الأَحَدُ العِشْرُونَ مِنَ السَّنَة: إِيمَانُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ (مَتَّى 15: 21-28)
أ. د. لُوَيْس حَزْبُون
النَّص الإنْجيلي (متى 15: 21-28)
21 ثُمَّ خَرَجَ يسوعُ مِن هُناكَ وذهَبَ إِلى نَواحي صُورَ وصَيدا 22. وإِذا امرأَةٌ كَنعانيَّةٌ خارِجَةٌ مِن تِلكَ البِلادِ تَصيح: ((رُحْماكَ يا ربّ! يا ابنَ داود، إِنَّ ابنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطاً شديداً)). 23-فلَم يُجِبْها بِكَلِمَة. فَدنا تَلاميذُه يَتَوسَّلونَ إِليهِ فقالوا: ((اِصْرِفْها، فإِنَّها تَتبَعُنا بصِياحِها)). 24 فأَجاب: ((لَم أُرسَلْ إِلاَّ إِلى الخِرافِ الضَّالَّةِ مِن بَيتِ إِسرائيل))-25. ولَكِنَّها جاءَت فسَجدَت لَه وقالت: ((أَغِثْني يا رَبّ!)) 26 فأَجابَها: ((لا يَحسُنُ أَن يُؤخَذَ خُبزُ البَنينَ فيُلْقى إِلى صِغارِ الكِلاب)). 27 فقالت: ((نَعم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها)). 28-فأَجابَها يسوع: ((ما أَعظمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين)). فشُفِيَتِ ابنَتُها في تِلكَ السَّاعة.
مُقَدِّمَة
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هٰذَا الأَحَدِ الضَّوْءَ عَلَى مُعْجِزَةِ شِفَاءِ ابْنَةِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ (مَتَّى 15: 21-28)، الَّتِي جَرَتْ فِي مِنْطَقَةِ صُورَ وَصَيْدَا، أَيْ خَارِجَ الحُدُودِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِأَرْضِ إِسْرَائِيلَ، وَفِي وَسَطٍ أُمَمِيٍّ غَيْرِ يَهُودِيٍّ. وَيَكْتَسِبُ هٰذَا المَوْقِعُ الجُغْرَافِيُّ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً مُهِمَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى؛ إِذْ يُمَهِّدُ لِلكَشْفِ عَنْ شُمُولِيَّةِ الخَلَاصِ، وَعَنْ امْتِدَادِ رِسَالَةِ المَسِيحِ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ.
فَبَعْدَ أَنْ تَرَكَّزَتْ رِسَالَةُ يَسُوعَ، فِي مَرْحَلَتِهَا الأُولَى، عَلَى “الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِن بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 15: 24؛ راجع 10: 5-6)، يَكْشِفُ لِقَاؤُهُ بِالمَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ لَا تَنْحَصِرُ فِي شَعْبٍ أَوْ عِرْقٍ أَوْ حُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ، بَلْ تَنْفَتِحُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ يَتَقَدَّمُ إِلَى المَسِيحِ بِإِيمَانٍ صَادِقٍ. وَهٰكَذَا يُمَهِّدُ النَّصُّ لِلوَصِيَّةِ الأَخِيرَةِ الَّتِي سَيُوَجِّهُهَا المَسِيحُ القَائِمُ إِلَى تَلَامِيذِهِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19).
وَتَبْرُزُ فِي قَلْبِ الرِّوَايَةِ شَخْصِيَّةُ امْرَأَةٍ أُمَمِيَّةٍ يَصِفُهَا مَتَّى بِأَنَّهَا “كَنْعَانِيَّةٌ” (مَتَّى 15: 22)، وَهُوَ وَصْفٌ يَحْمِلُ فِي الذَّاكِرَةِ الكِتَابِيَّةِ صَدَى الخُصُومَةِ القَدِيمَةِ بَيْنَ إِسْرَائِيلَ وَشُعُوبِ كَنْعَانَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، تَتَحَوَّلُ هٰذِهِ المَرْأَةُ فِي الرِّوَايَةِ إِلَى نَمُوذَجٍ لِلإِيمَانِ الحَيِّ: فَهِيَ تُنَادِي يَسُوعَ قَائِلَةً: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ، يَا ابْنَ دَاوُدَ” (مَتَّى 15: 22)، وَتَثْبُتُ فِي طَلَبِهَا عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الصَّمْتِ وَالامْتِحَانِ، ثُمَّ تَسْجُدُ لَهُ وَتَقُولُ: “يَا رَبُّ، أَغِثْنِي!” (مَتَّى 15: 25). وَيَبْلُغُ المَشْهَدُ ذِرْوَتَهُ فِي مَدِيحِ يَسُوعَ لَهَا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! فَلْيَكُنْ لَكِ مَا تُرِيدِينَ” (مَتَّى 15: 28).
وَقَدْ رَأَى آبَاءُ الكَنِيسَةِ فِي هٰذِهِ المَرْأَةِ صُورَةً لِلأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا بَعِيدِينَ، ثُمَّ اقْتَرَبُوا مِنَ المَسِيحِ بِالإِيمَانِ. فَيُشِيرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلَى أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يُؤَخِّرِ الاسْتِجَابَةَ لِكَيْ يَرْفُضَ المَرْأَةَ، بَلْ لِيُظْهِرَ أَمَامَ الجَمِيعِ عَظَمَةَ إِيمَانِهَا وَثَبَاتَهَا، حَتَّى يَجْعَلَهَا مِثَالًا لِلسَّامِعِينَ (PG 58, 519-521). فَصَمْتُ يَسُوعَ لَيْسَ صَمْتَ الرَّفْضِ، بَلْ صَمْتٌ يَكْشِفُ مَا فِي قَلْبِ المَرْأَةِ مِنْ ثِقَةٍ وَتَوَاضُعٍ وَمُثَابَرَةٍ.
أَمَّا القِدِّيسُ أوغسطينوس فَيَرْبِطُ بَيْنَ تَوَاضُعِ المَرْأَةِ وَاسْتِجَابَةِ المَسِيحِ لَهَا؛ فَهِيَ لَمْ تَرْفُضْ صُورَةَ “الفُتَاتِ” السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الأَبْنَاءِ، بَلْ جَعَلَتْ مِنْهَا حُجَّةً لِرَجَائِهَا. وَبِهٰذَا التَّوَاضُعِ انْفَتَحَ أَمَامَهَا بَابُ النِّعْمَةِ، فَصَارَتْ مِثَالًا لِلأُمَمِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَائِدَةِ الخَلَاصِ بِالإِيمَانِ (PL 38, 490-491).
وَمِنْ هُنَا، لَا يَقْتَصِرُ النَّصُّ عَلَى رِوَايَةِ مُعْجِزَةِ شِفَاءٍ، بَلْ يَحْمِلُ رِسَالَةً لَاهُوتِيَّةً وَخَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً: إِنَّ الخَلَاصَ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ لِجَمِيعِ البَشَرِ، وَإِنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِالأَصْلِ وَالانْتِمَاءِ العِرْقِيِّ، بَلْ بِالثِّقَةِ بِالمَسِيحِ، وَالتَّوَاضُعِ أَمَامَهُ، وَالمُثَابَرَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28). وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، وَتَطْبِيقِهَا عَلَى حَيَاةِ المُؤْمِنِ اليَوْمَ.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (مَتَّى 15: 21-28)
21 “ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَا”
تُشِيرُ عِبَارَةُ “خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ” إِلَى انْتِقَالِ يَسُوعَ مِنَ المِنْطَقَةِ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُ فِيهَا فِي الجَلِيلِ، بَعْدَ وُجُودِهِ فِي أَرْضِ جِنَّاسَرِتَ (مَتَّى 14: 34)، وَبَعْدَ مُوَاجَهَتِهِ لِلْفَرِّيسِيِّينَ وَالكَتَبَةِ القَادِمِينَ مِنْ أُورَشَلِيمَ بِشَأْنِ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ وَمَفْهُومِ الطَّهَارَةِ (مَتَّى 15: 1-20). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ هٰذَا الانْتِقَالَ الجُغْرَافِيَّ يَأْتِي مُبَاشَرَةً بَعْدَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ أَنَّ مَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الفَمَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ (مَتَّى 15: 11، 18-20). وَهٰذَا التَّرْتِيبُ السَّرْدِيُّ لَيْسَ عَرَضِيًّا؛ فَبَعْدَ أَنْ أَعَادَ يَسُوعُ تَوْجِيهَ مَفْهُومِ الطَّهَارَةِ، يَلْتَقِي الآنَ امْرَأَةً وَثَنِيَّةً كَانَتْ تُعَدُّ، بِحَسَبِ التَّصَوُّرِ الدِّينِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ السَّائِدِ، مِنْ خَارِجِ شَعْبِ العَهْدِ. وَيَقْرَأُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه هٰذَا الخُرُوجَ فِي ضَوْءِ سِرِّ دَعْوَةِ الأُمَمِ، فَيَرَى فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي صُورَةَ الشُّعُوبِ الَّتِي كَانَتْ خَارِجَ العَهْدِ، ثُمَّ اقْتَرَبَتْ مِنَ المَسِيحِ بِالإِيمَانِ (PL 9, 1006).
أَمَّا اسْمُ “يَسُوع” فَهُوَ الاسْمُ الشَّخْصِيُّ لِلْمَسِيحِ، وَيَرْجِعُ إِلَى العِبْرِيَّةِ/الآرَامِيَّةِ יֵשׁוּעַ (يِشُوعَ / يَشُوعَ)، وَهُوَ صِيغَةٌ مُخْتَصَرَةٌ مِنْ יְהוֹשֻׁעַ (يَهُوشُعَ)، وَيَحْمِلُ مَعْنَى: “الرَّبُّ يُخَلِّصُ” أَوْ “اللهُ خَلَاصٌ”. وَيُبْرِزُ مَتَّى المَعْنَى الخَلَاصِيَّ لِلِاسْمِ مُنْذُ رِوَايَةِ الطُّفُولَةِ، حِينَ قَالَ المَلَاكُ لِيُوسُفَ: “وَسَتَلِدُ ابْنًا فَسَمِّهِ يَسُوعَ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مَتَّى 1: 21؛ راجع لُوقَا 1: 31). وَهٰكَذَا فَإِنَّ اسْمَ يَسُوعَ نَفْسَهُ يَكْشِفُ عَنْ هُوِيَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ: إِنَّهُ المُخَلِّصُ الَّذِي بِهِ يَتَحَقَّقُ وَعْدُ اللهِ بِالخَلَاصِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “ذَهَبَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَا”، فَتَنْقُلُ القَارِئَ إِلَى مِنْطَقَةٍ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الطَّابَعُ الأُمَمِيُّ. وَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى اللَّفْظَ اليُونَانِيَّ μέρη، أَيْ “النَّوَاحِي” أَوْ “الأَقَالِيم”، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى المِنْطَقَةِ المُحِيطَةِ بِصُورَ وَصَيْدَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ صَرَاحَةً إِنَّ يَسُوعَ دَخَلَ المَدِينَتَيْنِ نَفْسَيْهِمَا. أَمَّا مَرْقُسُ فَيَقُولُ: “ذَهَبَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ” (مَرْقُس 7: 24)، ثُمَّ يَذْكُرُ لَاحِقًا خُرُوجَهُ مِنْهَا وَمُرُورَهُ بِصَيْدَا (مَرْقُس 7: 31). وَمِنْ ثَمَّ، فَالأَدَقُّ أَكادِيمِيًّا أَلَّا نَجْزِمَ بِأَنَّ يَسُوعَ “لَمْ يَدْخُلْ” صُورَ، بَلْ نَقُولُ إِنَّ الإِنْجِيلَ يُرَكِّزُ عَلَى الإِقْلِيمِ الفِينِيقِيِّ المُحِيطِ بِصُورَ وَصَيْدَا. وَيُمْثِّلُ ذَهَابُ يَسُوعَ إِلَى مِنْطَقَةِ صُورَ وَصَيْدَا خُرُوجًا إِلَى مَشَارِفِ العَالَمِ الأُمَمِيِّ. وَلَا يَسْمَحُ النَّصُّ المَتَّاوِيُّ بِالجَزْمِ بِأَنَّ الغَرَضَ مِنْ هٰذَا الخُرُوجِ كَانَ مُجَرَّدَ تَجَنُّبِ المُعَارَضَةِ اليَهُودِيَّةِ، بَلْ يَحْمِلُ المَشْهَدُ، فِي سِيَاقِ الإِنْجِيلِ، دَلَالَةً أَعْمَقَ تَتَعَلَّقُ بِانْفِتَاحِ الخَلَاصِ تَدْرِيجِيًّا عَلَى الأُمَمِ.
وَكَانَتْ “صُورُ وَصَيْدَا” مِنْ أَهَمِّ مُدُنِ فِينِيقِيَا عَلَى السَّاحِلِ الشَّرْقِيِّ لِلْبَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ، شَمَالَ الجَلِيلِ. وَاشْتَهَرَتَا مُنْذُ القِدَمِ بِالتِّجَارَةِ البَحْرِيَّةِ وَالغِنَى وَالنُّفُوذِ الاقْتِصَادِيِّ. وَكَانَتْ لِصُورَ عَلَاقَاتٌ وَثِيقَةٌ بِإِسْرَائِيلَ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ؛ فَقَدْ أَرْسَلَ حِيرَامُ مَلِكُ صُورَ إِلَى دَاوُدَ خَشَبَ الأَرْزِ وَالصُّنَّاعَ لِبِنَاءِ بَيْتِهِ (2 صَمُوئِيل 5: 11)، ثُمَّ تَعَاوَنَ مَعَ سُلَيْمَانَ فِي مَشْرُوعِ بِنَاءِ الهَيْكَلِ (1 مُلُوك 5: 15-26). وَمَعَ ذٰلِكَ، تَحْمِلُ صُورُ وَصَيْدَا فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ أَيْضًا صُورَةَ العَالَمِ الأُمَمِيِّ الَّذِي وَجَّهَ إِلَيْهِ الأَنْبِيَاءُ نَقْدًا شَدِيدًا بِسَبَبِ الكِبْرِيَاءِ وَالظُّلْمِ وَالوَثَنِيَّةِ (إِشَعْيَاء 23؛ حِزْقِيَال 26-28؛ عَامُوس 1: 9-10). وَلِذٰلِكَ، يَكْتَسِبُ وُجُودُ يَسُوعَ فِي هٰذِهِ النَّوَاحِي دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً: فَالمَسِيحُ يَقْتَرِبُ مِنْ حُدُودِ العَالَمِ الأُمَمِيِّ، وَتَبْدَأُ رَحْمَتُهُ تَتَجَلَّى خَارِجَ الحُدُودِ المَأْلُوفَةِ لِإِسْرَائِيلَ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الانْفِتَاحَ لَا يَلْغِي تَرْتِيبَ تَارِيخِ الخَلَاصِ. فَيَسُوعُ سَيُعْلِنُ فِي النَّصِّ نَفْسِهِ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ”(مَتَّى 15: 24). فَالأَوَّلِيَّةُ فِي رِسَالَتِهِ الأَرْضِيَّةِ هِيَ لإِسْرَائِيلَ (راجع مَتَّى 10: 5-6)، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الأَوَّلِيَّةَ لَيْسَتْ إِقْصَاءً لِلأُمَمِ؛ إِذْ سَيَكْتَمِلُ المَشْرُوعُ الخَلَاصِيُّ بَعْدَ القِيَامَةِ فِي الإِرْسَالِيَّةِ الجَامِعَةِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَشْهَدُ مَعَ مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الإِنْجِيلِ تَكْشِفُ عَنْ وُصُولِ نِعْمَةِ المَسِيحِ إِلَى غَيْرِ اليَهُودِ. فَقَدْ شَفَى يَسُوعُ غُلَامَ قَائِدِ المِئَةِ، وَمَدَحَ إِيمَانَهُ قَائِلًا: “الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ مِثْلَ هٰذَا الإِيمَانِ فِي أَحَدٍ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 8: 10)، كَمَا وَصَلَتْ قُوَّتُهُ المُحَرِّرَةُ إِلَى مِنْطَقَةِ الجَدَرِيِّينَ فِي الجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنَ البُحَيْرَةِ (مَتَّى 8: 28-34؛ راجع مَرْقُس 5: 1-20). وَهٰكَذَا تَتَكَرَّرُ الإِشَارَاتُ إِلَى أَنَّ حُدُودَ المَلَكُوتِ أَوْسَعُ مِنَ الحُدُودِ القَوْمِيَّةِ وَالجُغْرَافِيَّةِ. وَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ نَفْسُهُ أَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ صُورَ وَصَيْدَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِهِمَا مُدُنًا أُمَمِيَّةً، سَتَكُونُ يَوْمَ الدَّيْنُونَةِ أَخَفَّ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ المُدُنِ الجَلِيلِيَّةِ الَّتِي شَاهَدَتْ أَعْمَالَهُ وَلَمْ تَتُبْ، فَقَالَ: “الوَيْلُ لَكِ يَا كُورَزِين! الوَيْلُ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! فَلَوْ جَرَى فِي صُورَ وَصَيْدَا مَا جَرَى فِيكُمَا مِنَ المُعْجِزَاتِ، لَتَابَتَا تَوْبَةً بِالمِسْحِ وَالرَّمَادِ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ […] إِنَّ صُورَ وَصَيْدَا سَيَكُونُ مَصِيرُهُمَا يَوْمَ الدَّيْنُونَةِ أَخَفَّ وَطْأَةً مِنْ مَصِيرِكُمَا” (مَتَّى 11: 21-22). وَهُنَا يَتَّضِحُ مَبْدَأٌ إِنْجِيلِيٌّ أَسَاسِيٌّ: كُلَّمَا عَظُمَ النُّورُ الَّذِي يَنَالُهُ الإِنْسَانُ، عَظُمَتْ مَسْؤُولِيَّتُهُ عَنْ جَوَابِهِ لِلنِّعْمَةِ. وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي انْتِقَالِ يَسُوعَ إِلَى هٰذِهِ النَّوَاحِي تَدْبِيرًا يَسْمَحُ بِلِقَاءِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ وَإِظْهَارِ إِيمَانِهَا، مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الأُمَمِ لِيُلْغِيَ أَوَّلِيَّةَ إِسْرَائِيلَ، بَلْ إِنَّ المَرْأَةَ هِيَ الَّتِي خَرَجَتْ إِلَيْهِ، فَأَظْهَرَ مِنْ خِلَالِهَا مَا سَيَكُونُ لِلأُمَمِ مِنْ نَصِيبٍ فِي النِّعْمَةِ (PG 58, 517-520). وَبِذٰلِكَ يُشَكِّلُ ذِكْرُ “نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَا” أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ إِشَارَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ؛ إِنَّهُ يُمَهِّدُ لِمَوْضُوعٍ لَاهُوتِيٍّ رَئِيسِيٍّ فِي الرِّوَايَةِ: الخَلَاصُ يَأْتِي مِنْ دَاخِلِ تَارِيخِ إِسْرَائِيلَ، لٰكِنَّهُ لَا يَبْقَى مَحْصُورًا فِيهِ؛ فَفِي يَسُوعَ المَسِيحِ تَبْدَأُ الحُدُودُ الفَاصِلَةُ بَيْنَ اليَهُودِ وَالأُمَمِ بِالانْفِتَاحِ أَمَامَ الإِيمَانِ، تَمْهِيدًا لِبِشَارَةِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ (مَتَّى 28: 19).
- “وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ البِلَادِ تَصِيحُ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! يَا ابْنَ دَاوُدَ، إِنَّ ابْنَتِي يَتَخَبَّطُهَا الشَّيْطَانُ تَخَبُّطًا شَدِيدًا”
تُشِيرُ عِبَارَةُ “امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ” إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأُمَمِ، أَيْ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. وَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى الوَصْفَ القَدِيمَ “كَنْعَانِيَّة” ليُبْرِزَ المَسَافَةَ التَّارِيخِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَفْصِلُ هٰذِهِ المَرْأَةَ عَنْ إِسْرَائِيلَ؛ فَالْكَنْعَانِيُّونَ يَرِدُونَ فِي العَهْدِ القَدِيمِ بِوَصْفِهِمْ مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي سَكَنَتْ أَرْضَ كَنْعَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيهَا. وَبِذٰلِكَ يُرِيدُ الإِنْجِيلِيُّ أَنْ يُظْهِرَ مُفَارَقَةً لَاهُوتِيَّةً لَافِتَةً: تِلْكَ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَى شَعْبٍ كَانَ يُعَدُّ تَقْلِيدِيًّا خَارِجَ العَهْدِ، تَظْهَرُ الآنَ نَمُوذَجًا لِلإِيمَانِ بِالمَسِيحِ.
