الأَحَدُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مِنَ السَّنَةِ: مَثَلُ وَلِيمَةِ الْمَلِكِ: بَيْنَ مَجَّانِيَّةِ الدَّعْوَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الِاسْتِجَابَةِ

الأَحَدُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مِنَ السَّنَةِ: مَثَلُ وَلِيمَةِ الْمَلِكِ: بَيْنَ مَجَّانِيَّةِ الدَّعْوَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الِاسْتِجَابَةِ (مَتَّى22: 1-14) 

أ. د. لُوَيْس حَزْبُون 

 النص الإنجيلي (متى 22: 1 -14)  

1 وكَلَّمهُم يسوعُ بالأَمثالِ مَرَّةً أُخْرى قال: 2 ((مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَقامَ وَليمةً في عُرسِ ابنِه. 3 فأَرسَلَ خَدَمَه لِيُخبروا المَدعُوِّينَ إِلى العُرْس فأَبَوا أَن يَأتوا. 4 فأَرسَلَ خَدَماً آخَرين وأَوعَزَ إِلَيهم أَن ((قولوا لِلمَدعُوِّين: ها قد أَعدَدتُ وَليمَتي فذُبِحَت ثِيراني والسِّمانُ مِن ماشِيَتي، وأُعِدَّ كُلُّ شَيء فتَعالَوا إِلى العُرْس)). 5 ولكِنَّهم لم يُبالوا، فَمِنهُم مَن ذَهبَ إِلى حَقلِه، ومِنهُم مَن ذَهبَ إِلى تِجارتِه. 6 وأَمسَكَ الآخَرونَ خَدَمَه فَشَتَموهم وقَتَلوهم. 7 فَغَضِبَ الملِكُ وأَرسلَ جُنودَه، فأَهلَكَ هؤُلاءِ القَتَلَة، وأَحرَقَ مَدينَتَهم. 8 ثُمَّ قالَ لِخَدَمِه: ((الوَليمَةُ مُعَدّةٌ ولكِنَّ المَدعوَّينَ غيرُ مُستَحِقِّين، 9 فَاذهَبوا إِلى مَفارِقِ الطُّرق وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه)). 10 فخرَجَ أُولَئِكَ الخَدَمُ إِلى الطُّرُق، فجمَعوا كُلَّ مَن وجَدوا مِن أَشْرارٍ وأَخيار، فامتَلأَت رَدهَةُ العُرْسِ بِالجالِسينَ لِلطَّعام. 11 ودَخَلَ المَلِكُ لِيَنظُرَ الجالِسينَ لِلطَّعام، فرَأَى هُناكَ رَجُلاً لم يَكُنْ لابِساً لِباسَ العُرْس، 12 فقالَ له: ((يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا، ولَيسَ عليكَ لِباسُ العُرس))؟ فلم يُجِبْ بِشَيء. 13 فقالَ المَلِكُ لِلخَدَم: ((شُدُّوا يَديَه ورِجلَيه، وأَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان)). 14 لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون)). 

الْمُقَدِّمَةُ 

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هٰذَا الأَحَدِ الضَّوْءَ عَلَى آخِرِ الأَمْثَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي وَجَّهَهَا يَسُوعُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ فِي هٰذَا السِّيَاقِ مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى، وَهُوَ مَثَلُ وَلِيمَةِ الْمَلِكِ فِي عُرْسِ ابْنِهِ (مَتَّى 22: 1-14). وَيَكْشِفُ هٰذَا الْمَثَلُ عَنْ شُمُولِيَّةِ دَعْوَةِ اللهِ إِلَى وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ، وَعَنْ مَجَّانِيَّةِ نِعْمَتِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، يُبَيِّنُ مَا تَتَطَلَّبُهُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ مِنِ اسْتِجَابَةٍ حُرَّةٍ وَتَغْيِيرٍ حَقِيقِيٍّ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ. 

وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ هٰذَا الْمَثَلَ يُظْهِرُ طُولَ أَنَاةِ اللهِ وَعِنَايَتَهُ بِالْإِنْسَانِ، إِذْ يُكَرِّرُ الدَّعْوَةَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ لَهَا. كَمَا يَكْشِفُ عَنْ دَعْوَةِ الأُمَمِ إِلَى الْخَلَاصِ، وَعَنْ جِدِّيَّةِ الْحَيَاةِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الِاسْتِجَابَةُ لِلدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ (PG 58: 647).  

فَالْمَثَلُ لَا يُشَدِّدُ عَلَى خُطُورَةِ رَفْضِ الدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِهَا فَحَسْبُ، بَلْ يُؤَكِّدُ أَيْضًا أَنَّ قَبُولَهَا يَسْتَلْزِمُ ارْتِدَاءَ ثَوْبِ الْعُرْسِ، الَّذِي يَرْمُزُ إِلَى الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ فِي الْمَسِيحِ، وَإِلَى الْبِرِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُثْمِرُهَا النِّعْمَةُ الإِلٰهِيَّةُ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ (رومة 13: 14؛ قولسي 3: 12-14). 

وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ ثَوْبَ الْعُرْسِ بِأَنَّهُ الْمَحَبَّةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكْسُوَ حَيَاةَ الْمُؤْمِنِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ مَنْ يَمْتَلِكُ الْإِيمَانَ وَيَدْخُلُ إِلَى وَلِيمَةِ الْكَنِيسَةِ لَا يَكُونُ مُرْتَدِيًا ثَوْبَ الْعُرْسِ مَا لَمْ يَحْفَظْ نِعْمَةَ الْمَحَبَّةِ. هٰذِهِ الْمَحَبَّةُ تَجْمَعُ بَيْنَ مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ الْقَرِيبِ (PL 76: 1287-1288). 

وَيَذْهَبُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ إِلَى الْمَعْنَى نَفْسِهِ، إِذْ يَرَى أَنَّ ثَوْبَ الْعُرْسِ هُوَ الْمَحَبَّةُ الصَّادِرَةُ عَنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ وَضَمِيرٍ صَالِحٍ وَإِيمَانٍ صَادِقٍ (1 طيموتاوس 1: 5). فَلَا تَكْفِي الْمَعْمُودِيَّةُ أَوِ الْمُشَارَكَةُ الظَّاهِرَةُ فِي الأَسْرَارِ، إِنْ لَمْ تُرَافِقْهَا مَحَبَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ تُثْمِرُ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ (أُوغُسْطِينُوسُ، الْعِظَةُ 90، 5-6، فِي تَفْسِيرِ مَتَّى 22: 1-14). 

وَهٰكَذَا، يَضَعُنَا الْمَثَلُ أَمَامَ حَقِيقَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: مَجَّانِيَّةِ الدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ، وَمَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ عَنِ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ الدَّعْوَةَ قَدْ قَبِلَهَا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ الْوَلِيمَةَ قَدِ اسْتَجَابَ لِمُتَطَلَّبَاتِهَا. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ مَوْقِفَ الْإِنْسَانِ مِنْ دَعْوَةِ اللهِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى حَاضِرِهِ، بَلْ يَمَسُّ مَصِيرَهُ الأَبَدِيَّ أَيْضًا. 

وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَدَلَالَاتِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَتَطْبِيقَاتِهِ الرَّعَوِيَّةِ، لِنَفْهَمَ كَيْفَ يَدْعُونَا اللهُ إِلَى وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ، وَكَيْفَ نَسْتَجِيبُ لِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ بِإِيمَانٍ حَيٍّ وَتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ فَاعِلَةٍ، مُدْرِكِينَ أَنَّ الدَّعْوَةَ نِعْمَةٌ مَجَّانِيَّةٌ، أَمَّا الِاسْتِجَابَةُ لَهَا فَتَتَطَلَّبُ تَغْيِيرَ الْقَلْبِ وَالْحَيَاةِ. 

 أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى22: 1-14) 

  1. “وَكَلَّمَهُمْ يَسُوعُ بِالأَمْثَالِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ“ (مَتَّى 22: 1)

تُشِيرُ عِبَارَةُ “وَكَلَّمَهُمْ يَسُوعُ بِالأَمْثَالِ” إِلَى الأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِيِّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ يَسُوعُ فِي إِعْلَانِ أَسْرَارِ مَلَكُوتِ اللهِ، مُسْتَخْدِمًا صُوَرًا مَأْلُوفَةً مِنَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ لِيَكْشِفَ مِنْ خِلَالِهَا حَقَائِقَ رُوحِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً. وَيَنْدَرِجُ هٰذَا الأُسْلُوبُ ضِمْنَ التَّقْلِيدِ التَّعْلِيمِيِّ الْيَهُودِيِّ الَّذِي عَرَفَهُ الأَنْبِيَاءُ وَالْحُكَمَاءُ وَمُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ، وَلَا سِيَّمَا الْكَتَبَةُ. غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ أَضْفَى عَلَى الأَمْثَالِ طَابَعًا خَاصًّا، إِذْ جَعَلَهَا وَسِيلَةً لِإِعْلَانِ حُضُورِ مَلَكُوتِ اللهِ، وَدَعْوَةِ السَّامِعِينَ إِلَى اتِّخَاذِ مَوْقِفٍ حَاسِمٍ مِنْ شَخْصِهِ وَرِسَالَتِهِ. 

وَيَرِدُ لَفْظُ “الأَمْثَالِ“ فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِصِيغَةِ παραβολαῖς ، وَهُوَ جَمْعُ παραβολή  فِي حَالَةِ الْمَجْرُورِ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَيَعْنِي “الْمَثَلَ“ أَوِ “الْمُقَارَنَةَ“ أَوِ “التَّشْبِيهَ“. وَيَتَكَوَّنُ الْمُصْطَلَحُ مِنْ παρά، بِمَعْنَى “بِجَانِبِ“، وَβάλλω، بِمَعْنَى “أَضَعُ“ أَوْ “أُلْقِي“. وَمِنْ ثَمَّ، يَحْمِلُ الْمُصْطَلَحُ مَعْنَى وَضْعِ أَمْرٍ بِجَانِبِ أَمْرٍ آخَرَ لِإِظْهَارِ وَجْهِ الشَّبَهِ أَوِ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَهُمَا. وَيُقَابِلُ هٰذَا الْمُصْطَلَحَ فِي التَّقْلِيدِ الْعِبْرِيِّ لَفْظُ מָשָׁל، الَّذِي يَشْمَلُ الْمَثَلَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّشْبِيهَ وَالْقَوْلَ الرَّمْزِيَّ. وَقَدِ اسْتَخْدَمَ الْعَهْدُ الْقَدِيمُ هٰذَا الأُسْلُوبَ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ النَّبَوِيِّ، كَمَا فِي مَثَلِ النَّبِيِّ نَاتَانَ الَّذِي وَجَّهَهُ إِلَى دَاوُدَ الْمَلِكِ (2 صموئيل 12: 1-7)، وَنَشِيدِ الْكَرْمِ عِنْدَ أَشَعْيَاءَ (أشعيا 5: 1-7).  وَلَيْسَ الْمَثَلُ الْإِنْجِيلِيُّ مُجَرَّدَ صُورَةٍ رَمْزِيَّةٍ يَنْبَغِي الْبَحْثُ عَنْ مَعْنَاهَا خَارِجَ حُدُودِهَا، بَلْ هُوَ سَرْدٌ تَعْلِيمِيٌّ يَنْطَلِقُ مِنْ وَاقِعٍ مَأْلُوفٍ لِيَكْشِفَ حَقِيقَةً أَعْمَقَ. وَغَالِبًا مَا يَتَضَمَّنُ عُنْصُرَ مُفَاجَأَةٍ أَوْ مُفَارَقَةٍ يَدْفَعُ السَّامِعَ إِلَى التَّفْكِيرِ وَمُرَاجَعَةِ مَوَاقِفِهِ وَاتِّخَاذِ قَرَارٍ. وَقَدْ رَوَى يَسُوعُ أَمْثَالًا كَثِيرَةً، يَخْتَلِفُ عَدَدُهَا بِاخْتِلَافِ مَعَايِيرِ تَصْنِيفِهَا، إِذْ يُمَيِّزُ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ بَيْنَ الأَمْثَالِ السَّرْدِيَّةِ وَالتَّشْبِيهَاتِ الْمُوجَزَةِ وَالأَقْوَالِ الْمَثَلِيَّةِ؛ وَلِذٰلِكَ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّ عَدَدَهَا ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ مَثَلًا عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ.  

أَمَّا الْفِعْلُ “كَلَّمَ” ἐλάλησεν، فَهُوَ مِنَ الْفِعْلِ λαλέω، أَيْ “يَتَكَلَّمُ“ أَوْ “يُخَاطِبُ“، وَيَدُلُّ هُنَا عَلَى مُوَاصَلَةِ يَسُوعَ خِطَابَهُ التَّعْلِيمِيَّ لِلسَّامِعِينَ. وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “مَرَّةً أُخْرَى” πάλιν، أَيْ إِلَى اسْتِئْنَافِ يَسُوعَ تَعْلِيمَهُ بِالأَمْثَالِ، فِي اسْتِمْرَارٍ لِلْمُوَاجَهَةِ مَعَ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي بَدَأَتْ فِي الْهَيْكَلِ (مَتَّى 21: 23-46). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، فِي تَفْسِيرِهِ لِهٰذَا الْمَثَلِ، أَنَّ يَسُوعَ يُوَاصِلُ كَشْفَ رَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ لِدَعْوَةِ اللهِ، مُظْهِرًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ طُولَ أَنَاةِ اللهِ الَّذِي يُكَرِّرُ دَعْوَتَهُ وَلَا يَتَسَرَّعُ فِي الْعِقَابِ (PG 58: 647). وَتَكْمُنُ خُصُوصِيَّةُ مَثَلِ وَلِيمَةِ الْمَلِكِ فِي أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى إِعْلَانِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَلَاصِ، بَلْ يَكْشِفُ أَيْضًا عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ تُجَاهَهَا. فَالْمَلِكُ يَدْعُو، وَالْمَدْعُوُّونَ يَرْفُضُونَ، ثُمَّ تَمْتَدُّ الدَّعْوَةُ إِلَى الْجَمِيعِ، غَيْرَ أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى الْوَلِيمَةِ يَتَطَلَّبُ ارْتِدَاءَ ثَوْبِ الْعُرْسِ. وَهٰكَذَا يَجْمَعُ الْمَثَلُ بَيْنَ مَجَّانِيَّةِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَضَرُورَةِ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا بِحَيَاةٍ مُتَجَدِّدَةٍ. 

  1. “مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ مَلِكٍ أَقَامَ وَلِيمَةً فِي عُرْسِ ابْنِهِ“

أَمَّا عِبَارَةُ “مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ“، فَتُقَابِلُهَا فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ عِبَارَةُ ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν وَيَدُلُّ الْمُصْطَلَحُ βασιλεία عَلَى الْمُلْكِ أَوِ السِّيَادَةِ أَوِ الْمَلَكُوتِ، فِي حِينِ أَنَّ οὐρανῶν تَعْنِي “السَّمَاوَاتِ“. وَتُشِيرُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ، الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا إِنْجِيلُ مَتَّى، إِلَى سُلْطَانِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ وَمُلْكِهِ، الَّذِي يَبْدَأُ بِحُضُورِ الْمَسِيحِ وَيَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (مَتَّى 4: 17؛ 6: 10؛ 25: 34). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “مَلِكٍ“، فَتَرِدُ فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِصِيغَةِ ἀνθρώπῳ βασιλεῖ ، أَيْ “بِإِنْسَانٍ مَلِكٍ” أَوْ “بِمَلِكٍ مِنَ الْبَشَرِ“.  وَتَرِدُ هٰذِهِ الصِّيغَةُ فِي سِيَاقِ التَّشْبِيهِ، وَلَا تَعْنِي أَنَّ اللهَ مُجَرَّدُ مَلِكٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ إِنَّ يَسُوعَ يَسْتَخْدِمُ صُورَةً بَشَرِيَّةً مَأْلُوفَةً لِيُقَرِّبَ إِلَى أَذْهَانِ السَّامِعِينَ حَقِيقَةَ الْمَلَكُوتِ الإِلٰهِيِّ. وَيَرْمُزُ الْمَلِكُ فِي التَّفْسِيرِ اللَّاهُوتِيِّ لِلْمَثَلِ إِلَى اللهِ الآبِ، الَّذِي يُعِدُّ وَلِيمَةَ الْخَلَاصِ لِابْنِهِ، وَيُرْسِلُ خُدَّامَهُ لِدَعْوَةِ الْبَشَرِ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِهِ. وَتَنْسَجِمُ هٰذِهِ الصُّورَةُ مَعَ التَّقْلِيدِ الْكِتَابِيِّ الَّذِي يُقَدِّمُ اللهَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ وَعَلَى الْخَلِيقَةِ كُلِّهَا، كَمَا وَرَدَ: “الرَّبُّ مَلِكٌ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ” (خروج 15: 18؛ وانظر أيضًا مزمور 47: 8-9؛ أشعيا 33: 22). وَيَكْشِفُ الْمَثَلُ أَنَّ اللهَ لَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى مُجَرَّدِ الْخُضُوعِ لِسُلْطَانِهِ، بَلْ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي فَرَحِهِ وَشَرِكَتِهِ. وَهٰكَذَا يَظْهَرُ الْمَلَكُوتُ فِي صُورَةِ وَلِيمَةٍ مَلَكِيَّةٍ، حَيْثُ تَتَجَلَّى مَحَبَّةُ اللهِ وَسَخَاؤُهُ وَرَغْبَتُهُ فِي خَلَاصِ الْجَمِيعِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “أَقَامَ وَلِيمَةً“، فَيُقَابِلُهَا فِي الْيُونَانِيَّةِ التَّعْبِيرُ ἐποίησεν γάμους ، أَيْ “أَقَامَ عُرْسًا” أَوْ “أَعَدَّ احْتِفَالًا بِالزَّوَاجِ“. وَالْفِعْلُ ἐποίησεν مِنْ ποιέω، بِمَعْنَى “يَصْنَعُ” أَوْ “يُعِدُّ“، أَمَّا“عُرْسٌ” γάμους فَهُوَ جَمْعُ γάμος، أَيْ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى احْتِفَالِ الزَّوَاجِ وَوَلِيمَتِهِ. وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْيَهُودِيَّةِ الْقَدِيمَةِ أَنْ تَكُونَ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ مُنَاسَبَةً عَائِلِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً كُبْرَى، تَتَّسِمُ بِالْفَرَحِ وَالْكَرَمِ وَمُشَارَكَةِ الأَقَارِبِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَقَدْ تَمْتَدُّ احْتِفَالَاتُهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ (تكوين 29: 27؛ قضاة 14: 12). وَتَحْمِلُ صُورَةُ الْوَلِيمَةِ دَلَالَةً خَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً، إِذْ تُشِيرُ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَإِلَى فَرَحِ الْخَلَاصِ الَّذِي يَعِدُ بِهِ شَعْبَهُ. وَقَدْ صَوَّرَ النَّبِيُّ أَشَعْيَاءُ الْخَلَاصَ الأَخِيرَ فِي هَيْئَةِ وَلِيمَةٍ شَامِلَةٍ، يُعِدُّهَا الرَّبُّ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ عَلَى جَبَلِهِ الْمُقَدَّسِ (أشعيا 25: 6-9). وَتَتَكَرَّرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ الْجُلُوسِ إِلَى الْمَائِدَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ (مَتَّى 8: 11؛ لوقا 13: 28-29)، وَتَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا فِي صُورَةِ «عُرْسِ الْحَمَلِ” (رؤيا 19: 7-9).  

وَأَمَّا عِبَارَةُ “عُرْسِ“، فَتُشِيرُ إِلَى صُورَةٍ كِتَابِيَّةٍ تُعَبِّرُ عَنِ الْعَهْدِ وَالْمَحَبَّةِ وَالشَّرِكَةِ بَيْنَ اللهِ وَشَعْبِهِ. فَقَدْ صَوَّرَ الأَنْبِيَاءُ عَلَاقَةَ اللهِ بِإِسْرَائِيلَ عَلَى مِثَالِ عَلَاقَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، حَيْثُ يَظَلُّ اللهُ أَمِينًا لِعَهْدِهِ، وَيَدْعُو شَعْبَهُ إِلَى تَجْدِيدِ الأَمَانَةِ وَالْمَحَبَّةِ (هوشع 2: 18-22؛ أشعيا 54: 5-8؛ 62: 4-5). وَفِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، تَكْتَسِبُ هٰذِهِ الصُّورَةُ بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا، إِذْ يُعْلِنُ يَسُوعُ نَفْسَهُ الْعَرِيسَ الَّذِي يَحْضُرُ لِيُتِمَّ عَهْدَ اللهِ مَعَ الْبَشَرِ (مَتَّى 9: 15؛ يوحنا 3: 29). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “عُرْسِ ابْنِهِ“، فَتُشِيرُ، فِي التَّفْسِيرِ الْمَسِيحِيِّ، إِلَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ابْنِ اللهِ، الَّذِي تَتَحَقَّقُ فِيهِ مَوَاعِيدُ الْعَهْدِ وَيَنْفَتِحُ بِهِ طَرِيقُ الْخَلَاصِ. وَيَرِدُ لَفْظُ “ابْنِهِ“ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ τῷ υἱῷ αὐτοῦ، وَهِيَ تُبْرِزُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ أُعِدَّتْ تَكْرِيمًا لِلِابْنِ، وَأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَيْهَا تَتَّصِلُ بِشَخْصِهِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ عُرْسَ ابْنِ الْمَلِكِ فِي ضَوْءِ سِرِّ التَّجَسُّدِ، إِذْ يَرَى أَنَّ اللهَ الآبَ أَعَدَّ الْعُرْسَ لِابْنِهِ عِنْدَمَا اتَّحَدَ الابْنُ الأَزَلِيُّ بِالطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي حَشَا الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ، مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ بَيْنَ الطَّبِيعَتَيْنِ أَوْ زَوَالِ تَمَيُّزِهِمَا (الْعِظَةُ 38 عَلَى الأَنَاجِيلِ، 3).  وَيَتَّفِقُ هٰذَا الْمَعْنَى مَعَ تَعْلِيمِ الْقِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي يُشَبِّهُ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ لِلْكَنِيسَةِ بِمَحَبَّةِ الْعَرِيسِ لِعَرُوسِهِ، إِذْ يَقُولُ: “أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ الْكَنِيسَةَ وَجَادَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَجْلِهَا” (أفسس 5: 25).  فَالْمَسِيحُ هُوَ الْعَرِيسُ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لِيُقَدِّسَ كَنِيسَتَهُ وَيَجْعَلَهَا شَرِيكَةً فِي حَيَاتِهِ وَمَجْدِهِ (أفسس 5: 26-32). وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الرَّمْزِيَّةُ أَيْضًا فِي مُعْجِزَةِ قَانَا الْجَلِيلِ، حَيْثُ جَعَلَ يَسُوعُ مِنْ عُرْسٍ بَشَرِيٍّ مَجَالًا لِإِظْهَارِ مَجْدِهِ وَإِعْلَانِ بِدَايَةِ آيَاتِهِ (يوحنا 2: 1-11). وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ هٰذَا الْحَدَثِ، فِي ضَوْءِ الرَّمْزِيَّةِ الْكِتَابِيَّةِ، بِاعْتِبَارِهِ إِشَارَةً إِلَى فَرَحِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ. وَيُشْبِهُ هٰذَا الْمَثَلُ، فِي بَعْضِ عَنَاصِرِهِ، مَثَلَ الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْوَلِيمَةِ الْكُبْرَى فِي إِنْجِيلِ لُوقَا (لوقا 14: 15-24).  فَكِلَا الْمَثَلَيْنِ يَتَحَدَّثُ عَنْ دَعْوَةٍ إِلَى وَلِيمَةٍ، وَعَنْ رَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ امْتِدَادِ الدَّعْوَةِ إِلَى آخَرِينَ. غَيْرَ أَنَّ مَثَلَ مَتَّى يَتَمَيَّزُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْوَلِيمَةِ مَلِكٌ يُقِيمُ عُرْسًا لِابْنِهِ، وَبِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ دَيْنُونَةَ الرَّافِضِينَ وَحَادِثَةَ الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَرْتَدِ ثَوْبَ الْعُرْسِ. أَمَّا مَثَلُ لُوقَا، فَيَرِدُ فِي سِيَاقِ وَلِيمَةٍ فِي بَيْتِ أَحَدِ رُؤَسَاءِ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَيُرَكِّزُ عَلَى أَعْذَارِ الْمَدْعُوِّينَ وَدَعْوَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُهَمَّشِينَ. وَيَلْفِتُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ الِانْتِبَاهَ إِلَى أَنَّ مَثَلَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ يَتَقَاطَعُ مَعَ مَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ الَّذِي يَسْبِقُهُ (مَتَّى 21: 33-46)، إِذْ يُظْهِرُ كِلَاهُمَا طُولَ أَنَاةِ اللهِ وَرَفْضَ الدَّعْوَةِ، غَيْرَ أَنَّ مَثَلَ الْعُرْسِ يُبْرِزُ بِصُورَةٍ أَوْضَحَ دَعْوَةَ الأُمَمِ وَضَرُورَةَ الِاسْتِجَابَةِ بِسُلُوكٍ لَائِقٍ (PG 58: 647).  

وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ وَلِيمَةَ عُرْسِ ابْنِ الْمَلِكِ تُعَبِّرُ عَنْ فَرَحِ الْخَلَاصِ وَالشَّرِكَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ، حَيْثُ يَدْعُو اللهُ الْبَشَرَ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي حَيَاةِ ابْنِهِ. غَيْرَ أَنَّ التَّرْكِيزَ السَّرْدِيَّ فِي الْمَثَلِ لَا يَنْصَبُّ عَلَى تَفَاصِيلِ الْعُرْسِ أَوْ شَخْصِ الْعَرِيسِ بِقَدْرِ مَا يَنْصَبُّ عَلَى مَوْقِفِ الْمَدْعُوِّينَ مِنَ الدَّعْوَةِ: فَمِنْهُمْ مَنْ رَفَضَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِمُتَطَلَّبَاتِهَا. وَهٰكَذَا يُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ هِبَةٌ مَجَّانِيَّةٌ، لٰكِنَّ قَبُولَهُ يَسْتَلْزِمُ إِيمَانًا حَيًّا وَتَوْبَةً صَادِقَةً وَحَيَاةً مُتَجَدِّدَةً. 

  1. “فَأَرْسَلَ خَدَمَهُ لِيُخْبِرُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَأَبَوْا أَنْ يَأْتُوا” 

أَمَّا عِبَارَةُ “فَأَرْسَلَ خَدَمَهُ لِيُخْبِرُوا الْمَدْعُوِّينَ“، فَتُشِيرُ إِلَى عَادَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي الْوَلَائِمِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ كَانَ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ يُوَجِّهُ الدَّعْوَةَ إِلَى ضُيُوفِهِ مُسْبَقًا، ثُمَّ يُرْسِلُ خَدَمَهُ عِنْدَ اكْتِمَالِ الِاسْتِعْدَادَاتِ لِيُعْلِنُوا أَنَّ مَوْعِدَ الْوَلِيمَةِ قَدْ حَانَ. َتُسَاعِدُ هٰذِهِ الْخَلْفِيَّةُ عَلَى فَهْمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَدْعُوِّينَ سَابِقًا وَالْخَدَمِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا لِاسْتِدْعَائِهِمْ. 

وَيُقَابِلُ فِعْلَ “أَرْسَلَ“ فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἀπέστειλεν، مِنَ الْفِعْلِ ἀποστέλλω، أَيْ “يُرْسِلُ” أَوْ “يُوفِدُ فِي مُهِمَّةٍ“. وَهُوَ فِعْلٌ يَحْمِلُ فِي السِّيَاقِ الْكِتَابِيِّ دَلَالَةَ الرِّسَالَةِ وَالتَّكْلِيفِ. فَالْخَدَمُ لَا يَتَحَرَّكُونَ بِمُبَادَرَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ بِتَكْلِيفٍ مِنَ الْمَلِكِ، وَيَحْمِلُونَ دَعْوَتَهُ إِلَى الْمَدْعُوِّينَ. 

وَأَمَّا لَفْظُ “خَدَمَهُ“، فَيَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ τοὺς δούλους αὐτοῦ، وَالْمُفْرَدُ δοῦλος، وَمَعْنَاهُ الأَصْلِيُّ “عَبْدٌ” أَوْ “مَمْلُوكٌ“، وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَرْجَمَ فِي هٰذَا السِّيَاقِ بِـ“خَادِمٍ“. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الْكَلِمَةُ انْتِمَاءَ الْمُرْسَلِينَ إِلَى الْمَلِكِ وَخُضُوعَهُمْ لِسُلْطَانِهِ وَأَمْرِهِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يُشِيرَ هٰؤُلَاءِ الْخَدَمُ إِلَى رُسُلِ اللهِ الَّذِينَ حَمَلُوا دَعْوَتَهُ إِلَى شَعْبِهِ عَبْرَ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، وَلَا سِيَّمَا الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.  فَقَدْ سَبَقَ اللهُ وَأَعْلَنَ مَوَاعِيدَهُ لِلآبَاءِ، إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، ثُمَّ وَاصَلَ تَجْدِيدَ دَعْوَتِهِ بِوَاسِطَةِ الأَنْبِيَاءِ، إِلَى أَنْ بَلَغَ إِعْلَانُ الْخَلَاصِ كَمَالَهُ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَلٰكِنْ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ دَوْرِ الآبَاءِ بِوَصْفِهِمْ حَامِلِي الْوَعْدِ، وَدَوْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ بِوَصْفِهِمْ مُرْسَلِينَ لِإِعْلَانِ الدَّعْوَةِ. فَلَيْسَ فِي النَّصِّ مَا يُلْزِمُ بِتَحْدِيدِ الْخَدَمِ الأَوَّلِينَ بِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ إِرْسَالَ الْخَدَمِ فِي ضَوْءِ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، فَيَرَى أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ الرُّسُلَ، لِيُعْلِنُوا سِرَّ تَجَسُّدِ ابْنِهِ وَيَدْعُوا النَّاسَ إِلَى وَلِيمَةِ الْمَلَكُوتِ (غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ، الْعِظَةُ 38 عَلَى الأَنَاجِيلِ، 3-4). وَيُظْهِرُ هٰذَا التَّفْسِيرُ أَنَّ دَعْوَةَ يَسُوعَ لَيْسَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْ تَارِيخِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، بَلْ هِيَ تَحْقِيقٌ لِلْمَوَاعِيدِ الَّتِي أَعْلَنَهَا اللهُ لِشَعْبِهِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ أَبَاكُمْ إِبْرَاهِيمَ ابْتَهَجَ رَاجِيًا أَنْ يَرَى يَوْمِي، وَرَآهُ فَفَرِحَ” (يوحنا 8: 56) وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الِاسْتِجَابَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِوَعْدِ إِبْرَاهِيمَ تَقُودُ إِلَى قَبُولِ الْمَسِيحِ وَالْإِيمَانِ بِهِ (يوحنا 8: 39). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “لِيُخْبِرُوا“، فَيُقَابِلُهَا فِي الْيُونَانِيَّةِ الْفِعْلُ καλέσαι، وَهُوَ صِيغَةُ الْمَصْدَرِ مِنَ الْفِعْلِ καλέω، وَمَعْنَاهُ “يَدْعُو” أَوْ “يَسْتَدْعِي“. وَيَتَجَاوَزُ هٰذَا الْفِعْلُ مَعْنَى مُجَرَّدِ الإِخْبَارِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ مُبَادَرَةِ الْمَلِكِ إِلَى إِشْرَاكِ الآخَرِينَ فِي فَرَحِ عُرْسِ ابْنِهِ. وَيَتَكَرَّرُ جِذْرُ καλέω بِصِيَغِهِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْمَثَلِ، مِمَّا يُبْرِزُ مَحْوَرِيَّةَ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا (مَتَّى 22: 3، 4، 8، 9، 14). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “الْمَدْعُوِّينَ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ τοὺς κεκλημένους ، وَهِيَ اسْمُ مَفْعُولٍ تَامٌّ مِنَ الْفِعْلِ καλέω، وَتَعْنِي “الَّذِينَ سَبَقَتْ دَعْوَتُهُمْ“. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الصِّيغَةُ أَنَّ الْمَدْعُوِّينَ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا الدَّعْوَةَ مُسْبَقًا، وَأَنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَ خَدَمَهُ لِاسْتِدْعَائِهِمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ الْمُعَدَّةِ. وَيَرْمُزُ الْمَدْعُوُّونَ الأَوَّلُونَ، فِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ وَاللَّاهُوتِيِّ لِلْمَثَلِ، إِلَى الَّذِينَ سَبَقَ أَنْ تَلَقَّوْا وَعْدَ اللهِ وَدَعْوَتَهُ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ شَعْبُ إِسْرَائِيلَ، وَلَا سِيَّمَا قِيَادَاتُهُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي وَاجَهَتْ رِسَالَةَ يَسُوعَ بِالرَّفْضِ (مَتَّى 21: 23، 45-46).  وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ جَمِيعَ الْيَهُودِ رَفَضُوا الْمَسِيحَ، فَيَسُوعُ وَتَلَامِيذُهُ وَأَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ كَانُوا مِنْ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. وَالْمَثَلُ يُدِينُ رَفْضَ الدَّعْوَةِ، لَا الِانْتِمَاءَ إِلَى شَعْبٍ بِعَيْنِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ تَكْرَارَ الدَّعْوَةِ يَكْشِفُ عَنْ طُولِ أَنَاةِ اللهِ وَصَبْرِهِ، إِذْ لَمْ يَكْتَفِ بِالدَّعْوَةِ الأُولَى، بَلْ أَعَادَ إِرْسَالَ خَدَمِهِ لِيُعْلِنُوا أَنَّ الْوَلِيمَةَ قَدْ أُعِدَّتْ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَصْبَحَ مُهَيَّأً.  وَهٰكَذَا يُظْهِرُ الْمَثَلُ أَنَّ اللهَ يُبَادِرُ إِلَى خَلَاصِ الْإِنْسَانِ، وَلَا يَتَسَرَّعُ فِي دَيْنُونَتِهِ (PG 58: 647). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَأَبَوْا أَنْ يَأْتُوا“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ καὶ οὐκ ἤθελον ἐλθεῖν ، أَيْ “وَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا“.  وَالْفِعْلُ ἤθελον مِنْ θέλω، أَيْ “أُرِيدُ” أَوْ “أَشَاءُ“، وَيَدُلُّ هُنَا عَلَى رَفْضٍ إِرَادِيٍّ لِلدَّعْوَةِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْغَفْلَةِ أَوِ النِّسْيَانِ. فَالْمَدْعُوُّونَ لَمْ يَمْتَنِعُوا عَنِ الْحُضُورِ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ بِالدَّعْوَةِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشَاؤُوا الِاسْتِجَابَةَ لَهَا. وَتَكْمُنُ الْمُفَارَقَةُ فِي أَنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ مِنَ الْمَدْعُوِّينَ أَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ شَيْئًا، بَلْ دَعَاهُمْ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي وَلِيمَةٍ أَعَدَّهَا عَلَى نَفَقَتِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، قَابَلُوا كَرَمَهُ بِالرَّفْضِ. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ الْخَطِيئَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُخَالَفَةٍ لِوَصِيَّةٍ، بَلْ قَدْ تَكُونُ أَيْضًا رَفْضًا لِمَحَبَّةِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ رَفْضَ الْمَدْعُوِّينَ فِي ضَوْءِ رَفْضِ الْبِشَارَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ، وَيَرْبِطُ بَيْنَ إِرْسَالِ الْخَدَمِ وَرِسَالَةِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ أَعْلَنُوا لِلْبَشَرِ دَعْوَةَ اللهِ إِلَى الْخَلَاصِ (الْعِظَةُ 38 عَلَى الأَنَاجِيلِ، 3-4). وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الْمُفَارَقَةُ بِمَا وَرَدَ فِي مَثَلِ الْأَمْنَاءِ وَالْمَنَايَا: “لَا نُرِيدُ هٰذَا مَلِكًا عَلَيْنَا” (لوقا 19: 14).  وَإِنِ اخْتَلَفَ السِّيَاقُ السَّرْدِيُّ بَيْنَ الْمَثَلَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَكْشِفَانِ عَنْ خُطُورَةِ رَفْضِ سُلْطَانِ اللهِ وَدَعْوَتِهِ. وَهٰكَذَا، يَتَضِحُ أَنَّ الدَّعْوَةَ الإِلٰهِيَّةَ تَسْبِقُ اسْتِجَابَةَ الْإِنْسَانِ، وَلٰكِنَّهَا لَا تُلْغِي حُرِّيَّتَهُ. فَاللهُ يَدْعُو، وَيَنْتَظِرُ، وَيُجَدِّدُ دَعْوَتَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَفْرِضُ مَحَبَّتَهُ عَلَى الْإِنْسَانِ قَسْرًا. تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ مُبَادَرَةَ اللهِ إِلَى دَعْوَةِ الْإِنْسَانِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِهِ، وَتَكْشِفُ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، عَنْ مَأْسَاةِ رَفْضِ الدَّعْوَةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَالْمَلِكُ يُعِدُّ الْوَلِيمَةَ، وَيُرْسِلُ خَدَمَهُ، وَيَدْعُو الْمَدْعُوِّينَ، وَلٰكِنَّهُمْ يَرْفُضُونَ الْحُضُورَ. وَهٰكَذَا يُقَابَلُ سَخَاءُ الْمَلِكِ بِرَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ، فِي مُفَارَقَةٍ تَكْشِفُ عَنْ خُطُورَةِ الْمَوْقِفِ الْبَشَرِيِّ مِنْ مَبَادَرَةِ اللهِ الْخَلَاصِيَّةِ.  وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ الْمَثَلُ إِلَى سُؤَالٍ شَخْصِيٍّ يُوَجَّهُ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ نَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ الْمَسِيحِ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَهُ، أَمْ نَسْمَحُ لِاهْتِمَامَاتِنَا وَمَصَالِحِنَا أَنْ تُبْعِدَنَا عَنْ وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ؟ 

  1. “فَأَرْسَلَ خَدَمًا آخَرِينَ وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ أَنْ: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هَا قَدْ أَعْدَدْتُ وَلِيمَتِي، فَذُبِحَتْ ثِيرَانِي وَالسِّمَانُ مِنْ مَاشِيَتِي، وَأُعِدَّ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ“

تَرِدُ عِبَارَةُ “فَأَرْسَلَ خَدَمًا آخَرِينَ“ فِي الْيُونَانِيَّةِ πάλιν ἀπέστειλεν ἄλλους δούλους، أَيْ “أَرْسَلَ مَرَّةً أُخْرَى خَدَمًا آخَرِينَ“. وَيَدُلُّ الظَّرْفُ πάλιν عَلَى تَكْرَارِ الدَّعْوَةِ، وَالنَّعْتُ “ آخَرِينَ ” ἄλλους عَلَى إِرْسَالِ خَدَمٍ غَيْرِ السَّابِقِينَ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الْمُبَادَرَةُ أَنَّ رَفْضَ الْإِنْسَانِ لَا يُنْهِي فَوْرًا صَبْرَ اللهِ وَرَغْبَتَهُ فِي خَلَاصِهِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يَرْبِطُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ إِرْسَالَ الْخَدَمِ بِتَدْبِيرِ الْخَلَاصِ، حَيْثُ أَرْسَلَ اللهُ الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الرُّسُلَ لِإِعْلَانِ مَوَاعِيدِهِ وَتَحَقُّقِهَا فِي الْمَسِيحِ (PL 76).  وَيُبْرِزُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ تَجْدِيدَ الدَّعْوَةِ يَكْشِفُ عَنْ صَبْرِ اللهِ وَسَخَائِهِ (PG 58).  

وَأَمَّا عِبَارَةُ “قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ εἴπατε τοῖς κεκλημένοις، أَيْ “قُولُوا لِلَّذِينَ سَبَقَتْ دَعْوَتُهُمْ“. وَتَدُلُّ صِيغَةُ κεκλημένοις عَلَى أَنَّ الْمَلِكَ يُجَدِّدُ دَعْوَتَهُ إِلَى الأَشْخَاصِ أَنْفُسِهِمْ، فِي تَعْبِيرٍ عَنْ أَمَانَةِ اللهِ لِمَوَاعِيدِهِ. أَمَّا انْفِتَاحُ الدَّعْوَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، فَسَيَظْهَرُ بِوُضُوحٍ عِنْدَ دَعْوَةِ النَّاسِ مِنْ مُفْتَرَقَاتِ الطُّرُقِ (مَتَّى 22: 9-10). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “هَا قَدْ أَعْدَدْتُ وَلِيمَتِي، فَذُبِحَتْ ثِيرَانِي وَالسِّمَانُ مِنْ مَاشِيَتِي“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ τὸ ἄριστόν μου ἡτοίμακα, οἱ ταῦροί μου καὶ τὰ σιτιστὰ τεθυμένα . وَيَدُلُّ “ وَلِيمَتِي ” ἄριστον عَلَى الْوَجْبَةِ أَوِ الْمَأْدُبَةِ، أَمَّا “ َالسِّمَانُ ”  τὰ σιτιστά  فَيُشِيرُ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ الْمُسَمَّنَةِ. وَتُعَبِّرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ عَنْ وَفْرَةِ خَيْرَاتِ الْمَلِكِ وَسَخَائِهِ. وَتَحْمِلُ الْوَلِيمَةُ دَلَالَةً مَسِيحَانِيَّةً، إِذْ تُذَكِّرُ بِمَأْدُبَةِ الْخَلَاصِ الَّتِي يُعِدُّهَا الرَّبُّ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ (أشعيا 25: 6-9)، وَبِمَائِدَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْحَيَاةِ (أمثال 9: 1-6). وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ نَرَى فِيهَا بُعْدًا إِفْخَارِسْتِيًّا رُوحِيًّا، إِذْ يُقَدِّمُ الْمَسِيحُ ذَاتَهُ خُبْزًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (يوحنا 6: 58)، دُونَ حَصْرِ الْمَعْنَى الأَصْلِيِّ لِلْمَثَلِ فِي هٰذَا التَّطْبِيقِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَأُعِدَّ كُلُّ شَيْءٍ“، فَتُقَابِلُهَا فِي الْيُونَانِيَّةِ καὶ πάντα ἕτοιμα، أَيْ “وَكُلُّ شَيْءٍ جَاهِزٌ“. وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ الْخَلَاصَ مُبَادَرَةٌ إِلٰهِيَّةٌ تَسْبِقُ اسْتِجَابَةَ الْإِنْسَانِ. فَالْمَلِكُ هُوَ الَّذِي أَعَدَّ الْوَلِيمَةَ، وَمَا عَلَى الْمَدْعُوِّينَ إِلَّا أَنْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِهِ. وَفِي الْقِرَاءَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ، يَتَّصِلُ هٰذَا الِاسْتِعْدَادُ بِتَحَقُّقِ مَوَاعِيدِ اللهِ فِي مَوْتِ الْمَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ، كَمَا أَعْلَنَ بُطْرُسُ الرَّسُولُ يَوْمَ الْعَنْصَرَةِ (أعمال الرسل 2: 22-36). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ δεῦτε εἰς τοὺς γάμους، أَيْ “هَلُمُّوا إِلَى الْعُرْسِ“. وَتُعَبِّرُ كَلِمَةُ “فَتَعَالَوْا”  δεῦτε عَنْ دَعْوَةٍ مُبَاشِرَةٍ وَمُلِحَّةٍ إِلَى الْحُضُورِ. فَالْمَلِكُ لَا يَكْتَفِي بِالْإِعْلَانِ عَنْ جَاهِزِيَّةِ الْوَلِيمَةِ، بَلْ يَحُثُّ الْمَدْعُوِّينَ عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارٍ وَالِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَتِهِ وَتَضَعُ الْإِنْسَانَ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّةِ اتِّخَاذِ قَرَارٍ حُرٍّ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا الْمَعْنَى مَعَ مَثَلِ الْوَلِيمَةِ الْكُبْرَى فِي إِنْجِيلِ لُوقَا (لوقا 14: 15-24)، وَمَعَ الدَّعْوَةِ الْخِتَامِيَّةِ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا: “مَنْ شَاءَ فَلْيَسْتَقِ مَاءَ الْحَيَاةِ مَجَّانًا“(رؤيا 22: 17). 

وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ تَجْدِيدَ الدَّعْوَةِ وَإِعْلَانَ جَاهِزِيَّةِ الْوَلِيمَةِ يَكْشِفَانِ عَنْ صَبْرِ اللهِ وَسَخَائِهِ وَأَمَانَتِهِ لِمَوَاعِيدِهِ. فَالْخَلَاصُ عَطِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ أَعَدَّهَا اللهُ، وَلٰكِنَّ الْإِنْسَانَ مَدْعُوٌّ إِلَى قَبُولِهَا بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ. تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ طُولَ أَنَاةِ اللهِ وَمَجَّانِيَّةَ دَعْوَتِهِ الْخَلَاصِيَّةِ؛ فَالْمَلِكُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ، لَا يَتَرَاجَعُ عَنْ دَعْوَتِهِ، بَلْ يُرْسِلُ خَدَمًا آخَرِينَ، مُعْلِنًا اكْتِمَالَ اسْتِعْدَادَاتِ الْوَلِيمَةِ. فَإِذَا كَانَ اللهُ قَدْ أَعَدَّ لَنَا وَلِيمَةَ خَلَاصِهِ، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُنَا مِنَ الِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَتِهِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِهِ؟ 

  1. “وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَقْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تِجَارَتِهِ“

أَمَّا عِبَارَةُ “لَمْ يُبَالُوا“، فَتُقَابِلُهَا فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ كَلِمَةُ ἀμελήσαντες، وَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ ἀμελέω بِمَعْنَى “يُهْمِلُ” أَوْ “يَتَهَاوَنُ” أَوْ “لَا يَكْتَرِثُ“.  وَتَدُلُّ هٰذِهِ الصِّيغَةُ عَلَى مَوْقِفِ الْمَدْعُوِّينَ الَّذِينَ تَجَاهَلُوا الدَّعْوَةَ، وَلَمْ يَمْنَحُوهَا الِاهْتِمَامَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ. وَلَا يَكْمُنُ خَطَؤُهُمْ فِي أَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا شَرًّا ظَاهِرًا، بَلْ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا قِيمَةَ الْهَبَةِ الْمُقَدَّمَةِ إِلَيْهِمْ.  فَالْمَلِكُ يَدْعُوهُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ مَجَّانِيَّةٍ أَعَدَّهَا لِعُرْسِ ابْنِهِ، وَهُمْ يُقَابِلُونَ هٰذِهِ الْمُبَادَرَةَ بِالْإِهْمَالِ. وَتَكْمُنُ الْمُفَارَقَةُ فِي أَنَّ مَا يَتَجَاهَلُونَهُ لَيْسَ وَاجِبًا ثَقِيلًا، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى الْفَرَحِ وَالشَّرِكَةِ وَالْكَرَامَةِ. وَفِي الْمَعْنَى الرُّوحِيِّ، تُشِيرُ هٰذِهِ اللَّامُبَالَاةُ إِلَى خَطَرِ الِاعْتِيَادِ عَلَى سَمَاعِ كَلِمَةِ اللهِ دُونَ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا، أَوِ الِانْشِغَالِ بِالْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ حَتَّى تَفْقِدَ الدَّعْوَةُ الْإِلٰهِيَّةُ مَكَانَتَهَا فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ. وَيُحَذِّرُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ مِنْ هٰذَا الْإِهْمَالِ بِقَوْلِهِ: “فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِذَا أَهْمَلْنَا مِثْلَ هٰذَا الْخَلَاصِ الْعَظِيمِ؟” (عبرانيين 2: 3).  

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَقْلِهِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ὃς μὲν εἰς τὸν ἴδιον ἀγρόν ، أَيْ “فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَقْلِهِ الْخَاصِّ“.  وَيَدُلُّ الْمُصْطَلَحُ ἀγρός عَلَى الْحَقْلِ أَوِ الأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ، فِي حِينِ تُبْرِزُ كَلِمَةُ ἴδιον مَعْنَى الْمِلْكِيَّةِ الْخَاصَّةِ. وَيَرْمُزُ الْحَقْلُ إِلَى الِاهْتِمَامَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ وَالْمَصَالِحِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي قَدْ تَسْتَحْوِذُ عَلَى حَيَاةِ الْإِنْسَانِ. وَلَيْسَ الْعَمَلُ فِي الْحَقْلِ شَرًّا فِي ذَاتِهِ، فَالْعَمَلُ وَالِاعْتِنَاءُ بِالأَرْضِ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِ الْإِنْسَانِ الَّتِي أَوْكَلَهَا اللهُ إِلَيْهِ (تكوين 2: 15).  غَيْرَ أَنَّ الْخَطَرَ يَبْدَأُ عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ الْمَصَالِحُ الزَّمَنِيَّةُ إِلَى غَايَةٍ مُطْلَقَةٍ، فَتَحْجُبُ عَنِ الْإِنْسَانِ حَقِيقَةَ دَعْوَتِهِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ الِانْصِرَافَ إِلَى الْحَقْلِ بِأَنَّهُ صُورَةٌ لِلِانْهِمَاكِ فِي الأَعْمَالِ الأَرْضِيَّةِ، حِينَ تُصْبِحُ هٰذِهِ الأَعْمَالُ عَائِقًا أَمَامَ الِاسْتِجَابَةِ لِلدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ (PL 76). وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الصُّورَةُ بِمَثَلِ الزَّارِعِ، حَيْثُ تُشَبَّهُ هُمُومُ الدُّنْيَا وَفِتْنَةُ الْغِنَى بِالأَشْوَاكِ الَّتِي تَخْنُقُ الْكَلِمَةَ وَتَمْنَعُهَا مِنَ الْإِثْمَارِ (مَت13: 22).  

