسُ إِلى ذٰلِكَ: “وَكانَ الرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُؤَيِّدُ الكَلِمَةَ بِالآياتِ التَّابِعَةِ” (مرقس 16: 20)، والإِعْلانُ المُسْبَقُ لِقِيامَةِ المَسيحِ فَإِقامَةُ المَوْتى تُعَدُّ تَمْهيدًا لِلحَدَثِ الأَعْظَمِ، أَي قِيامَةِ يَسوعَ نَفْسِهِ مِنْ بَيْنِ الأَمْواتِ.

تَحَقَّقَتْ هٰذِهِ الوَصِيَّةُ فِعْلِيًّا في الكَنيسَةِ الرَّسوليَّةِ. فَقَدْ أَقامَ بُطْرُسُ الرَّسولُ “طابيثا “”يا طابيثا قُومي” (أعمال 9: 36-42). وَأَقامَ بولُسُ الرَّسولُ: أَفْتيخُس (أعمال 20: 9-12). وَهٰذِهِ الأَحْداثُ تُظْهِرُ أَنَّ الرُّسُلَ كانُوا يَعْمَلونَ بِسُلْطانِ المَسيحِ القائِمِ مِنَ المَوْتِ.

رَأَى الآباءُ في إِقامَةِ المَوْتى بُعْدَيْنِ:

أ) البُعْدُ الحَرْفِيُّ: أَي المُعْجِزاتُ الفِعْلِيَّةُ الَّتي أُقيمَ فيها أَشْخاصٌ مِنَ المَوْتِ الجَسَدِيِّ.

ب) البُعْدُ الرُّوحيُّ: وَهُوَ الأَهَمُّ وَالاكثر دوام. يَقُولُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ: “هُناكَ مَوْتى يَسيرونَ عَلى أَقْدامِهِم؛ إِنَّهُمُ الخُطاةُ الَّذينَ ماتَتْ نُفوسُهُم بِالخَطِيئَةِ. وَعِنْدَما يَتوبونَ يَقُومونَ مِنْ مَوْتِهِم” (PL 38, 592). وَيَقولُ القِدِّيسُ ايرونيموس: “إِقامَةُ نَفْسٍ واحِدَةٍ مِنْ مَوْتِ الخَطِيئَةِ أَعْظَمُ مِنْ إِقامَةِ جَسَدٍ مِنَ القَبْرِ”.

رُبَّما لا يُطالَبُ خادِمُ اليَوْمِ بِإِقامَةِ المَوْتى جَسَدِيًّا، لٰكِنَّهُ مَدْعوٌّ كُلَّ يَوْمٍ إِلى إِقامَةِ المَوْتى رُوحِيًّا: إِعادَةِ الرَّجاءِ لِليائِسينَ، إِرجاعِ الخُطاةِ إِلى التَّوبَةِ، تَعْزِيَةِ المَكْسورينَ، إِحياءِ الإِيمانِ في القُلوبِ الفاتِرَةِ. فَكُلُّ مَنْ يُعيدُ إِنْسانًا إِلى اللهِ يُشارِكُ في عَمَلِ المَسيحِ القائِلِ: “أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ، مَنْ آمَنَ بي وَإِنْ ماتَ فَسَيَحْيا” (يوحنّا 11: 25).

وَهٰكَذا تَكْشِفُ وَصِيَّةُ يَسوعَ: «وَأَقيمُوا المَوْتى» عَنْ قَلْبِ الرِّسالَةِ المَسيحيَّةِ، فَهِيَ إِعْلانٌ لأَنَّ المَسيحَ القائِمَ مِنْ بَيْنِ الأَمْواتِ قَدْ دَخَلَ تَاريخَ البَشَرِ لِيُحَوِّلَ المَوْتَ إِلى حَياةٍ، وَاليَأْسَ إِلى رَجاءٍ، وَالخَطِيئَةَ إِلى خَلاصٍ، حَتّى يَبْلُغَ الإِنْسانُ مِلْءَ الحَياةِ في مَلَكوتِ اللهِ.

التَّوْصِيَةُ الرَّابِعَةُ: “وَأَبْرِئوا البُرْصَ” (مَتّى 10: 8)

“وَأَبْرِئوا البُرْصَ” هي التَّوْصِيَةُ الرَّابِعَةُ، ولها بُعْدٌ أَساسِيٌّ مِنْ أَبْعادِ الرِّسالَةِ المَسيحيَّةِ، وَهُوَ إِعادَةُ الإِنْسانِ إِلى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَمَعَ الجَماعَةِ. فَالبَرَصُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ لَمْ يَكُنْ يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَمَرَضٍ جَسَدِيٍّ فَحَسْب، بَلْ كَحالَةٍ تُؤَدِّي إِلى النَّبْذِ الاجْتِماعِيِّ وَالعُزْلَةِ الدِّينِيَّةِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ تَطْهيرَ الأَبْرَصِ يَحْمِلُ مَعْنًى خَلاصِيًّا وَرَمْزِيًّا يَتَجاوَزُ الشِّفاءَ الجَسَدِيَّ.

في الأَصْلِ اليونانيِّ تَرِدُ العِبارَةُ “وَأَبْرِئوا البُرْصَ ” λεπροὺς καθαρίζετε وَالفِعْلُ καθαρίζω لا يَعْني “يَشْفي» فَقَطْ، بَلْ “يُطَهِّرُ” أَيْضًا. وَهٰذا أَمْرٌ مُهِمٌّ، لأَنَّ المَشْكِلَةَ في البَرَصِ لَمْ تَكُنْ طِبِّيَّةً وَحْدَها، بَلْ طَقْسِيَّةً وَاجْتِماعِيَّةً أَيْضًا. فَالْبَرَصُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ “نَجِسًا” وَغَيْرَ قادِرٍ عَلى المُشارَكَةِ في الحَياةِ الدِّينِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. وَلِذٰلِكَ أَصْبَحَ البَرَصُ رَمْزًا لِلْخَطِيئَةِ الَّتي تُفْسِدُ الإِنْسانَ وَتَفْصِلُهُ عَنْ اللهِ وَعَنِ الجَماعَةِ (لاويّين 13–14). وَلِذٰلِكَ أَصْبَحَ البَرَصُ رَمْزًا لِلْخَطِيئَةِ الَّتي تُفْسِدُ الإِنْسانَ وَتَفْصِلُهُ عَنْ اللهِ وَعَنِ الجَماعَةِ.