أَمَّا مَرْقُسُ فَيَصِفُهَا بِقَوْلِهِ: “وَكَانَتِ المَرْأَةُ وَثَنِيَّةً، سُورِيَّةً فِينِيقِيَّةَ الأَصْلِ” (مَرْقُس 7: 26). وَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ كَلِمَةُ Ἑλληνίς، وَهِيَ تَدُلُّ فِي هٰذَا السِّيَاقِ عَلَى امْرَأَةٍ أُمَمِيَّةٍ، مُنْتَمِيَةٍ إِلَى العَالَمِ الهِلِّينِيِّ ثَقَافِيًّا وَدِينِيًّا، فِي مُقَابِلِ الهُوِيَّةِ اليَهُودِيَّةِ. وَيُحَدِّدُ مَرْقُسُ أَصْلَهَا بِأَنَّهَا سُورِيَّةٌ فِينِيقِيَّةٌ، أَيْ مِنْ فِينِيقِيَا السُّورِيَّةِ، وَهِيَ المِنْطَقَةُ الَّتِي كَانَتْ صُورُ وَصَيْدَا تَنْتَمِيَانِ إِلَيْهَا فِي الإِطَارِ الإِدَارِيِّ الرُّومَانِيِّ. وَمِنَ الأَفْضَلِ أَلَّا نَقُولَ إِنَّهَا أَوَّلُ شَخْصٍ أُمَمِيٍّ آمَنَ بِالمَسِيحِ، لِأَنَّ مَتَّى سَبَقَ أَنْ قَدَّمَ قَائِدَ المِئَةِ الأُمَمِيَّ الَّذِي مَدَحَ يَسُوعُ إِيمَانَهُ قَائِلًا: “الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ مِثْلَ هٰذَا الإِيمَانِ فِي أَحَدٍ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 8: 10). وَلٰكِنَّ المَرْأَةَ الكَنْعَانِيَّةَ تُمَثِّلُ، بِوُضُوحٍ خَاصٍّ، إِيمَانَ الأُمَمِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى المَسِيحِ وَيَنَالُونَ رَحْمَتَهُ. وَقَدْ لَفَتَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الانْتِبَاهَ إِلَى تَعَمُّدِ مَتَّى اسْتِعْمَالَ لَقَبِ “الكَنْعَانِيَّة”، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ إِيمَانَهَا أَكْثَرَ إِدْهَاشًا: فَمَنْ كَانَتْ تُعَدُّ خَارِجَ شَعْبِ العَهْدِ تَخْرُجُ الآنَ إِلَى المَسِيحِ، فِي حِينِ أَنَّ آخَرِينَ مِمَّنْ نَالُوا النَّامُوسَ وَالأَنْبِيَاءَ رَفَضُوهُ. ويقول الذهبي الفم إن الإنجيلي يذكر أصلها الكنعاني لكي يُظهر بالأحرى عظمة ما فعلته وقوة حضور المسيح فيها (1-2، PG 58).
أَمَّا عِبَارَةُ “خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ البِلَادِ” فَيَرِدُ أَصْلُهَا اليُونَانِيُّ ἀπὸ τῶν ὁρίων ἐκείνων ἐξελθοῦσα، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: “خَرَجَتْ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ” أَوْ “مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي”. وَالمَعْنَى الأَوَّلُ جُغْرَافِيٌّ: فَالْمَرْأَةُ خَرَجَتْ مِنْ إِقْلِيمِهَا قَاصِدَةً يَسُوعَ. غَيْرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ الآبَائِيَّ رَأَى فِي هٰذَا “الخُرُوجِ” مَعْنًى رُوحِيًّا أَيْضًا: إِنَّهَا تَتَخَطَّى حُدُودَ عَالَمِهَا القَدِيمِ لِتَلْتَقِيَ بِالمَسِيحِ. وَيَذْكُرُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً تَرَى فِي خُرُوجِ المَرْأَةِ مِنْ تُخُومِهَا صُورَةً لِلْكَنِيسَةِ الآتِيَةِ مِنَ الأُمَمِ، إذ “خَرَجَ” المَسِيحُ نَحْوَ تُخُومِهَا وَ”خَرَجَتْ” هِيَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِهَا حَتَّى تَلْتَقِيَ بِهِ. وَتَنْقُلُ السِّلْسِلَةُ الذَّهَبِيَّةُ أَيْضًا عَنْ هِيلَارِيُوسَ قِرَاءَةً تَرَى فِي هٰذِهِ الأُمِّ صُورَةً لِلأُمَمِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ عَالَمَهُمُ القَدِيمَ وَيَأْتُونَ إِلَى المَسِيحِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “تَصِيحُ“ فَتُتَرْجِمُ الفِعْلَ اليُونَانِيَّ ἔκραζεν، وَهُوَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الصُّرَاخِ المُتَوَاصِلِ وَالمُلِحِّ، لا عَلَى مُجَرَّدِ نِدَاءٍ عَابِرٍ. وَهُنَا يَكْشِفُ صُرَاخُ المَرْأَةِ عَنْ أَلَمِ أُمٍّ وَعَنْ إِيمَانٍ لَا يَسْتَسْلِمُ. فَهِيَ لَا تَكْتَفِي بِمَعْرِفَةِ يَسُوعَ، بَلْ تَتَّجِهُ إِلَيْهِ وَتُصِرُّ عَلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ. وَهٰذَا مَا أَبْرَزَهُ القِدِّيسُ أوغسطينوس، إِذْ رَأَى فِي إِلْحَاحِهَا تَجْسِيدًا لِوَصِيَّةِ يَسُوعَ: “اِسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ” (مَتَّى 7: 7). فَهِيَ “ثَابَرَتْ وَقَرَعَتْ”، وَلَمْ يَكُنْ تَأَخُّرُ الجَوَابِ رَفْضًا لَهَا، بَلْ إِظْهَارًا لِقُوَّةِ رَغْبَتِهَا وَتَوَاضُعِهَا) عِظَةٌ عَلَى مَتَّى 15: 21-28، العِظَة 77، ولا سيما §1، 9-11).
أَمَّا النِّدَاءُ “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! يَا ابْنَ دَاوُدَ” فَيَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ اعْتِرَافًا إِيمَانِيًّا لَافِتًا. فَالمَرْأَةُ الأُمَمِيَّةُ تَسْتَعْمِلُ لَقَبًا مَسِيحَانِيًّا مُتَجَذِّرًا فِي رَجَاءِ إِسْرَائِيلَ، وَتَدْعُو يَسُوعَ “ابْنَ دَاوُدَ”. وَهٰذَا اللَّقَبُ يَرْبِطُ يَسُوعَ بِالوَعْدِ الدَّاوُدِيِّ وَبِانْتِظَارِ المَسِيحِ المَلِكِ (راجع 2 صَمُوئِيل 7: 12-16؛ مَتَّى 1: 1). وَيَرَى القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ صُورَةً نَبَوِيَّةً لِدُخُولِ الأُمَمِ إِلَى الإِيمَانِ؛ فَهِيَ تَأْتِي مِنْ خَارِجِ إِسْرَائِيلَ، وَلٰكِنَّهَا تَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ “ابْنَ دَاوُدَ”، وَبِذٰلِكَ تَتَقَبَّلُ بِالإِيمَانِ مَا أَعْلَنَهُ اللهُ أَوَّلًا فِي تَارِيخِ إِسْرَائِيلَ (PL 9, 1006-1007). وَيَتَكَرَّرُ هٰذَا النِّدَاءُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى عَلَى لِسَانِ طَالِبِي الرَّحْمَةِ، كَالأَعْمَيَيْنِ اللَّذَيْنِ صَرَخَا: “رُحْمَاكَ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!” (مَتَّى 9: 27)، وَأَعْمَيَيْ أَرِيحَا (مَتَّى 20: 30-31). وَسَيُصْبِحُ لَقَبُ “ابْنِ دَاوُدَ” مِنَ الأَلْقَابِ المَسِيحَانِيَّةِ البَارِزَةِ فِي دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورَشَلِيمَ: “هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ!” (مَتَّى 21: 9). وَتَكْمُنُ المُفَارَقَةُ فِي أَنَّ امْرَأَةً أُمَمِيَّةً تُدْرِكُ فِي يَسُوعَ هُوِيَّةً مَسِيحَانِيَّةً لَمْ يُدْرِكْهَا كَثِيرُونَ مِنْ أَبْنَاءِ شَعْبِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّصِّ أَنْ نَفْتَرِضَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ النُّبُوءَاتِ اليَهُودِيَّةَ تَفْصِيلًا؛ وَالأَرْجَحُ أَنَّ شُهْرَةَ يَسُوعَ وَأَخْبَارَ أَعْمَالِهِ وَأَلْقَابِهِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ تِلْكَ المِنْطَقَةَ. وَيُعَلِّقُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ عَلَى دُعَائِهَا بِأَنَّهَا لَمْ تَطْلُبْ حَقًّا وَلَا اسْتَحْقَاقًا، بَلْ طَلَبَتْ شَيْئًا وَاحِدًا: الرَّحْمَةَ. وَيَلْفِتُ النَّظَرَ إِلَى أَنَّهَا لَمْ تَقُلْ: “اِرْحَمِ ابْنَتِي”، بَلْ “اِرْحَمْنِي”، لِأَنَّ أَلَمَ ابْنَتِهَا أَصْبَحَ أَلَمَهَا هِيَ؛ فَقَلْبُ الأُمِّ يَحْمِلُ عَذَابَ ابْنَتِهَا كَأَنَّهُ عَذَابُهَا الشَّخْصِيُّ. وَهٰذَا يُضْفِي عَلَى صَلَاتِهَا بُعْدًا شَفَاعِيًّا عَمِيقًا: هِيَ لَا تَطْلُبُ لِنَفْسِهَا، بَلْ تَحْمِلُ أَلَمَ ابْنَتِهَا أَمَامَ الرَّبِّ، حَتَّى يَصِيرَ وَجَعُ الآخَرِ وَجَعَهَا، وَشِفَاؤُهُ خَلَاصًا لَهَا أَيْضًا.
أَمَّا عِبَارَةُ “إِنَّ ابْنَتِي يَتَخَبَّطُهَا الشَّيْطَانُ تَخَبُّطًا شَدِيدًا” فَيَرِدُ أَصْلُهَا اليُونَانِيُّ: ἡ θυγάτηρ μου κακῶς δαιμονίζεται، وَمَعْنَاهَا: “ابْنَتِي مَمْسُوسَةٌ بِشِدَّةٍ مِنْ شَيْطَانٍ” أَوْ “تُعَانِي مُعَانَاةً شَدِيدَةً مِنْ مَسٍّ شَيْطَانِيٍّ”. وَيَسْتَعْمِلُ مَرْقُسُ التَّعْبِيرَ: “كَانَ بِابْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ” (مَرْقُس 7: 25). وَيَنْبَغِي، أَكادِيمِيًّا، التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَرَضِ وَالمَسِّ الشَّيْطَانِيِّ فِي لُغَةِ الأَنَاجِيل؛ فَالأَنَاجِيلُ نَفْسُهَا لَا تَعُدُّ كُلَّ مَرَضٍ نَتِيجَةً لِعَمَلٍ شَيْطَانِيٍّ، بَلْ تُمَيِّزُ فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ بَيْنَ المَرْضَى وَالمَمْسُوسِينَ (راجع مَتَّى 4: 24). أَمَّا فِي هٰذِهِ الرِّوَايَةِ بِالتَّحْدِيدِ، فَالنَّصُّ يُقَدِّمُ حَالَةَ الابْنَةِ بِوَصْفِهَا مَسًّا شَيْطَانِيًّا، وَيَرْبِطُ شِفَاءَهَا بِتَحْرِيرِهَا مِنْ سُلْطَانِ الرُّوحِ النَّجِسِ (راجع مَرْقُس 7: 29-30). وَيُعَلِّقُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ بِأَنَّ المَرْأَةَ عَرَضَتْ عَلَى “الطَّبِيبِ” جُرْحَهَا وَشِدَّةَ مُصَابِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحَدِّدَ لَهُ كَيْفَ يَعْمَلُ، بَلْ اكْتَفَتْ بِأَنْ تَضَعَ مَأْسَاتَهَا أَمَامَ رَحْمَتِهِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى جَوْهَرُ الصَّلَاةِ المَسِيحِيَّةِ: أَنْ يَضَعَ الإِنْسَانُ جُرْحَهُ أَمَامَ المَسِيحِ بِثِقَةٍ، وَيَتْرُكَ لَهُ طَرِيقَةَ الاسْتِجَابَةِ وَوَقْتَهَا. وَهٰكَذَا تَجْمَعُ الآيَةُ فِي عِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَ حَرَكَاتٍ رُوحِيَّةٍ مُتَرَابِطَةٍ: الخُرُوجُ إِلَى المَسِيحِ، وَالصُّرَاخُ إِلَيْهِ، وَالاعْتِرَافُ بِهُوِيَّتِهِ، وَطَلَبُ رَحْمَتِهِ. فَالمَرْأَةُ خَرَجَتْ مِنْ تُخُومِهَا، وَتَخَطَّتِ الحَوَاجِزَ الدِّينِيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ، وَحَمَلَتْ أَلَمَ ابْنَتِهَا إِلَى يَسُوعَ. وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ مَسَارٌ سَيَنْتَهِي بِأَعْظَمِ مَدِيحٍ يُوَجِّهُهُ يَسُوعُ إِلَيْهَا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28).
23 “فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَدَنَا تَلَامِيذُهُ يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: “اِصْرِفْهَا، فَإِنَّهَا تَتْبَعُنَا بِصِيَاحِهَا”
تُشِيرُ عِبَارَةُ “فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ” إِلَى صَمْتِ يَسُوعَ أَمَامَ صُرَاخِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ. وَلا يَنْبَغِي فَهْمُ هٰذَا الصَّمْتِ عَلَى أَنَّهُ رَفْضٌ نِهَائِيٌّ لَهَا، أَوْ غِيَابٌ لِلرَّحْمَةِ مِنْ قَلْبِ المَسِيحِ؛ فَسِيَاقُ الرِّوَايَةِ سَيُظْهِرُ أَنَّ الصَّمْتَ كَانَ مَرْحَلَةً فِي مَسِيرَةٍ تَنْتَهِي بِمَدْحِ إِيمَانِهَا وَاسْتِجَابَةِ طَلَبِهَا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28). وَيَكْشِفُ هٰذَا الصَّمْتُ، عَلَى المُسْتَوَى السَّرْدِيِّ وَاللَّاهُوتِيِّ، عَنْ امْتِحَانِ ثَبَاتِ إِيمَانِ المَرْأَةِ وَإِظْهَارِ مَا فِي قَلْبِهَا مِنْ ثِقَةٍ وَتَوَاضُعٍ وَمُثَابَرَةٍ. فَهِيَ لَمْ تَتَرَاجَعْ أَمَامَ الصَّمْتِ، وَلَمْ تَعُدْ إِلَى بَيْتِهَا يَائِسَةً، بَلْ وَاصَلَتِ الصُّرَاخَ وَالطَّلَبَ، لِأَنَّ أَلَمَ ابْنَتِهَا كَانَ أَقْوَى مِنْ كُلِّ عَائِقٍ، وَثِقَتَهَا بِرَحْمَةِ يَسُوعَ كَانَتْ أَعْمَقَ مِنْ تَأَخُّرِ الجَوَابِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا الصَّمْتِ بِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَصْمُتْ لِيَرْفُضَ المَرْأَةَ، بَلْ لِيُظْهِرَ لِلْحَاضِرِينَ قُوَّةَ إِيمَانِهَا وَثَبَاتَهَا. فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ مَا فِي قَلْبِهَا، أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فَضِيلَتَهَا ظَاهِرَةً أَمَامَ التَّلَامِيذِ، حَتَّى يَصِيرَ إِيمَانُهَا مَوْضِعَ إِعْجَابٍ وَتَعْلِيمٍ” (2، PG 58). وَفِي المَعْنَى نَفْسِهِ، يَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ تَأَخُّرَ الجَوَابِ لَمْ يَكُنْ إِهْمَالًا لِصَرَاخِ المَرْأَةِ، بَلْ تَدْبِيرًا يُنَمِّي رَغْبَتَهَا وَيُظْهِرُ تَوَاضُعَهَا. فَاللهُ قَدْ يُبْطِئُ أَحْيَانًا فِي إِظْهَارِ الجَوَابِ، لا لِيُهْمِلَ طَلَبَ الإِنْسَانِ، بَلْ لِيُعَمِّقَ فِيهِ الإِيمَانَ وَالاشْتِيَاقَ وَالثِّقَةَ (أوغسطينوس، عِظَةٌ عَلَى المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، العِظَة 77). وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ صَمْتَ اللهِ الظَّاهِرَ لَا يَعْنِي غِيَابَهُ. فَقَدْ يَكُونُ اللهُ عَامِلًا فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَبْدُو فِيهَا أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُ. وَهٰذَا مَا يَجْعَلُ هٰذِهِ الرِّوَايَةَ دَرْسًا فِي الصَّلَاةِ: فَالإِيمَانُ لَا يَثْبُتُ فَقَطْ حِينَ يَسْتَجِيبُ اللهُ سَرِيعًا، بَلْ يَظْهَرُ عُمْقُهُ خَاصَّةً حِينَ يَثْبُتُ الإِنْسَانُ فِي الطَّلَبِ وَالرَّجَاءِ أَمَامَ تَأَخُّرِ الجَوَابِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “فَدَنَا تَلَامِيذُهُ يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ” فَتُشِيرُ إِلَى تَدَخُّلِ التَّلَامِيذِ بَيْنَ المَرْأَةِ وَيَسُوعَ. وَلا يُحَدِّدُ النَّصُّ بِوُضُوحٍ دَافِعَهُمْ: فَقَدْ يَكُونُ تَدَخُّلُهُمْ نَاتِجًا مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهَا، أَوْ مِنَ الضَّجَرِ مِنْ إِلْحَاحِهَا، أَوْ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي تَجَنُّبِ لَفْتِ الأَنْظَارِ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ صِيَاحِهَا. وَمِنَ الأَرْجَحِ أَنَّ هٰذِهِ الدَّوَافِعَ كَانَتْ مُخْتَلِطَةً، فَالنَّصُّ لَا يَمْدَحُ مَوْقِفَهُمْ صَرَاحَةً وَلَا يَذُمُّهُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ ظُهُورَ التَّلَامِيذِ فِي المَشْهَدِ يُكْسِبُ الرِّوَايَةَ بُعْدًا كَنَسِيًّا لَافِتًا: فَهُمْ يَقِفُونَ بَيْنَ حَاجَةِ الإِنْسَانِ وَحُضُورِ المَسِيحِ. وَلٰكِنَّ الرِّوَايَةَ تُظْهِرُ أَيْضًا أَنَّ فَهْمَهُمْ لِرَحْمَةِ المَسِيحِ مَا زَالَ بِحَاجَةٍ إِلَى النُّمُوِّ. فَهُمْ يُرِيدُونَ حَلَّ المَشْكِلَةِ وَإِنْهَاءَ الصُّرَاخِ، فِي حِينِ أَنَّ يَسُوعَ يَقُودُهُمْ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلإِيمَانِ وَلِشُمُولِيَّةِ الخَلَاصِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “اِصْرِفْهَا” فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ بِالفِعْلِ ἀπόλυσον، الَّذِي يَعْنِي “اِصْرِفْهَا” أَوْ “أَطْلِقْهَا”. وَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي مَقْصُودِ التَّلَامِيذِ: هَلْ أَرَادُوا مِنْ يَسُوعَ أَنْ يَسْتَجِيبَ طَلَبَهَا ثُمَّ يَصْرِفَهَا، أَمْ أَرَادُوا فَقَطْ إِبْعَادَهَا عَنْهُمْ؟ وَيَمِيلُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهَا يَسُوعُ حَتَّى تَنْصَرِفَ، لأَنَّهُمْ يُعَلِّلُونَ طَلَبَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: “فَإِنَّهَا تَتْبَعُنَا بِصِيَاحِهَا”. وَيَنْبَغِي لِذٰلِكَ الحَذَرُ مِنْ تَصْوِيرِ التَّلَامِيذِ فِي هٰذَا المَوْضِعِ كَوُسَطَاءَ مَثَالِيِّينَ لِلأُمَمِ؛ فَنَصُّ مَتَّى يُرَكِّزُ أَكْثَرَ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنْ فَهْمِ مَا يَجْرِي كَامِلًا، وَعَلَى أَنَّ يَسُوعَ سَيَسْتَخْدِمُ هٰذَا اللِّقَاءَ لِتَعْلِيمِهِمْ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ تَدَخُّلَهُمْ يُمَهِّدُ لِمَا سَيَكُونُ لاحِقًا مِنْ دَوْرٍ رَسُولِيٍّ فِي نَقْلِ البِشَارَةِ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ (مَتَّى 28: 19).