تَرِدُ عِبَارَةُ “وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تِجَارَتِهِ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ὃς δὲ ἐπὶ τὴν ἐμπορίαν αὐτοῦ، أَيْ “وَمِنْهُمْ مَنْ انْصَرَفَ إِلَى تِجَارَتِهِ“. وَيَدُلُّ الْمُصْطَلَحُ “ تِجَارَتِهِ ” ἐμπορία عَلَى التِّجَارَةِ وَالْأَنْشِطَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَلَا يُدِينُ الْمَثَلُ التِّجَارَةَ أَوِ الْعَمَلَ الْمَشْرُوعَ فِي ذَاتِهِ، بَلْ تَفْضِيلَ الْمَصَالِحِ الْمَادِّيَّةِ عَلَى دَعْوَةِ اللهِ. َقَدْ أَعْطَى الْمَدْعُوُّونَ أَوْلَوِيَّةً لِأَعْمَالِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ، حَتَّى أَصْبَحَ الْحَقْلُ وَالتِّجَارَةُ عَائِقَيْنِ أَمَامَ الِاسْتِجَابَةِ لِلْخَلَاصِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يَرَى الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ أَنَّ الِانْصِرَافَ إِلَى الْحَقْلِ وَالتِّجَارَةِ يُعَبِّرُ عَنِ الِانْهِمَاكِ فِي الْمَصَالِحِ الزَّمَنِيَّةِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْخَيْرِ الرُّوحِيِّ، حِينَ تَسْتَحْوِذُ هُمُومُ الدُّنْيَا عَلَى قَلْبِ الْإِنْسَانِ (PL 76). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا الْمَعْنَى مَعَ تَحْذِيرِ يَسُوعَ: “لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَعْمَلُوا لِلهِ وَلِلْمَالِ” (مَتَّى 6: 24)، وَمَعَ قَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ عَنْ دِيمَاسَ: “تَرَكَنِي لِحُبِّهِ هٰذِهِ الدُّنْيَا” (2 طيموتاوس 4: 10). فَالْخَطَرُ لَيْسَ فِي امْتِلَاكِ الْمَالِ، بَلْ فِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سَيِّدٍ عَلَى الْقَلْبِ، فَيُبْعِدَ الْإِنْسَانَ عَنِ اللهِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرَّعَوِيَّةِ، يُحَذِّرُنَا الْمَثَلُ مِنْ أَنْ تَسْتَغْرِقَنَا الْمَسْؤُولِيَّاتُ وَالْمَشَاغِلُ الْمَشْرُوعَةُ حَتَّى نُهْمِلَ حَيَاتَنَا الرُّوحِيَّةَ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُبْعِدُ الْإِنْسَانَ عَنِ اللهِ شَرًّا فِي ذَاتِهِ؛ إِذْ قَدْ تُصْبِحُ الْأُمُورُ الصَّالِحَةُ عَائِقًا عِنْدَمَا تَحْتَلُّ مَكَانَ اللهِ فِي حَيَاتِنَا. وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ الْمَثَلَ لَا يَدْعُونَا إِلَى تَرْكِ الْعَمَلِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ، بَلْ إِلَى تَرْتِيبِ أَوْلَوِيَّاتِنَا فِي ضَوْءِ وَصِيَّةِ الْمَسِيحِ: “اُطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ” (مَتَّى 6: 33). فَهَلْ نَجْعَلُ أَعْمَالَنَا وَمَصَالِحَنَا فِي خِدْمَةِ دَعْوَتِنَا الْمَسِيحِيَّةِ، أَمْ نَسْمَحُ لَهَا بِأَنْ تُبْعِدَنَا عَنْ فَرَحِ مَلَكُوتِ اللهِ؟ 

 6. “وَأَمْسَكَ الآخَرُونَ خَدَمَهُ، فَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ“ 

أَمَّا عِبَارَةُ “وَأَمْسَكَ الآخَرُونَ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ οἱ δὲ λοιποὶ κρατήσαντες ، أَيْ “أَمَّا الْبَاقُونَ، فَبَعْدَ أَنْ أَمْسَكُوا“. وَيُشِيرُ الْمُصْطَلَحُ λοιποί) إِلَى “الْبَاقِينَ“ أَوِ “الآخَرِينَ“، أَيْ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَدْعُوِّينَ، تَمَيَّزَتْ عَنِ الَّذِينَ انْصَرَفُوا إِلَى حُقُولِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ. أَمَّا الْفِعْلُ κρατήσαντες، فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ κρατέω ، بِمَعْنَى “أَمْسَكَ“ أَوْ “قَبَضَ عَلَى“ أَوْ “سَيْطَرَ عَلَى“. وَيَدُلُّ فِي هٰذَا السِّيَاقِ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى خَدَمِ الْمَلِكِ بِقَصْدِ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ. وَفِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ لِإِنْجِيلِ مَتَّى، يُمْكِنُ فَهْمُ هٰذِهِ الصُّورَةِ فِي ضَوْءِ مُقَاوَمَةِ بَعْضِ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ لِرِسَالَةِ يَسُوعَ وَرُسُلِهِ. فَقَدْ وَرَدَ الْمَثَلُ بَعْدَ مُوَاجَهَاتِ يَسُوعَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ فِي الْهَيْكَلِ (مَتَّى 21: 23)، وَبَعْدَ مَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا عَلَى خَدَمِ صَاحِبِ الْكَرْمِ (مَتَّى 21: 33-46). وَهٰذَا التَّشَابُهُ يُبْرِزُ أَنَّ رَفْضَ مُرْسَلِي اللهِ يُعَبِّرُ عَنْ رَفْضِ رِسَالَتِهِ وَسُلْطَانِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ لِلْمَثَلِ وَالتَّعْمِيمِ عَلَى شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ؛ فَالنَّصُّ يُوَجِّهُ نَقْدَهُ إِلَى الَّذِينَ رَفَضُوا الدَّعْوَةَ وَاضْطَهَدُوا الْمُرْسَلِينَ، وَلَا يُحَمِّلُ جَمِيعَ الْيَهُودِ، فِي زَمَنِ يَسُوعَ أَوْ بَعْدَهُ، مَسْؤُولِيَّةَ هٰذِهِ الأَفْعَالِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “خَدَمَهُ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ τοὺς δούλους αὐτοῦ، أَيْ “خَدَمَهُ“ أَوْ “عَبِيدَهُ“. وَيَرْمُزُ هٰؤُلَاءِ، فِي التَّفْسِيرِ اللَّاهُوتِيِّ، إِلَى مُرْسَلِي اللهِ الَّذِينَ حَمَلُوا كَلِمَتَهُ وَدَعْوَتَهُ إِلَى شَعْبِهِ عَبْرَ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، وَلَا سِيَّمَا الأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الرُّسُلَ وَالْمُبَشِّرِينَ. وَقَدْ شَهِدَ تَارِيخُ إِسْرَائِيلَ مَوَاقِفَ مُتَعَدِّدَةً مِنْ رَفْضِ الأَنْبِيَاءِ وَاضْطِهَادِهِمْ، كَمَا يَشْهَدُ لِذٰلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ إِيلِيَّا النَّبِيِّ (1 ملوك 19: 10)، وَإِرْمِيَا (إرميا 26: 7-11)، وَزَكَرِيَّا بْنِ يَهُويَادَاعَ الَّذِي قُتِلَ فِي دَارِ بَيْتِ الرَّبِّ (2 أخبار الأيام 24: 20-22). وَقَدْ لَخَّصَ يَسُوعُ هٰذَا التَّارِيخَ الْمُؤْلِمَ فِي رِثَائِهِ لأُورُشَلِيمَ، قَائِلًا: “أُورُشَلِيمُ، أُورُشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا” (مَتَّى 23: 37). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ رَفْضَ الْمُرْسَلِينَ لَيْسَ حَدَثًا مَعْزُولًا، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ نَبَوِيٌّ مُتَكَرِّرٌ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. 

تَرِدُ عِبَارَةُ “فَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ καὶ ὕβρισαν καὶ ἀπέκτειναν، وَيَسْبِقُهَا الْمَفْعُولُ بِهِ τοὺς δούλους αὐτοῦ، أَيْ “أَهَانُوا خَدَمَهُ وَقَتَلُوهُمْ“. وَالْفِعْلُ ” فَشَتَمُوهُمْ ” ὕβρισαν “”، مِنْ ὑβρίζω، لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الشَّتْمِ اللَّفْظِيِّ، بَلْ يَشْمَلُ الْإِهَانَةَ وَالْمُعَامَلَةَ الْمُذِلَّةَ وَالِاعْتِدَاءَ. أَمَّا “قَتَلُوهُمْ“ ἀπέκτειναν، مِنْ ἀποκτείνω، فَيَعْنِي “قَتَلُوا“. وَيُبْرِزُ اقْتِرَانُ الْفِعْلَيْنِ انْتِقَالَ الرَّفْضِ مِنَ الْإِهَانَةِ إِلَى إِزْهَاقِ الْحَيَاةِ. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الصُّورَةُ فِي ضَوْءِ مَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ، حَيْثُ تَعَرَّضَ خَدَمُ صَاحِبِ الْكَرْمِ لِلضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالرَّجْمِ (مَتَّى 21: 35). وَيُشِيرُ الْمَثَلَانِ إِلَى تَارِيخِ مُقَاوَمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَرَفْضِ الرِّسَالَةِ الْإِلٰهِيَّةِ (مَتَّى 23: 34-37). وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى امْتِدَادًا لِهٰذِهِ الصُّورَةِ فِي اضْطِهَادِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَقَتْلِهِ (مَتَّى 14: 3-12)، ثُمَّ فِي اضْطِهَادِ رُسُلِ الْمَسِيحِ (أعمال الرسل 4: 1-3؛ 5: 17-18)، وَاسْتِشْهَادِ إِسْطِفَانُسَ (أعمال الرسل 7: 54-60)، وَيَعْقُوبَ بْنِ زَبَدَى (أعمال الرسل 12: 1-2). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الأَحْدَاثُ أَنَّ الْبِشَارَةَ بِالْخَلَاصِ وَاجَهَتْ مُقَاوَمَةً وَاضْطِهَادًا، دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ انْتِشَارُهَا. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُمَيِّزُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ بَيْنَ الَّذِينَ أَهْمَلُوا الدَّعْوَةَ وَانْشَغَلُوا بِمَصَالِحِهِمْ، وَالَّذِينَ قَاوَمُوهَا بِاضْطِهَادِ الْمُرْسَلِينَ، مُبْرِزًا خُطُورَةَ الِانْتِقَالِ مِنَ الْإِهْمَالِ إِلَى الْعُنْفِ (PL 76). وَيُشَدِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى جَسَامَةِ مَوْقِفِ الْمَدْعُوِّينَ، إِذْ قَابَلُوا كَرَمَ الْمَلِكِ بِالْعُدْوَانِ عَلَى خَدَمِهِ (PG 58). وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرَّعَوِيَّةِ، يُحَذِّرُنَا الْمَثَلُ مِنْ أَنَّ رَفْضَ كَلِمَةِ اللهِ قَدْ يَظْهَرُ فِي مُقَاوَمَةِ الْحَقِّ وَإِسْكَاتِ صَوْتِ الضَّمِيرِ وَمُعَادَاةِ مَنْ يَدْعُونَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْعَدْلِ. فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَرْفُضُ الرِّسَالَةَ لِأَنَّهَا تَكْشِفُ أَخْطَاءَهُ أَوْ تَدْعُوهُ إِلَى تَغْيِيرِ سُلُوكِهِ.  

وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ رَفْضَ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ قَدْ يَتَّخِذُ شَكْلَ اللَّامُبَالَاةِ، وَقَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْعُنْفِ وَالِاضْطِهَادِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ مُقَاوَمَةَ الْمُرْسَلِينَ لَا تُبْطِلُ رِسَالَةَ اللهِ الْخَلَاصِيَّةَ. تَكْشِفُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ عَنْ تَصَاعُدِ رَفْضِ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ؛ فَبَعْدَ أَنْ أَهْمَلَ بَعْضُ الْمَدْعُوِّينَ دَعْوَةَ الْمَلِكِ وَانْصَرَفُوا إِلَى مَصَالِحِهِمْ (مَتَّى 22: 5)، تَجَاوَزَ آخَرُونَ اللَّامُبَالَاةَ إِلَى الْعُنْفِ وَقَتْلِ الْمُرْسَلِينَ. فَهَلْ نَقْبَلُ كَلِمَةَ اللهِ حِينَ تُوَافِقُ رَغَبَاتِنَا فَقَطْ، أَمْ نَسْتَقْبِلُهَا أَيْضًا حِينَ تَدْعُونَا إِلَى التَّوْبَةِ وَتَغْيِيرِ حَيَاتِنَا؟ وَهَلْ نَحْتَرِمُ مَنْ يَحْمِلُونَ إِلَيْنَا الْحَقَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ يُوَاجِهُ أَخْطَاءَنَا وَمَصَالِحَنَا؟ 

  1. “فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ، فَأَهْلَكَ هٰؤُلَاءِ الْقَتَلَةَ، وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ“

أَمَّا عِبَارَةُ “فَغَضِبَ الْمَلِكُ“، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ بِصِيغَةِ ὁ δὲ βασιλεὺς ὠργίσθη، أَيْ “فَغَضِبَ الْمَلِكُ“. وَالْفِعْلُ ὠργίσθη مِنْ ὀργίζομαι ، وَيَعْنِي “غَضِبَ“ أَوْ “اسْتَاءَ بِشِدَّةٍ“. وَيُعَبِّرُ فِي السِّيَاقِ الْكِتَابِيِّ عَنْ رَفْضِ الشَّرِّ وَالظُّلْمِ، وَعَنْ الدَّيْنُونَةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى التَّمَرُّدِ وَالْعُنْفِ. وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ غَضَبِ اللهِ وَغَضَبِ الْإِنْسَانِ. فَغَضَبُ اللهِ، فِي اللُّغَةِ الْكِتَابِيَّةِ، لَيْسَ انْفِعَالًا نَاتِجًا مِنْ ضَعْفٍ أَوْ فَقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا يَحْدُثُ أَحْيَانًا عِنْدَ الْإِنْسَانِ، بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ بَشَرِيٌّ عَنْ قَدَاسَةِ اللهِ وَعَدْلِهِ وَرَفْضِهِ لِلْخَطِيئَةِ وَالظُّلْمِ. فَاللهُ لَا يَغْضَبُ لِأَنَّهُ يَفْقِدُ مَحَبَّتَهُ، بَلْ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ لَا تَتَصَالَحُ مَعَ الشَّرِّ الَّذِي يُفْسِدُ الْإِنْسَانَ وَيُدَمِّرُ حَيَاتَهُ. وَيُعْلِنُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّ اللهَ “رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الأَنَاةِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالْوَفَاءِ” (خروج 34: 6)، وَأَنَّهُ لَا يُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِرُجُوعِهِ عَنْ طَرِيقِهِ لِيَحْيَا (حزقيال 33: 11). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ رَحْمَتَهُ لَا تُلْغِي عَدْلَهُ، وَطُولَ أَنَاتِهِ لَا يَعْنِي التَّغَاضِيَ عَنِ الظُّلْمِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ. وَلِذٰلِكَ يَصِفُهُ صَاحِبُ الْمَزْمُورِ بِأَنَّهُ “دَيَّانٌ بَارٌّ” (مزمور 7: 12). وَأَمَّا غَضَبُ الْإِنْسَانِ، فَقَدْ يَنْشَأُ عَنْ الْكِبْرِيَاءِ وَالْأَنَانِيَّةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الِانْتِقَامِ، وَقَدْ يَقُودُ إِلَى الْخَطِيئَةِ. وَلِهٰذَا يُحَذِّرُ الْمَزْمُورُ: “كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ وَدَعِ السُّخْطَ، لَا تَسْتَشِطْ، فَمَا هٰذَا إِلَّا سُوءٌ” (مزمور 37: 8). وَيُؤَكِّدُ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ أَنَّ “غَضَبَ الْإِنْسَانِ لَا يُحَقِّقُ بِرَّ اللهِ“ (يعقوب 1: 20). وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يُعَدُّ كُلُّ غَضَبٍ بَشَرِيٍّ خَطِيئَةً بِحَدِّ ذَاتِهِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَدَّ فِعْلٍ أَخْلَاقِيًّا مَشْرُوعًا تُجَاهَ الظُّلْمِ، شَرْطَ أَلَّا يَتَحَوَّلَ إِلَى حِقْدٍ أَوْ عُنْفٍ أَوِ انْتِقَامٍ (أفسس 4: 26). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَكْشِفُ غَضَبُ الْمَلِكِ عَنْ جِدِّيَّةِ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ عَنْ مَوْقِفِهِ مِنْهَا. فَالدَّعْوَةُ إِلَى الْمَلَكُوتِ هِبَةٌ مَجَّانِيَّةٌ، وَلٰكِنَّ رَفْضَهَا وَاضْطِهَادَ مُرْسَلِيهَا لَيْسَا أَمْرَيْنِ بِلَا تَبِعَاتٍ.  

وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ πέμψας τὰ στρατεύματα αὐτοῦ ، أَيْ “بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ جُيُوشَهُ“ أَوْ “قُوَّاتِهِ الْعَسْكَرِيَّةَ“. وَيُشِيرُ الْمُصْطَلَحُ στρατεύματα إِلَى الْجُيُوشِ أَوِ الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنْ لَفْظِ δοῦλοι ، أَيْ “الْخَدَمِ“، الْمُسْتَعْمَلِ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ. فَالْمَلِكُ الَّذِي أَرْسَلَ خَدَمَهُ لِإِعْلَانِ الدَّعْوَةِ، يُرْسِلُ الآنَ جُنُودَهُ لتنفيذ الْحُكْمِ. وَفِي الْمُسْتَوَى الرَّمْزِيِّ، تُعَبِّرُ هٰذِهِ الْقُوَّاتُ عَنْ وَسَائِلِ الدَّيْنُونَةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي أَحْدَاثِ التَّارِيخِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْمَسِيحِيِّينَ الْقُدَامَى فِي جُنُودِ الْمَلِكِ إِشَارَةً إِلَى الْجُيُوشِ الرُّومَانِيَّةِ الَّتِي حَاصَرَتْ أُورُشَلِيمَ وَدَمَّرَتْهَا سَنَةَ 70م. وَيَنْبَغِي فَهْمُ هٰذَا التَّفْسِيرِ بِوَصْفِهِ قِرَاءَةً لَاهُوتِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً لِلنَّصِّ، لَا تَصْرِيحًا مُبَاشِرًا بِأَنَّ كُلَّ حَرْبٍ أَوْ كَارِثَةٍ تَقَعُ بِأَمْرٍ إِلٰهِيٍّ لِمُعَاقَبَةِ شَعْبٍ مُعَيَّنٍ. وَأَمَّا التَّفْسِيرُ الَّذِي يَرَى فِي الْجُنُودِ مَلَائِكَةَ اللهِ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ رَمْزِيٌّ مُمْكِنٌ فِي ضَوْءِ نُصُوصٍ أُخْرَى عَنِ الدَّيْنُونَةِ (مَتَّى 13: 41-42؛ 24: 31)، غَيْرَ أَنَّ لَفْظَ στρατεύματα فِي هٰذِهِ الآيَةِ لَا يَذْكُرُ الْمَلَائِكَةَ صَرَاحَةً، وَالسِّيَاقُ الْمَثَلِيُّ يُصَوِّرُ جَيْشًا مَلَكِيًّا يُنَفِّذُ حُكْمَ الْمَلِكِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَأَهْلَكَ هٰؤُلَاءِ الْقَتَلَةَ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ἀπώλεσεν τοὺς φονεῖς ἐκείνους (، أَيْ “َهْلَكَ أُولٰئِكَ الْقَتَلَةَ“. وَيُشِيرُ الْفِعْلُ ἀπώλεσεν  مِنْ ἀπόλλυμι)، إِلَى الْإِهْلَاكِ أَوِ التَّدْمِيرِ، أَمَّا φονεῖς  فَتَعْنِي “قَتَلَةً“. وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّعْبِيرُ أَنَّ الْحُكْمَ مُوَجَّهٌ، فِي بِنْيَةِ الْمَثَلِ، إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِرَفْضِ الدَّعْوَةِ، بَلِ اعْتَدَوْا عَلَى مُرْسَلِي الْمَلِكِ وَقَتَلُوهُمْ. وَيَتَوَازَى هٰذَا الْمَشْهَدُ مَعَ نِهَايَةِ مَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ، حَيْثُ يُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَرْمِ سَيُهْلِكُ الْكَرَّامِينَ الأَشْرَارَ وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ ثِمَارَهُ فِي أَوَانِهَا (مَتَّى 21: 40-43). وَفِي الْمَثَلَيْنِ تَرْتَبِطُ الدَّيْنُونَةُ بِرَفْضِ مَسْؤُولِيَّةِ الْعَهْدِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى مُرْسَلِي اللهِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ καὶ τὴν πόλιν αὐτῶν ἐνέπρησεν، أَيْ “وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ“. وَالْفِعْلُ “أَحْرَقَ” ἐνέπρησεν، مِنْ ἐμπίμπρημι ، يَدُلُّ عَلَى إِضْرَامِ النَّارِ وَالْإِحْرَاقِ. وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ دَلَالَةً قَضَائِيَّةً تُعَبِّرُ عَنْ نَتَائِجِ التَّمَرُّدِ عَلَى الْمَلِكِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى مُرْسَلِيهِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ التَّارِيخِيَّةِ، يَرَى عَدَدٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ أَنَّ إِحْرَاقَ الْمَدِينَةِ يَحْمِلُ تَلْمِيحًا إِلَى خَرَابِ أُورُشَلِيمَ سَنَةَ 70م، حِينَ حَاصَرَتْهَا الْجُيُوشُ الرُّومَانِيَّةُ بِقِيَادَةِ طِيطُسَ، ابْنِ الْإِمْبَرَاطُورِ فِسْبَاسْيَانُسَ (69-79م). وَقَدْ أَدَّى الْحِصَارُ إِلَى تَدْمِيرِ الْهَيْكَلِ وَإِحْرَاقِ أَجْزَاءَ وَاسِعَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَمَا يَرْوِي الْمُؤَرِّخُ الْيَهُودِيُّ يُوسِيفُوسُ فْلَافِيُوسُ (الحَرْبُ الْيَهُودِيَّةُ، الْكِتَابُ السَّادِسُ، 4-5). وَكَانَ طِيطُسُ قَائِدًا عَسْكَرِيًّا آنَذَاكَ، ثُمَّ أَصْبَحَ إِمْبَرَاطُورًا سَنَةَ 79م. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّلْمِيحُ التَّارِيخِيُّ مَعَ تَحْذِيرِ يَسُوعَ مِنْ خَرَابِ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلِ (مَتَّى 24: 1-2؛ لوقا 19: 41-44؛ 21: 20-24). وَمِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّ مَثَلَ الْوَلِيمَةِ الْكُبْرَى فِي إِنْجِيلِ لُوقَا (14: 15-24) لَا يَتَضَمَّنُ مَشْهَدَ قَتْلِ الْخَدَمِ وَإِحْرَاقِ الْمَدِينَةِ، مِمَّا يُبْرِزُ الْخُصُوصِيَّةَ اللَّاهُوتِيَّةَ لِصِيَاغَةِ مَتَّى. وَيَرَى بَعْضُ الدَّارِسِينَ أَنَّ هٰذِهِ الصِّيَاغَةَ قَدْ تَأَثَّرَتْ بِأَحْدَاثِ سَنَةِ 70م، غَيْرَ أَنَّ ذٰلِكَ لَا يُشَكِّلُ بُرْهَانًا قَاطِعًا عَلَى تَارِيخِ تَدْوِينِ الْمَثَلِ، وَلَا دَلِيلًا عَلَى إِضَافَةِ الآيَةِ إِلَى النَّصِّ لَاحِقًا. فَالْأَدَقُّ أَكَادِيمِيًّا اعْتِبَارُ خَرَابِ أُورُشَلِيمَ خَلْفِيَّةً تَارِيخِيَّةً مُحْتَمَلَةً لِفَهْمِ الصُّورَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ. وَتَتَّضِحُ الصِّلَةُ بَيْنَ مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَمَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ (مَتَّى 21: 33-46) فِي أَنَّ كِلَيْهِمَا يَجْمَعُ بَيْنَ إِرْسَالِ الْخَدَمِ وَرَفْضِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، ثُمَّ الدَّيْنُونَةِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ. فَفِي مَثَلِ الْكَرَّامِينَ، يُنْزَعُ الْكَرْمُ مِنَ الْكَرَّامِينَ غَيْرِ الأُمَنَاءِ وَيُسَلَّمُ إِلَى آخَرِينَ يُؤَدُّونَ ثِمَارَهُ (مَتَّى 21: 41، 43)، أَمَّا فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، فَيُعَاقَبُ الْقَاتِلُونَ، وَتُمْتَدُّ الدَّعْوَةُ إِلَى آخَرِينَ مِنْ مُفْتَرَقَاتِ الطُّرُقِ (مَتَّى 22: 7-10). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ الدَّيْنُونَةَ فِي الْمَثَلَيْنِ لَا تَعْنِي فَشَلَ تَدْبِيرِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ، بَلْ تُؤَكِّدُ اسْتِمْرَارَهُ وَانْفِتَاحَهُ عَلَى مَنْ يَسْتَجِيبُونَ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ. وَمِنَ الضَّرُورِيِّ التَّأْكِيدُ أَنَّ هٰذَا التَّفْسِيرَ لَا يُبَرِّرُ إِدَانَةَ الشَّعْبِ الْيَهُودِيِّ بِأَكْمَلِهِ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ اللهَ تَرَاجَعَ عَنْ مَوَاعِيدِهِ، إِذْ يُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ “هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ لَا رُجُوعَ عَنْهَا“ (رومة 11: 29؛ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي، فِي عَصْرِنَا، 4). وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُبْرِزُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ دَيْنُونَةَ الْمَلِكِ جَاءَتْ بَعْدَ تَكْرَارِ الدَّعْوَةِ وَإِصْرَارِ بَعْضِ الْمَدْعُوِّينَ عَلَى رَفْضِهَا وَقَتْلِ مُرْسَلِيهِ (PG 58). وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُعَلِّمُنَا الْمَثَلُ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَعَدْلَهُ لَيْسَا مُتَنَاقِضَيْنِ؛ فَهُوَ يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى التَّوْبَةِ، وَيَمْنَحُهُ فُرَصًا مُتَجَدِّدَةً لِلِاسْتِجَابَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَدْعُوهُ أَيْضًا إِلَى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ أَفْعَالِهِ.  

وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ إِحْرَاقَ الْمَدِينَةِ صُورَةٌ مَثَلِيَّةٌ لِلدَّيْنُونَةِ عَلَى رَفْضِ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ وَاضْطِهَادِ مُرْسَلِي اللهِ. وَإِنْ كَانَتْ تَحْمِلُ تَلْمِيحًا مُحْتَمَلًا إِلَى خَرَابِ أُورُشَلِيمَ، فَإِنَّ رِسَالَتَهَا تَتَجَاوَزُ ذٰلِكَ الْحَدَثَ التَّارِيخِيَّ، لِتُوَجِّهَ تَحْذِيرًا إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خُطُورَةِ الِاسْتِهْتَارِ بِالنِّعْمَةِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى رَفْضِهَا. تُمَثِّلُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ ذُرْوَةَ الدَّيْنُونَةِ فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ؛ فَبَعْدَ أَنْ جَدَّدَ الْمَلِكُ دَعْوَتَهُ، وَقَابَلَ بَعْضُ الْمَدْعُوِّينَ خَدَمَهُ بِالْإِهَانَةِ وَالْقَتْلِ، أَرْسَلَ جُنُودَهُ لِمُعَاقَبَةِ الْقَاتِلِينَ وَإِحْرَاقِ مَدِينَتِهِمْ. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الصُّورَةُ أَنَّ طُولَ أَنَاةِ اللهِ لَا يُلْغِي عَدْلَهُ، وَأَنَّ رَفْضَ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ يَحْمِلُ عَوَاقِبَ جِدِّيَّةً. فَهَلْ نَسْتَغِلُّ طُولَ أَنَاةِ اللهِ لِنُؤَجِّلَ تَوْبَتَنَا، أَمْ نَسْتَجِيبُ الْيَوْمَ لِدَعْوَتِهِ، مُدْرِكِينَ أَنَّ مَحَبَّتَهُ تَدْعُونَا أَيْضًا إِلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَتَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ؟ 

 8 “ثُمَّ قَالَ لِخَدَمِهِ: الْوَلِيمَةُ مُعَدَّةٌ، وَلٰكِنَّ الْمَدْعُوِّينَ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ“ 

يَرِدُ لَفْظُ “الْوَلِيمَةُ“، فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ὁ γάμος، أَيْ “الْعُرْسُ“ أَوْ “احْتِفَالُ الزَّوَاجِ“، وَيُقْصَدُ بِهِ فِي هٰذَا السِّيَاقِ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ الَّتِي أَعَدَّهَا الْمَلِكُ لِابْنِهِ. وَتُعَبِّرُ الْوَلِيمَةُ فِي الْعَالَمِ الْكِتَابِيِّ عَنِ الْفَرَحِ وَالضِّيَافَةِ وَالشَّرِكَةِ، وَتَتَّخِذُ فِي اللُّغَةِ النَّبَوِيَّةِ بُعْدًا خَلَاصِيًّا يُشِيرُ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي خَيْرَاتِ مَلَكُوتِ اللهِ. عَرَفَ الْعَالَمُ الْكِتَابِيُّ إِقَامَةَ الْوَلَائِمِ لِإِكْرَامِ الضُّيُوفِ وَالِاحْتِفَالِ بِالْمُنَاسَبَاتِ الْخَاصَّةِ، كَمَا فِي ضِيَافَةِ إِبْرَاهِيمَ (تكوين 18: 5-8)، وَوَلِيمَةِ الْمَلِكِ بَلْشَاصَرَ (دانيال 5: 1). وَكَانَتِ الضِّيَافَةُ تَرْتَبِطُ بِآدَابٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، مِنْهَا غَسْلُ أَرْجُلِ الضُّيُوفِ، وَقُبْلَةُ التَّرْحِيبِ، وَدَهْنُ الرَّأْسِ بِالزَّيْتِ (لوقا 7: 44-46)، وَتَرْتِيبُ أَمَاكِنِ الْجُلُوسِ بِحَسَبِ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ (لوقا 14: 7-11). وَيَذْكُرُ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ وَلَائِمَ مُتَعَدِّدَةً، مِنْهَا عُرْسُ قَانَا الْجَلِيلِ (يوحنا 2: 1-11)، وَوَلِيمَةُ لَاوِي تَكْرِيمًا لِيَسُوعَ (لوقا 5: 29)، وَالْمَأْدُبَةُ فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الْفَرِّيسِيِّ (لوقا 7: 36-50)، وَالْوَلِيمَةُ فِي بَيْتِ عَنْيَا قُبَيْلَ آلَامِ الْمَسِيحِ (يوحنا 12: 1-8). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الْأَمْثِلَةُ عَنْ مَكَانَةِ الْوَلِيمَةِ فِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ.  تَتَجَاوَزُ الْوَلِيمَةُ فِي الْمَثَلِ مَعْنَاهَا الِاجْتِمَاعِيَّ لِتُصْبِحَ صُورَةً لِفَرَحِ الْخَلَاصِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. فَقَدْ أَعْلَنَ النَّبِيُّ أَشَعْيَاءُ أَنَّ الرَّبَّ سَيُعِدُّ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ مَأْدُبَةً فَاخِرَةً، يَرْفَعُ فِيهَا الْحُزْنَ وَيُبْطِلُ الْمَوْتَ (أشعيا 25: 6-9). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الصُّورَةُ كَمَالَهَا فِي “وَلِيمَةِ عُرْسِ الْحَمَلِ” (رؤيا 19: 7-9)، حَيْثُ يَظْهَرُ الْمَسِيحُ عَرِيسًا، وَتَظْهَرُ الْكَنِيسَةُ عَرُوسًا لَهُ (أفسس 5: 25-32). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ الْوَلِيمَةَ الَّتِي أَعَدَّهَا الْمَلِكُ لِابْنِهِ تُشِيرُ، فِي الْقِرَاءَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ، إِلَى الْخَلَاصِ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ لِلْبَشَرِ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَإِلَى الْفَرَحِ الَّذِي يَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِيهِ.  يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ بُعْدًا إِفْخَارِسْتِيًّا رُوحِيًّا؛ فَالْمَسِيحُ يُقَدِّمُ ذَاتَهُ غِذَاءً لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (يوحنا 6: 51-58)، وَتُشَكِّلُ الْإِفْخَارِسْتِيَّا تَذْكَارًا لِذَبِيحَتِهِ وَعَرْبُونًا لِلْمَأْدُبَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي الْمَلَكُوتِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الْبُعْدَ يَنْتَمِي إِلَى التَّأَمُّلِ اللَّاهُوتِيِّ وَالتَّطْبِيقِ الرُّوحِيِّ، وَلَا يَنْحَصِرُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُبَاشِرُ لِلْمَثَلِ. وَقَدْ عَرَفَتِ الْجَمَاعَاتُ الْمَسِيحِيَّةُ الأُولَى مَوَائِدَ الْمَحَبَّةِ (ἀγάπαι)، الَّتِي يَرِدُ ذِكْرُهَا فِي رِسَالَةِ يَهُوذَا (يهوذا 12)، كَمَا تُظْهِرُ رِسَالَةُ بُولُسَ إِلَى أَهْلِ قُورِنْتُسَ بَعْضَ الْمُشْكِلَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْمَوَائِدِ الْجَمَاعِيَّةِ (1 قورنتس 11: 20-22). وَقَدْ نَصَّ مَجْمَعُ لَاوُدِكِيَّةَ، فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ، عَلَى مَنْعِ إِقَامَةِ مَوَائِدِ الْمَحَبَّةِ دَاخِلَ الْكَنَائِسِ (الْقَانُونُ 28)، دُونَ أَنْ يَعْنِيَ ذٰلِكَ مَنْعَ كُلِّ أَشْكَالِ الْمَوَائِدِ الْأَخَوِيَّةِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “الْوَلِيمَةُ مُعَدَّةٌ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ὁ μὲν γάμος ἕτοιμός ἐστιν ، أَيْ “إِنَّ الْعُرْسَ جَاهِزٌ“. وَيُشِيرُ النَّعْتُ ἕτοιμος إِلَى الْجَاهِزِيَّةِ وَاكْتِمَالِ الِاسْتِعْدَادِ. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ الْمَلِكَ أَتَمَّ كُلَّ مَا يَلْزَمُ لِلِاحْتِفَالِ، وَأَنَّ رَفْضَ الْمَدْعُوِّينَ لَمْ يُبْطِلْ وَلِيمَتَهُ. وَفِي الْمَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ، تُشِيرُ الْوَلِيمَةُ الْمُعَدَّةُ إِلَى اكْتِمَالِ مُبَادَرَةِ اللهِ الْخَلَاصِيَّةِ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَالْخَلَاصُ لَيْسَ إِنْجَازًا بَشَرِيًّا، بَلْ عَطِيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ أَعَدَّهَا اللهُ بِمَحَبَّتِهِ، وَيَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى قَبُولِهَا وَالِاشْتِرَاكِ فِيهَا. وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الصُّورَةُ ذُرْوَتَهَا فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا: “لِنَفْرَحْ وَنَبْتَهِجْ، وَلْنُمَجِّدِ اللهَ، فَقَدْ حَانَ عُرْسُ الْحَمَلِ، وَعَرُوسُهُ قَدْ تَزَيَّنَتْ” “رؤيا 19: 7). وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ رِسَالَةَ رَجَاءٍ عَمِيقَةً، فَهِيَ تُؤَكِّدُ أَنَّ مَشْرُوعَ اللهِ لِلْخَلَاصِ لَا يَتَوَقَّفُ بِسَبَبِ رَفْضِ بَعْضِ الْمَدْعُوِّينَ. فَالْوَلِيمَةُ مَا زَالَتْ جَاهِزَةً، وَالْمَلِكُ سَيُوَجِّهُ دَعْوَتَهُ إِلَى آخَرِينَ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي الآيَاتِ التَّالِيَةِ (مَتَّى 22: 9-10). 

“أَمَّا عِبَارَةُ “وَلٰكِنَّ الْمَدْعُوِّينَ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ οἱ δὲ κεκλημένοι οὐκ ἦσαν ἄξιοι، أَيْ “أَمَّا الَّذِينَ سَبَقَتْ دَعْوَتُهُمْ فَلَمْ يَكُونُوا أَهْلًا لَهَا“. وَيَدُلُّ الْمُصْطَلَحُ “ مُسْتَحِقِّينَ ” ἄξιοι، وَمُفْرَدُهُ ἄξιος ، عَلَى الْأَهْلِيَّةِ وَالْجَدَارَةِ. أَمَّا الصِّيغَةُ الْمَنْفِيَّةُ “غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ” οὐκ ἦσαν ἄξιοι فَتُبْرِزُ أَنَّ الْمَدْعُوِّينَ أَظْهَرُوا بِسُلُوكِهِمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْوَلِيمَةِ. وَلَا يَعْنِي عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ هُنَا أَنَّ الْمَدْعُوِّينَ كَانُوا مَحْرُومِينَ مُسْبَقًا مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، بَلْ إِنَّهُمْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ غَيْرَ أَهْلٍ لِلدَّعْوَةِ بِرَفْضِهِمُ الْحُرِّ لَهَا. فَقَدْ أَرْسَلَ الْمَلِكُ خَدَمَهُ مَرَّتَيْنِ، وَأَعْلَنَ أَنَّ الْوَلِيمَةَ مُعَدَّةٌ، وَلٰكِنَّ بَعْضَ الْمَدْعُوِّينَ فَضَّلُوا مَصَالِحَهُمُ الزَّمَنِيَّةَ، وَبَعْضَهُمُ الآخَرَ اضْطَهَدَ الْخَدَمَ وَقَتَلَهُمْ (مَتَّى 22: 3-6). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِمْ لَا يَرْتَبِطُ بِأَصْلِهِمْ أَوْ مَكَانَتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، بَلْ بِمَوْقِفِهِمْ مِنَ الدَّعْوَةِ. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الْحَقِيقَةُ فِي ضَوْءِ مَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ (مَتَّى 21: 33-46)؛ فَكَمَا أَنَّ الْكَرَّامِينَ فَقَدُوا أَهْلِيَّتَهُمْ لِلْإِشْرَافِ عَلَى الْكَرْمِ بِسَبَبِ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ وَرَفْضِ إِعْطَاءِ الثِّمَارِ، كَذٰلِكَ فَقَدَ الْمَدْعُوُّونَ أَهْلِيَّتَهُمْ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْوَلِيمَةِ بِسَبَبِ رَفْضِ الدَّعْوَةِ. فَالْمَثَلُ الْأَوَّلُ يُؤَكِّدُ مَسْؤُولِيَّةَ الْإِثْمَارِ، وَالثَّانِي يُؤَكِّدُ مَسْؤُولِيَّةَ الِاسْتِجَابَةِ؛ وَكِلَاهُمَا يَرْبِطُ الْأَهْلِيَّةَ بِالْأَمَانَةِ لِنِعْمَةِ اللهِ، لَا بِالِامْتِيَازِ الْمَوْرُوثِ أَوِ الِانْتِمَاءِ الظَّاهِرِيِّ. وَفِي السِّيَاقِ الْإِنْجِيلِيِّ، تُوَجَّهُ هٰذِهِ الصُّورَةُ، بِوَجْهٍ خَاصٍّ، إِلَى الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي عَارَضَتْ رِسَالَةَ يَسُوعَ (مَتَّى 21: 45-46؛ 22: 1). وَيَجِدُ هٰذَا الْمَعْنَى صَدًى فِي كَلَامِ بُولُسَ وَبَرْنَابَا لِمَنْ رَفَضُوا الْبِشَارَةَ فِي أَنْطَاكِيَةَ بِيسِيدِيَةَ: “أَمَّا وَأَنْتُمْ تَرْفُضُونَهَا وَلَا تَرَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أَهْلًا لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، فَإِنَّنَا نَتَوَجَّهُ الآنَ إِلَى الْأُمَمِ” (أعمال الرسل 13: 46). غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّفْسِيرَ لَا يَعْنِي إِدَانَةَ الشَّعْبِ الْيَهُودِيِّ بِأَكْمَلِهِ، وَلَا إِلْغَاءَ مَوَاعِيدِ اللهِ لَهُ، إِذْ يُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ «هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ لَا رُجُوعَ عَنْهَا” (رومة 11: 29؛ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي، فِي عَصْرِنَا، 4). وَكَذٰلِكَ، فَإِنَّ دَعْوَةَ آخَرِينَ إِلَى الْوَلِيمَةِ لَا تَعْنِي أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا مُسْتَحِقِّينَ لِمُجَرَّدِ دُخُولِهِمْ إِلَيْهَا؛ فَخَاتِمَةُ الْمَثَلِ تُظْهِرُ أَنَّ أَحَدَ الْحَاضِرِينَ أُخْرِجَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا لِبَاسَ الْعُرْسِ (مَتَّى 22: 11-13). وَهٰذَا يُؤَكِّدُ أَنَّ الدَّعْوَةَ مَجَّانِيَّةٌ، وَلٰكِنَّ قَبُولَهَا يَقْتَضِي حَيَاةً مُتَجَدِّدَةً تُثْمِرُ إِيمَانًا وَمَحَبَّةً وَأَعْمَالًا صَالِحَةً. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُبْرِزُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ رَفْضَ الْمَدْعُوِّينَ لَمْ يَنْتُجْ عَنْ تَقْصِيرٍ مِنَ الْمَلِكِ، بَلْ عَنْ مَوْقِفِهِمْ هُمْ؛ فَقَدْ أَعَدَّ الْوَلِيمَةَ وَجَدَّدَ الدَّعْوَةَ، وَلٰكِنَّهُمْ رَفَضُوا الِاسْتِجَابَةَ لَهَا (PG 58). وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُذَكِّرُنَا الْمَثَلُ بِأَنَّ الِانْتِمَاءَ الظَّاهِرِيَّ إِلَى الْكَنِيسَةِ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَرِنَ بِالْإِيمَانِ الْحَيِّ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ. فَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَحِقُّ الْخَلَاصَ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ يَقْبَلُهُ عَطِيَّةً مِنَ اللهِ، وَيُعَبِّرُ عَنْ قَبُولِهِ بِحَيَاةٍ تَنْسَجِمُ مَعَ الْإِنْجِيلِ. وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ الْمَدْعُوِّينَ لَمْ يَفْقِدُوا أَهْلِيَّتَهُمْ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَمْ يُرِدْ خَلَاصَهُمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ رَفَضُوا دَعْوَتَهُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، بَقِيَتِ الْوَلِيمَةُ مُعَدَّةً، وَامْتَدَّتِ الدَّعْوَةُ إِلَى آخَرِينَ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ مَشْرُوعَ اللهِ الْخَلَاصِيَّ لَا يُبْطِلُهُ رَفْضُ الْإِنْسَانِ. فَهَلْ نَكْتَفِي بِأَنَّنَا مَدْعُوُّونَ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ، أَمْ نَسْعَى إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَتِهِ بِإِيمَانٍ حَيٍّ وَمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَأَمَانَةٍ لِلْإِنْجِيلِ؟ 

  1. “فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَادْعُوا إِلَى الْعُرْسِ كُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ“

تَرِدُ عِبَارَةُ “فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ“، فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ بِصِيغَةِ πορεύεσθε οὖν ἐπὶ τὰς διεξόδους τῶν ὁδῶν . وَيَدُلُّ الْفِعْلُ πορεύεσθε عَلَى الْحَرَكَةِ وَالذَّهَابِ، وَهُوَ هُنَا صِيغَةُ أَمْرٍ تُوَجَّهُ إِلَى الْخَدَمِ لِلْخُرُوجِ مِنْ نِطَاقِ الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ. أَمَّا الْمُصْطَلَحُ διέξοδοι ، وَمُفْرَدُهُ διέξοδος، فَيَدُلُّ عَلَى الْمَخَارِجِ وَالْمَمَرَّاتِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي تَتَّصِلُ فِيهَا الطُّرُقُ أَوْ تَتَفَرَّعُ. وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “الطُّرُقِ” τῶν ὁδῶν إِلَى الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ. وَفِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، تُشِيرُ مَفَارِقُ الطُّرُقِ إِلَى الأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا النَّاسُ مِنْ مُخْتَلَفِ الْفِئَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَهِيَ تَخْتَلِفُ عَنْ بُيُوتِ الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ، الَّذِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ لِلْمَلِكِ وَسَبَقَ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَدَمَهُ. أَمَّا الآنَ، فَإِنَّ الْمَلِكَ يَأْمُرُ خَدَمَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الأَمَاكِنِ الْمَفْتُوحَةِ، حَيْثُ يَلْتَقُونَ بِأَشْخَاصٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ دَعْوَةٌ سَابِقَةٌ إِلَى الْوَلِيمَةِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، تَرْمُزُ مَفَارِقُ الطُّرُقِ إِلَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى هَامِشِ الْحَيَاةِ الدِّينِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا الْعَشَّارِينَ وَالْخَاطِئِينَ وَالْفُقَرَاءَ وَالْمُهَمَّشِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَحْظَوْنَ بِمَكَانَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَهٰذَا يَتَّفِقُ مَعَ رِسَالَةِ يَسُوعَ الَّذِي جَاءَ لِيَدْعُوَ الْخَاطِئِينَ إِلَى التَّوْبَةِ (مَتَّى 9: 10-13)، وَأَعْلَنَ أَنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَ بَعْضَ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ، لِأَنَّهُمْ آمَنُوا وَاسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ التَّوْبَةِ (مَتَّى 21: 31-32). وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الصُّورَةُ أَنَّ الَّذِينَ وُجِدُوا فِي الطُّرُقِ لَمْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ حَقًّا مُسْبَقًا فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الْوَلِيمَةِ الْمَلَكِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنَّ الْمَلِكَ سَيَدْعُوهُمْ إِلَى عُرْسِ ابْنِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ كَرَمَ الْمَلِكِ هُوَ الَّذِي فَتَحَ أَمَامَهُمْ أَبْوَابَ الْوَلِيمَةِ. فَالدَّعْوَةُ لَمْ تَنْبَعْ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمُ الذَّاتِيِّ، بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الْمَلِكِ وَسَخَائِهِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى مَجَّانِيَّةُ النِّعْمَةِ؛ فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِالدَّعْوَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ مَلَكُوتِهِ، وَيَمْنَحُ الْإِنْسَانَ إِمْكَانِيَّةَ الِاشْتِرَاكِ فِي حَيَاتِهِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: “فَإِنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالْإِيمَانِ، وَذٰلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ، بَلْ هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ” (أفسس 2: 8). وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الْمُبَادَرَةُ أَيْضًا بِتَرْنِيمَةِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، حَيْثُ تُمَجِّدُ اللهَ الَّذِي “حَطَّ الأَقْوِيَاءَ عَنِ الْعُرُوشِ وَرَفَعَ الْوُضَعَاءَ” (لوقا 1: 52). فَالْمَلَكُوتُ يُغَيِّرُ الْمَقَايِيسَ الْبَشَرِيَّةَ، إِذْ يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ لِلَّذِينَ قَدْ يَحْسَبُهُمُ الْعَالَمُ غَيْرَ جَدِيرِينَ بِالْكَرَامَةِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ “وَادْعُوا إِلَى الْعُرْسِ كُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ καὶ ὅσους ἐὰν εὕρητε καλέσατε εἰς τοὺς γάμους، أَيْ “وَكُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ ادْعُوهُ إِلَى الْعُرْسِ“. وَتُبْرِزُ الْعِبَارَةُ “ كُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ ” ὅσους ἐὰν εὕρητε شُمُولِيَّةَ الدَّعْوَةِ وَاتِّسَاعَهَا، إِذْ لَا يَضَعُ الْمَلِكُ شُرُوطًا مُسْبَقَةً تَتَعَلَّقُ بِالثَّرْوَةِ أَوِ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَوِ الِانْتِمَاءِ. أَمَّا الْفِعْلُ “ وَادْعُوا ” καλέσατε، مِنْ καλέω، فَهُوَ صِيغَةُ أَمْرٍ تَعْنِي “ادْعُوا“، وَتُؤَكِّدُ مَسْؤُولِيَّةَ الْخَدَمِ عَنْ تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْجَمِيعِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذِهِ الْآيَةِ فِي أَنَّهَا تُعْلِنُ الِانْتِقَالَ مِنْ دَعْوَةٍ مَوَجَّهَةٍ إِلَى مَدْعُوِّينَ مُحَدَّدِينَ إِلَى دَعْوَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَمَامَ كُلِّ مَنْ يَلْتَقِي بِهِمُ الْخَدَمُ. فَبَعْدَ رَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ، لَمْ يُلْغِ الْمَلِكُ وَلِيمَتَهُ، بَلْ وَسَّعَ نِطَاقَ الدَّعْوَةِ، كَاشِفًا أَنَّ رَفْضَ الْإِنْسَانِ لَا يُبْطِلُ مَشْرُوعَ اللهِ الْخَلَاصِيَّ. وَتَجِدُ هٰذِهِ الشُّمُولِيَّةُ جُذُورَهَا فِي وَعْدِ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ: “وَتَتَبَارَكُ بِكَ جَمِيعُ عَشَائِرِ الْأَرْضِ” (تكوين 12: 3). فَاخْتِيَارُ إِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ لَمْ يَكُنْ غَايَةً مُنْغَلِقَةً عَلَى ذَاتِهَا، بَلْ حَمَلَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ بُعْدًا خَلَاصِيًّا شَامِلًا لِلْأُمَمِ. وَقَدْ تَجَلَّى هٰذَا الِانْفِتَاحُ فِي رِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ الأُولَى، حِينَ بَشَّرَ فِيلِبُّسُ أَهْلَ السَّامِرَةِ بِالْمَسِيحِ (أعمال الرسل 8: 5)، وَأَعْلَنَ بُطْرُسُ الْبِشَارَةَ فِي بَيْتِ قُرْنِيلِيُوسَ (أعمال الرسل 10: 24-48)، وَنَادَى بُولُسُ فِي أَثِينَا بِأَنَّ اللهَ يَدْعُو جَمِيعَ النَّاسِ إِلَى التَّوْبَةِ (أعمال الرسل 17: 30). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الرِّسَالَةُ ذُرْوَتَهَا فِي وَصِيَّةِ الْمَسِيحِ الْقَائِمِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الْأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19)، لِأَنَّ اللهَ “يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ” (1 طيموتاوس 2: 4). غَيْرَ أَنَّ اتِّسَاعَ الدَّعْوَةِ لَا يَعْنِي رَفْضَ اللهِ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ أَوْ إِلْغَاءَ مَوَاعِيدِهِ، إِذْ يُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ “هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ لَا رُجُوعَ عَنْهَا” (رومة 11: 29). فَالْمَثَلُ يُعْلِنُ شُمُولِيَّةَ الْخَلَاصِ، لَا إِدَانَةً جَمَاعِيَّةً لِلشَّعْبِ الْيَهُودِيِّ. وَيَرِدُ مَشْهَدٌ مُوَازٍ فِي مَثَلِ الْوَلِيمَةِ الْكُبْرَى (لوقا 14: 15-24)، حَيْثُ يُرْسِلُ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ خَادِمَهُ إِلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ وَطُرُقِهَا لِيَدْعُوَ الْفُقَرَاءَ وَالْمُهَمَّشِينَ. وَيَرِدُ الْأَمْرُ ἀνάγκασον ، أَيْ “أَلْزِمْهُمْ“ (لوقا 14: 23)، وَيُمْكِنُ فَهْمُهُ فِي سِيَاقِ الضِّيَافَةِ عَلَى أَنَّهُ حَثٌّ مُلِحٌّ عَلَى قَبُولِ الدَّعْوَةِ، لَا تَبْرِيرٌ لِلْإِكْرَاهِ الدِّينِيِّ؛ فَالْإِيمَانُ يَفْتَرِضُ اسْتِجَابَةً حُرَّةً لِنِعْمَةِ اللهِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُبْرِزُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ اتِّسَاعَ الدَّعْوَةِ بَعْدَ رَفْضِ الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ يَكْشِفُ عَنْ سَخَاءِ اللهِ وَانْفِتَاحِ الْبِشَارَةِ عَلَى آخَرِينَ (PG 58).  وَيَرْبِطُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ دَعْوَةَ الَّذِينَ فِي الطُّرُقِ بِامْتِدَادِ الْبِشَارَةِ إِلَى الْأُمَمِ (PL 76). وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرَّعَوِيَّةِ، تَكْشِفُ هٰذِهِ الْآيَةُ عَنِ الطَّابَعِ الرِّسَالِيِّ لِلْكَنِيسَةِ؛ فَهِيَ لَا تُدْعَى إِلَى انْتِظَارِ النَّاسِ حَتَّى يَأْتُوا إِلَيْهَا فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى الْخُرُوجِ نَحْوَ الْفُقَرَاءِ وَالْمُهَمَّشِينَ وَالْبَعِيدِينَ عَنِ الْإِيمَانِ. فَالْمَلِكُ لَمْ يَقُلْ لِخَدَمِهِ: “انْتَظِرُوا“، بَلْ أَمَرَهُمْ بِالذَّهَابِ وَالدَّعْوَةِ. وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ “وَادْعُوا إِلَى الْعُرْسِ كُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ” يُعْلِنُ مَجَّانِيَّةَ النِّعْمَةِ وَشُمُولِيَّةَ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ. فَوَلِيمَةُ الْمَلَكُوتِ لَيْسَتْ حِكْرًا عَلَى فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَ الْجَمِيعِ، مَعَ بَقَاءِ مَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ عَنْ قَبُولِهَا وَالْعَيْشِ بِمُقْتَضَاهَا. فَهَلْ نَكْتَفِي بِالِاحْتِفَاظِ بِالْإِيمَانِ لِأَنْفُسِنَا، أَمْ نَخْرُجُ إِلَى مَفَارِقِ طُرُقِ عَالَمِنَا لِنَدْعُوَ الْآخَرِينَ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِ اللهِ؟ 