أَعْطى يَسوعُ الرُّسُلَ سُلْطانَ تَطْهيرِ البُرْصِ كي يَكْشِفُ ذٰلِكَ عَنْ حَقيقَةٍ لاهوتِيَّةٍ مُهِمَّةٍ: إِنَّ الرُّسُلَ لا يُعْلِنونَ المَلَكوتَ بِالكَلامِ فَقَطْ، بَلْ يُجَسِّدونَ قُوَّتَهُ الخَلاصِيَّةَ. فَكَما أَعادَ يَسوعُ الأَبْرَصَ إِلى المُجْتَمَعِ وَالعِبادَةِ (مَتّى 8: 2- 3)، هٰكَذا يُدْعى الرُّسُلُ إِلى إِعادَةِ المَهْمَّشينَ وَالمُنْبَذينَ إِلى جَماعَةِ الخَلاصِ.

رُبَّما لا يُواجِهُ المرسل اليَوْمِ البَرَصَ الجَسَدِيَّ، لٰكِنَّهُ يُواجِهُ أَنْواعًا كَثيرَةً مِنَ “البَرَصِ الاجْتِماعِيِّ وَالرُّوحيِّ:

العُزْلَةُ وَالوَحْدَةُ، الإِدْمانُ، الوَصْمُ الاجْتِماعِيُّ، الفَقْرُ وَالتَّهْميشُ وجُروحُ الخَطِيئَةِ وَالبُعْدِ عَنِ اللهِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ وَصِيَّةَ يَسوعَ “وَأَبْرِئوا البُرْصَ” تَدْعو الكَنيسَةَ إِلى أَنْ تَمُدَّ يَدَها كَما مَدَّها المَسيحُ، وَأَنْ تَقْتَرِبَ مِنَ المُهَمَّشينَ وَالمُنْبَذينَ، لا لِتَدينَهُمْ، بَلْ لِتُعيدَ إِلَيْهِم كَرامَتَهُمْ وَرَجاءَهُمْ وَمَكانَتَهُمْ في جَماعَةِ اللهِ. وَهٰكَذا تَكْشِفُ وَصِيَّةُ يَسوعَ “وَأَبْرِئوا البُرْصَ” أَنَّ المَلَكوتَ الَّذي يُعْلِنُهُ الرُّسُلُ هُوَ مَلَكوتُ الرَّحْمَةِ وَالشِّفاءِ وَالمُصالَحَةِ، حَيْثُ لا يَبْقى الإِنْسانُ مَطْرودًا وَلا مَنْبُوذًا، بَلْ يَجِدُ مَكانَهُ في أُسْرَةِ اللهِ وَشَعْبِهِ المُقَدَّسِ.

التَّوْصِيَةُ الخامسة ُ: ” وَاطْرُدوا الشَّياطينَ (مَتّى 10: 8)

التَّوْصِيَةُ الخامسة ُ هي “وَاطْرُدوا الشَّياطينَ” δαιμόνια ἐκβάλλετε وَالفِعْلُ ἐκβάλλω يَعْني:يُخْرِجُ، يَطْرُدُ، يُلْقِيَ خارِجًا بِقُوَّةٍ“. وَلا يَتَحَدَّثُ النَّصُّ عَنْ مُحاوَرَةِ الشَّياطينِ أَو التَّفاوُضِ مَعَها، بَلْ عَنْ طَرْدِها وَإِخْضاعِها لِسُلْطانِ اللهِ. فهو تَحْريرُ الإِنْسانِ مِنْ سُلْطانِ الشَّرِّ. فَالمَسيحُ لَمْ يَأْتِ فَقَطْ لِيُعَلِّمَ أَو يَشْفِي، بَلْ جَاءَ أَيْضًا لِيُحَطِّمَ مَمْلَكَةَ الشَّيطانِ وَيُقيمَ مَلَكوتَ اللهِ. يُشَكِّلُ طَرْدُ الشَّياطينِ جُزْءًا أَساسِيًّا مِنْ خِدْمَةِ يَسوعَ العَلَنِيَّةِ. فَقَدْ طَرَدَ الشَّياطينَ مِنَ المَمْسوسِ في مَجْمَعِ كَفْرَناحوم (مرقس 1: 21-28)، وَمِنَ الرَّجُلِ المَمْسوسِ في أَرْضِ الجَرَسِيِّينَ (مرقس 5: 1-20)، وَمِنْ كَثيرينَ غَيْرِهِم. وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ أَشْرَكَ رُسُلَهُ في سُلْطانِهِ عَلَى الأَرْواحِ النَّجِسَةِ، لِيُواصِلوا عَمَلَهُ الخَلاصيَّ في العالَمِ.

إِنَّ مَنْحَ هٰذا السُّلْطانِ لِلرُّسُلِ يُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ يُواصِلونَ عَمَلَ المَسيحِ نَفْسِهِ. فَالرِّسالَةُ لا تَقْتَصِرُ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالعِظَةِ، بَلْ تَشْمَلُ تَحْريرَ الإِنْسانِ مِنْ كُلِّ ما يَسْتَعْبِدُهُ وَيُبْعِدُهُ عَنِ اللهِ. وَقَدْ عادَ التَّلاميذُ السَّبْعونَ فَرِحينَ قائِلينَ: “يا رَبُّ، حَتّى الشَّياطينُ تَخْضَعُ لَنا بِاسْمِكَ” (لوقا 10: 17). فَقالَ لَهُمْ يَسوعُ: “رَأَيْتُ الشَّيطانَ ساقِطًا مِنَ السَّماءِ كَالبَرْقِ” (لوقا 10: 18). وَهٰكَذا يَرْبِطُ يَسوعُ بَيْنَ نَجاحِ الإِرْسالِيَّةِ وَبَيْنَ هَزيمَةِ قُوَى الشَّرِّ.

يَرَى الآباءُ أَنَّ طَرْدَ الشَّياطينِ هُوَ عَلامَةُ انْتِصارِ المَسيحِ عَلَى إِبْليسَ. يَقُولُ القِدِّيسُ إيريناوُس: “جاءَ المَسيحُ لِيَحُلَّ أَعْمالَ المُضِلِّ، وَيُعيدَ الإِنْسانَ إِلى الحُرِّيَّةِ الَّتي فَقَدَها بِالخَطِيئَةِ” (PG 7, 1175). وَيَقُولُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “إِنَّ خُضوعَ الشَّياطينِ لِلرُّسُلِ يُظْهِرُ أَنَّ سُلْطانَ المَسيحِ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ قُوَى الشَّرِّ” (PG 57, 384). أَمَّا القِدِّيسُ كيرِلُّسُ الأُورُشَليميُّ فَيُؤَكِّدُ: “حَيْثُ يُذْكَرُ اسْمُ يَسوعَ بِإِيمانٍ، تَرْتَعِدُ قُوَى الظُّلْمَةِ، لأَنَّ الصَّليبَ أَصْبَحَ عَلامَةَ انْتِصارِ المَسيحِ عَلَيْها” (PG 33, 805).