أَمَّا عِبَارَةُ “فَإِنَّهَا تَتْبَعُنَا بِصِيَاحِهَا” فَتُبْرِزُ اسْتِمْرَارَ المَرْأَةِ فِي الطَّلَبِ. فَلَمْ يَكُنْ صِيَاحُهَا نِدَاءً عَابِرًا، بَلْ إِلْحَاحًا مُتَوَاصِلًا. وَيُظْهِرُ هٰذَا الإِلْحَاحُ أَنَّ إِيمَانَهَا لَمْ يَكُنْ شُعُورًا لَحْظِيًّا، بَلْ ثِقَةً مُثَابِرَةً تَرْفُضُ الاسْتِسْلَامَ لِلْعَوَائِقِ. وَيَجِدُ هٰذَا المَوْقِفُ صَدًى فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ المُثَابَرَةِ فِي الصَّلَاةِ. فَفِي مَثَلِ الصَّدِيقِ الَّذِي يَأْتِي لَيْلًا، يَقُولُ يَسُوعُ: “وَإِنْ لَمْ يَقُمْ وَيُعْطِهِ لِكَوْنِهِ صَدِيقَهُ، فَإِنَّهُ يَنْهَضُ لِلَجَاجَتِهِ، وَيُعْطِيهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ” (لُوقَا 11: 8). وَفِي مَثَلِ القَاضِي الظَّالِمِ وَالأَرْمَلَةِ المُثَابِرَةِ، يَقُولُ القَاضِي: “لأَنَّ هٰذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي، فَسَأُنْصِفُهَا لِئَلَّا تَظَلَّ تَأْتِي وَتَصْدَعَ رَأْسِي” (لُوقَا 18: 5). غَيْرَ أَنَّ المُقَارَنَةَ لا تَعْنِي أَنَّ اللهَ يُشْبِهُ القَاضِي الظَّالِمَ أَوِ الصَّدِيقَ المُتَرَدِّدَ، بَلْ هِيَ مُقَارَنَةٌ مِنَ الأَقَلِّ إِلَى الأَكْثَرِ: إِذَا كَانَ الإِلْحَاحُ يَنْجَحُ حَتَّى أَمَامَ إِنْسَانٍ مُتَرَدِّدٍ أَوْ ظَالِمٍ، فَكَمْ بِالأَحْرَى يَسْمَعُ اللهُ الصَّالِحُ صَرَاخَ أَوْلَادِهِ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ فِي الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ؟ وَهٰكَذَا تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ رُوحِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ: صَمْتُ المَسِيحِ الَّذِي يَمْتَحِنُ الإِيمَانَ، وَإِلْحَاحُ المَرْأَةِ الَّذِي يُظْهِرُ ثَبَاتَهَا، وَتَدَخُّلُ التَّلَامِيذِ الَّذِي يَكْشِفُ أَنَّهُمْ أَيْضًا مَدْعُوُّونَ إِلَى التَّعَلُّمِ. فَالمَرْأَةُ لَمْ تَدَعِ الصَّمْتَ يُحَوِّلُ صَلَاتَهَا إِلَى يَأْسٍ، بَلْ حَوَّلَتِ الصَّمْتَ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الثِّقَةِ وَالمُثَابَرَةِ. وَهٰذَا هُوَ أَحَدُ أَسْرَارِ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ: أَنْ يَبْقَى الإِنْسَانُ عَلَى بَابِ الرَّبِّ، حَتَّى حِينَ لا يَسْمَعُ الجَوَابَ فَوْرًا.
24 “فَأَجَابَ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ”.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” إِلَى أَوَّلِيَّةِ إِسْرَائِيلَ فِي رِسَالَةِ يَسُوعَ الأَرْضِيَّةِ وَفِي التَّرْتِيبِ التَّارِيخِيِّ لِتَدْبِيرِ الخَلَاصِ. فَلا يَعْنِي هٰذَا القَوْلُ أَنَّ المَسِيحَ يَرْفُضُ الأُمَمَ أَوْ يَحْصُرُ الخَلَاصَ فِي اليَهُودِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ الوَعْدَ الإِلَهِيَّ الَّذِي أُعْطِيَ لِلآبَاءِ يَبْدَأُ تَحَقُّقُهُ فِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ يَمْتَدُّ مِنْهُ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ. وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَفْهَمَ كَلِمَاتِ يَسُوعَ عَلَى أَنَّهَا “رَفْضٌ صَرِيحٌ” لِلْمَرْأَةِ، بَلْ عَلَى أَنَّهَا إِعْلَانٌ لِلتَّرْتِيبِ الخَلَاصِيِّ الَّذِي يَسِيرُ مِنْ إِسْرَائِيلَ إِلَى الأُمَمِ. وَسِيُبَيِّنُ خِتَامُ الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا أَنَّ هٰذَا التَّخْصِيصَ لَيْسَ إِقْصَاءً، لِأَنَّ يَسُوعَ سَيَمْدَحُ إِيمَانَ المَرْأَةِ وَيَسْتَجِيبُ طَلَبَهَا (مَتَّى 15: 28). وَتَتَّفِقُ هٰذِهِ الكَلِمَاتُ مَعَ التَّوْجِيهِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ أَعْطَاهُ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ فِي إِرْسَالِيَّتِهِمُ الأُولَى: “لا تَسْلُكُوا طَرِيقًا إِلَى الوَثَنِيِّينَ، وَلا تَدْخُلُوا مَدِينَةً لِلسَّامِرِيِّينَ، بَلِ اذْهَبُوا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 10: 5-6). فَالرِّسَالَةُ فِي مَرْحَلَتِهَا الأُولَى تَتَّجِهُ إِلَى الشَّعْبِ الَّذِي حَمَلَ الوَعْدَ وَالعَهْدَ وَالنَّامُوسَ وَالأَنْبِيَاءَ، وَمِنْهُ سَيَخْرُجُ المَسِيحُ “بِحَسَبِ الجَسَدِ” (راجع رُومَة 9: 4-5). وَهٰذَا أَيْضًا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا بِقَوْلِهِ عَنِ الكَلِمَةِ: “جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ، فَمَا قَبِلَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ” (يُوحَنَّا 1: 11). فَإِسْرَائِيلُ هُوَ الشَّعْبُ الَّذِي أُعْطِيَ الوَعْدُ، وَإِلَيْهِ يَأْتِي المَسِيحُ أَوَّلًا، لِكَيْ يُتَمِّمَ مَوَاعِيدَ اللهِ لِلآبَاءِ. وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه هٰذَا المَعْنَى بِأَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لا يَقْصِدُ حِرْمَانَ الأُمَمِ مِنَ الخَلَاصِ، بَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ أَوَّلًا إِلَى خَاصَّتِهِ، وَأَنَّ بَاكُورَةَ الإِيمَانِ كَانَ يُنْتَظَرُ أَنْ تَظْهَرَ فِي الشَّعْبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ المَسِيحُ بِحَسَبِ الجَسَدِ، عَلَى أَنْ تَبْلُغَ البِشَارَةُ الأُمَمَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْ خِلَالِ الرُّسُلِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ كَلِمَاتِ يَسُوعَ لَمْ تَكُنْ نِهَايَةَ الحِوَارِ، بَلْ إِنَّ المَسِيحَ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي شَفَى ابْنَةَ المَرْأَةِ فِي النِّهَايَةِ. وَيَرَى الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي ذٰلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ المُثَابَرَةَ وَالإِيمَانَ يَكْشِفَانِ سَعَةَ النِّعْمَةِ الإِلَهِيَّةِ” (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى). وَتَجِدُ أَوَّلِيَّةُ إِسْرَائِيلَ أُسُسَهَا فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ. فَاللهُ دَعَا إِبْرَاهِيمَ، لَا لِيَحْصُرَ البَرَكَةَ فِي نَسْلِهِ، بَلْ لِيَجْعَلَهُ وَسِيلَةَ بَرَكَةٍ لِلْعَالَمِ: “وَيَتَبَارَكُ بِكَ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ” (تَكْوِين 12: 3؛ راجع 22: 18). فَانْتِخَابُ إِسْرَائِيلَ لَيْسَ امْتِيَازًا مُنْغَلِقًا عَلَى ذَاتِهِ، بَلْ دَعْوَةٌ وَرِسَالَةٌ مِنْ أَجْلِ جَمِيعِ الأُمَمِ. وَهٰذَا مَا يَشْرَحُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ بِدِقَّةٍ: “إِنَّ المَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمًا لِلْخِتَانِ مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ، لِيُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ، وَأَمَّا الأُمَمُ فَلِيُمَجِّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ”(رُومَة 15: 8-9). وَهٰكَذَا يَجْمَعُ بُولُسُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: أَمَانَةِ اللهِ لِوَعْدِهِ لإِسْرَائِيلَ، وَرَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ لِلأُمَمِ. لِذٰلِكَ، لا يُوجَدُ تَعَارُضٌ بَيْنَ قَوْلِ يَسُوعَ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” وَبَيْنَ الإِعْلَانِ النَّبَوِيِّ: “لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ صَلاةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ” (إِشَعْيَاء 56: 7). فَالأَوَّلُ يُحَدِّدُ مَرْحَلَةَ الرِّسَالَةِ وَأَوَّلِيَّتَهَا التَّارِيخِيَّةَ، أَمَّا الثَّانِي فَيَكْشِفُ غَايَتَهَا الجَامِعَةَ. وَقَدْ أَظْهَرَ يَسُوعُ نَفْسُهُ هٰذِهِ الشُّمُولِيَّةَ قَبْلَ هٰذِهِ الحَادِثَةِ، عِنْدَمَا مَدَحَ إِيمَانَ قَائِدِ المِئَةِ الأُمَمِيِّ وَشَفَى غُلَامَهُ (مَتَّى 8: 5-13)، ثُمَّ أَعْلَنَ: “سَيَأْتِي كَثِيرُونَ مِنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ فَيَجْلِسُونَ عَلَى المَائِدَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 8: 11). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ خَلَاصَ الأُمَمِ لَيْسَ فِكْرَةً طَارِئَةً ظَهَرَتْ بَعْدَ رَفْضِ إِسْرَائِيلَ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ المَشْرُوعِ الإِلَهِيِّ مُنْذُ البِدَايَةِ. وَيُعْلِنُ يَسُوعُ المَبْدَأَ نَفْسَهُ فِي صُورَةِ الرَّاعِي، إِذْ يَقُولُ: “وَلِي خِرَافٌ أُخْرَى لَيْسَتْ مِنْ هٰذِهِ الحَظِيرَةِ، فَتِلْكَ أَيْضًا لا بُدَّ لِي أَنْ أَقُودَهَا، وَسَتُصْغِي إِلَى صَوْتِي، فَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ” (يُوحَنَّا 10: 16). وَتَصِلُ هٰذِهِ الحَرَكَةُ الخَلَاصِيَّةُ إِلَى ذِرْوَتِهَا بَعْدَ القِيَامَةِ، حِينَ يُزِيلُ المَسِيحُ القَائِمُ كُلَّ حَدٍّ جُغْرَافِيٍّ وَقَوْمِيٍّ أَمَامَ الرِّسَالَةِ، فَيَأْمُرُ الرُّسُلَ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19). وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ المَسَارُ المَتَّاوِيُّ بِوُضُوحٍ: إِسْرَائِيلُ أَوَّلًا ثُمَّ جَمِيعُ الأُمَمِ. وَلَيْسَ هٰذَا انْتِقَالًا مِنْ خُطَّةٍ فَاشِلَةٍ إِلَى خُطَّةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ هُوَ تَكَشُّفٌ تَدْرِيجِيٌّ لِخُطَّةِ اللهِ الوَاحِدَةِ: يَأْتِي الخَلَاصُ مِنْ إِسْرَائِيلَ، وَبِوَاسِطَةِ مَسِيحِ إِسْرَائِيلَ يَصِلُ إِلَى العَالَمِ أَجْمَعَ.
أَمَّا عِبَارَةُ “الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” فَتَسْتَعِيدُ صُورَةً نَبَوِيَّةً عَرِيقَةً فِي العَهْدِ القَدِيمِ، حَيْثُ يُصَوَّرُ إِسْرَائِيلُ قَطِيعًا ضَلَّ بِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ وَبِسَبَبِ تَقْصِيرِ رُعَاتِهِ. فَيَقُولُ حِزْقِيَالُ: “ضَلَّتْ غَنَمِي فِي جَمِيعِ الجِبَالِ وَعَلَى كُلِّ تَلٍّ عَالٍ” (حِزْقِيَال 34: 6)، ثُمَّ يَعِدُ اللهُ: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأَنَا أُرْبِضُهَا […] وَأَطْلُبُ الضَّالَّ” (حِزْقِيَال 34: 15-16). وَلِذٰلِكَ فَصُورَةُ “الخِرَافِ الضَّالَّةِ” لا تَعْنِي بِالضَّرُورةَ فِئَةً صَغِيرَةً مِنَ الخَاطِئِينَ دَاخِلَ إِسْرَائِيلَ فَقَطْ، بَلْ يَرْجَحُ أَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى إِسْرَائِيلَ فِي حَاجَتِهِ إِلَى الرَّاعِي المَسِيحَانِيِّ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ مَتَّى 9: 36، حَيْثُ أَشْفَقَ يَسُوعُ عَلَى الجُمُوعِ “لأَنَّهُمْ كَانُوا مُنْهَكِينَ مُلْقَيْنَ كَغَنَمٍ لا رَاعِيَ لَهَا”. وَتَرْتَبِطُ هٰذِهِ الصُّورَةُ أَيْضًا بِمَثَلِ الخَرُوفِ الضَّالِّ: “إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مِائَةُ خَرُوفٍ فَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلا يَدَعُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الجِبَالِ، وَيَمْضِي فِي طَلَبِ الضَّالِّ؟” (مَتَّى 18: 12). فَالمَسِيحُ هُوَ الرَّاعِي الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الضَّالِّ وَيَرُدُّهُ إِلَى حَظِيرَةِ اللهِ. وَهُنَا تَظْهَرُ المُفَارَقَةُ الرَّائِعَةُ فِي رِوَايَةِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: يَسُوعُ يُعْلِنُ أَنَّ رِسَالَتَهُ تَبْدَأُ بِخِرَافِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَقِفُ أَمَامَهُ امْرَأَةٌ مِنَ الأُمَمِ تُظْهِرُ إِيمَانًا سَيُعْلِنُهُ هُوَ نَفْسُهُ “عَظِيمًا”. وَهٰكَذَا تَصِيرُ هٰذِهِ المَرْأَةُ عَلامَةً اسْتِبَاقِيَّةً لِمَا سَيَحْدُثُ بَعْدَ القِيَامَةِ، حِينَ يَخْرُجُ الإِنْجِيلُ مِنْ إِسْرَائِيلَ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ. وَلِهٰذَا لا يُفَضَّلُ القَوْلُ إِنَّ المَرْأَةَ الكَنْعَانِيَّةَ “عَجَّلَتْ بِفَتْحِ بَابِ الخَلَاصِ لِلْوَثَنِيِّينَ”، كَأَنَّ خَلَاصَ الأُمَمِ لَمْ يَكُنْ فِي قَصْدِ اللهِ مِنْ قَبْلُ. وَالأَدَقُّ لَاهُوتِيًّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ إِيمَانَهَا أَظْهَرَ، قَبْلَ الأَوَانِ الكَامِلِ لِلرِّسَالَةِ إِلَى الأُمَمِ، أَنَّ رَحْمَةَ المَسِيحِ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ الأُمَمَ مَدْعُوُّونَ هُمْ أَيْضًا إِلَى مَائِدَةِ الخَلَاصِ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ مِثَالًا لِلأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا خَارِجَ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ دَخَلُوا إِلَى الخَلَاصِ عَنْ طَرِيقِ الإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ. فَهِيَ، فِي قِرَاءَتِهِ، تُظْهِرُ الطَّرِيقَ مِنَ التَّوَاضُعِ إِلَى الرِّفْعَةِ، وَمِنَ البُعْدِ إِلَى الشَّرِكَةِ” (أوغسطينوس، العِظَةُ 27 عَلَى العَهْدِ الجَدِيد، في المرأة الكنعانية). وَهٰكَذَا تُلَخِّصُ الآيَةُ مَبْدَأً جَوْهَرِيًّا فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ: إِسْرَائِيلُ هُوَ نُقْطَةُ البِدَايَةِ، وَلٰكِنَّ العَالَمَ كُلَّهُ هُوَ أُفُقُ الخَلَاصِ. فَالمَسِيحُ، ابْنُ دَاوُدَ، يُتَمِّمُ مَوَاعِيدَ اللهِ لِشَعْبِهِ، وَهُوَ فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ المُخَلِّصُ الَّذِي فِيهِ “تَتَبَارَكُ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ” (تَكْوِين 12: 3).
- “وَلٰكِنَّهَا جَاءَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ وَقَالَتْ: “أَغِثْنِي، يَا رَبُّ”.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “جَاءَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ” إِلَى تَقَدُّمِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ خُطْوَةً أُخْرَى فِي مَسِيرَةِ إِيمَانِهَا. فَبَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَصْرُخُ مِنْ بَعِيدٍ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ، يَا ابْنَ دَاوُدَ” (مَتَّى 15: 22)، تَقْتَرِبُ الآنَ مِنْ يَسُوعَ وَتَسْجُدُ لَهُ. وَيُضِيفُ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ أَنَّ يَسُوعَ دَخَلَ بَيْتًا فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، فَسَمِعَتِ المَرْأَةُ بِهِ وَجَاءَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ (مَرْقُس 7: 24-25). وَبِذٰلِكَ يَتَحَوَّلُ صُرَاخُهَا مِنْ نِدَاءٍ عَن بُعْدٍ إِلَى لِقَاءٍ شَخْصِيٍّ وَسُجُودٍ أَمَامَ المَسِيحِ.