 10 “فَخَرَجَ أُولٰئِكَ الْخَدَمُ إِلَى الطُّرُقِ، فَجَمَعُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوا مِنْ أَشْرَارٍ وَأَخْيَارٍ، فَامْتَلَأَتْ رَدْهَةُ الْعُرْسِ بِالْجَالِسِينَ لِلطَّعَامِ“ 

تَرِدُ عِبَارَةُ “فَخَرَجَ أُولٰئِكَ الْخَدَمُ إِلَى الطُّرُقِ“، فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ بِصِيغَةِ καὶ ἐξελθόντες οἱ δοῦλοι ἐκεῖνοι εἰς τὰς ὁδούς. وَيُشِيرُ الْفِعْلُ “فَخَرَجَ“ ἐξελθόντες، مِنْ ἐξέρχομαι ، إِلَى الْخُرُوجِ وَالِانْطِلَاقِ، فِي حِينِ يَدُلُّ الْمُصْطَلَحُ ὁδοί  عَلَى الطُّرُقِ وَالْمَمَرَّاتِ الَّتِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ طَاعَةَ الْخَدَمِ لِأَمْرِ الْمَلِكِ، إِذْ لَمْ يَبْقَوْا فِي الْقَصْرِ يَنْتَظِرُونَ الْمَدْعُوِّينَ، بَلْ خَرَجُوا لِلْبَحْثِ عَنْهُمْ حَيْثُ يُوجَدُونَ. وَفِي الْمَعْنَى الرُّوحِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا الْخُرُوجِ صُورَةً لِرِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي لَا تَنْحَصِرُ فِي اسْتِقْبَالِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ تَنْطَلِقُ إِلَى الْعَالَمِ لِتُعْلِنَ بِشَارَةَ الْخَلَاصِ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ، وَفْقًا لِوَصِيَّةِ الْمَسِيحِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19).  

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَجَمَعُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوا“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ συνήγαγον πάντας ὅσους εὗρον ، أَيْ “فَجَمَعُوا جَمِيعَ الَّذِينَ وَجَدُوهُمْ“. وَيُشِيرُ الْفِعْلُ συνήγαγον، مِنْ συνάγω، إِلَى الْجَمْعِ وَالضَّمِّ وَالتَّوْحِيدِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. أَمَّا الْمُصْطَلَحُ πάντας فَيَعْنِي “الْجَمِيعَ“، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْخَدَمَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ وَجَّهُوا الدَّعْوَةَ إِلَى كُلِّ مَنْ وَجَدُوهُ. وَتُعَبِّرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ عَنْ رَغْبَةِ اللهِ فِي جَمْعِ الْبَشَرِ حَوْلَ مَائِدَةِ مَلَكُوتِهِ، لِأَنَّهُ “يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ” (1 طيموتاوس 2: 4). فَالْمَلِكُ لَا يَسْأَلُ عَنْ مَكَانَةِ الْمَدْعُوِّينَ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَا عَنْ ثَرْوَتِهِمْ أَوْ أَصْلِهِمْ، بَلْ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْوَلِيمَةِ أَمَامَ الْجَمِيعِ. وَيَتَّفِقُ هٰذَا الْمَعْنَى مَعَ إِعْلَانِ يَسُوعَ: “سَوْفَ يَأْتِي أُنَاسٌ كَثِيرُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَيُجَالِسُونَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ عَلَى الْمَائِدَةِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 8: 11). وَتُشِيرُ هٰذِهِ النُّبُوءَةُ إِلَى أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ سَيَجْمَعُ أُنَاسًا مِنْ مُخْتَلَفِ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ، مُحَقِّقًا الْوَعْدَ الَّذِي أَعْلَنَهُ اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ بِأَنْ تَتَبَارَكَ فِيهِ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ (تكوين 12: 3). وَفِي مَثَلِ الْوَلِيمَةِ الْكُبْرَى عِنْدَ لُوقَا الْإِنْجِيلِيِّ، يَأْمُرُ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ خَادِمَهُ بِإِدْخَالِ “الْفُقَرَاءِ وَالْكُسْحَانِ وَالْعُمْيَانِ وَالْعُرْجَانِ” (لوقا 14: 21)، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى “الطُّرُقِ وَالأَمَاكِنِ الْمُسَيَّجَةِ” (لوقا 14: 23). وَيَرَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْفِئَةِ الأُولَى إِشَارَةً إِلَى فُقَرَاءِ إِسْرَائِيلَ وَمُهَمَّشِيهِ، وَفِي الْفِئَةِ الثَّانِيَةِ رَمْزًا إِلَى انْفِتَاحِ الدَّعْوَةِ عَلَى الأُمَمِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّمْيِيزَ يَبْقَى تَفْسِيرًا رَمْزِيًّا، لَا تَحْدِيدًا صَرِيحًا فِي النَّصِّ لِهُوِيَّةِ كُلِّ فِئَةٍ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “مِنْ أَشْرَارٍ وَأَخْيَارٍ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ πονηρούς τε καὶ ἀγαθούς ، أَيْ “الأَشْرَارَ وَالأَخْيَارَ“. وَيُشِيرُ الْمُصْطَلَحُ πονηρός إِلَى الشِّرِّيرِ أَوِ الْفَاسِدِ أَخْلَاقِيًّا، فِي حِينِ يَدُلُّ ἀγαθός عَلَى الصَّالِحِ أَوِ الْخَيِّرِ. وَيَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ أَنَّ الْإِنْجِيلِيَّ مَتَّى يَذْكُرُ الأَشْرَارَ قَبْلَ الأَخْيَارِ، مِمَّا يُبْرِزُ أَنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَكُنْ مَحْصُورَةً فِي الَّذِينَ كَانُوا يُعْتَبَرُونَ صَالِحِينَ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ عَنْ مَجَّانِيَّةِ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ وَشُمُولِيَّتِهَا؛ فَاللَّهُ لَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَصْبِحَ الْإِنْسَانُ كَامِلًا حَتَّى يَدْعُوَهُ، بَلْ يَدْعُوهُ لِيَفْتَحَ أَمَامَهُ طَرِيقَ التَّوْبَةِ وَالْقَدَاسَةِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: “فَإِنِّي مَا جِئْتُ لِأَدْعُوَ الأَبْرَارَ، بَلِ الْخَاطِئِينَ” (مَتَّى 9: 13). وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ شُمُولِيَّةَ مَحَبَّةِ اللهِ حِينَ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالآبِ السَّمَاوِيِّ، “لِأَنَّهُ يُطْلِعُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالأَخْيَارِ، وَيُنْزِلُ الْمَطَرَ عَلَى الأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ” (مَتَّى 5: 45). فَمَحَبَّةُ اللهِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الصَّالِحِينَ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى الْخَاطِئِينَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي الأَشْرَارِ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْوَلِيمَةِ صُورَةً لِلْخُطَأَةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرِسَالَةِ يَسُوعَ، مِثْلَ الْمَرْأَةِ الْخَاطِئَةِ الَّتِي غَسَلَتْ قَدَمَيْهِ بِدُمُوعِهَا وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِهَا (لوقا 7: 37-38)، وَمِثْلَ زَكَّا الْعَشَّارِ الَّذِي اسْتَقْبَلَ يَسُوعَ بِفَرَحٍ وَأَعْلَنَ اسْتِعْدَادَهُ لِلتَّوْبَةِ وَإِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَهُ (لوقا 19: 1-10). وَكَذٰلِكَ، يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي الأَخْيَارِ صُورَةً لِلَّذِينَ كَانُوا يَسْعَوْنَ إِلَى الْبِرِّ وَيَسْتَجِيبُونَ لِلْحَقِّ، مِثْلَ نَتَنَائِيلَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ يَسُوعُ: “هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ خَالِصٌ لَا غِشَّ فِيهِ” (يوحنا 1: 47)، وَقُرْنِيلِيُوسَ الَّذِي وُصِفَ بِأَنَّهُ رَجُلٌ تَقِيٌّ يَخَافُ اللهَ وَيُكْثِرُ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالصَّلَوَاتِ (أعمال الرسل 10: 1-2). غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الأَمْثِلَةَ تَطْبِيقَاتٌ رُوحِيَّةٌ لِلْمَثَلِ، وَلَيْسَتْ تَحْدِيدًا تَارِيخِيًّا لِلأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَقْصِدُهُمُ النَّصُّ.  

 وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ “الأَشْرَارِ وَالأَخْيَارِ” بُعْدًا كَنَسِيًّا مُهِمًّا؛ فَالْكَنِيسَةُ الْمَنْظُورَةُ، فِي مَسِيرَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ، تَضُمُّ مُؤْمِنِينَ يَسْعَوْنَ إِلَى الْقَدَاسَةِ، وَآخَرِينَ مَا زَالُوا يُجَاهِدُونَ ضِدَّ الْخَطِيئَةِ وَيَحْتَاجُونَ إِلَى التَّوْبَةِ. وَهٰذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَثَلِ الزَّوَانِ وَالْقَمْحِ (مَتَّى 13: 24-30، 36-43)، وَمَثَلِ الشَّبَكَةِ الَّتِي جَمَعَتْ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ (مَتَّى 13: 47-50). فَالْفَصْلُ النِّهَائِيُّ بَيْنَ الأَبْرَارِ وَالأَشْرَارِ يَتِمُّ فِي الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ، وَلَيْسَ بِحَسَبِ الأَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ الْمُتَسَرِّعَةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ شُمُولِيَّةِ الدَّعْوَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمُشَارَكَةِ النِّهَائِيَّةِ فِي الْمَلَكُوتِ.  فَالْمَلِكُ يَدْعُو الأَشْرَارَ وَالأَخْيَارَ دُونَ تَمْيِيزٍ مُسْبَقٍ، وَلٰكِنَّ هٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقَى مُتَمَسِّكًا بِالشَّرِّ وَيَنْعَمَ بِالْوَلِيمَةِ الأَبَدِيَّةِ دُونَ تَوْبَةٍ. فَالآيَاتُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَلِكَ وَجَدَ رَجُلًا لَا يَلْبَسُ لِبَاسَ الْعُرْسِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ (مَتَّى 22: 11-13). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ مَجَّانِيَّةٌ، وَلٰكِنَّ قَبُولَهَا يَتَطَلَّبُ اسْتِجَابَةً حَقِيقِيَّةً بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَلَا يَكْفِي، مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، أَنْ نَقُولَ إِنَّ الشَّرْطَ الْوَحِيدَ هُوَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ، إِذْ إِنَّ الْإِيمَانَ الْخَلَاصِيَّ، فِي مَنْظُورِ الْإِنْجِيلِ، يَتَجَسَّدُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْعَمَلِ بِمَشِيئَةِ اللهِ (مَتَّى 7: 21؛ غلاطية 5: 6؛ يعقوب 2: 17). فَالنِّعْمَةُ لَا تَدْعُونَا لِكَيْ نَبْقَى كَمَا نَحْنُ، بَلْ لِكَيْ نَتَجَدَّدَ وَنَتَحَوَّلَ بِالْمَسِيحِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَامْتَلَأَتْ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ἐπλήσθη، مِنَ الْفِعْلِ πίμπλημι، أَيْ “امْتَلَأَتْ“. وَتُعَبِّرُ هٰذِهِ الْكَلِمَةُ عَنْ نَجَاحِ مُبَادَرَةِ الْمَلِكِ وَتَحَقُّقِ قَصْدِهِ، فَالْوَلِيمَةُ الَّتِي رَفَضَهَا الْمَدْعُوُّونَ الأَوَّلُونَ لَمْ تَبْقَ فَارِغَةً، بَلِ امْتَلَأَتْ بِالَّذِينَ قَبِلُوا الدَّعْوَةَ. وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ بُعْدًا خَلَاصِيًّا وَرَجَائِيًّا، إِذْ تُؤَكِّدُ أَنَّ مَشْرُوعَ اللهِ لِلْخَلَاصِ لَا يَفْشَلُ بِسَبَبِ رَفْضِ بَعْضِ الْبَشَرِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ فِي التَّارِيخِ وَيَنْفَتِحُ عَلَى آخَرِينَ. وَهٰذَا يَتَّفِقُ مَعَ إِعْلَانِ يَسُوعَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: “وَلِي خِرَافٌ أُخْرَى لَيْسَتْ مِنْ هٰذِهِ الْحَظِيرَةِ، فَيَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَقُودَهَا هِيَ أَيْضًا، فَتُصْغِيَ إِلَى صَوْتِي، وَتَكُونَ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ“(يوحنا 10: 16). وَيَرَى الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ فِي امْتِلَاءِ قَاعَةِ الْعُرْسِ صُورَةً لِاتِّسَاعِ الْكَنِيسَةِ وَانْتِشَارِ الْبِشَارَةِ بَيْنَ الشُّعُوبِ، حَتَّى تَجِدَ كَلِمَةُ اللهِ مَوْضِعًا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ لَهَا (PL 76).  وَهٰذَا تَلْخِيصٌ لِلْمَعْنَى التَّفْسِيرِيِّ، وَلَيْسَ نَقْلًا حَرْفِيًّا مُوَثَّقًا لِعِبَارَةِ الْقِدِّيسِ.  

وَأَمَّا عِبَارَةُ “رَدْهَةُ الْعُرْسِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ ὁ γάμος ، أَيْ “الْعُرْسُ“ أَوْ “مَكَانُ احْتِفَالِ الْعُرْسِ“ بِحَسَبِ السِّيَاقِ. وَالنَّصُّ الْيُونَانِيُّ الْكَامِلُ هُوَ καὶ ἐπλήσθη ὁ γάμος ἀνακειμένων ، أَيْ “فَامْتَلَأَ الْعُرْسُ بِالْمُتَّكِئِينَ عَلَى “. وَيُشِيرُ الْمُصْطَلَحُ ἀνακειμένων إِلَى الْمُتَّكِئِينَ لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ، وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْمَأْلُوفَةُ فِي الْوَلَائِمِ الرَّسْمِيَّةِ فِي الْعَالَمِ الْيُونَانِيِّ الرُّومَانِيِّ. وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ “رَدْهَةُ“ لَيْسَ مُقَابِلًا لِكَلِمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ، بَلْ هُوَ تَوْضِيحٌ تَفْسِيرِيٌّ أَضَافَتْهُ التَّرْجَمَةُ الْعَرَبِيَّةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَكَانِ الْوَلِيمَةِ. وَفِي الْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، تُشِيرُ قَاعَةُ الْعُرْسِ إِلَى جَمَاعَةِ الْمَدْعُوِّينَ الَّذِينَ جُمِعُوا حَوْلَ الْمَلِكِ، وَيُمْكِنُ فَهْمُهَا عَلَى أَنَّهَا صُورَةٌ لِلْكَنِيسَةِ فِي التَّارِيخِ، وَاسْتِبَاقٌ لِلشَّرِكَةِ الأَبَدِيَّةِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.وَيُشَدِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ الشَّامِلَةَ لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الْمَدْعُوِّينَ عَنْ حَيَاتِهِمْ؛ فَالْمَلِكُ دَعَا الْجَمِيعَ، وَلٰكِنَّهُ سَيَفْحَصُ لَاحِقًا مَنْ يَلْبَسُ لِبَاسَ الْعُرْسِ وَمَنْ لَا يَلْبَسُهُ. وَهٰكَذَا يَرْتَبِطُ قَبُولُ الدَّعْوَةِ بِضَرُورَةِ تَجْدِيدِ الْحَيَاةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لِلنِّعْمَةِ (PG 58). وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، يُذَكِّرُنَا الْمَثَلُ بِأَنَّ الْكَنِيسَةَ لَيْسَتْ جَمَاعَةً مُغْلَقَةً عَلَى الْكَامِلِينَ وَالأَبْرَارِ، بَلْ هِيَ جَمَاعَةُ مَدْعُوِّينَ إِلَى الْقَدَاسَةِ، يَجْتَمِعُ فِيهَا أَشْخَاصٌ مِنْ مُخْتَلَفِ الْخَلْفِيَّاتِ وَالظُّرُوفِ وَالْمَسِيرَاتِ الرُّوحِيَّةِ. وَهِيَ مَدْعُوَّةٌ إِلَى أَنْ تَفْتَحَ أَبْوَابَهَا لِلْجَمِيعِ، دُونَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ. وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ جَمَعَ إِلَى وَلِيمَتِهِ كُلَّ مَنْ وَجَدَهُ خَدَمُهُ، مِنْ أَشْرَارٍ وَأَخْيَارٍ، فَامْتَلَأَتْ قَاعَةُ الْعُرْسِ بِالضُّيُوفِ. وَتُعْلِنُ هٰذِهِ الصُّورَةُ أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَسْبِقُ اسْتِحْقَاقَ الْإِنْسَانِ، وَأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْخَلَاصِ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَ الْجَمِيعِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُشَارَكَةَ النِّهَائِيَّةَ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ تَتَطَلَّبُ اسْتِجَابَةً حَقِيقِيَّةً لِلنِّعْمَةِ، تَظْهَرُ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ. تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ تَحَقُّقَ أَمْرِ الْمَلِكِ بِدَعْوَةِ جَمِيعِ الَّذِينَ يَلْتَقِي بِهِمْ خَدَمُهُ فِي الطُّرُقِ، بَعْدَ أَنْ رَفَضَ الْمَدْعُوُّونَ الأَوَّلُونَ الْمُشَارَكَةَ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِ ابْنِهِ. وَهٰكَذَا يَنْتَقِلُ الْمَثَلُ مِنْ رَفْضِ الدَّعْوَةِ إِلَى اتِّسَاعِهَا، وَمِنْ فَرَاغِ قَاعَةِ الْعُرْسِ إِلَى امْتِلَائِهَا بِالضُّيُوفِ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الصُّورَةُ عَنْ شُمُولِيَّةِ الْخَلَاصِ، وَمَجَّانِيَّةِ النِّعْمَةِ، وَالطَّبِيعَةِ الْجَامِعَةِ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي تَضُمُّ فِي مَسِيرَتِهَا الأَبْرَارَ وَالْخُطَأَةَ، فِي انْتِظَارِ الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ. فَهَلْ نُدْرِكُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَدْعُنَا لِأَنَّنَا صَالِحُونَ، بَلْ دَعَانَا لِنَصِيرَ صَالِحِينَ بِنِعْمَتِهِ؟ وَهَلْ نَفْتَحُ أَبْوَابَ قُلُوبِنَا وَجَمَاعَاتِنَا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ اللهُ، أَمْ نُقِيمُ حَوَاجِزَ بَشَرِيَّةً أَمَامَ مَحَبَّتِهِ الشَّامِلَةِ؟ 

  1. ” وَدَخَلَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ الْجَالِسِينَ لِلطَّعَامِ، فَرَأَى هُنَاكَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَابِسًا لِبَاسَ الْعُرْسِ“