لا يَنْحَصِرُ مَعْنَى هٰذِهِ الوَصِيَّةِ في حادِثَةِ طَرْدِ الشَّياطينِ بِمَعْناها المُباشِرِ فَقَطْ، بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مُواجَهَةٍ لِلشَّرِّ وَالخَطِيئَةِ في حَياةِ الإِنْسانِ. فَكُلُّ ما يُبْعِدُ الإِنْسانَ عَنِ اللهِ وَيَسْتَعْبِدُهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ كَتَجَلٍّ لِعَمَلِ الشَّرِّ: الكَراهِيَةُ، الحِقْدُ، الإِدْمانُ، الظُّلْمُ، العُنفُ، اليَأْسُ والعُبودِيَّةُ لِلخَطِيئَةِ. وَمِنْ هُنا تَصْبِحُ الرِّسالَةُ المَسيحيَّةُ عَمَلِيَّةَ تَحْريرٍ شَامِلَةٍ لِلإِنْسانِ.

إِنَّ الكَنيسَةَ تُواصِلُ اليَوْمَ رِسالَةَ المَسيحِ في مُحارَبَةِ الشَّرِّ بِوَسائِلِ النِّعْمَةِ بِإِعْلانِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالأَسْرارِ المُقَدَّسَةِ، وَالصَّلاةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَأَعْمالِ المَحَبَّةِ وَالشَّهادَةِ لِلْحَقِّ. فَكُلُّ مَرَّةٍ يَنْتَصِرُ فيها الإِنْسانُ عَلَى الخَطِيئَةِ وَيَعودُ إِلى اللهِ، يَتَجَدَّدُ انْتِصارُ المَسيحِ عَلَى قُوَى الشَّرِّ.

وَهٰكَذا تَكْشِفُ وَصِيَّةُ يَسوعَ “وَاطْرُدوا الشَّياطينَ” أَنَّ الإِرْسالِيَّةَ المَسيحيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَقْلِ مَعْرِفَةٍ دِينِيَّةٍ، بَلْ مُشارَكَةٌ في مَعْرَكَةِ الخَلاصِ الَّتي خاضَها المَسيحُ وَانْتَصَرَ فيها. فَبِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ يَبْقى الرُّسُلُ وَالكَنيسَةُ شُهُودًا لِذٰلِكَ الانْتِصارِ، مُعْلِنينَ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ قَدِ اقْتَرَبَ، وَأَنَّ قُوَى الظُّلْمَةِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهِ (مَتّى 16: 18).

 (3)  مِيِّزاتُ الإِرْسالِيَّةِ الرَّسوليَّة

لَمْ يَكْتَفِ يَسوعُ بِإِعْطاءِ رُسُلِهِ تَوْصِياتٍ تَتَعَلَّقُ بِمَضْمونِ الرِّسالَةِ وَمُمارَسَتِها، بَلْ كَشَفَ لَهُمْ أَيْضًا الخَصائِصَ الأَساسِيَّةَ الَّتي تُمَيِّزُ الإِرْسالِيَّةَ المَسيحيَّةَ. وَمِنْ أَهَمِّ هٰذِهِ الخَصائِصِ: المَجانِيَّةُ، وَالشُّموليَّةُ، وَالحَسْمُ وَالشَّهادَةُ. وَتَبْقى هٰذِهِ السِّماتُ مِعْيارًا لِكُلِّ خِدْمَةٍ رَسوليَّةٍ في الكَنيسَةِ عَبْرَ العُصورِ.

(أ) إِرْسالِيَّةٌ مَجّانِيَّةٌ

إِنَّ مُبادَرَةَ الإِرْسالِيَّةِ تَنْبَعُ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ، فَهُوَ “رَبُّ الحَصادِ” (متّى 9: 38)، وَهُوَ الَّذي يَدْعو وَيُرْسِلُ العَمَلَةَ إِلى حَقْلِهِ. وَالمَسيحُ هُوَ الَّذي أَطْلَقَ هٰذِهِ المُبادَرَةَ، لأَنَّ أَحْشاءَهُ تَحَرَّكَتْ شَفَقَةً عَلى الجُموعِ “لأَنَّهُمْ كانوا مُنْهَكِينَ وَمُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها” (متّى 9: 36). فَالدَّعْوَةُ الرَّسوليَّةُ لَيْسَتْ نَتيجَةَ اسْتِحْقاقٍ بَشَرِيٍّ أَو تَفَوُّقٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ عَطِيَّةٌ مَجّانِيَّةٌ مِنَ اللهِ. فَالرَّسولُ لَمْ يَخْتَرْ نَفْسَهُ، بَلْ اخْتارَهُ المَسيحُ وَدَعاهُ إِلى خِدْمَتِهِ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ: “أَخَذْتُم مَجّانًا فَمَجّانًا أَعْطوا” (متّى 10: 8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “إِنْ كُنّا قَدْ نِلْنا كُلَّ شَيْءٍ مِنَ اللهِ عَطِيَّةً، فَكَيفَ نَفْتَخِرُ كَأَنَّنا لَمْ نَأْخُذْهُ؟ مَجّانًا نِلْنا، وَمَجّانًا يَنْبَغي أَنْ نُعْطي” (PL 38, 605).

وَالمَجانِيَّةُ لَيْسَتْ فَقَطْ أُسْلوبًا في الخِدْمَةِ، بَلْ هِيَ طَريقَةُ حَياةِ المَلَكوتِ نَفْسِهِ. فَالرَّسولُ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ كُلَّ ما لَدَيْهِ هُوَ هِبَةٌ: الدَّعْوَةُ وَالنِّعْمَةُ وَالمَواهِبُ وَالثِّمارُ. وَمِنْ هُنا لا يَسْتَنْدُ إِلى قُوَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ إِلى نِعْمَةِ اللهِ العامِلَةِ فيهِ. وَهٰذا ما عَبَّرَ عَنْهُ القِدِّيسُ بولُسُ قائِلًا: “وَبِنِعْمَةِ اللهِ ما أَنا عَلَيْهِ” (1 قورنتس 15: 10). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَخْتَرِ المَسيحُ رُسُلَهُ لِغِناهُمْ أَو حِكْمَتِهِم، بَلْ لِيُظْهِرَ أَنَّ قُوَّةَ البِشارَةِ هِيَ مِنَ اللهِ لا مِنَ البَشَرِ” (PG 57, 380).