وَيَرِدُ الفِعْلُ فَسَجَدَتْ اليُونَانِيُّ προσεκύνει مِنَ الفِعْلِ προσκυνέω، وَهُوَ يَعْنِي السُّجُودَ أَوِ الانْحِنَاءَ أَمَامَ شَخْصٍ تَعْظِيمًا لَهُ. وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى يَأْخُذُ هٰذَا الفِعْلُ أَهَمِّيَّةً لَاهُوتِيَّةً خَاصَّةً، إذ يُسْتَعْمَلُ مَرَّاتٍ عِدَّةً فِي مَشَاهِدَ يَتَجَلَّى فِيهَا الإِيمَانُ بِيَسُوعَ وَسُلْطَانِهِ، كَسُجُودِ رَئِيسِ المَجْمَعِ أَمَامَهُ (مَتَّى 9: 18)، وَسُجُودِ التَّلَامِيذِ لَهُ بَعْدَ هُدُوءِ العَاصِفَةِ قَائِلِينَ: “أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا” (مَتَّى 14: 33)، وَسُجُودِ التَّلَامِيذِ لِلْمَسِيحِ القَائِمِ (مَتَّى 28: 17). وَلِذٰلِكَ، فَسُجُودُ المَرْأَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ لِطَلَبِ مُسَاعَدَةٍ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ تَعَمُّقِ اعْتِرَافِهَا بِسُلْطَانِ يَسُوعَ وَثِقَتِهَا بِهِ. فَهِيَ لا تَتَرَاجَعُ بَعْدَ صَمْتِهِ، وَلا بَعْدَ إِعْلَانِهِ أَوَّلِيَّةَ “الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 15: 24)، بَلْ تَقْتَرِبُ أَكْثَرَ وَتَسْجُدُ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي هٰذِهِ الحَرَكَةِ دَلِيلًا عَلَى عَظَمَةِ تَوَاضُعِ المَرْأَةِ وَثَبَاتِهَا؛ فَهِيَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَتْ كَلِمَاتٍ كَانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَدْفَعَهَا إِلَى الانْسِحَابِ، لَمْ تَغْضَبْ وَلَمْ تَحْتَجَّ، بَلْ اقْتَرَبَتْ أَكْثَرَ وَطَلَبَتِ المَعُونَةَ. وَهٰذَا، فِي قِرَاءَتِهِ، هُوَ مَا يَكْشِفُ قُوَّةَ إِيمَانِهَا وَعُمْقَ تَوَاضُعِهَا “(يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 2-3). وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذِهِ الحَرَكَةِ صَدًى لِلْمَزْمُورِ: “اِسْمَعِي يَا ابْنَةُ وَانْظُرِي وَأَمِيلِي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ، فَيَصْبُوَ المَلِكُ إِلَى حُسْنِكِ، إِنَّهُ سَيِّدُكِ فَلَهُ اسْجُدِي” (مَزْمُور 45: 11-12). غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الرَّبْطَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ كَقِرَاءَةٍ رُوحِيَّةٍ لا كَنُبُوءَةٍ مُبَاشَرَةٍ عَنِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “يَا رَبُّ” فَيَرِدُ أَصْلُهَا اليُونَانِيُّ Κύριε، وَهُوَ نِدَاءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِي “يَا سَيِّد” أَوْ “يَا رَبّ”. وَفِي سِيَاقِ مَتَّى، تَكْتَسِبُ الكَلِمَةُ مَعَ تَطَوُّرِ الرِّوَايَةِ مَعْنًى أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الاحْتِرَامِ؛ فَالْمَرْأَةُ تَدْعُو يَسُوعَ “رَبًّا” وَتَسْجُدُ لَهُ وَتَطْلُبُ مِنْهُ مَا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الشَّرِّ وَالمَرَضِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَكادِيمِيًّا أَلَّا نَجْزِمَ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا Κύριε يَعْنِي أَنَّهَا قَدْ وَصَلَتْ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ إِلَى اعْتِرَافٍ لَاهُوتِيٍّ كَامِلٍ بِأُلُوهِيَّةِ المَسِيحِ؛ بَلْ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ اللَّقَبَ، مَعَ السُّجُودِ وَالإِيمَانِ الَّذِي سَيَمْدَحُهُ يَسُوعُ، يُظْهِرُ اعْتِرَافًا مُتَنَامِيًا بِسُلْطَانِهِ وَبِهُوِيَّتِهِ الخَلَاصِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!“ فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: Κύριε, βοήθει μοι، وَمَعْنَاهَا”يَا رَبُّ، أَعِنِّي” أَوْ “هَبْ لِي النَّجْدَةَ”. وَهِيَ صَلَاةٌ قَصِيرَةٌ جِدًّا، لٰكِنَّهَا مُكَثَّفَةٌ بِالإِيمَانِ وَالأَلَمِ وَالرَّجَاءِ. فَبَعْدَ أَنْ قَالَتْ أَوَّلًا: “إِنَّ ابْنَتِي يَتَخَبَّطُهَا الشَّيْطَانُ تَخَبُّطًا شَدِيدًا” (مَتَّى 15: 22)، تَقُولُ الآنَ: “أَغِثْنِي”. فَأَلَمُ ابْنَتِهَا أَصْبَحَ أَلَمَهَا هِيَ، وَمُعَانَاةُ الابْنَةِ صَارَتْ مُعَانَاةَ الأُمِّ. وَمِنْ هُنَا تَتَحَوَّلُ صَلاتُهَا إِلَى صَلاةِ شَفَاعَةٍ: فَهِيَ تَحْمِلُ ابْنَتَهَا فِي قَلْبِهَا وَتَطْلُبُ لَهَا الخَلَاصَ كَأَنَّهَا تَطْلُبُهُ لِنَفْسِهَا. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلَى هٰذَا البُعْدِ عِنْدَمَا يُلَاحِظُ أَنَّ المَرْأَةَ لا تَقُولُ: “أَغِثْ ابْنَتِي”، بَلْ: “أَغِثْنِي”، لِأَنَّ الأُمَّ تَحْمِلُ فِي نَفْسِهَا مَرَضَ ابْنَتِهَا وَأَلَمَهَا. وَهٰذَا يُظْهِرُ قُوَّةَ المَحَبَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ مُعَانَاةَ الآخَرِ مُعَانَاةً شَخْصِيَّةً. وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الصَّلاةُ القَصِيرَةُ بِصَرَخَاتِ المَزَامِيرِ: “اِسْتَمِعْ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعِي حِينَ أَصْرُخُ إِلَيْكَ، حِينَ أَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى مِحْرَابِ قُدْسِكَ” (مَزْمُور 28: 2). وَهِيَ أَيْضًا قَرِيبَةٌ مِنْ صَلاتِ بُطْرُسَ القَصِيرَةِ عِنْدَمَا بَدَأَ يَغْرَقُ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (مَتَّى 14: 30). فَفِي كِلْتَا الحَالَتَيْنِ لا تَحْتَاجُ الصَّلاةُ إِلَى كَثْرَةِ الكَلَامِ؛ إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى قَلْبٍ يَعْرِفُ إِلَى مَنْ يَلْجَأُ. وَيُمْكِنُ، رُوحِيًّا، أَنْ نَرَى فِي هٰذِهِ الصَّلاةِ نَمُوذَجًا لِمَا تُسَمِّيهِ التَّقَالِيدُ الرُّوحِيَّةُ الصَّلاةَ السَّهْمِيَّةَ: كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ، لٰكِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ عُمْقِ القَلْبِ: “يَا رَبُّ، أَعِنِّي”. وَفِي اللَّحَظَاتِ الَّتِي تَعْجِزُ فِيهَا الكَلِمَاتُ، يَكْفِي أَحْيَانًا أَنْ يَقُولَ المُؤْمِنُ: “أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!”. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي إِلْحَاحِ هٰذِهِ المَرْأَةِ وَتَوَاضُعِهَا طَرِيقًا يُقَوِّي اللهُ مِنْ خِلَالِهِ الرَّغْبَةَ وَالإِيمَانَ. فَالمَرْأَةُ لَمْ تَعُدْ تَعْتَمِدُ عَلَى انْتِمَاءٍ أَوْ حَقٍّ تُطَالِبُ بِهِ، بَلْ عَلَى رَحْمَةِ الرَّبِّ وَحْدَهَا”(أوغسطينوس، عِظَةٌ عَلَى المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، العِظَة 77). وَهُنَا يَبْلُغُ إِيمَانُ المَرْأَةِ دَرَجَةً جَدِيدَةً: فَبَعْدَ الصُّرَاخِ تَأْتِي القُرْبَى، وَبَعْدَ النِّدَاءِ يَأْتِي السُّجُودُ، وَبَعْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ تَأْتِي الصَّلاةُ الأَكْثَرُ اخْتِصَارًا وَعُمْقًا: “أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!”. وَيَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يُمَهِّدُ لِلآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ: مَاذَا يَنْقُصُ هٰذِهِ المَرْأَةَ، بَعْدَ كُلِّ هٰذَا الإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ وَالسُّجُودِ، لِتَجْلِسَ هِيَ أَيْضًا إِلَى مَائِدَةِ الأَبْنَاءِ؟ وَسَيَكْشِفُ جَوَابُهَا عَنْ أَنَّها لا تُطَالِبُ بِانْتِزَاعِ مَكَانِ الأَبْنَاءِ، بَلْ تَثِقُ أَنَّ فَيْضَ رَحْمَةِ اللهِ يَكْفِي الأَبْنَاءَ وَيَصِلُ أَيْضًا إِلَى مَنْ هُمْ خَارِجُ المَائِدَةِ.
- “فَأَجَابَهَا: “لَا يَحْسُنُ أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ فَيُلْقَى إِلَى صِغَارِ الكِلَاب”.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “لَا يَحْسُنُ أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ فَيُلْقَى إِلَى صِغَارِ الكِلَابِ” إِلَى صُورَةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنَ الحَيَاةِ البَيْتِيَّةِ: هُنَاكَ مَائِدَةٌ، وَأَبْنَاءٌ يَأْكُلُونَ عَلَيْهَا، وَصِغَارُ كِلَابٍ فِي البَيْتِ تَنْتَظِرُ مَا يَسْقُطُ مِنَ المَائِدَةِ. وَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ هٰذِهِ الصُّورَةَ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ السَّابِقِ عَنْ أَوَّلِيَّةِ “الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 15: 24)، فَيُبَيِّنُ أَنَّ تَدْبِيرَ الخَلَاصِ يَجْعَلُ إِسْرَائِيلَ أَوَّلًا فِي تَلَقِّي مَوَاعِيدِ اللهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْنِيَ ذٰلِكَ إِقْصَاءَ الأُمَمِ نِهَائِيًّا.
أَمَّا عِبَارَةُ “لَا يَحْسُنُ” فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ οὐκ ἔστιν καλόν، أَيْ: “لَيْسَ حَسَنًا” أَوْ “لَيْسَ لَائِقًا”. وَالمَقْصُودُ لَيْسَ حُكْمًا أَخْلَاقِيًّا عَلَى الأُمَمِ، بَلْ الإِشَارَةُ إِلَى تَرْتِيبِ المَائِدَةِ: فَخُبْزُ الأَبْنَاءِ يُقَدَّمُ لَهُمْ أَوَّلًا. وَبِهٰذَا تُكْمِلُ الآيَةُ المَعْنَى الَّذِي سَبَقَ أَنْ أَعْلَنَهُ يَسُوعُ: إِنَّ رِسَالَتَهُ الأَرْضِيَّةَ تَبْدَأُ بِإِسْرَائِيلَ، عَلَى أَنْ يَصِلَ الخَلَاصُ، فِي اكْتِمَالِ التَّدْبِيرِ، إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ.
أَمَّا “خُبْزُ البَنِينَ” فَيَرْمُزُ، فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ، إِلَى عَطَايَا المَلَكُوتِ الَّتِي قُدِّمَتْ أَوَّلًا لِإِسْرَائِيلَ: البِشَارَةِ، وَالشِّفَاءِ، وَالتَّحْرِيرِ، وَحُضُورِ المَسِيحِ وَأَعْمَالِهِ الخَلَاصِيَّةِ. فَإِسْرَائِيلُ هُوَ شَعْبُ العَهْدِ وَالمَوَاعِيدِ، وَمِنْهُ جَاءَ المَسِيحُ بِحَسَبِ الجَسَدِ (راجع رُومَة 9: 4-5). وَمِنْ ثَمَّ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنْ تُحْرَمَ الأُمَمُ مِنَ الخُبْزِ، بَلْ أَنْ يُحْتَرَمَ التَّرْتِيبُ التَّارِيخِيُّ لِلتَّدْبِيرِ: إِسْرَائِيلُ أَوَّلًا، ثُمَّ الأُمَمُ.
وَيُمْكِنُ، فِي قِرَاءَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ أَوْسَعَ، أَنْ يُرَى فِي “الخُبْزِ” صَدًى لِشَخْصِ المَسِيحِ نَفْسِهِ، الَّذِي سَيُعْلِنُ: “أَنَا خُبْزُ الحَيَاةِ” (يُوحَنَّا 6: 35). غَيْرَ أَنَّ هٰذَا المَعْنَى لَيْسَ التَّفْسِيرَ الحَرْفِيَّ الأَوَّلَ لِمَتَّى 15: 26، بَلْ هُوَ قِرَاءَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ تُرْبَطُ بِمَجْمَلِ الإِعْلَانِ الإِنْجِيلِيِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ “البَنِينَ” فَتُشِيرُ، فِي المَثَلِ، إِلَى إِسْرَائِيلَ، أَيْ إِلَى الشَّعْبِ الَّذِي أُعْطِيَتْ لَهُ المَوَاعِيدُ وَالنَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ، وَمِنْ وَسَطِهِ ظَهَرَ المَسِيحُ. وَلا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ إِسْرَائِيلَ يَتَمَتَّعُ آليًّا بِالمَلَكُوتِ؛ فَقَدْ حَذَّرَ يَسُوعُ نَفْسُهُ مِنْ أَنَّ “بَنِي المَلَكُوتِ” قَدْ يُحْرَمُونَ مِنَ المَائِدَةِ إِذَا رَفَضُوا الإِيمَانَ، فِي حِينِ أَنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَيَجْلِسُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (مَتَّى 8: 11-12).
أَمَّا التَّعْبِيرُ “صِغَارِ الكِلَابِ” فَيَسْتَعْمِلُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ لَفْظَةَ κυνάρια، وَهِيَ تَصْغِيرٌ لِكَلِمَةِ “كَلْب”، وَتُشِيرُ فِي صُورَةِ المَثَلِ إِلَى كِلَابِ البَيْتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَبْقَى قُرْبَ المَائِدَةِ. وَهٰذَا مُهِمٌّ فِي فَهْمِ المَشْهَدِ؛ فَالصُّورَةُ لَيْسَتْ صُورَةَ كِلَابِ الشَّوَارِعِ الضَّالَّةِ، بَلْ صُورَةُ حَيَوَانَاتٍ مَوْجُودَةٍ دَاخِلَ البَيْتِ، وَإِنْ كَانَ مَوْقِعُهَا مُخْتَلِفًا عَنْ مَوْقِعِ الأَبْنَاءِ. وَمِنَ الضَّرُورِيِّ هُنَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ هٰذِهِ الصُّورَةِ وَبَيْنَ مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ تُسْتَعْمَلُ فِيهَا كَلِمَةُ “الكِلَاب” عَلَى سَبِيلِ الازْدِرَاءِ أَوِ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّجَاسَةِ، كَقَوْلِ يَسُوعَ: “لَا تُعْطُوا الكِلَابَ مَا هُوَ مُقَدَّسٌ” (مَتَّى 7: 6). فَفِي مَتَّى 15 تَخْتَلِفُ الصُّورَةُ وَالسِّيَاقُ: الأَبْنَاءُ وَصِغَارُ الكِلَابِ مَوْجُودُونَ فِي مَشْهَدٍ بَيْتِيٍّ وَاحِدٍ، وَالسُّؤَالُ يَدُورُ حَوْلَ تَرْتِيبِ الطَّعَامِ، لا حَوْلَ إِهَانَةِ شَخْصٍ أَوْ نَزْعِ كَرَامَتِهِ. وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ غَيْرِ الدَّقِيقِ لَاهُوتِيًّا أَنْ نَقُولَ إِنَّ يَسُوعَ “شَتَمَ” المَرْأَةَ أَوْ تَبَنَّى نَظْرَةً عُنْصُرِيَّةً إِلَى الأُمَمِ. فَسِيَاقُ الرِّوَايَةِ نَفْسِهِ يَنْتَهِي بِمَدْحِ المَرْأَةِ أَمَامَ التَّلَامِيذِ: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28). وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ هٰذِهِ الكَلِمَاتِ لإِذْلَالِهَا، بَلْ لِإِخْرَاجِ مَا فِي دَاخِلِهَا مِنْ إِيمَانٍ وَتَوَاضُعٍ وَثَبَاتٍ إِلَى النُّور؛ فَيَقُولُ إِنَّ كَلِمَاتِهِ لَمْ تُقَلْ “لِلإِهَانَةِ”، بَلْ لِكَيْ يَكْشِفَ الكَنْزَ المَخْفِيَّ فِيهَا” (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 3). وَيُضِيفُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَعْلَمُ مُنْذُ البِدَايَةِ مَا سَتَقُولُهُ المَرْأَةُ، وَأَنَّهُ أَخَّرَ العَطِيَّةَ لِكَيْ يُظْهِرَ قُوَّةَ إِيمَانِهَا. وَيُشَبِّهُ ذٰلِكَ بِمَوَاقِفَ أُخْرَى أَظْهَرَ فِيهَا يَسُوعُ إِيمَانَ شَخْصٍ أَمَامَ الجَمِيعِ، كَقَائِدِ المِئَةِ. وَيَخْلُصُ إِلَى أَنَّ تَأَخُّرَ الاسْتِجَابَةِ كَانَ لِإِظْهَارِ فَضِيلَتِهَا، لا لِحِرْمَانِهَا مِنَ النِّعْمَةِ. وَهٰذَا المَعْنَى يَظْهَرُ أَيْضًا عِنْدَ القِدِّيسِ أوغسطينوس، الَّذِي يَقْرَأُ المَشْهَدَ كَدَرْسٍ فِي التَّوَاضُعِ وَفِي انْتِقَالِ الأُمَمِ مِنَ البُعْدِ إِلَى شَرِكَةِ الخَلَاصِ. فَهُوَ يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ لَمْ تَنْسَحِبْ عِنْدَمَا سَمِعَتِ الكَلِمَةَ، بَلْ حَوَّلَتْهَا إِلَى حُجَّةٍ لِلرَّجَاءِ وَوَاصَلَتِ الطَّلَبَ، فَأَظْهَرَتْ تَوَاضُعًا قَادَهَا إِلَى نَيْلِ الرَّحْمَةِ.
وَيَقُولُ أوغسطينوس، فِي قِرَاءَتِهِ الرَّمْزِيَّةِ، إِنَّ هٰذِهِ المَرْأَةَ تُقَدِّمُ نَمُوذَجًا لِلأُمَمِ: فَهِيَ كَانَتْ مِنْ خَارِجِ إِسْرَائِيلَ، وَلٰكِنَّهَا بِالإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ دَخَلَتْ إِلَى نِعْمَةِ الخَلَاصِ. وَيَرَى أَنَّ كِبْرِيَاءَ مَنْ يَفْتَخِرُ بِالانْتِمَاءِ مِنْ دُونِ إِيمَانٍ قَدْ يَحْرِمُهُ مِنَ النِّعْمَةِ، فِي حِينِ أَنَّ تَوَاضُعَ مَنْ كَانَ بَعِيدًا يَفْتَحُهُ عَلَى عَطِيَّةِ اللهِ. وَهُنَا تَظْهَرُ قُوَّةُ المَثَلِ: المَرْأَةُ لَا تَرْفُضُ أَوَّلِيَّةَ البَنِينَ، بَلْ سَتُحَوِّلُهَا فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ إِلَى حُجَّةٍ لِنَيْلِ الرَّحْمَةِ. فَهِيَ لا تَطْلُبُ أَنْ يُحْرَمَ البَنُونَ مِنْ خُبْزِهِمْ، وَلا أَنْ تَحُلَّ مَحَلَّهُمْ، بَلْ تُدْرِكُ أَنَّ فَيْضَ المَائِدَةِ كَبِيرٌ إِلَى حَدٍّ يَجْعَلُ حَتَّى الفُتَاتَ السَّاقِطَ مِنْهَا كَافِيًا لِخَلَاصِهَا.
وَلِذٰلِكَ يُعَلِّقُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ عَلَى ذَكَاءِ جَوَابِهَا: فَهِيَ تَأْخُذُ كَلِمَاتِ يَسُوعَ نَفْسَهَا وَتَبْنِي مِنْهَا حُجَّتَهَا. فَإِنْ كَانَتْ صِغَارُ الكِلَابِ تَنْتَمِي إِلَى مَشْهَدِ المَائِدَةِ، فَإِنَّهَا لا تَبْقَى غَرِيبَةً تَمَامًا عَنِ البَيْتِ؛ وَإِنْ كَانَ الخُبْزُ لِلأَبْنَاءِ، فَإِنَّ الفُتَاتَ لا يُحْرَمُ مِنْهُ مَنْ هُوَ تَحْتَ المَائِدَةِ. وَمِنْ هُنَا، فَلَا يُفَضَّلُ رَبْطُ هٰذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِ بُولُسَ: “لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلَّا بَشَرِيَّةٌ…” (1 قُورِنْثُس 10: 13) عَلَى أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَعْرِفُ “مِقْدَارَ تَحَمُّلِهَا” فَيَخْتَبِرُهَا بِمَا لا يَفُوقُ طَاقَتَهَا؛ فَهٰذَا الرَّبْطُ رُوحِيٌّ مُمْكِنٌ، لٰكِنَّهُ لَيْسَ التَّفْسِيرَ المُبَاشِرَ لِلنَّصِّ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ سِيَاقَ الرِّوَايَةِ وَالتَّفْسِيرَ الآبَائِيَّ يَرَيَانِ فِي تَأَخُّرِ الاسْتِجَابَةِ كَشْفًا عَنِ الإِيمَانِ الكَامِنِ فِي المَرْأَةِ وَإِعْلَانًا لَهُ أَمَامَ التَّلَامِيذِ. كَذٰلِكَ، لا يَنْبَغِي القَوْلُ إِنَّ “سَاعَةَ الرَّحْمَةِ لِلأُمَمِ لَمْ تَأْتِ بَعْدُ” بِمَعْنًى مُطْلَقٍ؛ فَإِنَّ يَسُوعَ كَانَ قَدْ مَدَحَ إِيمَانَ قَائِدِ المِئَةِ الأُمَمِيِّ (مَتَّى 8: 5-13)، وَالنَّصُّ الحَالِيُّ نَفْسُهُ سَيَنْتَهِي بِشِفَاءِ ابْنَةِ امْرَأَةٍ أُمَمِيَّةٍ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الرِّسَالَةَ العَلَنِيَّةَ الشَّامِلَةَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ سَتَبْلُغُ اكْتِمَالَهَا بَعْدَ القِيَامَةِ، أَمَّا فِي خِدْمَةِ يَسُوعَ الأَرْضِيَّةِ فَتَظْهَرُ مُنْذُ الآنَ عَلَامَاتٌ اسْتِبَاقِيَّةٌ لِهٰذَا الانْفِتَاحِ. وَيُسَاعِدُ هٰذَا الفَهْمُ عَلَى تَجَنُّبِ تَفْسِيرِ النَّصِّ كَصِرَاعٍ بَيْنَ “يَهُودٍ أَفْضَلَ” وَ”أُمَمٍ أَدْنَى”، لأَنَّ القَضِيَّةَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى لَيْسَتْ تَفَاضُلَ أَعْرَاقٍ، بَلْ تَرْتِيبَ تَارِيخِ الخَلَاصِ وَجَوَابَ الإِنْسَانِ بِالإِيمَانِ. وَسَيَكْشِفُ يَسُوعُ فِي الآيَةِ 28 أَنَّ المِعْيَارَ الحَاسِمَ لَيْسَ الأَصْلَ القَوْمِيَّ، بَلِ الإِيمَانَ: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” وَهٰكَذَا يُمْكِنُ تَلْخِيصُ الآيَةِ بِالقَوْلِ: إِنَّ خُبْزَ الخَلَاصِ قُدِّمَ أَوَّلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلكِنَّ مَائِدَةَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي شَعْبٍ وَاحِدٍ. وَالمرأةُ الكنعانيَّةُ، بِإِيمَانِهَا وَتَوَاضُعِهَا، سَتَكْشِفُ أَنَّ مَا يَفِيضُ مِنْ رَحْمَةِ المَسِيحِ يَكْفِي لِكُلِّ مَنْ يَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ بِالإِيمَانِ.