أَمَّا عِبَارَةُ “وَدَخَلَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ الْجَالِسِينَ لِلطَّعَامِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ εἰσελθὼν δὲ ὁ βασιλεὺς θεάσασθαι τοὺς ἀνακειμένους، أَيْ “وَدَخَلَ الْمَلِكُ لِيَتَفَقَّدَ الْمُتَّكِئِينَ عَلَى الْمَائِدَةِ“. وَيَدُلُّ الْفِعْلُ “لِيَنْظُرَ“θεάσασθαι عَلَى النَّظَرِ بِانْتِبَاهٍ وَالتَّفَقُّدِ، أَمَّا ἀνακειμένους “ الْجَالِسِينَ” فَيُشِيرُ إِلَى الْمُتَّكِئِينَ لِلطَّعَامِ، وَفْقَ عَادَةِ الْوَلَائِمِ الْقَدِيمَةِ. وَيَرْمُزُ دُخُولُ الْمَلِكِ إِلَى الدَّيْنُونَةِ الْإِلٰهِيَّةِ، حَيْثُ يَكْشِفُ اللهُ حَقِيقَةَ الْقُلُوبِ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالتَّدَيُّنِ الشَّكْلِيِّ؛ إِذْ إِنَّ “الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَيَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ” (1 صموئيل 16: 7؛ 1 قورنتس 4: 5). وَتَتَّضِحُ الدَّلَالَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فِي ضَوْءِ مَثَلِ الزَّوَانِ، حَيْثُ يَتِمُّ الْفَصْلُ النِّهَائِيُّ بَيْنَ الأَبْرَارِ وَالأَشْرَارِ عِنْدَ نِهَايَةِ الْعَالَمِ (مَتَّى 13: 39-43). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَرَأَى هُنَاكَ رَجُلًا“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ εἶδεν ἐκεῖ ἄνθρωπον، أَيْ “فَرَأَى هُنَاكَ إِنْسَانًا“. وَيُبْرِزُ ذِكْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ الْمَسْؤُولِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ أَمَامَ اللهِ؛ فَالِانْتِمَاءُ الْخَارِجِيُّ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَضْمَنُ بِذَاتِهِ الْخَلَاصَ، مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِإِيمَانٍ حَيٍّ وَسُلُوكٍ مُسْتَقِيمٍ. وَلَا يَعْنِي ذِكْرُ شَخْصٍ وَاحِدٍ حَصْرَ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ أُسْلُوبٌ مَثَلِيٌّ لِإِبْرَازِ مَبْدَإٍ عَامٍّ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “لَمْ يَكُنْ لَابِسًا لِبَاسَ الْعُرْسِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ οὐκ ἐνδεδυμένον ἔνδυμα γάμου، أَيْ “لَمْ يَكُنْ مُرْتَدِيًا ثَوْبَ عُرْسٍ“. وَكَانَ اللِّبَاسُ الْمُنَاسِبُ لِلْوَلِيمَةِ عَلَامَةَ احْتِرَامٍ لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ وَمُشَارَكَةٍ فِي فَرَحِهِ. غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ لَا يَذْكُرُ أَنَّ الْمَلِكَ وَزَّعَ ثِيَابًا عَلَى ضُيُوفِهِ، وَلِذٰلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ ذٰلِكَ حَقِيقَةً تَارِيخِيَّةً ثَابِتَةً. وَيَرْمُزُ لِبَاسُ الْعُرْسِ إِلَى الْحَيَاةِ الْمُتَجَدِّدَةِ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَتَتَكَامَلُ فِيهِ مَعَانِي الْخَلَاصِ وَالْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ. فَهُوَ لِبَاسُ الْبِرِّ وَالْخَلَاصِ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ أَشَعْيَاءُ النَّبِيُّ (أشعيا 61: 10)، وَلِبَاسُ الْمَسِيحِ الَّذِي يَرْتَدِيهِ الْمُؤْمِنُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ (غلاطية 3: 27؛ رومة 13: 14)، وَلِبَاسُ الْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ “رِبَاطُ الْكَمَالِ“ (قولسي 3: 14)، وَلِبَاسُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّذِي يَرْمُزُ إِلَيْهِ الْكَتَّانُ النَّقِيُّ فِي عُرْسِ الْحَمَلِ (رؤيا 19: 8). وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يَرَى الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ أَنَّ لِبَاسَ الْعُرْسِ يَرْمُزُ إِلَى الْمَحَبَّةِ، فَلَا يَكْفِي الِانْتِمَاءُ إِلَى الْكَنِيسَةِ دُونَ الْحَيَاةِ بِهَا (PL 76). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ الْمَعْنَى نَفْسَهُ، مُبَيِّنًا أَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ عَلَامَةُ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ (PL 38).  أَمَّا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، فَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ قَبُولَ الدَّعْوَةِ يَجِبُ أَنْ يُرَافِقَهُ صَلَاحُ السُّلُوكِ (PG 58). وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ لِبَاسَ الْعُرْسِ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَوْبٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ هُوَ رَمْزٌ إِلَى الْإِيمَانِ الْحَيِّ الَّذِي يَعْمَلُ بِالْمَحَبَّةِ (غلاطية 5: 6). فَاللهُ يَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْ كُلِّ مَدْعُوٍّ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِنِعْمَتِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْقَدَاسَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ تَحَوُّلًا جَوْهَرِيًّا فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، إِذْ يَنْتَقِلُ السَّرْدُ مِنْ شُمُولِيَّةِ الدَّعْوَةِ إِلَى مَسْؤُولِيَّةِ الْمَدْعُوِّينَ عَنْ اسْتِجَابَتِهِمْ لَهَا. فَالدَّعْوَةُ إِلَى الْمَلَكُوتِ مَجَّانِيَّةٌ وَمَفْتُوحَةٌ لِلْجَمِيعِ، وَلٰكِنَّ الْمُشَارَكَةَ النِّهَائِيَّةَ فِيهِ تَتَطَلَّبُ حَيَاةً تَلِيقُ بِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ. فَهَلْ نَكْتَفِي بِالْحُضُورِ فِي بَيْتِ اللهِ، أَمْ نَحْرِصُ عَلَى ارْتِدَاءِ لِبَاسِ الْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ الَّذِي يُؤَهِّلُنَا لِلْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الْعُرْسِ الأَبَدِيِّ؟ 

  1. “فَقَالَ لَهُ: يَا صَدِيقِي، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا، وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟ فَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ“

تَرِدُ عِبَارَةُ “يَا صَدِيقِي“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ἑταῖρε ، وَهِيَ صِيغَةُ نِدَاءٍ تَعْنِي “يَا رَفِيقِي“ أَوْ “يَا صَدِيقِي“. وَتَحْمِلُ فِي سِيَاقِ إِنْجِيلِ مَتَّى دَلَالَةَ الْعِتَابِ وَالْمُسَاءَلَةِ، كَمَا فِي مَثَلِ الْعُمَّالِ فِي الْكَرْمِ (مَتَّى 20: 13)، وَفِي خِطَابِ يَسُوعَ لِيَهُوذَا عِنْدَ تَسْلِيمِهِ (مَتَّى 26: 50). وَهُنَا يُوَجِّهُ الْمَلِكُ سُؤَالًا إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ إِصْدَارِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَيَكْشِفُ عَنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا، وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ πῶς εἰσῆλθες ὧδε μὴ ἔχων ἔνδυμα γάμου;، وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ تَوْبِيخِيٌّ يَكْشِفُ التَّنَاقُضَ بَيْنَ قَبُولِ الدَّعْوَةِ وَعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا. وَيَرْمُزُ لِبَاسُ الْعُرْسِ إِلَى الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا اللهُ بِنِعْمَتِهِ، وَالَّتِي تَظْهَرُ فِي الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَقَدْ دَعَا بُولُسُ الرَّسُولُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَنْ “يَلْبَسُوا الْمَسِيحَ“ (غلاطية 3: 27)، وَأَنْ يَلْبَسُوا “الْإِنْسَانَ الْجَدِيدَ“ (أفسس 4: 24). وَكَذٰلِكَ يَرْمُزُ الْكَتَّانُ النَّقِيُّ الَّذِي تَلْبَسُهُ عَرُوسُ الْحَمَلِ إِلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْقِدِّيسُونَ (رؤيا 19: 8). وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ تَعْلِيمِ مَتَّى الْإِنْجِيلِيِّ الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ يَظْهَرُ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (مَتَّى 5: 16)، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ: “يَا رَبُّ، يَا رَبُّ“، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ الآبِ (مَتَّى 7: 21). فَاللَّهُ يَدْعُو الْإِنْسَانَ كَمَا هُوَ، وَلٰكِنَّهُ يَدْعُوهُ أَيْضًا إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّجَدُّدِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الْمَشْهَدُ بِمَثَلِ الْعَذَارَى الْجَاهِلَاتِ اللَّوَاتِي لَمْ يَكُنَّ مُسْتَعِدَّاتٍ لِقُدُومِ الْعَرِيسِ، فَبَقِينَ خَارِجَ الْعُرْسِ (مَتَّى 25: 1-13). فَالِاسْتِعْدَادُ الرُّوحِيُّ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِلْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ὁ δὲ ἐφιμώθη ، أَيْ “فَبَقِيَ صَامِتًا“ أَوْ “فَعَجَزَ عَنِ الْجَوَابِ“. وَالْفِعْلُ ἐφιμώθη، مِنْ φιμόω)، يَعْنِي أَصْلًا “أَسْكَتَ“ أَوْ “كَمَّمَ الْفَمَ“. وَيَدُلُّ صَمْتُ الرَّجُلِ عَلَى عَجْزِهِ عَنْ تَقْدِيمِ عُذْرٍ مَقْبُولٍ أَمَامَ الْمَلِكِ، وَهُوَ مَا يُبْرِزُ الْمَسْؤُولِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ فِي الدَّيْنُونَةِ: “فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلهِ“ (رومة 14: 12). وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ قَبُولَ الدَّعْوَةِ لَا يَكْفِي دُونَ حَيَاةٍ فَاضِلَةٍ (PG 58).  وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ لِبَاسَ الْعُرْسِ يَرْمُزُ إِلَى الْمَحَبَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِيمَانَ حَيًّا وَمُثْمِرًا (PL 38). وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ سُؤَالَ الْمَلِكِ وَصَمْتَ الرَّجُلِ يُعْلِنَانِ أَنَّ الِانْتِمَاءَ الظَّاهِرِيَّ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَكْفِي لِلْخَلَاصِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.  فَالنِّعْمَةُ هِبَةٌ مَجَّانِيَّةٌ، وَلٰكِنَّهَا تَتَطَلَّبُ اسْتِجَابَةً أَمِينَةً تُغَيِّرُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ. تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ مُوَاجَهَةَ الْمَلِكِ لِلرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ دُونَ اللِّبَاسِ اللَّائِقِ بِهَا، مُؤَكِّدَةً أَنَّ مَجَّانِيَّةَ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الْإِنْسَانِ عَنْ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا. فَهَلْ نَكْتَفِي بِقَبُولِ دَعْوَةِ اللهِ ظَاهِرِيًّا، أَمْ نَسْمَحُ لِنِعْمَتِهِ بِأَنْ تُغَيِّرَ قُلُوبَنَا وَأَعْمَالَنَا؟ وَإِذَا وَقَفْنَا الْيَوْمَ أَمَامَ الْمَلِكِ وَسَأَلَنَا عَنْ لِبَاسِ الْعُرْسِ، فَهَلْ تَشْهَدُ حَيَاتُنَا لِإِيمَانِنَا وَمَحَبَّتِنَا، أَمْ نَبْقَى صَامِتِينَ لِأَنَّنَا لَمْ نَعِشْ بِمُقْتَضَى الدَّعْوَةِ الَّتِي نِلْنَاهَا؟ 

  1. “فَقَالَ الْمَلِكُ لِلْخَدَمِ: شُدُّوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَأَلْقُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ. فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ“

تَرِدُ عِبَارَةُ “فَقَالَ الْمَلِكُ لِلْخَدَمِ“، فِي الْيُونَانِيَّةِ τότε ὁ βασιλεὺς εἶπεν τοῖς διακόνοις، أَيْ “حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ“. وَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى هُنَا لَفْظَ διάκονοι)، بِمَعْنَى “الْخُدَّامِ“، بَدَلًا مِنْ δοῦλοι ، الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ لِلَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الْمَلِكُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ (مَتَّى 22: 3-4، 10). وَيُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ الْخُدَّامُ هُنَا رَمْزِيًّا عَلَى أَنَّهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُكَلَّفُونَ بِتَنْفِيذِ الدَّيْنُونَةِ، كَمَا فِي مَثَلَيِ الزَّوَانِ وَالشَّبَكَةِ (مَتَّى 13: 41، 49)، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ لَا يُحَدِّدُ هُوِيَّتَهُمْ صَرَاحَةً. 

يَسْتَعْمِلُ مَتَّى الْإِنْجِيلِيَّ هُنَا الْمُصْطَلَحَ διάκονοι، أَيْ “الْخُدَّامَ“ أَوْ “الْمُكَلَّفِينَ بِالْخِدْمَةِ“، فِي حِينِ اسْتَعْمَلَ سَابِقًا الْمُصْطَلَحَ δοῦλοι أَيْ “الْعَبِيدَ“ أَوْ “الْخَدَمَ“، لِلْإِشَارَةِ إِلَى الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الْمَلِكُ لِدَعْوَةِ الْمَدْعُوِّينَ (مَتَّى 22: 3-4، 10). وَيُتِيحُ هٰذَا الِاخْتِلَافُ اللُّغَوِيُّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ وَظِيفَتَيْنِ فِي الْمَثَلِ: وَظِيفَةِ إِعْلَانِ الدَّعْوَةِ، وَوَظِيفَةِ تَنْفِيذِ حُكْمِ الْمَلِكِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يُشِيرَ الْخَدَمُ الَّذِينَ دَعَوُا النَّاسَ إِلَى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمُبَشِّرِينَ بِالْإِنْجِيلِ، فِي حِينِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ الْخُدَّامُ الْمُكَلَّفُونَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَى أَنَّهُمْ صُورَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الْمَلِكُ لِدَعْوَةِ الْمَدْعُوِّينَ (مَتَّى 22: 3-4، 10). 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “شُدُّوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ δήσαντες αὐτοῦ πόδας καὶ χεῖρας، وَيَدُلُّ الْفِعْلُ “شُدُّوا” Δήσαντες، مِنْ δέω ، عَلَى الرَّبْطِ وَالتَّقْيِيدِ. وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ مُعَامَلَةَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَتُشِيرُ رَمْزِيًّا إِلَى جِدِّيَّةِ الْحُكْمِ وَنِهَائِيَّتِهِ، لَا إِلَى وَصْفٍ حَرْفِيٍّ لِطَرِيقَةِ الْعِقَابِ فِي الْحَيَاةِ الأُخْرَى. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَأَلْقُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ἐκβάλετε αὐτὸν εἰς τὸ σκότος τὸ ἐξώτερον، أَيْ “اطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ“. وَيَدُلُّ الْفِعْلُ “أَلْقُوهُ “ἐκβάλετε عَلَى الطَّرْدِ وَالْإِخْرَاجِ، أَمَّا “الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ“ σκότος τὸ ἐξώτερον   فَيَعْنِي “الظُّلْمَةَ الْخَارِجِيَّةَ“. وَتَقُومُ هٰذِهِ الصُّورَةُ عَلَى الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ نُورِ الْوَلِيمَةِ وَفَرَحِهَا فِي الدَّاخِلِ، وَظُلْمَةِ الْحِرْمَانِ وَحُزْنِهِ فِي الْخَارِجِ.  وَتَرِدُ عِبَارَةُ “الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ“ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (مَتَّى 8: 12؛ 22: 13؛ 25: 30)، وَهِيَ صُورَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ تُعَبِّرُ عَنِ الْحِرْمَانِ مِنْ فَرَحِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ، مَصْدَرِ النُّورِ وَالْحَيَاةِ (1 يوحنا 1: 5؛ يوحنا 8: 12). وَيُمْكِنُ رَبْطُ هٰذِهِ الصُّورَةِ لَاهُوتِيًّا بِمَفْهُومِ “الْمَوْتِ الثَّانِي” فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا (رؤيا 20: 14؛ 21: 8)، الَّذِي يُشِيرُ إِلَى الْهَلَاكِ الأُخْرَوِيِّ. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي فَهْمُ الظُّلْمَةِ عَلَى أَنَّهَا تَحْدِيدٌ جُغْرَافِيٌّ لِمَكَانِ الْعِقَابِ، بَلْ تَعْبِيرٌ رَمْزِيٌّ عَنْ خُطُورَةِ الِانْفِصَالِ النِّهَائِيِّ عَنْ فَرَحِ الْمَلَكُوتِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ἐκεῖ ἔσται ὁ κλαυθμὸς καὶ ὁ βρυγμὸς τῶν ὀδόντων.  وَيَدُلُّ κλαυθμός عَلَى الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ، أَمَّا βρυγμός فَيَعْنِي “صَرِيفَ الْأَسْنَانِ“، أَوْ “صَرِيرَهَا“، وَهُوَ تَعْبِيرٌ جَسَدِيٌّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْغَضَبِ أَوِ الْأَلَمِ أَوِ الْعَدَاوَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْمَرَارَةِ. وَيَرِدُ صَرِيفُ الْأَسْنَانِ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ غَضَبِ الشِّرِّيرِ، إِذْ يَقُولُ الْمَزْمُورُ: “الشِّرِّيرُ يَرَى فَيَغْضَبُ، وَيَصْرِفُ أَسْنَانَهُ وَيَذُوبُ، وَبُغْيَةُ الأَشْرَارِ فِي زَوَالٍ” (مزمور 112: 10). وَكَذٰلِكَ يَرِدُ التَّعْبِيرُ فِي سِفْرِ أَيُّوبَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْغَضَبِ (أيوب 16: 9). وَفِي السِّيَاقِ الأُخْرَوِيِّ، يُشِيرُ الْبُكَاءُ إِلَى الْحُزْنِ الْعَمِيقِ عَلَى خَسَارَةِ الْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ، فِي حِينِ يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ صَرِيفُ الْأَسْنَانِ عَلَى الْأَلَمِ وَالْغَضَبِ وَالْمَرَارَةِ. وَيُعَبِّرُ اقْتِرَانُ الصُّورَتَيْنِ عَنْ شِدَّةِ الْحِرْمَانِ وَخُطُورَةِ الْمَصِيرِ الَّذِي يُحَذِّرُ مِنْهُ يَسُوعُ. وَيَرِدُ هٰذَا التَّعْبِيرُ مِرَارًا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (8: 12؛ 13: 42، 50؛ 24: 51؛ 25: 30)، لِلتَّحْذِيرِ مِنْ خُطُورَةِ الدَّيْنُونَةِ وَخَسَارَةِ الْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُرْبَطُ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ بِمَرَارَةِ الْحِرْمَانِ وَخُطُورَةِ الْمَصِيرِ الأُخْرَوِيِّ، وَهُوَ مَا يَتَّفِقُ مَعَ الْمَنْحَى التَّفْسِيرِيِّ لِلْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ (PL 26). وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الْمَشْهَدُ بِمَثَلِ الْعَذَارَى الْجَاهِلَاتِ اللَّوَاتِي بَقِينَ خَارِجَ الْعُرْسِ لِعَدَمِ اسْتِعْدَادِهِنَّ، وَسَمِعْنَ الْجَوَابَ: “إِنِّي لَا أَعْرِفُكُنَّ“ (مَتَّى 25: 11-12). فَالْعِبْرَةُ الْمُشْتَرَكَةُ هِيَ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْمَلَكُوتِ تَتَطَلَّبُ اسْتِعْدَادًا رُوحِيًّا وَأَمَانَةً فِي الْحَيَاةِ.  

تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ ذُرْوَةَ الْبُعْدِ الأُخْرَوِيِّ فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ؛ فَبَعْدَ أَنْ عَجَزَ الرَّجُلُ عَنْ تَبْرِيرِ دُخُولِهِ بِغَيْرِ لِبَاسِ الْعُرْسِ، أَصْدَرَ الْمَلِكُ حُكْمَهُ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْوَلِيمَةِ. وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الصُّورَةُ أَنَّ مَجَّانِيَّةَ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الْإِنْسَانِ عَنْ أَمَانَتِهِ لَهَا. وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ الظُّلْمَةَ الْخَارِجِيَّةَ وَالْبُكَاءَ وَصَرِيفَ الْأَسْنَانِ صُوَرٌ أُخْرَوِيَّةٌ تُبْرِزُ خُطُورَةَ رَفْضِ النِّعْمَةِ وَالْحِرْمَانِ مِنْ فَرَحِ الْمَلَكُوتِ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هٰذَا التَّحْذِيرِ إِثَارَةَ الْيَأْسِ، بَلْ دَعْوَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ مَا دَامَ زَمَنُ النِّعْمَةِ مُتَاحًا. فَهَلْ نَكْتَفِي بِقَبُولِ دَعْوَةِ اللهِ ظَاهِرِيًّا، أَمْ نَسْعَى إِلَى أَنْ نَعِيشَهَا بِالْمَحَبَّةِ وَالْبِرِّ وَالْقَدَاسَةِ، لِنَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِفَرَحِ الْعُرْسِ الأَبَدِيِّ؟ 

14 “لِأَنَّ جَمَاعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّونَ، وَلٰكِنَّ الْقَلِيلِينَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ“ 

تُشِيرُ “ لِأَنَّ ” γάρ، إِلَى أَنَّ هٰذِهِ الْعِبَارَةَ تُقَدِّمُ تَعْلِيلًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَحْدَاثِ الْمَثَلِ، وَلَا سِيَّمَا لِحُكْمِ الْمَلِكِ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَرْتَدِ لِبَاسَ الْعُرْسِ.  

تَرِدُ عِبَارَةُ “جَمَاعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّونَ“، فِي الْيُونَانِيَّةِ πολλοὶ γάρ εἰσιν κλητοί، أَيْ “لِأَنَّ كَثِيرِينَ هُمُ الْمَدْعُوُّونَ“. وَيُشِيرُ الْمُصْطَلَحُ “مَدْعُوُّونَ” κλητοί ، مِنَ الْفِعْلِ καλέω ، إِلَى الَّذِينَ وُجِّهَتْ إِلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ، سَوَاءٌ قَبِلُوهَا أَمْ رَفَضُوهَا. وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ شُمُولِيَّةَ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ، إِذْ إِنَّ اللهَ “يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ” (1 طيموتاوس 2: 4؛ مَتَّى 28: 19).  وَفِي سِيَاقِ الْمَثَلِ، يُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ لَا يَكْتَفُونَ بِقَبُولِ الدَّعْوَةِ ظَاهِرِيًّا، بَلْ يَسْتَجِيبُونَ لَهَا بِإِيمَانٍ حَيٍّ وَتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ مُثْمِرَةٍ. وَلَيْسَ الِاخْتِيَارُ مُكَافَأَةً عَلَى اسْتِحْقَاقٍ بَشَرِيٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنْ نِعْمَةِ اللهِ، بَلْ هُوَ مُرْتَبِطٌ بِمُبَادَرَةِ اللهِ الْخَلَاصِيَّةِ وَاسْتِجَابَةِ الْإِنْسَانِ الْحُرَّةِ لَهَا (فيلبي 2: 13). وَيُبْرِزُ الْمَثَلُ ثَلَاثَةَ مَوَاقِفَ مِنَ الدَّعْوَةِ: رَفْضَهَا، كَمَا فَعَلَ الْمَدْعُوُّونَ الأَوَّلُونَ (مَتَّى 22: 3-6)؛ وَقَبُولَهَا ظَاهِرِيًّا دُونَ تَجَدُّدٍ دَاخِلِيٍّ، كَمَا فَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَرْتَدِ لِبَاسَ الْعُرْسِ (مَتَّى 22: 11-13)؛ وَالِاسْتِجَابَةَ الأَمِينَةَ لَهَا، الَّتِي تَظْهَرُ فِي حَيَاةٍ مُتَجَدِّدَةٍ بِالْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ. 

وَأَمَّا عِبَارَةُ “وَلٰكِنَّ الْقَلِيلِينَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ“، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ ὀλίγοι δὲ ἐκλεκτοί، أَمَّا الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ πολλοί ، أَيْ “كَثِيرِينَ“، وَὀλίγοι، أَيْ “قَلِيلِينَ“، فَتُبْرِزُ الْفَرْقَ بَيْنَ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا اسْتِجَابَةً أَمِينَةً . وَلَا تَهْدِفُ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ “الْكَثِيرِينَ“ وَ“الْقَلِيلِينَ“ إِلَى تَحْدِيدِ نِسْبَةِ الْمُخَلَّصِينَ عَدَدِيًّا، بَلْ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِسَمَاعِ الدَّعْوَةِ دُونَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِنَّمَا تُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ سَمَاعَ الدَّعْوَةِ لَا يَعْنِي تِلْقَائِيًّا الِاشْتِرَاكَ النِّهَائِيَّ فِي الْمَلَكُوتِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَتَجَاوَبَ مَعَ النِّعْمَةِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَهٰذَا يَتَّفِقُ مَعَ جَوَابِ يَسُوعَ عِنْدَمَا سَأَلَهُ أَحَدُهُمْ: “يَا رَبُّ، أَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ؟“ فَلَمْ يُقَدِّمْ لَهُ رَقْمًا أَوْ نِسْبَةً، بَلْ قَالَ: “اِجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ” (لوقا 13: 23-24). وَإِنْ كَانَ الْمَثَلُ يَرِدُ فِي سِيَاقِ مُوَاجَهَةِ يَسُوعَ لِبَعْضِ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي أُورُشَلِيمَ، فَإِنَّ خَاتِمَتَهُ تُوَجِّهُ تَحْذِيرًا إِلَى جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسِهَا، لِأَنَّ الِانْتِمَاءَ الْخَارِجِيَّ إِلَى الْكَنِيسَةِ لَا يَضْمَنُ الْخَلَاصَ دُونَ حَيَاةٍ تَلِيقُ بِالدَّعْوَةِ. وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ هٰذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّهَا إِدَانَةٌ جَمَاعِيَّةٌ لِلْيَهُودِ، إِذْ إِنَّ “هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ لَا رُجُوعَ عَنْهَا (رومة 11: 29). وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، يُشَدِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى أَنَّ قَبُولَ الدَّعْوَةِ يَجِبُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَيَاةٍ فَاضِلَةٍ (PG 58).  وَيَرَى الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ أَنَّ لِبَاسَ الْعُرْسِ يَرْمُزُ إِلَى الْمَحَبَّةِ الَّتِي تُظْهِرُ صِدْقَ الْإِيمَانِ (PL 76).  