وَبِما أَنَّ الرَّسولَ قَدْ نالَ كُلَّ شَيْءٍ مَجّانًا، فَهُوَ مَدْعوٌّ أَنْ يَعِيشَ بِفَقْرٍ إِنْجيليٍّ وَثِقَةٍ كامِلَةٍ بِالعِنايَةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَلا أَمْنَ لَهُ إِلَّا في سَيِّدِهِ، وَلا سُلْطانَ لَهُ إِلَّا السُّلْطانَ الَّذي تَسَلَّمَهُ مِنَ المَسيحِ، وَلا كَلِمَةَ لَهُ إِلَّا الكَلِمَةَ الَّتي يَضَعُها الرُّوحُ القُدُسُ عَلى لِسانِهِ. وَهٰذا ما وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ تَلاميذَهُ قائِلًا: “فَلَسْتُم أَنْتُمُ المُتَكَلِّمينَ، بَلْ رُوحُ أَبيكُم يَتَكَلَّمُ فيكُم” (متّى 10: 20).

إِلَّا أَنَّ المَجانِيَّةَ لا تَعْني السُّهولَةَ أَو غِيابَ الصَّليبِ. فَالرَّسولُ الَّذي يَشْتَرِكُ في رِسالَةِ المَسيحِ يَشْتَرِكُ أَيْضًا في مَصيرِهِ. فَلا وُجودَ لِلرَّسولِ خَارِجَ شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَ مُرْسِلِهِ. وَمِنْ هُنا يَنْبَغي أَلَّا يَنْخَدِعَ بِشَأْنِ ما يَنْتَظِرُهُ مِنْ تَجارِبَ وَاضْطِهاداتٍ. فَقَدْ قالَ يَسوعُ: “لَيْسَ الخادِمُ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلا الرَّسولُ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ” (يوحنّا 13: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِريغوريوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “إِذا كانَ الرَّأْسُ قَدِ احْتَمَلَ الآلامَ، فَلا يَجوزُ لِلأَعْضاءِ أَنْ تَرْفُضَ ما قَبِلَهُ الرَّأْسُ” (PL 76, 1140).

وَلِذٰلِكَ أَرْسَلَ يَسوعُ رُسُلَهُ “كَخِرافٍ بَيْنَ الذِّئابِ” (متّى 10: 16)، مُدْرِكًا أَنَّ العالَمَ سَيُقاوِمُ رِسالَتَهُمْ كَما قاومَ رِسالَتَهُ هُوَ. وَقَدْ أَنْذَرَهُمْ مُسْبَقًا بِأَنَّ الاضْطِهادَ جُزْءٌ مِنَ الشَّهادَةِ الإِنْجيليَّةِ. فَقالَ: “هاءَنَذا أُرْسِلُ إِلَيْكُم أَنْبِياءَ وَحُكَماءَ وَكَتَبَةً، فَبَعْضَهُمْ تَقْتُلونَ وَتَصْلِبونَ، وَبَعْضَهُمْ تَجْلِدونَ في مَجامِعِكُمْ وَتُطارِدونَ مِنْ مَدينَةٍ إِلى مَدينَةٍ” (متّى 23: 34). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أغناطيوس الأَنْطاكيُّ، وَهُوَ في طَريقِهِ إِلى الشَّهادَةِ، قائِلًا: “دَعوني أَتْبَعْ آلامَ إِلٰهي، فَمَنْ كانَ في المَسيحِ يَفْهَمُ ما أُريدُهُ” (PG 5, 693). وَهٰكَذا تَظْهَرُ المَجانِيَّةُ كَأَوَّلِ سِماتِ الإِرْسالِيَّةِ الرَّسوليَّةِ: فَكُلُّ شَيْءٍ يَبْدَأُ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ في الثِّقَةِ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُقَدَّمُ مَجّانًا لِخَلاصِ الإِنْسانِ، حَتّى إِذا اقْتَضَى الأَمْرُ بَذْلَ الحَياةِ نَفْسِها شَهادَةً لِلإِنْجيلِ.

(ب) إِرْسالِيَّةٌ شامِلَةٌ

عَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ يَسوعَ أَوْصى رُسُلَهُ في الإِرْسالِيَّةِ الأُولى قائِلًا: “لا تَسْلُكوا طَريقًا إِلى الوَثَنِيِّينَ، وَلا تَدْخُلوا مَدينَةً لِلسَّامِرِيِّينَ، بَلِ اذْهَبوا إِلى الخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” (متّى 10: 5-6)، فَإِنَّ هٰذا التَّوْجيهَ لا يُعَبِّرُ عَنْ حَصْرِ الخَلاصِ بِإِسْرائيلَ، بَلْ عَنْ التَّدَرُّجِ التّاريخِيِّ في تَحَقُّقِ مَشِيئَةِ اللهِ الخَلاصيَّةِ.

فَقَدْ ظَهَرَ يَسوعُ أَوَّلًا بِصِفَتِهِ “مَسيحَ إِسْرائيلَ” وَمُتَمِّمَ مَواعيدِ العَهْدِ القَديمِ. وَكانَ مِنَ الطَّبيعيِّ أَنْ تَبْدَأَ البِشارَةُ بِالشَّعْبِ الَّذي تَسَلَّمَ النُّبُوَّاتِ وَالعُهودَ وَانْتَظَرَ المَسيحَ. لِذٰلِكَ يُؤَكِّدُ الرَّسولُ بولُسُ أَنَّ الإِنْجيلَ هُوَ “قُوَّةُ اللهِ لِخَلاصِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِلْيَهودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيونانِيِّ” (رومة 1: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “بَدَأَتِ البِشارَةُ بِإِسْرائيلَ حَتّى لا يَقولَ أَحَدٌ إِنَّهُ حُرِمَ مِنَ المَواعيدِ الَّتي أُعْطِيَتْ لِآبائِهِ” (PL 26, 62).

إِلَّا أَنَّ هٰذِهِ الأَوْلَوِيَّةَ الزَّمَنِيَّةَ لا تُلْغِي الشُّموليَّةَ، لأَنَّ مَشْروعَ اللهِ الخَلاصيَّ مُوَجَّهٌ مُنْذُ البِدايَةِ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ. فَالَّذي بَدَأَ بِالخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذي خَتَمَ إِنْجيلَ مَتّى بِالوَصِيَّةِ العُظْمى: “فَاذْهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَمِ” (متّى 28: 19).