27 “فَقَالَتْ: “نَعَمْ، يَا رَبُّ! فَصِغَارُ الكِلَابِ نَفْسُهَا تَأْكُلُ مِنَ الفُتَاتِ الَّذِي يَتَسَاقَطُ عَنْ مَوَائِدِ أَصْحَابِهَا”.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “نَعَمْ، يَا رَبُّ!“ إِلَى تَوَاضُعِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ وَحُسْنِ جَوَابِهَا، فَهِيَ لَا تُجَادِلُ يَسُوعَ وَلَا تَرْفُضُ التَّرْتِيبَ الَّذِي أَعْلَنَهُ، بَلْ تَبْدَأُ جَوَابَهَا بِالمُوَافَقَةِ: “نَعَمْ”، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى كَلِمَاتِهِ نَفْسِهَا حُجَّةً لِلرَّجَاءِ. وَبِذٰلِكَ تَكْشِفُ عَنْ إِيمَانٍ لا يُصَادِمُ تَدْبِيرَ اللهِ، بَلْ يَثِقُ بِأَنَّ رَحْمَتَهُ أَوْسَعُ مِنَ الحُدُودِ الظَّاهِرَةِ.
وَتُكَرِّرُ المَرْأَةُ نِدَاءَ “يَا رَبُّ” لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي الرِّوَايَةِ (راجع مَتَّى 15: 22، 25، 27). وَمِنَ المُمْكِنِ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا التَّكْرَارِ تَصَاعُدًا فِي ثِقَتِهَا بِشَخْصِ يَسُوعَ وَسُلْطَانِهِ، وَلٰكِنْ مِنَ الأَدَقِّ أَكادِيمِيًّا أَلَّا نَجْعَلَ مُجَرَّدَ التَّكْرَارِ دَلِيلًا عَلَى اكْتِمَالِ اعْتِرَافٍ عَقَائِدِيٍّ بِأُلُوهِيَّتِهِ؛ بَلْ نَقُولُ إِنَّ السِّيَاقَ كُلَّهُ يَكْشِفُ إِيمَانًا مُتَنَامِيًا بِسُلْطَانِ المَسِيحِ وَرَحْمَتِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “صِغَارُ الكِلَابِ” فَيَرِدُ أَصْلُهَا اليُونَانِيُّ τὰ κυνάρια، وَهِيَ تَعْنِي الكِلَابَ الصَّغِيرَةَ المَنْزِلِيَّةَ، لا كِلَابَ الشَّوَارِعِ الشَّارِدَةَ. وَمِنْ ثَمَّ، فَلَا يَصِحُّ مُسَاوَاةُ هٰذَا التَّعْبِيرِ مُبَاشَرَةً بِاسْتِعْمَالِ بُولُسَ لِكَلِمَةِ “الكِلَاب” فِي قَوْلِهِ: “اِحْذَرُوا الكِلَابَ” (فِيلِبِّي 3: 2)، لِأَنَّ السِّيَاقَ وَالمَفْرَدَةَ وَالوَظِيفَةَ البَلَاغِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ. فِي مَتَّى 15، الصُّورَةُ بَيْتِيَّةٌ، وَالكِلَابُ قَرِيبَةٌ مِنَ المَائِدَةِ وَتَأْكُلُ مِمَّا يَسْقُطُ مِنْهَا. وَهُنَا تَظْهَرُ بَرَاعَةُ جَوَابِ المَرْأَةِ: فَهِيَ لَا تَرْفُضُ صُورَةَ المَثَلِ، بَلْ تُعِيدُ تَفْسِيرَهَا مِنْ دَاخِلِهَا. كَأَنَّهَا تَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّ الخُبْزَ لِلأَبْنَاءِ، وَلٰكِنَّ صِغَارَ الكِلَابِ أَيْضًا لا تُحْرَمُ مِنَ الفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنَ المَائِدَةِ. وَبِهٰذَا لا تَطْلُبُ إِلْغَاءَ أَوَّلِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، بَلْ تَطْلُبُ نَصِيبًا مِنْ فَيْضِ الرَّحْمَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا الجَوَابِ بِمَعْنًى قَرِيبٍ مِنْ قَوْلِهَا: “أَنْتَ تَقُولُ الحَقَّ، يَا رَبُّ، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ لا يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أَرْجُوَ مِنْ رَحْمَتِكَ”. فَهِيَ لا تَطْلُبُ بِاسْمِ حَقٍّ تَمْلِكُهُ، بَلْ بِاسْمِ رَحْمَةٍ تَثِقُ أَنَّهَا تَفِيضُ حَتَّى عَلَى مَنْ هُمْ خَارِجُ الدَّائِرَةِ الأُولَى لِلْعَهْدِ (أوغسطينوس، العِظَةُ 77، ولا سيما §§9-11). وَيُشِيرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلَى أَنَّ المَرْأَةَ أَظْهَرَتْ فِي جَوَابِهَا حِكْمَةً وَتَوَاضُعًا وَإِيمَانًا عَجِيبًا؛ فَهِيَ تَقْبَلُ صُورَةَ “الكِلَابِ الصَّغِيرَةِ”، وَلٰكِنَّهَا تَسْتَخْرِجُ مِنْهَا سَبَبًا لِلرَّجَاءِ، لأَنَّ وُجُودَهَا تَحْتَ المَائِدَةِ يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْ فَيْضِهَا”(يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 3).
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “تَأْكُلُ مِنَ الفُتَاتِ” إِلَى أَنَّ المَرْأَةَ لا تَطْلُبُ مُقَاسَمَةَ الأَبْنَاءِ مَكَانَهُمْ، بَلْ تَطْلُبُ المُشَارَكَةَ فِي فَيْضِ النِّعْمَةِ. وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ إِيمَانِهَا: فَهِيَ تَعْتَقِدُ أَنَّ مَا يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ الرَّبِّ يَكْفِي لِشِفَاءِ ابْنَتِهَا. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، هِيَ لا تَطْلُبُ كَثِيرًا فِي نَظَرِهَا، لأَنَّهَا تُؤْمِنُ أَنَّ قَلِيلًا مِنْ فَيْضِ قُوَّةِ المَسِيحِ يَكْفِي لِصُنْعِ مُعْجِزَةٍ كَامِلَةٍ.
وَتَحْمِلُ صُورَةُ “الفُتَاتِ” دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً: فَنِعْمَةُ اللهِ لَيْسَتْ قَلِيلَةً وَلَا مَحْدُودَةً، وَالمَرْأَةُ لا تَقُولُ إِنَّ الأُمَمَ لا يَسْتَحِقُّونَ إِلَّا البَقَايَا، بَلْ تَسْتَعْمِلُ صُورَةَ المَثَلِ لِتُعْلِنَ ثِقَتَهَا بِأَنَّ فَيْضَ مَائِدَةِ اللهِ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ مَنْ يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا أَوَّلًا. وَفِي هٰذَا المَعْنَى، تُقِرُّ المَرْأَةُ ضِمْنًا بِأَوَّلِيَّةِ إِسْرَائِيلَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَلٰكِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَثِقُ بِأَنَّ هٰذِهِ الأَوَّلِيَّةَ لا تَعْنِي الحَصْرَ. فَاخْتِيَارُ إِسْرَائِيلَ امْتِيَازٌ وَرِسَالَةٌ، لا امْتِيَازٌ مُنْغَلِقٌ عَلَى ذَاتِهِ؛ إِذْ إِنَّ اللهَ دَعَا إِبْرَاهِيمَ لِيَكُونَ بَرَكَةً: “وَيَتَبَارَكُ بِكَ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ” (تَكْوِين 12: 3). وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ يَسُوعَ “قَبِلَ أَنْ يُوَزِّعَ خُبْزَ البَنِينَ عَلَى صِغَارِ الكِلَابِ” كَأَنَّهُ غَيَّرَ خُطَّتَهُ بَسَبَبِ ضَغْطِ المَرْأَةِ؛ بَلْ نَقُولُ إِنَّ إِيمَانَهَا أَظْهَرَ مَا كَانَ كَامِنًا فِي قَصْدِ اللهِ مِنْ شُمُولِيَّةِ الخَلَاصِ، وَأَنَّ يَسُوعَ جَعَلَ مِنْ جَوَابِهَا مَوْقِعًا لِإِعْلَانِ هٰذَا الإِيمَانِ أَمَامَ التَّلَامِيذِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “عَنْ مَوَائِدِ أَصْحَابِهَا” فَتُشِيرُ فِي الصُّورَةِ البَيْتِيَّةِ إِلَى أَرْبَابِ البُيُوتِ الَّذِينَ تَجْلِسُ صِغَارُ الكِلَابِ تَحْتَ مَوَائِدِهِمْ. وَلَا يَنْبَغِي تَحْمِيلُ جَمْعِ “أَصْحَابِهَا” مَعْنًى لَاهُوتِيًّا عَنْ تَعَدُّدِ الأَرْبَابِ؛ فَهُوَ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ صُورَةِ المَثَلِ. أَمَّا لَاهُوتِيًّا، فَالمَرْأَةُ تَتَّجِهُ إِلَى سَيِّدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَسُوعُ الَّذِي تَنْعَتُهُ مِرَارًا بِقَوْلِهَا: “يَا رَبُّ”. وَتُقَدِّمُ هٰذِهِ الآيَةُ إِذًا نَمُوذَجًا رَفِيعًا فِي الإِيمَانِ: المَرْأَةُ لا تَنْكُرُ الحَقِيقَةَ، وَلَا تَتَحَدَّى اللهَ، وَلَا تَنْسَحِبُ أَمَامَ الصُّعُوبَةِ؛ بَلْ تَأْخُذُ الكَلِمَةَ الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَغْلِقَ البَابَ، وَتَجْعَلُ مِنْهَا مِفْتَاحًا لِلرَّجَاءِ. وَهُنَا يَبْلُغُ إِيمَانُهَا ذِرْوَتَهُ: فَهِيَ لا تَقُولُ: “أَنَا مِنَ الأَبْنَاءِ”، بَلْ تَقُولُ فِي المَعْنَى: “يَكْفِينِي، يَا رَبُّ، فُتَاتٌ مِنْ مَائِدَتِكَ، لأَنَّ فُتَاتَ نِعْمَتِكَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ حَاجَتِي”. وَهٰذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي سَيَدْفَعُ يَسُوعَ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ إِلَى أَنْ يُعْلِنَ أَمَامَ الجَمِيعِ: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28).
- “فَأَجَابَهَا يَسُوعُ: “مَا أَعْظَمَ إِيمَانَكِ أَيَّتُهَا المَرْأَةُ! فَلْيَكُنْ لَكِ مَا تُرِيدِينَ”. فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ”.
تُشِيرُ عِبَارَةُ “مَا أَعْظَمَ إِيمَانَكِ أَيَّتُهَا المَرْأَةُ!“ إِلَى الذِّرْوَةِ الَّتِي تَبْلُغُهَا الرِّوَايَةُ، إذْ يُعْلِنُ يَسُوعُ أَمَامَ الحَاضِرِينَ عَظَمَةَ إِيمَانِ هٰذِهِ المَرْأَةِ الأُمَمِيَّةِ بَعْدَ أَنْ كَشَفَتْ، مِنْ خِلَالِ إِلْحَاحِهَا وَتَوَاضُعِهَا وَثِقَتِهَا، عَنْ قَلْبٍ مُتَعَلِّقٍ بِرَحْمَةِ اللهِ. فَالإِيمَانُ الَّذِي ظَهَرَ فِي صُرَاخِهَا، وَازْدَادَ فِي سُجُودِهَا، وَاكْتَمَلَ فِي تَوَاضُعِ جَوَابِهَا، يَصِيرُ الآنَ مَوْضِعَ مَدِيحٍ صَرِيحٍ مِنَ المَسِيحِ. وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ “اللهَ لا يَعْمَلُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُعْلِنُ الإِنْسَانُ إِيمَانَهُ”، كَأَنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الإِنْسَانِ؛ بَلْ الأَصَحُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ الإِيمَانَ يَفْتَحُ الإِنْسَانَ لِقَبُولِ نِعْمَةِ اللهِ وَعَمَلِهِ، وَيَجْعَلُهُ مُسْتَعِدًّا لِتَلَقِّي الخَلَاصِ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ مَجَّانًا.
وَيَلْفِتُ النَّظَرَ أَنَّ مَتَّى يَسْتَعْمِلُ هُنَا صِيغَةً قَوِيَّةً: “عَظِيمٌ إِيمَانُكِ”، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ المَدِيحِ الَّذِي وَجَّهَهُ يَسُوعُ سَابِقًا إِلَى قَائِدِ المِئَةِ الأُمَمِيِّ: “لَمْ أَجِدْ مِثْلَ هٰذَا الإِيمَانِ فِي أَحَدٍ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 8: 10). وَهٰكَذَا يَقِفُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى شَخْصَانِ مِنَ الأُمَمِ كَنَمُوذَجَيْنِ بَارِزَيْنِ لِلإِيمَانِ: قَائِدُ المِئَةِ، وَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ. وَيَحْمِلُ هٰذَا الأَمْرُ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً: فَالإِيمَانُ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزْدَهِرَ فِي وَسَطِ شَعْبِ العَهْدِ، يَظْهَرُ أَحْيَانًا بِقُوَّةٍ عِنْدَ مَنْ هُمْ خَارِجُ الحُدُودِ التَّقْلِيدِيَّةِ لإِسْرَائِيلَ. وَبِذٰلِكَ يَتَحَوَّلُ المَشْهَدُ إِلَى نَقْدٍ ضِمْنِيٍّ لِعَدَمِ الإِيمَانِ، وَإِلَى إِعْلَانٍ مُبَكِّرٍ لِشُمُولِيَّةِ المَلَكُوتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ الكَلِمَاتِ بِأَنَّ المَسِيحَ كَانَ يُرِيدُ مُنْذُ البِدَايَةِ أَنْ يُظْهِرَ إِيمَانَ المَرْأَةِ، وَلِذٰلِكَ سَمَحَ بِأَنْ يَطُولَ الحِوَارُ، حَتَّى يَظْهَرَ كَنْزُ التَّوَاضُعِ وَالثِّقَةِ الكَامِنُ فِي قَلْبِهَا” (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 3). أَمَّا مِنْ جِهَةِ انْتِمَائِهَا إِلَى شَعْبِ اللهِ، فَيُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ إِيمَانَهَا كَشَفَ أَنَّ الانْتِمَاءَ الحَقِيقِيَّ إِلَى مَوَاعِيدِ إِبْرَاهِيمَ لا يَقُومُ عَلَى النَّسَبِ الجَسَدِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ عَلَى الإِيمَانِ أَيْضًا. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ: “المِيرَاثُ يَحْصُلُ بِالإِيمَانِ لِيَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ […] لِمَنْ يَنْتَمُونَ إِلَى إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا، وَهُوَ أَبٌ لَنَا جَمِيعًا؟ (رُومَة 4: 16). وَلٰكِنْ مِنَ الأَفْضَلِ أَلَّا نَقُولَ إِنَّهَا “اسْتَحَقَّتْ” الخَلَاصَ بِإِيمَانِهَا كَأَنَّ الإِيمَانَ ثَمَنٌ لِلنِّعْمَةِ؛ بَلْ نَقُولُ إِنَّهَا قَبِلَتْ بِالإِيمَانِ العَطِيَّةَ الَّتِي يَهَبُهَا المَسِيحُ مَجَّانًا، وَأَظْهَرَتْ بِهٰذَا الإِيمَانِ أَنَّ مَائِدَةَ اللهِ لَيْسَتْ مَغْلَقَةً أَمَامَ الأُمَمِ.
أَمَّا عِبَارَةُ “فَلْيَكُنْ لَكِ مَا تُرِيدِينَ” فَتُشِيرُ إِلَى اسْتِجَابَةِ يَسُوعَ الكَامِلَةِ لِطَلَبِ المَرْأَةِ. فَبَعْدَ الصَّمْتِ، وَالحِوَارِ، وَالامْتِحَانِ، يَأْتِي الجَوَابُ الحَاسِمُ. وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَحْصُلُ عَلَى “كُلِّ مَا يُرِيدُهُ” مُجَرَّدَ أَنْ يُؤْمِنَ، بَلْ إِنَّ هٰذَا الطَّلَبَ بِذَاتِهِ كَانَ طَلَبًا مُنْسَجِمًا مَعَ رَحْمَةِ اللهِ وَمَعَ سُلْطَانِ المَسِيحِ عَلَى الشَّرِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا المَشْهَدِ بِأَنَّ تَوَاضُعَ المَرْأَةِ فَتَحَ لَهَا بَابَ النِّعْمَةِ، فَنَالَتْ مَا طَلَبَتْ. وَيَرَى فِي ذٰلِكَ صُورَةً لِلأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا بَعِيدِينَ، ثُمَّ دَخَلُوا إِلَى الخَلَاصِ بِالإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ” (أوغسطينوس، العِظَةُ 77، ولا سيما §§9-11)
أَمَّا عِبَارَةُ “فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ” فَتُشِيرُ إِلَى فِعْلِ يَسُوعَ الخَلَاصِيِّ الفَوْرِيِّ وَإِلَى سُلْطَانِ كَلِمَتِهِ مِنْ بَعِيدٍ. فَهُوَ لا يَذْهَبُ إِلَى مَوْضِعِ الابْنَةِ، وَلا يَلْمَسُهَا، بَلْ تَكْفِي كَلِمَتُهُ لِتَتَحَرَّرَ مِنَ الرُّوحِ النَّجِسِ. وَيُوَازِي هٰذَا المَشْهَدُ مَا حَدَثَ فِي شِفَاءِ غُلَامِ قَائِدِ المِئَةِ، حَيْثُ قَالَ يَسُوعُ: “ذْهَبْ، وَلْيَكُنْ لَكَ بِحَسَبِ إِيمَانِكَ”، “فَشُفِيَ الغُلَامُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ” (مَتَّى 8: 13). وَالتَّوَازِي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لَافِتٌ: شَخْصٌ أُمَمِيٌّ، وَإِيمَانٌ عَظِيمٌ، وَشِفَاءٌ يَتِمُّ عَنْ بُعْدٍ بِكَلِمَةِ المَسِيحِ. وَيُمْكِنُ أَنْ تُقَارَنَ الرِّوَايَةُ أَيْضًا بِشِفَاءِ ابْنِ المَوْظَّفِ المَلَكِيِّ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حِينَ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: “اِذْهَبْ، فَابْنُكَ حَيٌّ” (يُوحَنَّا 4: 50)، فَآمَنَ الرَّجُلُ بِالكَلِمَةِ وَانْطَلَقَ. وَفِي الحَالَتَيْنِ تَتَجَلَّى قُوَّةُ كَلِمَةِ يَسُوعَ الَّتِي لا تَحْتَاجُ إِلَى حُضُورٍ جَسَدِيٍّ مُبَاشِرٍ لِتَفْعَلَ. وَقَدْ قَرَأَ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا الشِّفَاءَ عَنْ بُعْدٍ قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً، فَرَأَى فِيهِ صُورَةً لِخَلَاصِ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوُا المَسِيحَ فِي الجَسَدِ، وَلٰكِنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ مِنْ خِلَالِ كَلِمَةِ البِشَارَةِ. فَكَمَا شُفِيَتِ الابْنَةُ مِنْ بَعِيدٍ، كَذٰلِكَ سَيَصِلُ الخَلَاصُ إِلَى الشُّعُوبِ البَعِيدَةِ بِقُوَّةِ الكَلِمَةِ وَالإِيمَانِ. وَمِنَ الأَدَقِّ، مَعَ ذٰلِكَ، أَلَّا نَقُولَ إِنَّ المَسِيحَ “لَيْسَ مَسِيحَ اليَهُودِ بَلْ مُخَلِّصُ جَمِيعِ البَشَرِ”، لأَنَّ العِبَارَتَيْنِ لَيْسَتَا مُتَعَارِضَتَيْنِ. فَيَسُوعُ هُوَ مَسِيحُ إِسْرَائِيلَ المَوْعُودُ، وَبِالذَّاتِ مِنْ خِلَالِ تَحْقِيقِهِ مَوَاعِيدَ إِسْرَائِيلَ يَصِيرُ خَلَاصُهُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ. فَالانْتِمَاءُ إِلَى تَارِيخِ إِسْرَائِيلَ لا يُقَيِّدُ رِسَالَتَهُ، بَلْ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي اخْتَارَهُ اللهُ لِيَصِلَ الخَلَاصُ إِلَى العَالَمِ. وَهٰكَذَا تُلَخِّصُ الآيَةُ خَمْسَ حَقَائِقَ أَسَاسِيَّةً: الإِيمَانُ يَثْبُتُ أَمَامَ الصَّمْتِ، وَالتَّوَاضُعُ يَفْتَحُ الإِنْسَانَ لِلنِّعْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ الإِلَهِيَّةُ تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ القَوْمِيَّةَ، وَكَلِمَةُ المَسِيحِ تَمْلِكُ سُلْطَانًا عَلَى الشَّرِّ، وَالخَلَاصُ الَّذِي بَدَأَ فِي إِسْرَائِيلَ مُوَجَّهٌ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ.