يَرِدُ “ الْمُخْتَارُونَ“ ἐκλεκτοί، وَمُفْرَدُهُ ἐκλεκτός، بِمَعْنَى “الْمُخْتَارِينَ“، وَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِالْفِعْلِ ἐκλέγομαι أَيْ “اخْتَارَ“ أَوْ “اصْطَفَى“. وَفِي سِيَاقِ الْمَثَلِ، يُشِيرُ الْمُخْتَارُونَ إِلَى الَّذِينَ لَا يَكْتَفُونَ بِسَمَاعِ الدَّعْوَةِ أَوْ بِقَبُولِهَا ظَاهِرِيًّا، بَلْ يَسْتَجِيبُونَ لَهَا بِإِيمَانٍ حَيٍّ وَحَيَاةٍ مُتَجَدِّدَةٍ. فَهُمْ أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ نِعْمَةَ اللهِ، وَيَسْمَحُونَ لَهَا بِأَنْ تُغَيِّرَ قُلُوبَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، فَيَحْيَوْنَ بِمَا يَلِيقُ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي نَالُوهَا. وَيُعَبِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ هٰذَا التَّكَامُلِ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ بِقَوْلِهِ: “فَإِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يُحْدِثُ فِيكُمُ الْإِرَادَةَ وَالْعَمَلَ مِنْ أَجْلِ مَرْضَاتِهِ” (فيلبي 2: 13). فَالنِّعْمَةُ لَا تُلْغِي حُرِّيَّةَ الْإِنْسَانِ، بَلْ تُنِيرُهَا وَتُقَوِّيهَا وَتَدْعُوهَا إِلَى التَّعَاوُنِ مَعَ مَشْرُوعِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْمُخْتَارَ لَيْسَ مَنْ يَفْتَخِرُ بِصَلَاحِهِ الشَّخْصِيِّ، بَلْ مَنْ يَقْبَلُ نِعْمَةَ اللهِ بِتَوَاضُعٍ وَيَسْعَى إِلَى أَنْ يُثْمِرَهَا فِي حَيَاتِهِ. وَهٰكَذَا، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَدْعُوِّينَ وَالْمُخْتَارِينَ لَا يَكْمُنُ فِي أَنَّ اللهَ يُحِبُّ بَعْضَ النَّاسِ وَيَكْرَهُ آخَرِينَ، بَلْ فِي أَنَّ الدَّعْوَةَ الْإِلٰهِيَّةَ تَسْتَدْعِي اسْتِجَابَةً حَقِيقِيَّةً وَثَابِتَةً.  

خُلَاصَةُ ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ يَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ، وَلٰكِنَّهُ يَدْعُو كُلَّ إِنْسَانٍ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَعِيشَ بِأَمَانَةٍ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي نَالَهَا. فَالْخَلَاصُ هِبَةٌ مَجَّانِيَّةٌ، وَالِاسْتِجَابَةُ لَهُ تَتَجَلَّى فِي الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ خَاتِمَةَ مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَتُلَخِّصُ رِسَالَتَهُ اللَّاهُوتِيَّةَ: الدَّعْوَةُ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ مَجَّانِيَّةٌ وَشَامِلَةٌ، وَلٰكِنَّ الْمُشَارَكَةَ النِّهَائِيَّةَ فِيهِ تَقْتَضِي اسْتِجَابَةً أَمِينَةً لِلنِّعْمَةِ الْإِلٰهِيَّةِ. تُوَجِّهُ هٰذِهِ الآيَةُ رِسَالَةً جَوْهَرِيَّةً إِلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَنِيسَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَهِيَ أَنَّ الدَّعْوَةَ الْمَسِيحِيَّةَ لَيْسَتِ امْتِيَازًا لِلِافْتِخَارِ، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ لِلْعَيْشِ وَالشَّهَادَةِ. فَهَلْ نَكْتَفِي بِأَنْ نَكُونَ مِنَ الْمَدْعُوِّينَ، أَمْ نَسْعَى إِلَى الْأَمَانَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ، لِنَكُونَ مِنَ الْمُشَارِكِينَ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِهِ الأَبَدِيِّ؟ 

 ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 22: 1-14) 

بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَتَحْلِيلِ أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ (مَتَّى 22: 1-14)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مِحْوَرَهُ الْأَسَاسِيَّ هُوَ دَعْوَةُ اللهِ الْمَجَّانِيَّةُ إِلَى فَرَحِ مَلَكُوتِهِ، وَمَسْؤُولِيَّةُ الْإِنْسَانِ عَنِ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا.  فَاللهُ يَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى الْخَلَاصِ، وَلٰكِنَّهُ يَحْتَرِمُ حُرِّيَّةَ الْإِنْسَانِ، وَيَنْتَظِرُ مِنْهُ جَوَابًا وَاعِيًا يَتَجَلَّى فِي الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَمِنْ هُنَا يَنْطَلِقُ السُّؤَالُ: مَا طَبِيعَةُ هٰذِهِ الدَّعْوَةِ، وَكَيْفَ نَعِيشُهَا فِي حَيَاتِنَا الْمَسِيحِيَّةِ؟ 

  1.  مَا هِيَ الدَّعْوَةُ الْإِلٰهِيَّةُ؟ “فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ” (مَتَّى 22: 4)  

أَوَّلًا: الدَّعْوَةُ الْإِلٰهِيَّةُ عَطِيَّةُ مَحَبَّةٍ وَخَلَاصٍ 

يُعَبِّرُ أَمْرُ الْمَلِكِ: “فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ” (مَتَّى 22: 4)، عَنْ مُبَادَرَةِ اللهِ الَّذِي يَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَهُ وَالِاشْتِرَاكِ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِهِ. فَالدَّعْوَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَكْلِيفٍ دِينِيٍّ، بَلْ هِيَ نِعْمَةٌ تُخَاطِبُ الْقَلْبَ وَتَجْذِبُهُ إِلَى الْمَسِيحِ، دُونَ إِكْرَاهٍ أَوْ إِجْبَارٍ. 

وَإِذْ يُعْلِنُ الْمَلِكُ: “هَا قَدْ أَعْدَدْتُ وَلِيمَتِي” (مَتَّى 22: 4)، فَإِنَّهُ يُؤَكِّدُ أَنَّ الْخَلَاصَ يَبْدَأُ بِمُبَادَرَةِ اللهِ، لَا بِاسْتِحْقَاقِ الْإِنْسَانِ. وَفِي الْقِرَاءَةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ، تَكْشِفُ الْوَلِيمَةُ عَنْ عَطِيَّةِ الْخَلَاصِ الَّتِي تَحَقَّقَتْ بِتَجَسُّدِ الْمَسِيحِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِيهَا أَيْضًا بُعْدًا إِفْخَارِسْتِيًّا، إِذْ يَهَبُ الْمَسِيحُ ذَاتَهُ غِذَاءً لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ (يوحنا 6: 51-58). 

وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّأَمُّلُ عَنْ عَمَلِ الثَّالُوثِ الْقُدُّوسِ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ: فَالْآبُ هُوَ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ، وَالِابْنُ هُوَ الْعَرِيسُ الَّذِي بِهِ نَنَالُ الْخَلَاصَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ هُوَ الَّذِي يُجَدِّدُ قُلُوبَنَا وَيُهَيِّئُنَا لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ (أفسس 5: 25-27؛ رومة 5: 5).  

ثَانِيًا: الدَّعْوَةُ الْإِلٰهِيَّةُ حِوَارٌ شَخْصِيٌّ بَيْنَ اللهِ وَالْإِنْسَانِ 

تَحْتَلُّ الدَّعْوَةُ مَكَانَةً أَسَاسِيَّةً فِي تَارِيخِ الْخَلَاصِ؛ فَهِيَ نِدَاءٌ يُوَجِّهُهُ اللهُ إِلَى الْإِنْسَانِ، لِيَدْخُلَ مَعَهُ فِي عَلَاقَةِ إِيمَانٍ وَشَرِكَةٍ وَطَاعَةٍ. وَقَدْ تَكُونُ دَعْوَةً إِلَى رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ، كَدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ (تكوين 12: 1-3)، أَوْ مُوسَى (خروج 3: 1-12)، أَوِ الرُّسُلِ (مَتَّى 4: 18-22)، وَقَدْ تَكُونُ دَعْوَةً شَامِلَةً إِلَى التَّوْبَةِ وَالْخَلَاصِ. 

وَتَفْتَرِضُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ حُرِّيَّةَ الْإِنْسَانِ وَمَسْؤُولِيَّتَهُ؛ فَاللهُ يَدْعُو، وَلٰكِنَّهُ لَا يُكْرِهُ، وَالْإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْبَلَ أَوْ يَرْفُضَ. وَعِنْدَمَا يَسْتَجِيبُ الْإِنْسَانُ لِنِدَاءِ اللهِ، لَا يَتَغَيَّرُ سُلُوكُهُ الْخَارِجِيُّ فَحَسْبُ، بَلْ يَبْدَأُ تَحَوُّلٌ عَمِيقٌ فِي قَلْبِهِ وَتَوَجُّهَاتِ حَيَاتِهِ، فَيُصْبِحُ “خَلِيقَةً جَدِيدَةً“ فِي الْمَسِيحِ (2 قورنتس 5: 17). 

ثَالِثًا: الدَّعْوَةُ إِلَى مَائِدَةِ الْحِكْمَةِ وَكَلِمَةِ اللهِ 

تَجِدُ وَلِيمَةُ الْمَلَكُوتِ صُورَةً تَمْهِيدِيَّةً فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ، حَيْثُ تَدْعُو الْحِكْمَةُ النَّاسَ إِلَى مَائِدَتِهَا: “هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ خُبْزِي وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُ” (أمثال 9: 1-6). فَهٰذِهِ الدَّعْوَةُ لَا تُوَجَّهُ إِلَى الْمُتَّكِلِينَ عَلَى حِكْمَتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ إِلَى الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِحَاجَتِهِمْ إِلَى الْحَقِّ وَالْحَيَاةِ. وَفِي التَّأَمُّلِ الرُّوحِيِّ، تَغْدُو مَائِدَةُ الْحِكْمَةِ صُورَةً لِغِذَاءِ كَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تُنِيرُ الْعَقْلَ وَتُغَيِّرُ الْقَلْبَ. 

وَيَنْسَجِمُ هٰذَا الْمَعْنَى مَعَ التُّرَاثِ التَّفْسِيرِيِّ لِلْعَلَّامَةِ أُورِيجَانُسَ، الَّذِي أَبْرَزَ الْبُعْدَ الرُّوحِيَّ لِلتَّغَذِّي بِكَلِمَةِ اللهِ. وَمِنَ الْأَدَقِّ اعْتِبَارُ هٰذَا الْمَعْنَى تَطْبِيقًا رُوحِيًّا، دُونَ نِسْبَةِ تَفَاصِيلِ تَفْسِيرِ الثِّيرَانِ وَالْمُسَمَّنَاتِ إِلَيْهِ كَاقْتِبَاسٍ حَرْفِيٍّ مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَصْدَرُهُ. 

رَابِعًا: الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمُصَالَحَةِ 

إِنَّ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ هِيَ أَيْضًا صُورَةٌ لِفَرَحِ اللهِ بِعَوْدَةِ الْخَاطِئِ. وَيَتَجَلَّى هٰذَا الْمَعْنَى فِي مَثَلِ الِابْنِ الضَّالِّ، حِينَ أَمَرَ الْأَبُ بِإِحْضَارِ الْحُلَّةِ الْفَاخِرَةِ وَذَبْحِ الْعِجْلِ الْمُسَمَّنِ، قَائِلًا: “لِأَنَّ ابْنِي هٰذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًّا فَوُجِدَ” (لوقا 15: 22-24).  

فَالْوَلِيمَةُ لَيْسَتْ مُكَافَأَةً لِمَنْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، بَلْ إِعْلَانٌ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُ الْخَاطِئَ التَّائِبَ وَتَرُدُّ إِلَيْهِ كَرَامَتَهُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْعُرْسِ هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى تَرْكِ الْخَطِيئَةِ وَالدُّخُولِ فِي حَيَاةِ الْمُصَالَحَةِ مَعَ اللهِ. 

خَامِسًا: الدَّعْوَةُ الْإِلٰهِيَّةُ أَسَاسُ حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ وَرِسَالَتِهَا 

تَظَلُّ دَعْوَةُ الْمَلَكِ مُسْتَمِرَّةً فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، الَّتِي تُعْلِنُ الْبِشَارَةَ وَتَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ الْمَسِيحِ. وَتُشِيرُ الْكَلِمَةُ الْيُونَانِيَّةُ ἐκκλησία   إِلَى “الْجَمَاعَةِ“ أَوِ “الْمَحْفِلِ“، وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ مَسِيحِيًّا لِلدَّلَالَةِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ اللهُ بِدَعْوَتِهِ؛ وَلَيْسَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ الْحَرْفِيُّ “الْمَدْعُوَّةَ“. 

وَالْكَنِيسَةُ، بِوَصْفِهَا شَعْبَ اللهِ الْمَدْعُوَّ، لَا تَحْتَفِظُ بِالدَّعْوَةِ لِنَفْسِهَا، بَلْ تُبَلِّغُهَا إِلَى الْجَمِيعِ. وَتَجِدُ هٰذِهِ الرِّسَالَةُ تَعْبِيرَهَا فِي نِدَاءِ سِفْرِ الرُّؤْيَا: “وَيَقُولُ الرُّوحُ وَالْعَرُوسُ: تَعَالَ!” (رؤيا 22: 17). فَالْكَنِيسَةُ تَدْعُو الْعَالَمَ إِلَى الْمَسِيحِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ، قَائِلَةً: “تَعَالَ، أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ!”(رؤيا 22: 20). 

الْخُلَاصَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالرَّعَوِيَّةُ 

إِنَّ الْحَيَاةَ الْمَسِيحِيَّةَ، فِي جَوْهَرِهَا، دَعْوَةٌ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ، وَإِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّجَدُّدِ، وَإِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ. فَالْآبُ يَدْعُونَا، وَالِابْنُ يَفْتَحُ لَنَا طَرِيقَ الْخَلَاصِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ يُهَيِّئُ قُلُوبَنَا لِلِاسْتِجَابَةِ. وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الدَّعْوَةَ تَتَطَلَّبُ مِنَّا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ لَامُبَالَاتِنَا، وَأَنْ نُعْطِيَ اللهَ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي حَيَاتِنَا. فَهَلْ نَسْمَعُ صَوْتَ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقُولُ لَنَا: “تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ»، وَنَسْتَجِيبُ لَهُ بِقَلْبٍ مُنْفَتِحٍ، أَمْ نَنْشَغِلُ بِهُمُومِ الْحَيَاةِ فَنُؤَجِّلُ لِقَاءَنَا بِهِ؟ 

  مَا هِيَ تَطْبِيقَاتُ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ؟ 

يَحْمِلُ مَثَلُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ثَلَاثَ دَلَالَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ: تَارِيخِيَّةً تَكْشِفُ عَنْ مَوْقِفِ الْإِنْسَانِ مِنْ رِسَالَةِ يَسُوعَ، وَلَاهُوتِيَّةً تُبْرِزُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الدَّعْوَةِ وَالدَّيْنُونَةِ، وَرُوحِيَّةً تَدْعُو الْمُؤْمِنَ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ وَارْتِدَاءِ لِبَاسِ الْعُرْسِ. 

أ) التَّطْبِيقُ التَّارِيخِيُّ: مِنْ رَفْضِ الدَّعْوَةِ إِلَى انْفِتَاحِ الْبِشَارَةِ عَلَى الْجَمِيعِ 

يَتَّخِذُ مَثَلُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ بُعْدًا تَارِيخِيًّا يَرْتَبِطُ بِرِسَالَةِ يَسُوعَ وَمَوْقِفِ بَعْضِ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ مِنْهَا. فَفِي سِيَاقِ مُوَاجَهَةِ يَسُوعَ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ، يَأْتِي هٰذَا الْمَثَلُ امْتِدَادًا لِمَثَلِ الْكَرَّامِينَ الْقَتَلَةِ (مَتَّى 21: 33-46)، لِيَكْشِفَ عَنْ خُطُورَةِ رَفْضِ دَعْوَةِ اللهِ إِلَى الْخَلَاصِ. 

فَقَدْ دَعَا يَسُوعُ شَعْبَهُ إِلَى قَبُولِ الْبِشَارَةِ وَالدُّخُولِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ مُمَثِّلِيهِ الدِّينِيِّينَ رَفَضُوا رِسَالَتَهُ، وَاعْتَرَضُوا عَلَى مُخَالَطَتِهِ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَأَةِ (مَتَّى 9: 10-13؛ لوقا 15: 1-2). وَفِي الْمُقَابِلِ، اسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ أُنَاسٌ كَانُوا يُعَدُّونَ بَعِيدِينَ عَنِ الْحَيَاةِ الدِّينِيَّةِ، وَقَبِلُوا نِدَاءَهُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَيُبْرِزُ الْمَثَلُ هٰذِهِ الْمُفَارَقَةَ: فَالْمَدْعُوُّونَ الَّذِينَ كَانَ يُتَوَقَّعُ مِنْهُمُ الْحُضُورُ رَفَضُوا الدَّعْوَةَ، بَيْنَمَا قَبِلَهَا أُنَاسٌ لَمْ يَكُونُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى وَلِيمَةٍ مَلَكِيَّةٍ. 

وَيَتَّضِحُ هٰذَا الْمَعْنَى فِي أَمْرِ الْمَلِكِ لِخَدَمِهِ: “فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَادْعُوا إِلَى الْعُرْسِ كُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ“ (مَتَّى 22: 9). فَالْعَابِرُونَ فِي الطُّرُقِ يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزُوا إِلَى الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَأَةِ وَالْمُهَمَّشِينَ دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ الْيَهُودِيِّ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُشِيرُوا، فِي أُفُقِ رِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ، إِلَى امْتِدَادِ الْبِشَارَةِ إِلَى الأُمَمِ. وَهٰذَا الِانْفِتَاحُ لَيْسَ انْقِطَاعًا عَنْ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، بَلْ تَحْقِيقٌ لِوَعْدِ اللهِ بِأَنْ يَجْعَلَ بَرَكَتَهُ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ (تكوين 12: 3)، وَتَحْقِيقٌ لِلرُّؤْيَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي أَعْلَنَهَا أَشَعْيَاءُ عَنْ مَأْدُبَةٍ يُعِدُّهَا الرَّبُّ لِجَمِيعِ الأُمَمِ (أشعيا 25: 6-9). 

وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ هُنَا بَيْنَ نَقْدِ الْمَثَلِ لِرَفْضِ بَعْضِ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَبَيْنَ إِدَانَةِ الشَّعْبِ الْيَهُودِيِّ بِأَكْمَلِهِ؛ فَيَسُوعُ وَرُسُلُهُ وَالْجَمَاعَةُ الْمَسِيحِيَّةُ الأُولَى كَانُوا مِنْ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ أَكَّدَ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ “هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ لَا رُجُوعَ عَنْهَا“ (رومة 11: 29؛ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي، فِي عَصْرِنَا، 4).  

وَيَحْمِلُ الْمَثَلُ أَيْضًا تَحْذِيرًا مُوَجَّهًا إِلَى جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ؛ فَالدُّخُولُ إِلَى الْكَنِيسَةِ لَا يُعْفِي الْمُؤْمِنَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْعَيْشِ بِحَسَبِ الْإِنْجِيلِ. فَلَا يَكْفِي الِاعْتِرَافُ بِالْمَسِيحِ بِاللِّسَانِ، بَلْ يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِإِرَادَةِ الآبِ (مَتَّى 7: 21).  

وَخُلَاصَةُ القَول أَنَّ مَثَلَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ يُعْلِنُ أَنَّ رَفْضَ بَعْضِ الْمَدْعُوِّينَ لَا يُبْطِلُ مَشْرُوعَ اللهِ الْخَلَاصِيَّ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَانْفِتَاحِ دَعْوَتِهِ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ. 

ب) التَّطْبِيقُ اللَّاهُوتِيُّ: الدَّعْوَةُ وَالدَّيْنُونَةُ: بَيْنَ مَجَّانِيَّةِ النِّعْمَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ 

يَجْمَعُ مَثَلُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ لَاهُوتِيَّتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: سَخَاءِ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ وَجِدِّيَّةِ الدَّيْنُونَةِ. فَالْمَلِكُ يُعِدُّ وَلِيمَةً لِابْنِهِ، وَيُرْسِلُ خَدَمَهُ لِيُعْلِنُوا: “وَأُعِدَّ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ“ (مَتَّى 22: 4). 

وَتُشِيرُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ إِلَى مَجَّانِيَّةِ الْخَلَاصِ؛ فَالْوَلِيمَةُ مُعَدَّةٌ مُسْبَقًا، وَالْمَدْعُوُّونَ لَا يُطَالَبُونَ بِصُنْعِهَا، بَلْ بِقَبُولِهَا وَالِاشْتِرَاكِ فِي فَرَحِهَا. وَهِيَ لَيْسَتْ وَلِيمَةً عَادِيَّةً، بَلْ عُرْسٌ مَلَكِيٌّ يَرْمُزُ إِلَى الْخَلَاصِ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ فِي الْمَسِيحِ. 

غَيْرَ أَنَّ الْمَثَلَ يُظْهِرُ ثَلَاثَ صُوَرٍ لِرَفْضِ الدَّعْوَةِ: الرَّفْضَ الصَّرِيحَ، إِذْ «أَبَوْا أَنْ يَأْتُوا» (مَتَّى 22: 3)؛ وَاللَّامُبَالَاةَ، إِذْ “لَمْ يُبَالُوا“ وَانْصَرَفُوا إِلَى أَعْمَالِهِمْ (مَتَّى 22: 5)؛ وَالرَّفْضَ الْعَنِيفَ، إِذْ أَسَاءَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْخَدَمِ وَقَتَلُوهُمْ (مَتَّى 22: 6). وَتُبَيِّنُ هٰذِهِ الْمَوَاقِفُ أَنَّ اللهَ يَدْعُو الْإِنْسَانَ بِمَحَبَّةٍ، وَلٰكِنَّهُ لَا يُكْرِهُهُ عَلَى قَبُولِ الدَّعْوَةِ. فَالْإِنْسَانُ حُرٌّ فِي اسْتِجَابَتِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ نَتَائِجِ قَرَارِهِ. 

وَلَا يَقِفُ الْمَثَلُ عِنْدَ إِعْلَانِ الدَّعْوَةِ، بَلْ يَتَضَمَّنُ أَيْضًا إِعْلَانًا عَنِ الدَّيْنُونَةِ. فَقَدْ قَالَ الْمَلِكُ: “أَمَّا الْمَدْعُوُّونَ فَغَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ“ (مَتَّى 22: 8)، لِأَنَّهُمْ رَفَضُوا الدَّعْوَةَ وَاسْتَخَفُّوا بِهَا.  

غَيْرَ أَنَّ الدَّيْنُونَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ الأَوَّلِينَ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا الَّذِينَ دَخَلُوا الْوَلِيمَةَ. فَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَابِسًا لِبَاسَ الْعُرْسِ أُخْرِجَ مِنَ الْقَاعَةِ (مَتَّى 22: 11-13)، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ قَبُولَ الدَّعْوَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَيَاةٍ تُوَافِقُ مُقْتَضَيَاتِ الْمَلَكُوتِ. 

فَبَابُ الْوَلِيمَةِ مَفْتُوحٌ لِلْخَاطِئِ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِكَيْ يَبْقَى فِي خَطِيئَتِهِ، بَلْ لِكَيْ يَتُوبَ وَيَتَجَدَّدَ بِنِعْمَةِ اللهِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْخَلَاصَ عَطِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ التَّوْبَةِ وَالْإِيمَانِ الْعَامِلِ بِالْمَحَبَّةِ (غلاطية 5: 6). وَتَجِدُ هٰذِهِ الْحَقِيقَةُ تَعْبِيرَهَا فِي خَاتِمَةِ الْمَثَلِ: “لِأَنَّ جَمَاعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّونَ، وَلٰكِنَّ الْقَلِيلِينَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ“ (مَتَّى 22: 14). وَلَا يُقْصَدُ بِهٰذِهِ الْعِبَارَةِ تَحْدِيدُ نِسْبَةٍ عَدَدِيَّةٍ لِلْمُخَلَّصِينَ، بَلْ التَّحْذِيرُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالدَّعْوَةِ دُونَ الِاسْتِجَابَةِ لَهَا. وَخُلَاصَةُ القَوْل أَنَّ اللهَ يَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى الْخَلَاصِ، وَلٰكِنَّ الِاسْتِجَابَةَ لِدَعْوَتِهِ تَتَطَلَّبُ إِيمَانًا حَيًّا وَتَوْبَةً صَادِقَةً وَحَيَاةً تَتَجَدَّدُ بِالنِّعْمَةِ. 