وَيُلاحَظُ أَنَّ عِبارَةَ “لا تَسْلُكوا طَريقًا إِلى الوَثَنِيِّينَ” تَحْمِلُ في سِياقِها الأَوَّلِ مَعْنًى جُغْرافِيًّا وَرَعَوِيًّا، إِذْ تُحَدِّدُ مَجالَ الإِرْسالِيَّةِ الأُولى. لٰكِنَّها لا تُعَبِّرُ عَنْ حُدودٍ دائِمَةٍ لِلخَلاصِ. فَالمَسيحُ نَفْسُهُ أَظْهَرَ انْفِتاحَهُ عَلى غَيْرِ اليَهودِ مِنْ خِلالِ شِفاءِ ابْنِ قائِدِ المِئَةِ (متّى 8: 5-13)، وَمُحاوَرَتِهِ لِلْمَرْأَةِ الكَنْعانِيَّةِ (متّى 15: 21-28)، وَإِعْجابِهِ بِإِيمانِها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “لَمْ يَكُنِ المَسيحُ يُؤَجِّلُ دُخولَ الأُمَمِ إِلى الخَلاصِ، بَلْ كانَ يُعِدُّ لَهُ الطَّريقَ مِنْ خِلالِ إِسْرائيلَ” (PL 38, 531).

وَفي الزَّمَنِ الَّذي كُتِبَ فيهِ إِنْجيلُ مَتّى، كانَتِ الكَنيسَةُ قَدْ أَعادَتْ فَهْمَ مَفْهومِ “إِسْرائيلَ” في ضَوْءِ حَدَثِ المَسيحِ. فَلَمْ يَعُدِ الاسْمُ يَدُلُّ فَقَطْ عَلى شَعْبٍ ذِي أُصُولٍ عِرْقِيَّةٍ أَو جُغْرافِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، بَلْ أَصْبَحَ يَحْمِلُ مَعْنًى لاهوتِيًّا أَعْمَقَ، يُشيرُ إِلى جَماعَةِ المُؤْمِنينَ الَّذينَ يَعْتَرِفونَ بِيَسوعَ المَسيحِ رَبًّا وَمُخَلِّصًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوسُ قائِلًا: «إِنَّ المَسيحَ جَمَعَ مِنَ اليَهودِ وَالأُمَمِ شَعْبًا واحِدًا جَديدًا، وَجَعَلَ مِنَ الإِيمانِ أَساسَ الانْتِماءِ إِلى شَعْبِ اللهِ” (PG 7, 1044).

وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ أَصْبَحَتِ الكَنيسَةُ “إِسْرائيلَ الجَديدَ”، أَي جَماعَةَ العَهْدِ الجَديدِ الَّتي تَضُمُّ المُؤْمِنينَ مِنْ كُلِّ لُغَةٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ. هٰذِهِ هِيَ الرُّؤْيَةُ الَّتي يُعَبِّرُ عَنْها سِفْرُ الرُّؤْيا عِنْدَما يَصِفُ المُفْتَدَيْنَ الَّذينَ جَمَعَهُم المَسيحُ “مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَقَبيلَةٍ وَشَعْبٍ وَلِسانٍ» (رؤيا 7: 9). لِذٰلِكَ فَإِنَّ الإِرْسالِيَّةَ الرَّسوليَّةَ إِرْسالِيَّةٌ شامِلَةٌ بِجَوْهَرِها. وَإِنْ كانَتْ قَدْ بَدَأَتْ مِنْ إِسْرائيلَ، فَإِنَّها لا تَنْتَهي عِنْدَهُ. وَهٰذا ما أَشارَ إِلَيْهِ يَسوعُ بِقَوْلِهِ: “الحَقَّ أَقولُ لَكُم: لَنْ تُنْهوا التَّجَوّالَ في مُدُنِ إِسْرائيلَ حَتّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسانِ” (متّى 10: 23). فَالرِّسالَةُ تَبْقى مُسْتَمِرَّةً عَبْرَ الأَجْيالِ، وَلا تَبْلُغُ نِهايَتَها إِلَّا عِنْدَ اكْتِمالِ مَلَكوتِ اللهِ في المَجيءِ المَجيدِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: “لَمْ يَجْعَلِ المَسيحُ الأَرْضَ الواحِدَةَ مَجالًا لِبِشارَتِهِ، بَلْ سَلَّمَ العالَمَ كُلَّهُ إِلى رُسُلِهِ” (PG 58, 700).

وَهٰكَذا تَكْشِفُ شُموليَّةُ الإِرْسالِيَّةِ أَنَّ قَلْبَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ الحُدودِ العِرْقِيَّةِ وَالجُغْرافِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ. فَالمَسيحُ الَّذي بَدَأَ بِالخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذي جَعَلَ مِنْ كَنيسَتِهِ سِرَّ خَلاصٍ لِجَميعِ الأُمَمِ، حَتّى يَبْلُغَ الإِنْجيلُ إِلى “أَقاصِي الأَرْضِ” (أعمال 1: 8)، وَيَجْتَمِعَ البَشَرُ جَميعًا في قَطيعٍ واحِدٍ تَحْتَ راعٍ واحِدٍ (يوحنّا 10: 16).

(ج) إِرْسالِيَّةٌ حاسِمَةٌ

تَتَّسِمُ الإِرْسالِيَّةُ الرَّسوليَّةُ بِطابَعٍ حاسِمٍ، لأَنَّها لا تَقْتَصِرُ عَلى نَقْلِ مَعْلوماتٍ دِينِيَّةٍ أَو تَعاليمَ أَخْلاقِيَّةٍ، بَلْ تَضَعُ الإِنْسانَ أَمامَ قَرارٍ مَصيرِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِقَبولِ المَسيحِ أَو رَفْضِهِ. فَالرُّسُلُ لا يُبَشِّرونَ بِأَنْفُسِهِم، بَلْ بِالمَسيحِ الَّذي أَرْسَلَهُم، لِذٰلِكَ فَإِنَّ المَوْقِفَ مِنْهُمْ يَصيرُ مَوْقِفًا مِنْ مُرْسِلِهِم. وَقَدْ أَوْضَحَ يَسوعُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ بِقَوْلِهِ: “مَنْ سَمِعَ إِلَيْكُم سَمِعَ إِلَيَّ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْكُم أَعْرَضَ عَنِّي، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِّي أَعْرَضَ عَنِ الَّذي أَرْسَلَني” (لوقا 10: 16). وَقالَ أَيْضًا: “مَنْ يَقْبَلُ الَّذي أُرْسِلُهُ يَقْبَلُني أَنا، وَمَنْ يَقْبَلُني يَقْبَلُ الَّذي أَرْسَلَني” (يوحنّا 13: 20).

وَيُظْهِرُ هٰذا التَّعْليمُ أَنَّ الإِرْسالِيَّةَ تَسْتَمِدُّ سُلْطانَها مِنَ المَسيحِ نَفْسِهِ. فَالرَّسولُ يَقِفُ أَمامَ النّاسِ لا بِصِفَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ كَشاهِدٍ وَمُمَثِّلٍ لِلْمَسيحِ. وَمِنْ هُنا يَصْبَحُ قَبولُ البِشارَةِ أَو رَفْضُها أَمْرًا حاسِمًا يَمَسُّ عَلاقَةَ الإِنْسانِ بِاللهِ نَفْسِهِ.

وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ قائِلًا: “إِنَّ الَّذي يُصْغي إِلى الرُّسُلِ بِإِيمانٍ إِنَّما يُصْغي إِلى المَسيحِ المُتَكَلِّمِ فيهِم، لأَنَّهُمْ لَيْسوا أَصْحابَ الرِّسالَةِ بَلْ خُدّامُها” (PG 72, 909).

إِنَّ يَسوعَ يَظْهَرُ في الإِنْجيلِ بِصِفَتِهِ حُضورَ مَلَكوتِ اللهِ بَيْنَ البَشَرِ. لِذٰلِكَ لا يَسْتَطيعُ الإِنْسانُ أَنْ يَبْقى مُحايِدًا أَمامَهُ. فَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَهُ وَيَدْخُلَ في شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَ اللهِ، وَإِمَّا أَنْ يَرْفُضَهُ وَيُغْلِقَ نَفْسَهُ أَمامَ نِعْمَةِ الخَلاصِ. وَمِنْ هُنا يَكْتَسِبُ الإِنْجيلُ طابَعَهُ الحاسِمَ، لأَنَّهُ يَدْعو كُلَّ إِنْسانٍ إِلى اتِّخاذِ مَوْقِفٍ أَساسيٍّ مِنَ المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: “لَيْسَ المَسيحُ طَريقًا مِنْ بَيْنِ طُرُقٍ كَثيرَةٍ، بَلْ هُوَ الطَّريقُ الَّذي يَفْصِلُ بَيْنَ الحَياةِ وَالمَوْتِ، وَبَيْنَ الخَلاصِ وَالهَلاكِ” ( PL 38, 779).

وَلِذٰلِكَ يَنْبَغي أَنْ يَقُومَ الرَّسولُ أَوَّلًا بِهٰذا الاخْتِيارِ الحاسِمِ في حَياتِهِ الشَّخْصِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَدْعو الآخَرينَ إِلَيْهِ. فَالشَّهادَةُ لِلْمَسيحِ لا تَنْبَعُ مِنْ مُجَرَّدِ مَعْرِفَةٍ عَقَائدِيَّةٍ، بَلْ مِنْ لِقاءٍ شَخْصِيٍّ وَالتِزامٍ كامِلٍ بِهِ. وَكُلَّما عاشَ الرَّسولُ وَحْدَتَهُ مَعَ المَسيحِ، أَصْبَحَتْ كِرازَتُهُ أَكْثَرَ فاعِلِيَّةً وَمِصْداقِيَّةً.

غَيْرَ أَنَّ الرُّسُلَ وَالمُبَشِّرينَ لَمْ يَعْتَمِدوا في إِتْمامِ هٰذِهِ المُهِمَّةِ عَلى قُواهُمْ البَشَرِيَّةِ فَحَسْب، بَلْ عَلى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ السّاكِنِ فيهِم. فَالرِّسالَةُ أَكْبَرُ مِنْ قُدْراتِ الإِنْسانِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ تُؤْتيَ ثِمارَها إِلَّا بِقُوَّةِ اللهِ. وَقَدْ وَعَدَ يَسوعُ تَلاميذَهُ بِهٰذِهِ المُعُونَةِ الإِلٰهِيَّةِ قائِلًا: “أَمَّا المُؤَيِّدُ، الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُم جَميعَ الأَشْياءِ وَيُذَكِّرُكُم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكُم” (يوحنّا 14: 26). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ باسيليوسُ الكَبيرُ قائِلًا: “الرُّوحُ القُدُسُ هُوَ المُعَلِّمُ الدّاخِلِيُّ لِلكَنيسَةِ، وَهُوَ الَّذي يَجْعَلُ كَلِمَةَ الرُّسُلِ فاعِلَةً في قُلوبِ السّامِعينَ” (PG 32, 136). كَما يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ “الرُّسُلَ كانوا بُسَطاءَ وَضُعَفاءَ، لٰكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَوَّلَهُمْ إِلى أَعْمِدَةٍ لِلعالَمِ، حَتّى ظَهَرَ أَنَّ نَجاحَ البِشارَةِ هُوَ مِنْ قُوَّةِ اللهِ لا مِنْ قُوَّةِ البَشَرِ” (PG 60, 43).

وَهٰكَذا تَتَّضِحُ حَسْمُ الإِرْسالِيَّةِ الرَّسوليَّةِ: فَهِيَ تَدْعو الإِنْسانَ إِلى اتِّخاذِ مَوْقِفٍ مِنَ المَسيحِ، وَتُقَدِّمُ لَهُ فُرْصَةَ الخَلاصِ، وَتُشْرِكُهُ في حَياةِ المَلَكوتِ. وَإِذْ تَسْتَمِدُّ قُوَّتَها مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، تَبْقى الكَنيسَةُ عَبْرَ العُصورِ شاهِدَةً لِلْمَسيحِ وَحامِلَةً بُشْرى الخَلاصِ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ، حَتّى يَبْلُغَ الإِنْجيلُ أَقاصِي الأَرْضِ وَيَأْتيَ المَلَكوتُ في مِلْئِهِ وَمَجْدِهِ.