ج) التَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ: مِنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ إِلَى ارْتِدَاءِ لِبَاسِ الْعُرْسِ 

يُقَدِّمُ مَثَلُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَعْلِيمًا رُوحِيًّا يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ بُعْدَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ: الِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْمُشَارَكَةِ فِي وَلِيمَةِ الْمَلَكُوتِ بِارْتِدَاءِ لِبَاسِ الْعُرْسِ. 

أَوَّلًا: الِاسْتِجَابَةُ لِدَعْوَةِ الْخَلَاصِ 

يُعْلِنُ الْمَلِكُ: “فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَادْعُوا إِلَى الْعُرْسِ كُلَّ مَنْ تَجِدُونَهُ“ (مَتَّى 22: 9). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ دَعْوَةَ اللهِ شَامِلَةٌ، لِأَنَّهُ “ُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ” (1 طيموتاوس 2: 4). فَاللَّهُ لَا يَسْتَبْعِدُ أَحَدًا بِسَبَبِ فَقْرِهِ أَوْ ضَعْفِهِ أَوْ مَاضِيهِ، بَلْ يَدْعُو الْخُطَأَةَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْأَبْرَارَ إِلَى النُّمُوِّ فِي الْقَدَاسَةِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: “فَإِنِّي لَمْ آتِ لِأَدْعُوَ الْأَبْرَارَ، بَلِ الْخَاطِئِينَ“ (مَتَّى 9: 13). 

وَيَظَلُّ الرَّبُّ يُوَجِّهُ دَعْوَتَهُ إِلَيْنَا مِنْ خِلَالِ كَلِمَتِهِ وَكَنِيسَتِهِ وَصَوْتِ ضَمِيرِنَا وَأَحْدَاثِ حَيَاتِنَا. وَيُعَبِّرُ سِفْرُ الرُّؤْيَا عَنْ هٰذِهِ الْمُبَادَرَةِ الْإِلٰهِيَّةِ بِقَوْلِ الْمَسِيحِ: “هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ أَقْرَعُهُ، فَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، دَخَلْتُ إِلَيْهِ وَتَعَشَّيْتُ مَعَهُ وَتَعَشَّى مَعِي“ (رؤيا 3: 20). 

غَيْرَ أَنَّ مَشَاغِلَ الْحَيَاةِ قَدْ تُصْبِحُ عَائِقًا أَمَامَ الِاسْتِجَابَةِ. فَالْعَمَلُ وَالْأُسْرَةُ وَالْمَسْؤُولِيَّاتُ الْيَوْمِيَّةُ أُمُورٌ صَالِحَةٌ فِي ذَاتِهَا، وَلٰكِنَّهَا تَفْقِدُ تَرْتِيبَهَا الصَّحِيحَ حِينَ تَحْتَلُّ مَكَانَ اللهِ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ الْمَثَلُ عَلَيْنَا سُؤَالًا جَوْهَرِيًّا: مَا الَّذِي يَحْتَلُّ الْمَكَانَةَ الأُولَى فِي حَيَاتِنَا؟ أَنُقَدِّمُ مَصَالِحَنَا الْيَوْمِيَّةَ عَلَى دَعْوَةِ اللهِ، أَمْ نَسْعَى أَوَّلًا إِلَى مَلَكُوتِهِ وَبِرِّهِ؟ (مَتَّى 6: 33).  

ثَانِيًا: ارْتِدَاءُ لِبَاسِ الْعُرْسِ 

لَا يَكْفِي قَبُولُ الدَّعْوَةِ وَالدُّخُولُ إِلَى قَاعَةِ الْوَلِيمَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ مُسْتَعِدًّا لِلْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ. وَهٰذَا مَا يُبْرِزُهُ مَشْهَدُ الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ الْوَلِيمَةَ دُونَ لِبَاسِ الْعُرْسِ (مَتَّى 22: 11-13). 

وَفِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، يَرْمُزُ لِبَاسُ الْعُرْسِ إِلَى الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ فِي الْمَسِيحِ، وَإِلَى الْبِرِّ الَّذِي يَتَجَلَّى فِي الْمَحَبَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَالْمَطْلُوبُ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِانْتِمَاءِ الظَّاهِرِيِّ إِلَى الْكَنِيسَةِ، بَلِ الْعَيْشُ بِحَسَبِ إِرَادَةِ الآبِ: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ“ (مَتَّى 7: 21).  

وَيُبْرِزُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي الْوَلِيمَةِ تَتَطَلَّبُ حَيَاةً فَاضِلَةً وَسُلُوكًا يَلِيقُ بِالدَّعْوَةِ (PG 58). وَيَرْبِطُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس لِبَاسَ الْعُرْسِ بِالْمَحَبَّةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي لَا تُحْيِيهِ الْمَحَبَّةُ لَا يَكْفِي لِلْمُشَارَكَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ (PL 38). أَمَّا الْقِدِّيسُ إيرونيموس فَيُفَسِّرُ لِبَاسَ الْعُرْسِ فِي ضَوْءِ وَصَايَا الرَّبِّ وَالأَعْمَالِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنِ الْأَمَانَةِ لِلنَّامُوسِ وَالْإِنْجِيلِ (PL 26).  

وَيَجِدُ هٰذَا التَّفْسِيرُ أَسَاسَهُ الْكِتَابِيَّ فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي يَدْعُونَا إِلَى ارْتِدَاءِ الْمَسِيحِ: “فَإِنَّكُمْ جَمِيعًا، وَقَدِ اعْتَمَدْتُمْ فِي الْمَسِيحِ، قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ“ (غلاطية 3: 27). وَيَدْعُونَا أَيْضًا إِلَى ارْتِدَاءِ “الْإِنْسَانِ الْجَدِيدِ“ (أفسس 4: 24)، وَإِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ “ثَوْبَ الْمَحَبَّةِ، فَإِنَّهَا رِبَاطُ الْكَمَالِ“ (قولسي 3: 14). فَلِبَاسُ الْعُرْسِ لَيْسَ زِينَةً خَارِجِيَّةً، بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ قَلْبٍ تَجَدَّدَ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَعَنْ إِيمَانٍ يُثْمِرُ مَحَبَّةً وَتَوْبَةً وَغُفْرَانًا وَأَعْمَالًا صَالِحَةً. 

ثَالِثًا: مِنَ الِانْتِمَاءِ الظَّاهِرِيِّ إِلَى الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ 

لَا يَكْفِي أَنْ نَنْتَمِيَ إِلَى الْكَنِيسَةِ بِالْمَعْمُودِيَّةِ، أَوْ أَنْ نُشَارِكَ فِي الِاحْتِفَالَاتِ اللِّيتُورْجِيَّةِ، إِذَا لَمْ تَنْعَكِسْ هٰذِهِ النِّعَمُ عَلَى حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ. فَالْمَعْمُودِيَّةُ تُدْخِلُنَا فِي الْمَسِيحِ، وَالْإِفْخَارِسْتِيَّا تُغَذِّي شَرِكَتَنَا مَعَهُ، وَلٰكِنَّنَا مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نَتَجَاوَبَ مَعَ هٰذِهِ النِّعَمِ بِحَيَاةٍ تَتَجَدَّدُ دَائِمًا. فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَكُونَ دَاخِلَ قَاعَةِ الْعُرْسِ بِأَجْسَادِنَا، وَخَارِجَهَا بِقُلُوبِنَا. فَالْإِيمَانُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمُمَارَسَاتِ الظَّاهِرِيَّةِ، بَلْ يَتَجَلَّى فِي مَحَبَّةِ اللهِ وَالْقَرِيبِ وَالْعَمَلِ بِالْوَصِيَّةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ. 

وَيُذَكِّرُنَا قَوْلُ يَسُوعَ: “لِأَنَّ جَمَاعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّونَ، وَلٰكِنَّ الْقَلِيلِينَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ“ (مَتَّى 22: 14)، بِأَنَّ الِاسْتِجَابَةَ لِلدَّعْوَةِ تَتَطَلَّبُ أَمَانَةً وَثَبَاتًا، دُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ تَحْدِيدَ نِسْبَةٍ عَدَدِيَّةٍ لِلْمُخَلَّصِينَ. 

وَخُلَاصَةُ القَوْل أَنَّ مَثَلَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ يَدْعُونَا إِلَى خُطْوَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: قَبُولِ دَعْوَةِ اللهِ بِإِيمَانٍ حُرٍّ وَصَادِقٍ، وَارْتِدَاءِ لِبَاسِ الْعُرْسِ بِحَيَاةِ التَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ. وَعِنْدَئِذٍ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ مِنْ أُولٰئِكَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: “طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسِ الْحَمَلِ“ (رؤيا 19: 9). 

يُبْرِزُ التَّطْبِيقُ التَّارِيخِيُّ اتِّسَاعَ الدَّعْوَةِ، وَيَكْشِفُ التَّطْبِيقُ اللَّاهُوتِيُّ عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ الِاسْتِجَابَةِ وَحَقِيقَةِ الدَّيْنُونَةِ، أَمَّا التَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ فَيُؤَكِّدُ ضَرُورَةَ التَّجَدُّدِ وَارْتِدَاءِ لِبَاسِ الْعُرْسِ. وَتَلْتَقِي هٰذِهِ الأَبْعَادُ فِي حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ: إِنَّ اللهَ يَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِدَعْوَتِهِ، وَأَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ. هَلْ نَكْتَفِي بِأَنَّنَا مَدْعُوُّونَ إِلَى وَلِيمَةِ الْمَلَكُوتِ، أَمْ نَسْعَى إِلَى أَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لَهَا بِحَيَاةٍ تُثْمِرُ الْمَحَبَّةَ وَالأَمَانَةَ لِلْإِنْجِيلِ؟ 

 الْخُلَاصَةُ العَامة 

ضَرَبَ يَسُوعُ مَثَلَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ فِي أُورُشَلِيمَ، فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ الأَرْضِيَّةِ، قُبَيْلَ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. وَيُشَكِّلُ هٰذَا الْمَثَلُ إِعْلَانًا عَنْ مَجَّانِيَّةِ الدَّعْوَةِ الْإِلٰهِيَّةِ، وَشُمُولِيَّةِ الْخَلَاصِ، وَمَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ وَالْعَيْشِ بِمُقْتَضَاهَا. 

وَفِي التَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ لِلْمَثَلِ، يُشِيرُ الْمَلِكُ إِلَى اللهِ الآبِ، وَالِابْنُ الَّذِي أُقِيمَ الْعُرْسُ لِأَجْلِهِ إِلَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَالْوَلِيمَةُ إِلَى فَرَحِ الْخَلَاصِ وَالشَّرِكَةِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ. أَمَّا خَدَمُ الْمَلِكِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزُوا إِلَى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ حَمَلُوا دَعْوَةَ اللهِ إِلَى الْبَشَرِ. 

وَيُمَثِّلُ الْمَدْعُوُّونَ الأَوَّلُونَ، فِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ لِلْمَثَلِ، الَّذِينَ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ دَعْوَةُ اللهِ، وَخَاصَّةً بَعْضَ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي رَفَضَتْ رِسَالَةَ يَسُوعَ. أَمَّا الَّذِينَ أَسَاءُوا إِلَى الْخَدَمِ وَقَتَلُوهُمْ، فَيُجَسِّدُونَ مَوْقِفَ مُضْطَهِدِي رُسُلِ اللهِ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُمْ رَمْزًا لِلشَّعْبِ الْيَهُودِيِّ بِأَكْمَلِهِ. 

وَتُذَكِّرُ الْمَدِينَةُ الَّتِي أُحْرِقَتْ بِدَمَارِ أُورُشَلِيمَ سَنَةَ 70م عَلَى أَيْدِي الْجُيُوشِ الرُّومَانِيَّةِ، وَيُمْكِنُ فَهْمُهَا فِي ضَوْءِ التَّحْذِيرَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ مِنْ عَوَاقِبِ رَفْضِ دَعْوَةِ اللهِ (مَتَّى 24: 1-2؛ لوقا 19: 41-44). غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الْقِرَاءَةَ التَّارِيخِيَّةَ لَا تُلْغِي الطَّابِعَ الرَّمْزِيَّ لِلْمَثَلِ. 

أَمَّا الْمَدْعُوُّونَ مِنْ مَفَارِقِ الطُّرُقِ، فَيَرْمُزُونَ إِلَى اتِّسَاعِ الدَّعْوَةِ لِتَشْمَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْعَشَّارِينَ وَالْخُطَأَةَ وَالْمُهَمَّشِينَ، وَكَذٰلِكَ الأُمَمَ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْهَا الْبِشَارَةُ. فَاللَّهُ يَدْعُو الْجَمِيعَ، دُونَ تَمْيِيزٍ بِسَبَبِ الأَصْلِ أَوِ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي فَرَحِ مَلَكُوتِهِ. 

وَيُبْرِزُ الْمَثَلُ مُفَارَقَةً لَافِتَةً: فَالَّذِينَ كَانَ يُتَوَقَّعُ مِنْهُمُ الْحُضُورُ رَفَضُوا الدَّعْوَةَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُدْعَوْا قَبِلُوهَا. وَهٰكَذَا يَتَجَلَّى سَخَاءُ اللهِ الَّذِي لَا يَحْصُرُ خَلَاصَهُ فِي فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ يَفْتَحُ أَبْوَابَ مَلَكُوتِهِ أَمَامَ الْجَمِيعِ. 

غَيْرَ أَنَّ الدَّعْوَةَ الْمَجَّانِيَّةَ لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الِاسْتِجَابَةِ. فَالرَّجُلُ الَّذِي دَخَلَ الْوَلِيمَةَ دُونَ لِبَاسِ الْعُرْسِ يَرْمُزُ إِلَى مَنْ يَقْبَلُ الدَّعْوَةَ ظَاهِرِيًّا، وَلٰكِنَّهُ لَا يَسْمَحُ لِنِعْمَةِ اللهِ بِأَنْ تُجَدِّدَ قَلْبَهُ وَسُلُوكَهُ. فَلِبَاسُ الْعُرْسِ هُوَ، فِي الْمَعْنَى الرُّوحِيِّ، ثَوْبُ الْإِيمَانِ الْحَيِّ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبِرِّ، الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ حَيَاةٍ تُوَافِقُ إِرَادَةَ اللهِ (مَتَّى 7: 21؛ غلاطية 3: 27؛ قولسي 3: 14). 

وَيَكْشِفُ يَسُوعُ فِي هٰذَا الْمَثَلِ عَنْ رِسَالَتِهِ فِي تَارِيخِ الْخَلَاصِ؛ فَهُوَ يَأْتِي لِيُحَقِّقَ مَوَاعِيدَ اللهِ، وَيُعْلِنَ اقْتِرَابَ مَلَكُوتِهِ، وَيَدْعُوَ الْجَمِيعَ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَهُ. وَتَسْتَمِرُّ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ فِي رِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ، الَّتِي تَحْمِلُ إِلَى الْعَالَمِ نِدَاءَ الْمَلِكِ: “فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ” (مَتَّى 22: 4). 

إِنَّهَا دَعْوَةٌ إِلَى مَأْدُبَةِ الْحَيَاةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْفَرَحِ، وَتَجِدُ لَهَا تَذَوُّقًا مُسْبَقًا فِي الْإِفْخَارِسْتِيَّا، حَيْثُ يَهَبُنَا الْمَسِيحُ جَسَدَهُ وَدَمَهُ الْأَقْدَسَيْنِ غِذَاءً لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (يوحنا 6: 51-58). وَهِيَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ دَعْوَةٌ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْوَلِيمَةِ الأَخِيرَةِ، وَلِفَرَحِ الشَّرِكَةِ الْكَامِلَةِ مَعَ اللهِ (رؤيا 19: 9). 

وَخُلَاصَةُ رِسَالَةِ الْمَثَلِ أَنَّ اللهَ يَدْعُو الْجَمِيعَ إِلَى الْخَلَاصِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ جَوَابًا شَخْصِيًّا حُرًّا، يَتَجَلَّى فِي الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَمَانَةِ لِلْإِنْجِيلِ. فَمَنْ يَرْفُضُ الدَّعْوَةَ يَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ فَرَحِهَا، وَمَنْ يَقْبَلُهَا وَيَعِيشُ بِمُقْتَضَاهَا يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الشَّرِكَةِ الأَبَدِيَّةِ مَعَ اللهِ. فَلْنُصْغِ إِلَى نِدَاءِ الْمَلِكِ: “فَتَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ“، وَلْنَسْتَجِبْ لَهُ بِقُلُوبٍ مُنْفَتِحَةٍ، مُرْتَدِينَ ثَوْبَ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، لِنَسْمَعَ فِي النِّهَايَةِ الطُّوبَى الْمُعْلَنَةَ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا: “طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسِ الْحَمَلِ“ (رؤيا 19: 9). 

 دُعَاءٌ 

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ تَدْعُو جَمِيعَ النَّاسِ، بِوَاسِطَةِ خُدَّامِكَ وَكَنِيسَتِكَ، إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي وَلِيمَةِ مَلَكُوتِكَ وَالْحَيَاةِ فِي حَضْرَتِكَ، هَبْ لَنَا قُلُوبًا مُنْفَتِحَةً لِنِدَائِكَ، وَنُفُوسًا مُسْتَعِدَّةً دَائِمًا لِتَلْبِيَةِ دَعْوَتِكَ بِإِيمَانٍ وَمَحَبَّةٍ. 

لَا تَسْمَحْ أَنْ تُبْعِدَنَا هُمُومُ الْحَيَاةِ وَمَشَاغِلُنَا الْيَوْمِيَّةُ عَنْكَ، بَلْ عَلِّمْنَا أَنْ نَجْعَلَكَ فِي الْمَقَامِ الأَوَّلِ، وَأَنْ نَخْدُمَكَ بِفَرَحٍ وَأَمَانَةٍ. 

وَأَلْبِسْنَا، يَا رَبُّ، ثَوْبَ الْعُرْسِ، ثَوْبَ الْمَسِيحِ وَالْإِنْسَانِ الْجَدِيدِ، “الَّذِي خُلِقَ عَلَى صُورَةِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أفسس 4: 24)، لِنَحْيَا فِي التَّوْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ. 

وَاجْعَلْنَا مِنْ أُولٰئِكَ الْمُطَوَّبِينَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: “طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسِ الْحَمَلِ” (رؤيا 19: 9)، لِنَنْعَمَ بِفَرَحِ لِقَائِكَ، وَنُعَايِنَ وَجْهَكَ إِلَى الأَبَدِ فِي مَلَكُوتِكَ السَّمَاوِيِّ. آمِينَ. 

 قصة توضيحية. 

كانَ رَجُلٌ مَيْسُورُ الحَالِ يُدْعَى يُوسُفُ، يَعِيشُ فِي إِحْدَى المُدُنِ، وَقَدْ قَرَّرَ أَنْ يُقِيمَ وَلِيمَةً كَبِيرَةً بِمُنَاسَبَةِ زَوَاجِ ابْنِهِ الوَحِيدِ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَقْصُرَ الدَّعْوَةَ عَلَى الأَغْنِيَاءِ وَأَصْحَابِ المَنَاصِبِ، وَجَّهَ دَعَوَاتٍ إِلَى أَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَجِيرَانِهِ، وَخَصَّ بِهَا أَيْضًا عَائِلَاتٍ فَقِيرَةً لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ المُشَارَكَةَ فِي مِثْلِ هٰذِهِ المُنَاسَبَاتِ. 

وَلَمْ يَطْلُبْ يُوسُفُ مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً أَوْ مُقَابِلًا، بَلْ قَالَ: “إِنَّ فَرَحِي بِابْنِي لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا إِذَا شَارَكَنِي الآخَرُونَ هٰذَا الفَرَحَ“.  

وَلٰكِنَّ المُفَاجَأَةَ كَانَتْ أَنَّ بَعْضَ المَدْعُوِّينَ اعْتَذَرُوا بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ، وَآخَرِينَ لَمْ يُجِيبُوا أَصْلًا عَنِ الدَّعْوَةِ. فَحَزِنَ يُوسُفُ، لٰكِنَّهُ لَمْ يُلْغِ الوَلِيمَةَ، بَلْ قَالَ لِمُسَاعِدِيهِ: “اذْهَبُوا إِلَى الأَحْيَاءِ الفَقِيرَةِ، وَادْعُوا مَنْ تَجِدُونَهُ، فَإِنَّ المَائِدَةَ مُعَدَّةٌ لِلْجَمِيعِ“. 

وَكَانَ بَيْنَ المَدْعُوِّينَ الجُدُدِ شَابٌّ يُدْعَى سَامِي، عَرَفَهُ النَّاسُ بِسُلُوكِهِ السَّيِّئِ وَإِهْمَالِهِ لِمَسْؤُولِيَّاتِهِ. وَلَمَّا وَصَلَتْهُ الدَّعْوَةُ، قَالَ مُنْدَهِشًا: “أَنَا؟ أَيَدْعُونَنِي إِلَى وَلِيمَةِ ابْنِهِ بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلْتُهُ؟” فَأَجَابَهُ المُرْسَلُ: “نَعَمْ، فَالدَّعْوَةُ مَفْتُوحَةٌ لَكَ أَيْضًا“. 

تَأَثَّرَ سَامِي بِهٰذِهِ المُبَادَرَةِ، وَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ، وَاغْتَسَلَ، وَارْتَدَى ثِيَابًا نَظِيفَةً، وَقَرَّرَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الوَلِيمَةِ بِقَلْبٍ مُتَوَاضِعٍ وَمُمْتَنٍّ. وَفِي الطَّرِيقِ قَالَ لِنَفْسِهِ: “لَمْ يَسْأَلْنِي صَاحِبُ الوَلِيمَةِ عَنْ مَاضِيَّ، بَلْ فَتَحَ لِي بَابَ بَيْتِهِ. أَفَلَا يَجْدُرُ بِي أَنْ أُغَيِّرَ حَيَاتِي وَأَكُونَ جَدِيرًا بِالثِّقَةِ الَّتِي مَنَحَنِي إِيَّاهَا؟“. 

وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ بِدَايَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِهِ.  فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ الدَّعْوَةَ المَجَّانِيَّةَ لَا تَعْنِي الاسْتِهْتَارَ بِهَا، بَلْ تَسْتَدْعِي اسْتِجَابَةً تَلِيقُ بِالمَحَبَّةِ الَّتِي قَدَّمَتْهَا. 

العِبْرَةُ  

تُسَاعِدُنَا هٰذِهِ القِصَّةُ عَلَى فَهْمِ مَثَلِ وَلِيمَةِ العُرْسِ (مَتَّى 22: 1–14). فَالمَلِكُ الَّذِي أَعَدَّ الوَلِيمَةَ يُشِيرُ إِلَى اللهِ الآبِ، وَوَلِيمَةُ الابْنِ تُشِيرُ إِلَى فَرَحِ المَلَكُوتِ الَّذِي يُتِيحُهُ اللهُ بِالْمَسِيحِ. أَمَّا الدَّعْوَةُ المَوْجَّهَةُ إِلَى الجَمِيعِ فَتُعْلِنُ شُمُولِيَّةَ الرَّحْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. 

وَلٰكِنَّ ثَوْبَ العُرْسِ (مَتَّى 22: 11-12) يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ قَبُولَ الدَّعْوَةِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ تَجَدُّدِ الحَيَاةِ. وَفِي التَّطْبِيقِ الرُّوحِيِّ، يَرْمُزُ الثَّوْبُ إِلَى الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي تَنْسَجِمُ مَعَ الإِيمَانِ، وَتَظْهَرُ فِي التَّوْبَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (رَاجِعْ أَفَسُس 4: 24؛ قُولُسِّي 3: 12-14). فَاللهُ يَدْعُونَا مَجَّانًا إِلَى وَلِيمَةِ مَلَكُوتِهِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَدْعُونَا لِنَبْقَى كَمَا كُنَّا، بَلْ لِنَصِيرَ خَلِيقَةً جَدِيدَةً فِي المَسِيحِ. 

وَيَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُهُ المَثَلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: هَلْ نَكْتَفِي بِقَبُولِ دَعْوَةِ اللهِ بِالاسْمِ، أَمْ نَرْتَدِي ثَوْبَ الإِنْسَانِ الجَدِيدِ، وَنُجَسِّدُ اسْتِجَابَتَنَا فِي حَيَاتِنَا؟ 

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email