الخُلاصَة

 يُقَدِّمُ إِنْجيلُ مَتّى (9: 36–10: 8) أَوَّلَ وَصْفٍ مُتَكامِلٍ لِلإِرْسالِيَّةِ الرَّسوليَّةِ في العَهْدِ الجَديدِ. فَبَعْدَ أَنْ رَأَى يَسوعُ الجُموعَ “مُنْهَكِينَ وَمُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها” (متّى 9: 36)، دَعا الاثْنَيْ عَشَرَ وَمَنَحَهُم سُلْطانَهُ وَأَرْسَلَهُم لِيُواصِلوا عَمَلَهُ الخَلاصيَّ. وَهٰكَذا تَظْهَرُ الإِرْسالِيَّةُ الرَّسوليَّةُ كَاسْتِمْرارٍ لِرِسالَةِ المَسيحِ نَفْسِهِ، الَّذي أَرْسَلَهُ الآبُ لِخَلاصِ العالَمِ.

وَقَدْ كَشَفَ النَّصُّ الإِنْجيليُّ أَنَّ الإِرْسالِيَّةَ تَقُومُ عَلى ثَلاثَةِ أُسُسٍ رَئيسِيَّةٍ: الدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ، وَإِعْلانِ مَلَكوتِ اللهِ، وَخِدْمَةِ الإِنْسانِ. فَالرُّسُلُ مَدْعُوّونَ لِلتَّبْشيرِ بِاقْتِرابِ المَلَكوتِ، وَلِشِفاءِ المَرْضى، وَلِتَحْريرِ الإِنْسانِ مِنْ قُوَى الشَّرِّ، لِكَيْ يَظْهَرَ أَنَّ اللهَ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْ شَعْبِهِ وَافْتَتَحَ زَمَنَ الخَلاصِ.

وَقَدْ بَدَأَتِ الإِرْسالِيَّةُ أَوَّلًا بَيْنَ “الخِرافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرائيلَ” (متّى 10: 6)، ثُمَّ اتَّسَعَتْ تَدْرِيجِيًّا لِتَشْمَلَ السَّامِرَةَ وَالأُمَمَ كُلَّها. فَإِرْسالِيَّةُ الاثْنَيْ عَشَرَ تُمَثِّلُ البِدايَةَ، وَإِرْسالِيَّةُ الاثْنَيْنِ وَالسَّبْعينَ (لوقا 10: 1-17) تُشِيرُ إِلى اتِّساعِ أُفُقِ البِشارَةِ، أَمَّا الوَصِيَّةُ العُظْمى بَعْدَ القِيامَةِ: “فَاذْهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَمِ” (متّى 28: 19)، فَتُعْلِنُ الشُّموليَّةَ الكامِلَةَ لِرِسالَةِ الكَنيسَةِ.

وَقَدْ أَبْرَزَ المَسيحُ ثَلاثَ سِماتٍ أَساسِيَّةٍ لِلإِرْسالِيَّةِ الرَّسوليَّةِ: فَهِيَ إِرْسالِيَّةٌ مَجّانِيَّةٌ، لأَنَّها تَنْبَعُ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ لا مِنِ اسْتِحْقاقِ الإِنْسانِ؛ وَهِيَ إِرْسالِيَّةٌ شامِلَةٌ، لأَنَّها مُوَجَّهَةٌ إِلى جَميعِ الشُّعوبِ وَالثَّقافاتِ؛ وَهِيَ إِرْسالِيَّةٌ حاسِمَةٌ، لأَنَّها تَدْعو كُلَّ إِنْسانٍ إِلى اتِّخاذِ مَوْقِفٍ مِنَ المَسيحِ الَّذي فيهِ الخَلاصُ وَالحَياةُ.

وَفي هٰذا السِّياقِ تَكْتَسِبُ كَلِماتُ القِدِّيسِ يوحنّا بولس الثّاني بُعْدًا نَبَوِيًّا عَميقًا، حِينَ قالَ لِأَساقِفَةِ التِّشادِ:

“أَدْعوكم مَعَ مُؤْمِنيكُم إِلى رَفْعِ الصَّلاةِ كَيْ يُرْسِلَ اللهُ عَمَلَةً صالِحينَ إِلى كَرْمِهِ، عَمَلَةً لا يَتَّكِلونَ عَلى المالِ، وَلا يَطْمَئِنّونَ إِلى الزّادِ، بَلْ يَضَعونَ ثِقَتَهُم في اللهِ وَحْدَهُ”. إِنَّ هٰذِهِ الدَّعْوَةَ لا تَخُصُّ الرُّسُلَ وَخُلَفاءَهُم فَقَطْ، بَلْ تَشْمَلُ الكَنيسَةَ بِأَسْرِها. فَالرِّسالَةُ لَيْسَتْ حِكْرًا عَلى الأَساقِفَةِ وَالكَهَنَةِ وَالشَّمامِسَةِ، بَلْ هِيَ دَعْوَةُ كُلِّ مُعَمَّدٍ. فَبِفَضْلِ المَعْمودِيَّةِ أَصْبَحَ كُلُّ مُؤْمِنٍ شاهِدًا لِلْمَسيحِ وَمُشارِكًا في رِسالَةِ الكَنيسَةِ.

وَيُعَلِّمُ المجمعُ الفاتيكانيُّ الثّاني أَنَّ “الكَنيسَةَ بِطَبيعَتِها مُرْسَلَةٌ” (الى الأمم، 2)، لأَنَّ أَصْلَها يَكْمُنُ في إِرْسالِيَّةِ الابْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ وَفْقَ تَدْبيرِ الآبِ الخَلاصيِّ. لِذٰلِكَ تَبْقى دَعْوَتُنا اليَوْمَ أَنْ نَكونَ عَمَلَةً أُمَناءَ في حَصادِ الرَّبِّ، نُعْلِنُ مَحَبَّةَ اللهِ لِكُلِّ إِنْسانٍ، مَهْما كانَ لَوْنُهُ أَو أَصْلُهُ أَو ثَقافَتُهُ أَو مُعْتَقَدُهُ، وَنَشْهَدُ بِحَياتِنا لِإِنْجيلِ السَّلامِ وَالعَدالَةِ وَالرَّحْمَةِ. فَالْمَسيحُ لا يَزالُ يَدْعو كَنيسَتَهُ كَما دَعا رُسُلَهُ مِنْ قَبْلُ: “الحَصادُ كَثيرٌ وَلكِنَّ العَمَلَةَ قَليلونَ” (متّى 9: 37)، وَلا يَزالُ يُرْسِلُها إِلى العالَمِ كُلِّهِ لِتُعْلِنَ أَنَّ مَلَكوتَ اللهِ قَدِ اقْتَرَبَ، وَأَنَّ الخَلاصَ قَدْ أُعْطِيَ لِجَميعِ البَشَرِ في يَسوعَ المَسيحِ.

 دُعاء

أَيُّها الآبُ السَّماوِيُّ، أَبُ كُلِّ رَحْمَةٍ وَمَصْدَرُ كُلِّ دَعْوَةٍ صالِحَةٍ، نَشْكُرُكَ لأَنَّكَ أَرْسَلْتَ ابْنَكَ الوَحيدَ لِيُعْلِنَ مَلَكوتَكَ وَيَجْمَعَ الخِرافَ الضَّالَّةَ إِلى حَظيرَتِكَ.

نَسْأَلُكَ أَنْ تُحَرِّكَ قُلوبَنا بِالشَّفَقَةِ الَّتي مَلأَتْ قَلْبَ المَسيحِ نَحْوَ الجُموعِ المُتْعَبَةِ وَالمُنْهَكَةِ، وَأَنْ تَجْعَلَنا عَمَلَةً أُمَناءَ في حَصادِكَ الوَفيرِ. أَرْسِلْ يا رَبُّ عَمَلَةً قِدِّيسينَ إِلى كَنيسَتِكَ، يَحْمِلونَ بِشارَةَ الإِنْجيلِ بِفَرَحٍ وَشَجاعةٍ، وَيَخْدِمونَ إِخْوَتَهُمْ بِمَحَبَّةٍ مَجّانِيَّةٍ وَقَلْبٍ مُتَّضِعٍ.

حَوِّلْ قُلوبَنا إِلَيْكَ، فَلا نَبْحَثُ إِلَّا عَنْ مَجْدِكَ وَمَشيئَتِكَ، وَاجْعَلْنا شُهودًا أَمَناءَ لِمَلَكوتِكَ في عائِلاتِنا وَرَعايانا وَمُجْتَمَعاتِنا. وَهَبْنا أَنْ نُعْلِنَ بِحَياتِنا قَبْلَ أَلْسِنَتِنا إِنْجيلَ السَّلامِ وَالمَحَبَّةِ وَالخَلاصِ، وَأَنْ نَكونَ أَدَواتٍ لِشِفائِكَ وَرَحْمَتِكَ وَرَجائِكَ في العالَمِ.

وَبِشَفاعَةِ الطُّوباوِيَّةِ الدَّائِمَةِ البَتُولِيَّةِ مَرْيَمَ، أُمِّ الرَّبِّ وَسُلْطانَةِ الرُّسُلِ، وَبِشَفاعَةِ الرُّسُلِ القِدِّيسينَ وَجَميعِ القِدِّيسينَ، اجْعَلْنا أَهْلًا لِحَمْلِ رِسالَتِكَ وَالشَّهادَةِ لِمَحَبَّتِكَ حَتّى نَبْلُغَ مَلْءَ مَلَكوتِكَ في المَجْدِ الأَبَدِيِّ. آمين.

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ مِنْ وَحْيِ إِنْجيلِ مَتّى (9: 36 – 10: 8)

يُروى أَنَّ القِدِّيسَةَ الأُمَّ تيريزا الكَلْكُتِّيَّة كانتْ تَسيرُ ذاتَ يَوْمٍ في أَحَدِ شَوارِعِ كَلْكُتّا في الهِنْد، فَرَأَتْ رَجُلًا مُسِنًّا مَطْروحًا عَلى قارِعَةِ الطَّريقِ. كانَ جَسَدُهُ مُغَطًّى بِالجُروحِ، وَقَدْ تَرَكَهُ الجَميعُ وَمَضَوا. لا أَهْلَ لَهُ، وَلا مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَلا مَنْ يَتَوَقَّفُ لِيُقَدِّمَ لَهُ كَأْسَ ماءٍ.

اقْتَرَبَتْ مِنْهُ الأُمُّ تيريزا، وَحَمَلَتْهُ مَعَ إِحْدى الأَخَواتِ إِلى دارِ العِنايَةِ بِالمُحْتَضَرينَ. وَبَيْنَما كانَتْ تَغْسِلُ جُروحَهُ وَتُضَمِّدُها، نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيْها وَقالَ بِصَوْتٍ ضَعيفٍ: “عِشْتُ كُلَّ حَياتي كَحَيَوانٍ مَرْمِيٍّ في الشَّارِعِ، لٰكِنِّي أَموتُ الآنَ كَمَلاكٍ لأَنَّ أَحَدًا أَحَبَّني”. ثُمَّ ابْتَسَمَ وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَماتَ بِسَلامٍ.

بَعْدَ ذٰلِكَ قالَتِ الأُمُّ تيريزا لِلأَخَواتِ: “أَعْظَمُ مَرَضٍ في العالَمِ لَيْسَ الجُذامَ وَلا السَّرَطانَ، بَلِ الشُّعورُ بِأَنَّ أَحَدًا لا يُحِبُّكَ وَلا يُريدُكَ”.

هٰذِهِ القِصَّةُ تُذَكِّرُنا بِما شَعَرَ بِهِ يَسوعُ عِنْدَما “أَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَى الجُموعِ لأَنَّهُمْ كانوا مُتْعَبينَ مُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها” (متّى 9: 36). فَلَمْ يَكْتَفِ الرَّبُّ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِم، بَلْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ لِيُبَشِّروا وَيَشْفوا وَيُعَزُّوا.

وَما زالَ المَسيحُ اليَوْمَ يَبْحَثُ عَنْ رِجالٍ وَنِساءٍ يَحْمِلونَ قَلْبَهُ الشَّفوقَ إِلى المُتْعَبينَ وَالمُنْهَكَينَ. فَقَدْ لا نَسْتَطيعُ أَنْ نُقِيمَ مَيْتًا أَو نَصْنَعَ مُعْجِزَةً، لٰكِنَّنا نَسْتَطيعُ أَنْ نُعِيدَ الرَّجاءَ إِلى قَلْبٍ يائِسٍ، وَأَنْ نَمْسَحَ دَمْعَةً، وَأَنْ نَزورَ مَريضًا، وَأَنْ نُشْعِرَ إِنْسانًا مَنْسِيًّا أَنَّهُ مَحْبوبٌ عِنْدَ اللهِ. وَهٰكَذا يَسْتَمِرُّ عَمَلُ الرُّسُلِ في العالَمِ، وَيَبْقى مَلَكوتُ اللهِ يَقْتَرِبُ مِنَ النّاسِ مِنْ خِلالِ أَعْمالِ المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ.

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email