وَبِهٰذَا تَنْتَهِي الرِّوَايَةُ لا بِانْتِصَارِ المَرْأَةِ عَلَى يَسُوعَ، بَلْ بِانْتِصَارِ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُرِيدُ أَنْ يَكْشِفَهُ فِيهَا. فَالْمَرْأَةُ الَّتِي بَدَأَتِ المَشْهَدَ وَهِيَ خَارِجَ حُدُودِ إِسْرَائِيلَ تَنْتَهِي وَهِيَ مَوْضِعُ مَدِيحِ المَسِيحِ، وَابْنَتُهَا مَوْضِعُ شِفَائِهِ. وَهٰكَذَا تَصِيرُ الكَنْعَانِيَّةُ نَمُوذَجًا خَالِدًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَثْبُتُ فِي الصَّلَاةِ وَيَثِقُ بِأَنَّ رَحْمَةَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ حَاجِزٍ، وَأَنَّ مَائِدَتَهُ تَتَّسِعُ فِي النِّهَايَةِ لِجَمِيعِ مَنْ يَأْتُونَ إِلَيْهِ بِالإِيمَانِ.
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 15: 21-28)
بَعْدَ دِرَاسَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (مَتَّى 15: 21-28)، يَتَّضِحُ أَنَّ الرِّوَايَةَ تَكْشِفُ، مِنْ بَيْنِ أَبْعَادِهَا الأَسَاسِيَّةِ، عَنْ انْفِتَاحِ الخَلَاصِ عَلَى الأُمَمِ عَنْ طَرِيقِ الإِيمَانِ. فَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ، مَعَ أَنَّهَا مِنْ خَارِجِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، تَقَدَّمَتْ إِلَى يَسُوعَ بِإِيمَانٍ وَاثِقٍ وَمُتَوَاضِعٍ وَمُثَابِرٍ، فَنَالَتْ مِنْهُ المَدِيحَ وَاسْتِجَابَةَ طَلَبِهَا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28).
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الخَلَاصَ لا يَقُومُ عَلَى الأَصْلِ العِرْقِيِّ أَوِ الانْتِمَاءِ القَوْمِيِّ، بَلْ عَلَى قَبُولِ نِعْمَةِ اللهِ بِالإِيمَانِ. وَهٰذَا مَا سَيَتَّضِحُ بِصُورَةٍ أَكْمَلَ فِي الإِرْسَالِيَّةِ الأَخِيرَةِ لِلْمَسِيحِ القَائِمِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19). وَعَلَى هٰذَا الأَسَاسِ يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ مِحْوَرَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ مِنَ النَّصِّ: إِيمَانُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، وَشُمُولِيَّةُ رِسَالَةِ يَسُوعَ الخَلَاصِيَّةِ.
- إِيمَانُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ
كَانَ إِيمَانُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ بِيَسُوعَ إِيمَانًا عَظِيمًا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الثِّقَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالمُثَابَرَةِ وَالصَّلَاةِ. فَقَدْ لَجَأَتْ إِلَى يَسُوعَ وَهِيَ تَحْمِلُ مِحْنَةَ ابْنَتِهَا، وَلَمْ تَتَرَاجَعْ أَمَامَ صَمْتِهِ، وَلَا أَمَامَ الصُّعُوبَةِ الَّتِي وَاجَهَتْهَا، بَلْ تَعَمَّقَ إِيمَانُهَا خِلَالَ الحِوَارِ حَتَّى اسْتَحَقَّ أَنْ يَمْدَحَهُ يَسُوعُ أَمَامَ تَلَامِيذِهِ. وَيُمْكِنُ تَتَبُّعُ نُمُوِّ هٰذَا الإِيمَانِ فِي عِدَّةِ مَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ، تَبْدَأُ بِالدُّعَاءِ، وَتَمُرُّ بِالمُثَابَرَةِ وَالسُّجُودِ وَالتَّوَاضُعِ، وَتَنْتَهِي بِمَدِيحِ يَسُوعَ لِإِيمَانِهَا.
المَرْحَلَةُ الأُولَى: الدُّعَاءُ
بَدَأَ إِيمَانُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ بِصَرْخَةِ صَلَاةٍ خَرَجَتْ مِنْ قَلْبِ أُمٍّ مُتَأَلِّمَةٍ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! يَا ابْنَ دَاوُدَ، إِنَّ ابْنَتِي يَتَخَبَّطُهَا الشَّيْطَانُ تَخَبُّطًا شَدِيدًا” (مَتَّى 15: 22). فَهِيَ لا تَبْدَأُ بِمُجَادَلَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ، بَلْ بِطَلَبِ الرَّحْمَةِ؛ وَلا تَأْتِي مُتَّكِلَةً عَلَى اسْتِحْقَاقٍ، بَلْ عَلَى رَحْمَةِ المَسِيحِ. وَيَلْفِتُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الانْتِبَاهَ إِلَى عُمْقِ أَلَمِ هٰذِهِ الأُمِّ؛ فَهِيَ لا تَقُولُ: “اِرْحَمِ ابْنَتِي”، بَلْ: “اِرْحَمْنِي”، لأَنَّ عَذَابَ ابْنَتِهَا أَصْبَحَ عَذَابَهَا هِيَ. وَيَرَى الذَّهَبِيُّ الفَمُ فِي هٰذَا المَشْهَدِ إِظْهَارًا لِحَنَانِ الأُمِّ وَلِقُوَّةِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَحْمِلُ أَلَمَ الآخَرِ كَأَنَّهُ أَلَمُهَا الشَّخْصِيُّ. (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، ولا سيما §§1-2).
وَبِهٰذَا تُقَدِّمُ المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ نَمُوذَجًا لِصَلَاةِ الشَّفَاعَةِ: فَهِيَ لا تَطْلُبُ لِنَفْسِهَا، بَلْ تَحْمِلُ أَلَمَ ابْنَتِهَا إِلَى المَسِيحِ. وَهٰذَا هُوَ جَوْهَرُ الشَّفَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ: أَنْ يَصِيرَ أَلَمُ الآخَرِ أَلَمِي، وَأَنْ أَحْمِلَهُ فِي صَلَاتِي أَمَامَ الرَّبِّ. وَيَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي هٰذِهِ المَرْأَةِ مِثَالًا فَرِيدًا لِلتَّوَاضُعِ وَالثَّبَاتِ فِي الصَّلَاةِ، ويؤكد أنها تُظهر الطريق الذي يرتفع فيه الإنسان من التواضع إلى نيل النعمة. فَالصَّلَاةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَفْرِضُ عَلَى اللهِ مَا تُرِيدُ، بَلْ تَلْقِي بِالحَاجَةِ أَمَامَهُ وَتَثِقُ بِرَحْمَتِهِ.
أَمَّا نِدَاؤُهَا: “يَا رَبُّ، يَا ابْنَ دَاوُدَ”، فَيَكْشِفُ عَنْ بُعْدٍ آخَرَ مِنْ إِيمَانِهَا. فَلَقَبُ “ابْنِ دَاوُدَ” مِنْ أَبْرَزِ الأَلْقَابِ المَسِيحَانِيَّةِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَيَرْبِطُ يَسُوعَ بِالوَعْدِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِدَاوُدَ بِمُلْكٍ يَدُومُ (2 صَمُوئِيل 7: 12-16). وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الأَعْمَيَانِ اللَّقَبَ نَفْسَهُ حِينَ صَرَخَا: “رُحْمَاكَ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!” (مَتَّى 9: 27)، وَكَذٰلِكَ أَعْمَيَا أَرِيحَا (مَتَّى 20: 30-31)، ثُمَّ هَتَفَتِ الجُمُوعُ عِنْدَ دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورَشَلِيمَ: “هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ!” (مَتَّى 21: 9).
وَالمُفَارَقَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ هُنَا لَافِتَةٌ: امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ، مِنْ خَارِجِ إِسْرَائِيلَ، تُنَادِي يَسُوعَ بِلَقَبٍ مَسِيحَانِيٍّ يَنْتَمِي إِلَى رَجَاءِ إِسْرَائِيلَ. وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ قَدْ يَتَفَتَّحُ فِي قَلْبِ مَنْ يُعَدُّ بَعِيدًا، فِي حِينِ يَبْقَى مَنْ هُوَ قَرِيبٌ مِنَ الوَعْدِ غَيْرَ مُدْرِكٍ لِحُضُورِ اللهِ. وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ هٰذِهِ المُفَارَقَةِ فِي ضَوْءِ كَلِمَاتِ أوغسطينوس، الَّذِي يَرَى فِي الكَنْعَانِيَّةِ صُورَةً لِلأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا بَعِيدِينَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ اقْتَرَبُوا مِنَ الخَلَاصِ عَنْ طَرِيقِ الإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ.
وَلَقَبُ “ابْنِ دَاوُدَ” لا يَنْحَصِرُ فِي تَصَوُّرٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ عَسْكَرِيٍّ لِلْمَسِيحِ. فَيَسُوعُ هُوَ ابْنُ دَاوُدَ حَقًّا (مَتَّى 1: 1)، لٰكِنَّهُ يُعِيدُ تَفْسِيرَ المُلْكِ المَسِيحَانِيِّ فِي ضَوْءِ الخِدْمَةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ، إِذْ يَقُولُ: “ابْنُ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدُمَ وَيَفْدِيَ بِنَفْسِهِ جَمَاعَةَ النَّاسِ” (مَتَّى 20: 28). فَمُلْكُهُ لا يَقُومُ عَلَى العُنْفِ وَالسَّيْطَرَةِ، بَلْ عَلَى الخِدْمَةِ وَالمَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ. وَهٰذَا مَا سَيُعْلِنُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي كَرَازَتِهِ، إِذْ يَقُولُ عَنِ الإِنْجِيلِ إِنَّهُ “فِي شَأْنِ ابْنِهِ الَّذِي وُلِدَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ بِحَسَبِ الجَسَدِ، وَجُعِلَ ابْنَ اللهِ فِي القُدْرَةِ […] بِقِيَامَتِهِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، أَلَا وَهُوَ يَسُوعُ المَسِيحُ رَبُّنَا” (رُومَة 1: 3-4). وَهٰكَذَا يَرْتَبِطُ اللَّقَبُ الدَّاوُدِيُّ بِسِرِّ المَسِيحِ كُلِّهِ: تَجَسُّدِهِ وَرِسَالَتِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.
وَفِي دُخُولِهِ إِلَى أُورَشَلِيمَ قَبِلَ يَسُوعُ هُتَافَ الجُمُوعِ: “هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ!” (مَتَّى 21: 9)، وَلٰكِنَّهُ دَخَلَ المَدِينَةَ لا كَقَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ، بَلْ مَلِكًا “وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ” (مَتَّى 21: 5؛ راجع زَكَرِيَّا 9: 9). وَبِذٰلِكَ صَحَّحَ فَهْمَ المَسِيحَانِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَكَشَفَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يَنْتَصِرُ بِالمَحَبَّةِ وَالعَطَاءِ، لا بِالسَّيْفِ.
وَتَظْهَرُ هٰذِهِ الحَقِيقَةُ أَيْضًا فِي الأَطْفَالِ الَّذِينَ كَانُوا يَهْتِفُونَ فِي الهَيْكَلِ: “هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ!” (مَتَّى 21: 15). وَهُمْ يُمَثِّلُونَ، فِي بَسَاطَتِهِمْ، أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَ المَلَكُوتَ بِقَلْبٍ مُنْفَتِحٍ. وَيَنْضَمُّ إِلَيْهِمْ فِي المَنْظُورِ الإِنْجِيلِيِّ الفُقَرَاءُ وَالمُتَوَاضِعُونَ وَالمُحْتَاجُونَ، أَيْ أُولٰئِكَ الَّذِينَ لا يَعْتَمِدُونَ عَلَى قُوَّتِهِمْ، بَلْ يَنْتَظِرُونَ الخَلَاصَ مِنَ اللهِ.
وَهٰكَذَا تُعَلِّمُنَا المَرْحَلَةُ الأُولَى، أَيْ الدُّعَاءُ، أَنَّ الإِيمَانَ يَبْدَأُ حِينَ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ حَاجَتَهُ وَيَتَّجِهُ بِهَا إِلَى المَسِيحِ. فَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ سُلْطَانًا وَلَا امْتِيَازًا وَلَا اسْتِحْقَاقًا تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ؛ كَانَ لَدَيْهَا فَقَطْ أَلَمُ أُمٍّ، وَإِيمَانُ قَلْبٍ، وَصَرْخَةٌ وَاحِدَةٌ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ!”. وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ دُعَاؤُهَا تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِ: الصَّلَاةُ لا تَبْدَأُ بِكَثْرَةِ الكَلِمَاتِ، بَلْ بِالثِّقَةِ بِمَنْ نُصَلِّي إِلَيْهِ؛ وَالإِيمَانُ لا يَعْنِي غِيَابَ المِحْنَةِ، بَلْ أَنْ نَجْعَلَ المِحْنَةَ نَفْسَهَا طَرِيقًا يُقَرِّبُنَا مِنَ المَسِيحِ.
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: السُّجُودُ
بَدَأَ يَسُوعُ بِالصَّمْتِ أَمَامَ صُرَاخِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: “فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ” (مَتَّى 15: 23). وَمِنَ الوِجْهَةِ البَشَرِيَّةِ، كَانَ هٰذَا الصَّمْتُ كَفِيلًا بِأَنْ يُحْبِطَهَا وَيَدْفَعَهَا إِلَى الانْسِحَابِ، وَلٰكِنَّ مَا حَدَثَ كَانَ العَكْسَ تَمَامًا: فَصَمْتُ يَسُوعَ لَمْ يُبْعِدْهَا عَنْهُ، بَلْ دَفَعَهَا إِلَى الاقْتِرَابِ مِنْهُ أَكْثَرَ. وَيَلْفِتُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ النَّظَرَ إِلَى قُوَّةِ ثَبَاتِهَا؛ فَبَعْدَ أَنْ صَرَخَتْ وَلَمْ تَسْمَعْ جَوَابًا، وَبَعْدَ أَنْ تَدَخَّلَ التَّلَامِيذُ، لَمْ تَفْقِدْ رَجَاءَهَا، بَلْ اقْتَرَبَتْ أَكْثَرَ. وَيَرَى الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ المَسِيحَ أَطَالَ الحِوَارَ لِيُظْهِرَ مَا كَانَ مَخْفِيًّا فِي قَلْبِهَا مِنْ إِيمَانٍ وَتَوَاضُعٍ، حَتَّى يَصِيرَ ذٰلِكَ ظَاهِرًا أَمَامَ الجَمِيعِ.
(القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 2-3).
وَبَعْدَ صَمْتِ يَسُوعَ، جَاءَ جَوَابُهُ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 15: 24). وَلٰكِنَّ هٰذَا الكَلَامَ لَمْ يُثْنِهَا عَنْ عَزْمِهَا، فَانْتَقَلَتْ مِنَ الصُّرَاخِ عَنْ بُعْدٍ إِلَى الاقْتِرَابِ وَالسُّجُودِ: “وَلٰكِنَّهَا جَاءَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ وَقَالَتْ: أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!”(مَتَّى 15: 25).
وَيَكْتَسِبُ هٰذَا السُّجُودُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى. فَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ προσκυνέω يَعْنِي الانْحِنَاءَ أَوِ السُّجُودَ تَعْظِيمًا، وَيَرِدُ فِي مَتَّى فِي مَوَاضِعَ يَقْتَرِنُ فِيهَا بِالإِيمَانِ بِسُلْطَانِ يَسُوعَ، كَسُجُودِ التَّلَامِيذِ لَهُ بَعْدَ تَسْكِينِ العَاصِفَةِ قَائِلِينَ: “أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا” (مَتَّى 14: 33)، وَسُجُودِهِمْ لِلْمَسِيحِ القَائِمِ (مَتَّى 28: 17). وَهٰكَذَا يَتَطَوَّرُ إِيمَانُ المَرْأَةِ مِنْ الصُّرَاخِ إِلَى الاقْتِرَابِ، وَمِنَ الاقْتِرَابِ إِلَى السُّجُودِ. فَهِيَ لا تَكْتَفِي بِأَنْ تَطْلُبَ مِنْ يَسُوعَ مُعْجِزَةً، بَلْ تَضَعُ نَفْسَهَا أَمَامَهُ فِي مَوْقِفِ التَّوَاضُعِ وَالثِّقَةِ وَالتَّسْلِيمِ. وَيَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ مِثَالًا خَاصًّا لِلتَّوَاضُعِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الارتِفَاعِ؛ فَهِيَ لا تَتَكَبَّرُ أَمَامَ الصُّعُوبَةِ، وَلا تَعْتَبِرُ نَفْسَهَا صَاحِبَةَ حَقٍّ تُلْزِمُ بِهِ الرَّبَّ، بَلْ تَظَلُّ مُتَعَلِّقَةً بِرَحْمَتِهِ. ويجعلها أوغسطينوس مثالًا على “طريق التقوى” الصاعد من التواضع إلى الرفعة.
( القِدِّيسُ أوغسطينوس، العِظَةُ 27 عَلَى العَهْدِ الجَدِيد، §§1، 9-11).
وَبَعْدَ سُجُودِهَا وَطَلَبِهَا، يَأْتِي قَوْلُ يَسُوعَ: “لَا يَحْسُنُ أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ فَيُلْقَى إِلَى صِغَارِ الكِلَابِ” (مَتَّى 15: 26). وَقَدْ يَبْدُو هٰذَا الجَوَابُ، لِلْوَهْلَةِ الأُولَى، أَشَدَّ مِنَ الصَّمْتِ السَّابِقِ، لٰكِنَّ المَرْأَةَ لا تَنْسَحِبُ، وَلا تُقَابِلُ الكَلِمَةَ بِالغَضَبِ، بَلْ تَأْخُذُ الصُّورَةَ نَفْسَهَا وَتُحَوِّلُهَا إِلَى حُجَّةٍ لِلرَّجَاءِ: “نَعَمْ، يَا رَبُّ! فَصِغَارُ الكِلَابِ نَفْسُهَا تَأْكُلُ مِنَ الفُتَاتِ الَّذِي يَتَسَاقَطُ عَنْ مَوَائِدِ أَصْحَابِهَا” (مَتَّى 15: 27). وَيُبْرِزُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هُنَا عَجَبَ التَّوَاضُعِ فِي جَوَابِهَا: فَهِيَ لا تَرْفُضُ مَا قَالَهُ يَسُوعُ، بَلْ تَبْنِي عَلَيْهِ طَلَبَهَا. وَبِحَسَبِ تَفْسِيرِهِ، كَانَ المَسِيحُ يَقُودُ الحِوَارَ إِلَى هٰذِهِ النُّقْطَةِ بِالذَّاتِ، لِيُظْهِرَ حِكْمَتَهَا وَإِيمَانَهَا وَتَوَاضُعَهَا أَمَامَ الجَمِيعِ.
وَبِذٰلِكَ لَمْ يَكُنِ السُّجُودُ عِنْدَهَا حَرَكَةً جَسَدِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ مَوْقِفًا دَاخِلِيًّا: سُجُودَ الإِرَادَةِ، وَتَوَاضُعَ القَلْبِ، وَثَبَاتَ الرَّجَاءِ. فَالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ لا يَسْجُدُ للهِ فَقَطْ حِينَ يَنَالُ مَا يُرِيدُ، بَلْ يَبْقَى أَمَامَهُ حَتَّى عِنْدَمَا يَتَأَخَّرُ الجَوَابُ. وَقَدْ تَخَطَّتِ المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ عِدَّةَ عَوَائِقَ: صَمْتَ يَسُوعَ، وَتَرَدُّدَ التَّلَامِيذِ، وَكَوْنَهَا امْرَأَةً أُمَمِيَّةً مِنْ خَارِجِ إِسْرَائِيلَ، وَشِدَّةَ مُصَابِ ابْنَتِهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَضْعُفْ إِيمَانُهَا، بَلْ نَمَا مِنَ الصُّرَاخِ إِلَى السُّجُودِ، وَمِنَ السُّجُودِ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَمِنَ التَّوَاضُعِ إِلَى الثِّقَةِ الكَامِلَةِ.
وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ إِيمَانَهَا “انْتَزَعَ” المُعْجِزَةَ مِنْ يَسُوعَ، كَأَنَّ المَسِيحَ كَانَ رَافِضًا لَهَا فَأَجْبَرَتْهُ عَلَى تَغْيِيرِ مَوْقِفِهِ؛ بَلْ إِنَّ مَسَارَ الرِّوَايَةِ يَكْشِفُ أَنَّ يَسُوعَ أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ إِيمَانَهَا وَيَجْعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلتَّلَامِيذِ وَلِلْكَنِيسَةِ. وَهٰذَا هُوَ جَوْهَرُ قِرَاءَةِ الذَّهَبِيِّ الفَمِ لِلنَّصِّ. وَبِهٰذَا تَتَمَيَّزُ الكَنْعَانِيَّةُ عَنْ مَوْقِفِ أَهْلِ النَّاصِرَةِ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: “وَلَمْ يُكْثِرْ مِنَ المُعْجِزَاتِ هُنَاكَ لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ” (مَتَّى 13: 58). فَهُنَا تَظْهَرُ امْرَأَةٌ مِنَ الأُمَمِ تَثْبُتُ فِي الإِيمَانِ، بَيْنَمَا يُظْهِرُ بَعْضُ مَنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى يَسُوعَ جُغْرَافِيًّا وَدِينِيًّا عَدَمَ إِيمَانٍ. وَهٰذَا لا يَعْنِي إِدَانَةَ شَعْبٍ وَتَفْضِيلَ شَعْبٍ آخَرَ، بَلْ يُعْلِنُ مَبْدَأً إِنْجِيلِيًّا أَعْمَقَ: لا يُقَاسُ قُرْبُ الإِنْسَانِ مِنَ اللهِ بِالأَصْلِ أَوِ القَوْمِيَّةِ أَوِ المَوْقِعِ، بَلْ بِجَوَابِهِ عَلَى النِّعْمَةِ بِالإِيمَانِ. وَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ تَصِيرُ بِهٰذَا المَعْنَى إِشَارَةً اسْتِبَاقِيَّةً إِلَى امْتِدَادِ البِشَارَةِ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ.
وَهُنَا يَتَّضِحُ التَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ لِهٰذِهِ المَرْحَلَةِ: حِينَ يَصْمُتُ اللهُ في نَظَرِنَا، لا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّهُ غَائِبٌ؛ وَحِينَ لا نَنَالُ الجَوَابَ فَوْرًا، لا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ صَلاتَنَا ضَاعَتْ. فَالإِيمَانُ النَّاضِجُ لا يَسْجُدُ للهِ بَعْدَ اسْتِجَابَةِ الطَّلَبِ فَقَطْ، بَلْ يَسْجُدُ قَبْلَ الاسْتِجَابَةِ، وَيَبْقَى عِنْدَ قَدَمَيْهِ قَائِلًا: “أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!”. وَهٰكَذَا تُعَلِّمُنَا المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ أَنَّ السُّجُودَ هُوَ إِيمَانٌ لا يَهْرُبُ أَمَامَ الصَّمْتِ، وَتَوَاضُعٌ لا يَنْكَسِرُ أَمَامَ الصُّعُوبَةِ، وَرَجَاءٌ يَبْقَى مُتَعَلِّقًا بِرَحْمَةِ اللهِ حَتَّى النِّهَايَةِ.
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: الإِيمَانُ
عَبَّرَتِ المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ عَنْ إِيمَانِهَا بِتَوَاضُعٍ لَافِتٍ، فَقَالَتْ لِيَسُوعَ “نَعَمْ، يَا رَبُّ! فَصِغَارُ الكِلَابِ نَفْسُهَا تَأْكُلُ مِنَ الفُتَاتِ الَّذِي يَتَسَاقَطُ عَنْ مَوَائِدِ أَصْحَابِهَا” (مَتَّى 15: 27). وَهُنَا يَبْلُغُ إِيمَانُهَا ذِرْوَتَهُ، لأَنَّهَا لا تُنْكِرُ مَا قَالَهُ يَسُوعُ، وَلا تُجَادِلُهُ بِغَضَبٍ، بَلْ تَأْخُذُ صُورَةَ المَثَلِ نَفْسَهَا وَتَجْعَلُ مِنْهَا حُجَّةً لِلرَّجَاءِ. فَقَوْلُهَا “نَعَمْ، يَا رَبُّ” يُظْهِرُ أَنَّهَا تَعْتَرِفُ بِأَوَّلِيَّةِ إِسْرَائِيلَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَلٰكِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تُؤْمِنُ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ لا تَنْحَصِرُ فِي هٰذِهِ الأَوَّلِيَّةِ. فَهِيَ لا تَطْلُبُ أَنْ يُحْرَمَ الأَبْنَاءُ مِنَ الخُبْزِ، بَلْ تَثِقُ بِأَنَّ فَيْضَ المَائِدَةِ الإِلَهِيَّةِ يَكْفِي لِلأَبْنَاءِ وَيَصِلُ أَيْضًا إِلَى مَنْ هُمْ خَارِجُ الدَّائِرَةِ الأُولَى لِلْعَهْدِ.
وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذَا الجَوَابَ بِإِعْجَابٍ، فَيَرَى فِي المَرْأَةِ حِكْمَةً وَتَوَاضُعًا وَثِقَةً نَادِرَةً؛ إِذْ إِنَّهَا لَمْ تَرْفُضْ صُورَةَ “صِغَارِ الكِلَابِ”، بَلْ اسْتَخْدَمَتْهَا لِتَقُولَ إِنَّ وُجُودَهَا قُرْبَ المَائِدَةِ يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ غَرِيبَةً تَمَامًا عَنْ فَيْضِهَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ المَسِيحَ أَطَالَ الحِوَارَ لِيُظْهِرَ هٰذَا “الكَنْزَ” الكَامِنَ فِي قَلْبِهَا. (القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، §3)
وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ يَسُوعَ أَرَادَ أَنْ يُعْلِنَ أَنَّ الأُمَمَ “يَسْتَحِقُّونَ” الرَّحْمَةَ لِسَبَبِ جِنْسِهِمْ أَوْ حَتَّى لِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ بِمَعْنَى الاسْتِحْقَاقِ، بَلْ إِنَّ الإِيمَانَ يَفْتَحُ الإِنْسَانَ لِقَبُولِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ مَجَّانًا. فَالمَرْأَةُ لا تَفْرِضُ عَلَى المَسِيحِ حَقًّا، بَلْ تَتَّكِلُ عَلَى نِعْمَتِهِ.
وَهُنَا تَظْهَرُ المُفَارَقَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ: مَنْ كَانَتْ تُعَدُّ خَارِجَ شَعْبِ العَهْدِ تَكْشِفُ إِيمَانًا عَظِيمًا، بَيْنَمَا كَانَ بَعْضُ مَنْ هُمْ دَاخِلَ إِسْرَائِيلَ يَقَاوِمُونَ يَسُوعَ وَيَرْفُضُونَ كَلِمَتَهُ. وَهٰذَا لا يُبَرِّرُ أَيَّ حُكْمٍ عَلَى شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ، بَلْ يُعْلِنُ مَبْدَأً لَاهُوتِيًّا: الإِيمَانُ، لا الأَصْلُ العِرْقِيُّ، هُوَ الَّذِي يَحْسِمُ جَوَابَ الإِنْسَانِ لِنِعْمَةِ اللهِ.
وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ هٰذَا المَشْهَدِ فِي ضَوْءِ نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ: “رَأَى الَّذِينَ لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ، وَفَهِمَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا” (إِشَعْيَاء 52: 15؛ راجع رُومَة 15: 21). هٰذِهِ المَرْأَةُ، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَنْشَأْ دَاخِلَ تَقْلِيدِ إِسْرَائِيلَ، تَسْتَقْبِلُ بِالإِيمَانِ مَا عَجَزَ آخَرُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ. وَهٰذَا مَا أَبْرَزَهُ القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي قِرَاءَتِهِ لِدُخُولِ الأُمَمِ إِلَى الإِيمَانِ؛ فَهُوَ يَرَى أَنَّ مَنْ كَانُوا بَعِيدِينَ عَنِ الوَعْدِ قَبِلُوا الحَقِيقَةَ بِالتَّوَاضُعِ، فِي حِينِ أَنَّ حَمْلَ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ مِنْ دُونِ فَهْمٍ وَإِيمَانٍ لا يَكْفِي لِلْخَلَاصِ. وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ خُطِّهِ العَامِّ فِي تَفْسِيرِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ كَصُورَةٍ لِلأُمَمِ الَّذِينَ اقْتَرَبُوا مِنَ المَسِيحِ بِالتَّوَاضُعِ وَالإِيمَانِ. (أوغسطينوس، العِظَةُ 77، ولا سيما §§9-11)
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ مَا حَدَثَ أَيْضًا فِي ضَوْءِ تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ عَنْ دُخُولِ الأُمَمِ إِلَى الرَّحْمَةِ: “نِلْتُمْ أَنْتُمْ الآنَ رَحْمَةً بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ»” (رُومَة 11: 30). وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي أَلَّا يُفْهَمَ هٰذَا كَأَنَّ رَفْضَ بَعْضِ إِسْرَائِيلَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ فِكْرَةَ خَلَاصِ الأُمَمِ؛ فَشُمُولِيَّةُ الخَلَاصِ حَاضِرَةٌ مُنْذُ وَعْدِ إِبْرَاهِيمَ: “وَيَتَبَارَكُ بِكَ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ” (تَكْوِين 12: 3). وَفِي هٰذَا المَعْنَى، تُصْبِحُ المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ ابْنَةً رُوحِيَّةً لإِبْرَاهِيمَ بِالإِيمَانِ، لا بِالنَّسَبِ الجَسَدِيِّ وَلا بِمُمَارَسَةِ شَرِيعَةِ مُوسَى. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ مَا يُعْلِنُهُ بُولُسُ: “فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ، أُولٰئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ” (غَلَاطِيَة 3: 7)، وَأَيْضًا: “المِيرَاثُ يَحْصُلُ بِالإِيمَانِ لِيَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ” (رُومَة 4: 16).
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ مُقَارَنَتُهَا، رُوحِيًّا، بِزَكَّا العَشَّارِ، الَّذِي قَالَ عَنْهُ يَسُوعُ: “اليَوْمَ حَصَلَ الخَلَاصُ لِهٰذَا البَيْتِ، فَهُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ” (لُوقَا 19: 9). فَزَكَّا يُمَثِّلُ تَجَدُّدَ الإِنْسَانِ دَاخِلَ إِسْرَائِيلَ بِالتَّوْبَةِ، أَمَّا المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ فَتُظْهِرُ أَنَّ الإِيمَانَ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الخَلَاصِ أَيْضًا لِمَنْ هُمْ مِنَ الأُمَمِ.
وَمِنْ هُنَا تَتَّضِحُ رِسَالَةُ هٰذِهِ المَرْحَلَةِ: الإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لا يَقُومُ عَلَى المُطَالَبَةِ وَالاسْتِحْقَاقِ، بَلْ عَلَى الثِّقَةِ وَالتَّوَاضُعِ؛ لا يَرْفُضُ تَدْبِيرَ اللهِ، بَلْ يَثِقُ بِأَنَّ رَحْمَتَهُ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ حَدٍّ. وَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ تَعْلَمُنَا أَنَّ مَنْ يَتَقَدَّمُ إِلَى المَسِيحِ بِهٰذَا الإِيمَانِ لا يَبْقَى غَرِيبًا عَنْ مَائِدَةِ الخَلَاصِ.
المَرْحَلَةُ الأَخِيرَةُ: المَدْحُ وَالمُكَافَأَةُ
بَعْدَ أَنْ كَشَفَتِ المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ عَنْ إِيمَانِهَا وَتَوَاضُعِهَا وَمُثَابَرَتِهَا، جَاءَ جَوَابُ يَسُوعَ حَاسِمًا وَمُمْتَلِئًا مَدْحًا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! فَلْيَكُنْ لَكِ مَا تُرِيدِينَ” (مَتَّى 15: 28). وَهُنَا تَبْلُغُ الرِّوَايَةُ ذِرْوَتَهَا، إذْ يَنْتَقِلُ المَشْهَدُ مِنَ الصَّمْتِ وَالامْتِحَانِ إِلَى المَدْحِ وَالاسْتِجَابَةِ. وَامْتَدَحَ يَسُوعُ إِيمَانَ هٰذِهِ المَرْأَةِ كَمَا سَبَقَ أَنْ امْتَدَحَ إِيمَانَ قَائِدِ المِئَةِ الأُمَمِيِّ قَائِلًا: “لَمْ أَجِدْ مِثْلَ هٰذَا الإِيمَانِ فِي أَحَدٍ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 8: 10). وَفِي الحَالَتَيْنِ يَظْهَرُ الإِيمَانُ فِي شَخْصَيْنِ مِنَ الأُمَمِ، مِمَّا يَكْشِفُ أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصَرُ فِي حُدُودٍ عِرْقِيَّةٍ أَوْ قَوْمِيَّةٍ.
وَلَمْ يَنْظُرْ يَسُوعُ فَقَطْ إِلَى جُرْحِ المَرْأَةِ فِي مُعَانَاةِ ابْنَتِهَا، بَلْ إِلَى مَا أَظْهَرَتْهُ مِنْ صَبْرٍ أَمَامَ الصَّمْتِ، وَرَجَاءٍ أَمَامَ التَّأَخُّرِ، وَثِقَةٍ أَمَامَ العَائِقِ، وَتَوَاضُعٍ أَمَامَ الكَلِمَةِ الصَّعْبَةِ. وَهٰذَا هُوَ الإِيمَانُ الَّذِي مَدَحَهُ المَسِيحُ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه فِي هٰذِهِ المَرْأَةِ صُورَةً لِلأُمَمِ الَّذِينَ يَقْتَرِبُونَ مِنَ المَسِيحِ وَيَنَالُونَ الخَلَاصَ بِالإِيمَانِ، وَرَبَطَ ذٰلِكَ بِالمَشْهَدِ اللَّاحِقِ حِينَ جَاءَتِ الجُمُوعُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى الجَبَلِ حَامِلَةً المَرْضَى، فَشَفَاهُمْ وَمَجَّدُوا إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ (مَتَّى 15: 29-31). فَفِي قِرَاءَتِهِ، تُصْبِحُ الكَنْعَانِيَّةُ بَاكُورَةً رَمْزِيَّةً لِهٰذَا الانْفِتَاحِ. (القِدِّيسُ هِيلَارِيُوس، شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، الفصل 15).
وَيَتَوَّجُ يَسُوعُ مَدْحَهُ بِقَوْلِهِ: “فَلْيَكُنْ لَكِ مَا تُرِيدِينَ”، ثُمَّ يُضِيفُ الإِنْجِيلُ: “فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ” (مَتَّى 15: 28). وَهٰذَا يَكْشِفُ سُلْطَانَ كَلِمَةِ المَسِيحِ الَّتِي تَشْفِي مِنْ بَعِيدٍ، كَمَا حَدَثَ مَعَ غُلَامِ قَائِدِ المِئَةِ (مَتَّى 8: 13). وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَصِفَ هٰذَا بِأَنَّهُ “مُكَافَأَةٌ” بِمَعْنَى الأَجْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الإِنْسَانُ، بَلْ هُوَ اسْتِجَابَةُ نِعْمَةٍ لإِيمَانٍ انْفَتَحَ عَلَى الرَّحْمَةِ. فَالإِيمَانُ لا يَشْتَرِي العَطِيَّةَ، بَلْ يَقْبَلُهَا. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي قِرَاءَتِهِ لِلْمَشْهَدِ أَنَّ التَّوَاضُعَ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى النِّعْمَةِ، وَأَنَّ مَنْ كَانُوا بَعِيدِينَ عَنِ الوَعْدِ قَدْ يَدْخُلُونَ إِلَى الخَلَاصِ بِالإِيمَانِ، فِي حِينِ أَنَّ الكِبْرِيَاءَ قَدْ تَحْجُبُ الإِنْسَانَ عَنْ قَبُولِ عَطِيَّةِ اللهِ. (القِدِّيسُ أوغسطينوس، العِظَةُ 77، §§9-11).
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ أَرْبَعَةِ أَبْعَادٍ رُوحِيَّةٍ فِي شَخْصِيَّةِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ:
أَوَّلًا: المَحَبَّةُ الوَالِدِيَّةُ. فَهِيَ حَمَلَتْ أَلَمَ ابْنَتِهَا كَأَلَمِهَا الشَّخْصِيِّ، وَجَاءَتْ إِلَى المَسِيحِ تَطْلُبُ لَهَا الخَلَاصَ. وَفِي ذٰلِكَ تَعْزِيَةٌ وَدَعْوَةٌ لِلآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ أَنْ يَحْمِلُوا أَوْلَادَهُمْ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَ اللهِ.
ثَانِيًا: التَّوَاضُعُ. فَهِيَ لَمْ تُطَالِبْ بِحَقٍّ، وَلَمْ تَتَكَبَّرْ أَمَامَ الكَلِمَةِ الصَّعْبَةِ، بَلْ بَقِيَتْ قَائِلَةً: “نَعَمْ، يَا رَبُّ”.
ثَالِثًا: المُثَابَرَةُ فِي الصَّلَاةِ. فَلَمْ يُسْكِتْهَا الصَّمْتُ، وَلَمْ يُثْنِهَا التَّأَخُّرُ، وَهٰذَا يَجْعَلُهَا مِثَالًا لِصَلَاةٍ “لا تَكِلُّ” (لُوقَا 18: 1).
رَابِعًا: الإِيمَانُ. وَهُوَ الجِذْرُ الَّذِي نَمَتْ مِنْهُ سَائِرُ الفَضَائِلِ: الثِّقَةُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالصَّبْرُ، وَالمُثَابَرَةُ. وَلِذٰلِكَ لَمْ يَمْدَحْ يَسُوعُ أَصْلَهَا وَلا ثَقَافَتَهَا، بَلْ قَالَ لَهَا: “عَظِيمٌ إِيمَانُكِ”. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ الَّتِي يُعْلِنُهَا بُولُسُ الرَّسُولُ: “فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ” (1 طِيمُوتَاوُس 2: 4). فَلَيْسَ فِي قَلْبِ اللهِ إِنْسَانٌ “بَعِيدٌ جِدًّا” عَنْ رَحْمَتِهِ، وَلا شَعْبٌ مَحْرُومٌ مِنْ دَعْوَةِ الخَلَاصِ.
وَهٰكَذَا تَنْتَهِي مَسِيرَةُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ بِانْتِقَالٍ رُوحِيٍّ وَاضِحٍ: مِنَ الصُّرَاخِ إِلَى السُّجُودِ، وَمِنَ السُّجُودِ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ الإِيمَانِ إِلَى المَدْحِ وَنَيْلِ النِّعْمَةِ. وَفِي هٰذَا كُلِّهِ تَبْقَى السُّؤَالُ الرَّعَوِيُّ مَوْجَّهًا إِلَيْنَا: هَلْ لَدَيْنَا إِيمَانُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، إِيمَانٌ يَثْبُتُ عِنْدَ الصَّمْتِ، وَيَسْجُدُ عِنْدَ الصُّعُوبَةِ، وَيَثِقُ بِرَحْمَةِ اللهِ حَتَّى النِّهَايَةِ؟
- شُمُولِيَّةُ رِسَالَةِ يَسُوعَ الإِنْجِيلِيَّةِ
تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ مُعْجِزَةِ شِفَاءِ ابْنَةِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ لا فِي إِيمَانِهَا فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي أَنَّهَا حَدَثَتْ فِي نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَا (مَتَّى 15: 21)، أَيْ فِي مِنْطَقَةٍ أُمَمِيَّةٍ خَارِجَ الإِطَارِ اليَهُودِيِّ المَأْلُوفِ. وَيَحْمِلُ هٰذَا المَوْقِعُ الجُغْرَافِيُّ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً وَاضِحَةً: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ الَّذِي يُعْلِنُهُ يَسُوعُ لا يَنْحَصِرُ فِي إِسْرَائِيلَ، بَلْ يَنْفَتِحُ عَلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ.
فَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ، مَعَ أَنَّهَا مِنَ الأُمَمِ، لَمْ تُحْرَمْ مِنْ رَحْمَةِ المَسِيحِ؛ بَلْ لَمَّا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ بِإِيمَانٍ وَاثِقٍ وَمُتَوَاضِعٍ، قَبِلَهَا وَمَدَحَ إِيمَانَهَا وَشَفَى ابْنَتَهَا. وَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ البَابُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ الإِنْسَانُ إِلَى نِعْمَةِ المَلَكُوتِ، لا الانْتِمَاءُ القَوْمِيُّ أَوِ العِرْقِيُّ وَحْدَهُ.
وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ الوَثَنِيِّينَ يَصِيرُونَ “الشَّعْبَ المُخْتَارَ” بِمَعْنًى يُلْغِي انْتِخَابَ إِسْرَائِيلَ، بَلْ نَقُولُ إِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ، بِالإِيمَانِ بِالمَسِيحِ، إِلَى شَرِكَةِ شَعْبِ اللهِ الجَدِيدِ وَالْوَاحِدِ، الَّذِي يَضُمُّ اليَهُودَ وَالأُمَمَ فِي وَحْدَةِ الخَلَاصِ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ صُورَةً لِلأُمَمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ بُعْدِهِمْ وَيَقْتَرِبُونَ مِنَ المَسِيحِ بِالإِيمَانِ، فَيَنَالُونَ مِنْهُ رَحْمَةَ الخَلَاصِ. (القِدِّيسُ هِيلَارِيُوس، شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، الفصل 15).
وَتَظْهَرُ شُمُولِيَّةُ رِسَالَةِ يَسُوعَ أَيْضًا فِي أَنَّ خِدْمَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَرْحَلَتِهَا الأُولَى مُوَجَّهَةً إِلَى “الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 15: 24؛ 10: 6)، تَحْمِلُ مُنْذُ البِدَايَةِ عَلَامَاتِ انْفِتَاحٍ وَاضِحَةً عَلَى الأُمَمِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالِانْفِتَاحُ عَلَى الأُمَمِ لَيْسَ خُطَّةً ثَانِيَةً ظَهَرَتْ بَعْدَ فَشَلِ الأُولَى، بَلْ هُوَ اكْتِمَالُ المَقْصَدِ الخَلَاصِيِّ الوَاحِدِ لِلهِ.
وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، تُعَدُّ حَادِثَةُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ عَلَامَةً اسْتِبَاقِيَّةً لِلإِرْسَالِيَّةِ الجَامِعَةِ الَّتِي سَيُسَلِّمُهَا المَسِيحُ القَائِمُ لِتَلَامِيذِهِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19). وَيُعَبِّرُ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ عَنْ هٰذِهِ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ: “اِذْهَبُوا فِي العَالَمِ كُلِّهِ وَأَعْلِنُوا البِشَارَةَ إِلَى الخَلْقِ أَجْمَعِينَ” (مَرْقُس 16: 15). وَيَؤُكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ رِسَالَتَهُ الرَّسُولِيَّةَ، وَهِيَ مُتَجَذِّرَةٌ فِي رِسَالَةِ المَسِيحِ، مُوَجَّهَةٌ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ: “بِهِ نِلْنَا النِّعْمَةَ وَالرِّسَالَةَ لِنَهْدِيَ جَمِيعَ الأُمَمِ إِلَى طَاعَةِ الإِيمَانِ إِكْرَامًا لاسْمِهِ” (رُومَة 1: 5). وَلٰكِنَّ شُمُولِيَّةَ الرِّسَالَةِ لا تُلْغِي أَوَّلِيَّةَ إِسْرَائِيلَ فِي التَّرْتِيبِ التَّارِيخِيِّ لِلْخَلَاصِ. فَبُولُسُ يَقُولُ: “إِنِّي لا أَسْتَحْيِي بِالبِشَارَةِ، فَهِيَ قُدْرَةُ اللهِ لِخَلَاصِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ” (رُومَة 1: 16). وَهٰكَذَا تَظْهَرُ القَاعِدَةُ الخَلَاصِيَّةُ بِوُضُوحٍ: إِسْرَائِيلُ أَوَّلًا، لا إِسْرَائِيلُ وَحْدَهُ.
فَأَوَّلِيَّةُ إِسْرَائِيلَ هِيَ أَوَّلِيَّةُ الوَعْدِ وَالتَّارِيخِ وَالدَّعْوَةِ، أَمَّا غَايَةُ الخَلَاصِ فَهِيَ جَمِيعُ الشُّعُوبِ. وَهٰذَا مَا يُعْلِنُهُ بُولُسُ بِصَرَاحَةٍ أَيْضًا: “فَلا فَرْقَ بَيْنَ اليَهُودِيِّ وَاليُونَانِيِّ، فَالرَّبُّ رَبُّهُمْ جَمِيعًا، يَجُودُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ” (رُومَة 10: 12). وَتَنْسَجِمُ هٰذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعَ خَطِّ إِنْجِيلِ مَتَّى مُنْذُ بِدَايَتِهِ. فَأَوَّلُ مَنْ يَأْتُونَ مِنْ خَارِجِ إِسْرَائِيلَ لِيَسْجُدُوا لِيَسُوعَ هُمُ المَجُوسُ مِنَ المَشْرِقِ (مَتَّى 2: 1-12). وَهُمْ يَظْهَرُونَ، مُنْذُ طُفُولَةِ يَسُوعَ، كَعَلَامَةٍ عَلَى أَنَّ الأُمَمَ سَتَأْتِي لِتَعْرِفَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ. كَذٰلِكَ أَعْلَنَ يَسُوعُ: “سَيَأْتِي كَثِيرُونَ مِنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ فَيَجْلِسُونَ عَلَى المَائِدَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 8: 11). فَمَائِدَةُ المَلَكُوتِ الَّتِي ظَهَرَتْ رَمْزِيًّا فِي حِوَارِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ سَتَتَّسِعُ فِي النِّهَايَةِ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالإِيمَانِ. وَفِي شِفَاءِ غُلَامِ قَائِدِ المِئَةِ الأُمَمِيِّ (مَتَّى 8: 5-13)، مَدَحَ يَسُوعُ الإِيمَانَ الَّذِي وَجَدَهُ خَارِجَ إِسْرَائِيلَ، كَمَا سَيَمْدَحُ إِيمَانَ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ. وَهٰذِهِ المَوَاقِفُ تُشَكِّلُ مَعًا إِشَارَاتٍ مُتَكَرِّرَةً إِلَى أَنَّ مِعْيَارَ الدُّخُولِ إِلَى المَلَكُوتِ هُوَ الإِيمَانُ، لا القَوْمِيَّةُ. وَفِي نِهَايَةِ الإِنْجِيلِ، يَقِفُ قَائِدُ المِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ عِنْدَ الصَّلِيبِ، وَلَمَّا رَأَوْا مَا حَدَثَ قَالُوا: “كَانَ هٰذَا ابْنَ اللهِ حَقًّا” (مَتَّى 27: 54). وَهٰكَذَا يَضَعُ مَتَّى اعْتِرَافًا بِهُوِيَّةِ يَسُوعَ عَلَى أَلْسِنَةِ أُمَمِيِّينَ أَيْضًا.
وَيَرْبِطُ مَتَّى رِسَالَةَ يَسُوعَ إِلَى الأُمَمِ بِنُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ عَنِ العَبْدِ: “هُوَذَا عَبْدِيَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِيَ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ […] فَيُبَشِّرُ الأُمَمَ بِالحَقِّ […] وَعَلَى اسْمِهِ تَجْعَلُ الأُمَمُ رَجَاءَهَا” (مَتَّى 12: 18، 21؛ راجع إِشَعْيَاء 42: 1-4). وَبِذٰلِكَ يَرَى مَتَّى فِي يَسُوعَ تَحْقِيقًا لِلرَّجَاءِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ حُدُودَ إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي امْتِدَادِ البِشَارَةِ إِلَى الأُمَمِ إِظْهَارًا لِوَفْرَةِ النِّعْمَةِ، لا إِلْغَاءً لِوَعْدِ اللهِ لإِسْرَائِيلَ؛ فَالمَسِيحُ يُتَمِّمُ الوَعْدَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَفْتَحُ بِشَارَتَهُ عَلَى المَعْمُورَةِ كُلِّهَا. وَهٰذَا المَعْنَى حَاضِرٌ فِي تَفْسِيرِهِ لإِرْسَالِيَّةِ مَتَّى 28: 19، حَيْثُ يَلْفِتُ إِلَى اتِّسَاعِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ القِيَامَةِ. وَيَسْتَعِدُّ إِنْجِيلُ مَتَّى لِهٰذِهِ الخَاتِمَةِ مُنْذُ وَقْتٍ مُبَكِّرٍ. فَيَقُولُ يَسُوعُ: “وَسَتُعْلَنُ بِشَارَةُ المَلَكُوتِ هٰذِهِ فِي المَعْمُورِ كُلِّهِ شَهَادَةً لَدَى الأُمَمِ أَجْمَعِينَ، وَحِينَئِذٍ تَأْتِي النِّهَايَةُ” (مَتَّى 24: 14).
وَفِي الإِرْسَالِيَّةِ الأُولَى أَرْسَلَ يَسُوعُ الاثْنَيْ عَشَرَ إِلَى إِسْرَائِيلَ: “اِذْهَبُوا إِلَى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ” (مَتَّى 10: 6)، أَمَّا بَعْدَ القِيَامَةِ فَتَتَّسِعُ الإِرْسَالِيَّةُ: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19). وَهٰذَا التَّدَرُّجُ لا يَعْنِي تَغَيُّرًا فِي إِرَادَةِ اللهِ، بَلْ تَطَوُّرًا فِي إِظْهَارِ الخُطَّةِ الخَلَاصِيَّةِ: مِنْ شَعْبٍ وَاحِدٍ يَحْمِلُ الوَعْدَ، إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّتِي تَنْعَمُ بِثَمَرِ ذٰلِكَ الوَعْدِ. وَقَدْ لَخَّصَ بُولُسُ هٰذَا السِّرَّ بِقَوْلِهِ عَنِ المَسِيحِ إِنَّهُ “هُوَ سَلَامُنَا، فَقَدْ جَعَلَ مِنَ الجَمَاعَتَيْنِ وَاحِدَةً، وَهَدَمَ فِي جَسَدِهِ الحَائِطَ الحَاجِزَ أَيْ العَدَاوَةَ” (أَفَسُس 2: 14). وَإِنْ كَانَ بُولُسُ يَتَكَلَّمُ هُنَا فِي ضَوْءِ صَلِيبِ المَسِيحِ، فَإِنَّ لِقَاءَ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ يُمَهِّدُ، عَلَى المُسْتَوَى الإِنْجِيلِيِّ، لِهٰذَا الإِعْلَانِ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى شَعْبٍ أَوْ عِرْقٍ أَوْ ثَقَافَةٍ، بَلْ هُوَ عَطِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ المَسِيحَ بِالإِيمَانِ. وَالإِيمَانُ لا يَمْحُو التَّمَايُزَاتِ البَشَرِيَّةَ، بَلْ يَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى جُدْرَانِ عَدَاوَةٍ وَإِقْصَاءٍ. وَهٰذَا يَضَعُ أَمَامَ الكَنِيسَةِ مَسْؤُولِيَّةً رَسُولِيَّةً وَرَعَوِيَّةً. فَالكَنِيسَةُ لا تَمْلِكُ الخَلَاصَ كَمِلْكِيَّةٍ خَاصَّةٍ، بَلْ تُؤْتَمَنُ عَلَى إِعْلَانِهِ وَالشَّهَادَةِ لَهُ. وَمِنْ ثَمَّ، عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ بَيْتًا مُنْفَتِحًا لِكُلِّ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ اللهِ بِقَلْبٍ صَادِقٍ، وَأَنْ تَعْمَلَ بِحَيْثُ لا تَصِيرَ الحَوَاجِزُ البَشَرِيَّةُ عَائِقًا أَمَامَ البِشَارَةِ.
وَلٰكِنَّ هٰذَا الانْفِتَاحَ لا يَعْنِي إِذَابَةَ حَقِيقَةِ الإِنْجِيلِ أَوْ إِلْغَاءَ دَعْوَةِ الإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ، بَلْ يَعْنِي أَنْ تُقَدَّمَ البِشَارَةُ لِلْجَمِيعِ مِنْ دُونِ تَمْيِيزٍ أَوْ احْتِقَارٍ أَوْ اسْتِعْلَاءٍ. وَمِنْ هُنَا يُعَلِّمُنَا النَّصُّ أَلَّا نَنْظُرَ إِلَى الآخَرِ بِنَظْرَةِ الازْدِرَاءِ أَوِ العُنْصُرِيَّةِ أَوِ الكَرَاهِيَةِ، بَلْ أَنْ نَرَى فِيهِ إِنْسَانًا مَدْعُوًّا هُوَ أَيْضًا إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. فَالآخَرُ لَيْسَ مُنَافِسًا لَنَا عَلَى النِّعْمَةِ؛ لأَنَّ نِعْمَةَ اللهِ لا تَنْقُصُ حِينَ يَشْتَرِكُ فِيهَا آخَرُونَ.
وَيُعَلِّمُنَا المَسِيحُ أَيْضًا، مِنْ خِلَالِ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، أَنْ نَحْمِلَ آلامَ الآخَرِينَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ نَكُونَ وَسَائِطَ خَيْرٍ وَشَفَاعَةٍ، لا حَوَاجِزَ أَمَامَ مَنْ يَبْحَثُونَ عَنْهُ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ دَعْوَةِ يَعْقُوبَ الرَّسُولِ: “صَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ لِكَيْ تُشْفَوْا” (يَعْقُوب 5: 16).
وَفِي ضَوْءِ كُلِّ ذٰلِكَ، تَبْقَى صَرْخَةُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ صَلَاةً لِلْكَنِيسَةِ وَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! أَغِثْنَا، يَا رَبُّ!”. فَنَحْنُ جَمِيعًا نَحْيَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنَّا حَقًّا فِي الاسْتِعْلَاءِ عَلَى الآخَرِ.
وَخُلَاصَةُ هٰذَا المِحْوَرِ أَنَّ رِسَالَةَ يَسُوعَ خَلَاصِيَّةٌ وَجَامِعَةٌ: تَبْدَأُ مِنْ إِسْرَائِيلَ، لٰكِنَّهَا تَتَّجِهُ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وَتَنْطَلِقُ مِنْ وَعْدِ اللهِ لِلآبَاءِ، لٰكِنَّهَا تَبْلُغُ غَايَتَهَا فِي دَعْوَةِ العَالَمِ كُلِّهِ إِلَى الإِيمَانِ. وَهٰذَا هُوَ الدَّرْسُ الَّذِي تُجَسِّدُهُ المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ: لا حُدُودَ لِرَحْمَةِ اللهِ أَمَامَ قَلْبٍ يَفْتَحُ ذَاتَهُ لِلْمَسِيحِ بِالإِيمَانِ.
الخُلَاصَةُ
يَحْمِلُ لِقَاءُ يَسُوعَ بِالمَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ (مَتَّى 15: 21-28) ثَلَاثَ عِبَرٍ رَئِيسِيَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِشُمُولِيَّةِ الخَلَاصِ، وَالمُثَابَرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنُّمُوِّ فِي مَعْرِفَةِ شَخْصِ المَسِيحِ.
العِبْرَةُ الأُولَى هِيَ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَخَلَاصَهُ لا يَنْحَصِرَانِ فِي شَعْبٍ أَوْ عِرْقٍ، بَلْ يَنْفَتِحَانِ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ يَقْبَلُ المَسِيحَ بِالإِيمَانِ. وَقَدْ تَجَلَّى ذٰلِكَ فِي المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ الَّتِي، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا مِنَ الأُمَمِ، نَالَتْ مَدْحَ يَسُوعَ: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! فَلْيَكُنْ لَكِ مَا تُرِيدِينَ” (مَتَّى 15: 28). وَهٰكَذَا تَصِيرُ هٰذِهِ الحَادِثَةُ عَلامَةً اسْتِبَاقِيَّةً لانْفِتَاحِ البِشَارَةِ عَلَى جَمِيعِ الأُمَمِ.
وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ إِيمَانَ هٰذِهِ المَرْأَةِ “أَنْشَأَ” رِسَالَةَ الأُمَمِ، بَلْ إِنَّهُ كَشَفَ مُبَكِّرًا عَنْ خُطَّةِ اللهِ الَّتِي كَانَتْ، مُنْذُ البِدَايَةِ، مُتَّجِهَةً إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَاللهُ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ: “وَيَتَبَارَكُ بِكَ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ” (تَكْوِين 12: 3)، وَأَكْمَلَ المَسِيحُ هٰذَا الوَعْدَ فِي إِرْسَالِ تَلَامِيذِهِ: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مَتَّى 28: 19).
وَهُنَا لا يَبْقَى المَعْيَارُ هُوَ النَّسَبَ أَوِ الانْتِمَاءَ القَوْمِيَّ، بَلِ الإِيمَانَ. فَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ هُنَاكَ “أَبْنَاءً” ذَوِي قِيمَةٍ وَ”كِلَابًا” أَدْنَى مِنْهُمْ فِي الكَرَامَةِ؛ بَلْ إِنَّ صُورَةَ المَثَلِ تَخْدِمُ تَرْتِيبَ الرِّسَالَةِ: إِسْرَائِيلُ أَوَّلًا، ثُمَّ الأُمَمُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ كَرَامَةَ كُلِّ إِنْسَانٍ وَدَعْوَتَهُ إِلَى الخَلَاصِ ثَابِتَتَانِ فِي قَصْدِ اللهِ.
العِبْرَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ المُثَابَرَةُ فِي الصَّلَاةِ. فَالمَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ لَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ الصَّمْتِ، وَلَمْ تَيْأَسْ أَمَامَ التَّأَخُّرِ، بَلْ اقْتَرَبَتْ وَسَجَدَتْ وَقَالَتْ: “أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!” (مَتَّى 15: 25). وَيَكْشِفُ هٰذَا المَوْقِفُ أَنَّ الصَّلَاةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَقُومُ عَلَى كَثْرَةِ الكَلِمَاتِ، بَلْ عَلَى ثِقَةٍ تَثْبُتُ حَتَّى عِنْدَمَا يَتَأَخَّرُ الجَوَابُ. وَيَنْسَجِمُ ذٰلِكَ مَعَ نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ: “أَسْكُنُ مَعَ المُنْسَحِقِ وَالمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ، لأُحْيِيَ أَرْوَاحَ المُتَوَاضِعِينَ وَأُحْيِيَ قُلُوبَ المُنْسَحِقِينَ” (إِشَعْيَاء 57: 15). فَانْسِحَاقُ القَلْبِ أَمَامَ اللهِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ مَوْقِفُ الإِنْسَانِ الَّذِي يَعْرِفُ حَاجَتَهُ وَيَثِقُ بِالرَّحْمَةِ.
وَتُعَلِّمُنَا المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ أَيْضًا صَلَاةَ الشَّفَاعَةِ، لأَنَّهَا لَمْ تَطْلُبْ لِنَفْسِهَا، بَلْ حَمَلَتْ ابْنَتَهَا أَمَامَ المَسِيحِ: “إِنَّ ابْنَتِي يَتَخَبَّطُهَا الشَّيْطَانُ تَخَبُّطًا شَدِيدًا” (مَتَّى 15: 22). وَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَ حَاجَاتِ الآخَرِينَ أَمَامَ اللهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ رَبْطُ هٰذِهِ الرِّوَايَةِ، فِي الإِيمَانِ الكَنَسِيِّ، بِمَعْنَى الشَّفَاعَةِ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى الحَقِيقَةِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يُعْلِنُهَا بُولُسُ: “فَإِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، وَالوَسِيطَ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ وَاحِدٌ، وَهُوَ المَسِيحُ يَسُوعُ الإِنْسَانُ” (1 طِيمُوتَاوُس 2: 5). فَكُلُّ شَفَاعَةٍ مَسِيحِيَّةٍ تَبْقَى دَاخِلَ وَسَاطَةِ المَسِيحِ الوَحِيدَةِ وَمُشَارِكَةً فِيهَا، لا مُنَافَسَةً لَهَا.
وَبِهٰذَا المَعْنَى نَفْهَمُ شَفَاعَةَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَشَفَاعَةَ القِدِّيسِينَ، وَتَوَسُّلَ مَرْيَمَ فِي عُرْسِ قَانَا حِينَ قَالَتْ لِيَسُوعَ: “لَيْسَ عِنْدَهُمْ خَمْرٌ” (يُوحَنَّا 2: 3). وَجَمِيعُ هٰذِهِ الأَشْكَالِ مِنَ الشَّفَاعَةِ لا تَسْتَقِلُّ عَنْ المَسِيحِ، بَلْ تَسْتَمِدُّ قُوَّتَهَا مِنْهُ.
العِبْرَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ النُّمُوُّ فِي مَعْرِفَةِ شَخْصِ يَسُوعَ. فَالمَرْأَةُ بَدَأَتْ بِالنِّدَاءِ: “يَا رَبُّ، يَا ابْنَ دَاوُدَ” (مَتَّى 15: 22)، وَهُوَ لَقَبٌ مَسِيحَانِيٌّ يَرْبِطُ يَسُوعَ بِوَعْدِ دَاوُدَ وَبِرَجَاءِ إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ، مَعَ تَقَدُّمِ الحِوَارِ، تَرَكَّزَ نِدَاؤُهَا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: “يَا رَبُّ!” (مَتَّى 15: 25، 27). وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا المَسَارِ تَعَمُّقًا فِي إِيمَانِهَا وَثِقَتِهَا بِيَسُوعَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَفْتَرِضَ أَنَّ مُجَرَّدَ تَغَيُّرِ اللَّقَبِ يَعْنِي اكْتِمَالًا فَوْرِيًّا لِكُلِّ مَعْرِفَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ. فَالنَّصُّ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ المَرْأَةَ صَارَتْ أَكْثَرَ تَعَلُّقًا بِشَخْصِ يَسُوعَ نَفْسِهِ، لا بِمُجَرَّدِ صُورَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ قَوْمِيَّةٍ عَنِ المَسِيحِ. وَهُنَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ إِلَيْنَا: مَنْ هُوَ المَسِيحُ الَّذِي نُرِيدُهُ؟ أَنُرِيدُهُ مَسِيحًا يَخْدُمُ رَغَبَاتِنَا فَقَطْ، وَيُحَقِّقُ لَنَا مَا نَطْلُبُهُ مَتَى نَشَاءُ؟ أَمْ نَقْبَلُهُ رَبًّا عَلَى حَيَاتِنَا، وَنَثِقُ بِهِ حَتَّى عِنْدَمَا لا نَفْهَمُ طَرِيقَهُ وَتَوْقِيتَهُ؟
وَأَخِيرًا، تُعَلِّمُنَا قِصَّةُ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ المُثَابَرَةَ فِي الطَّلَبِ مِنْ دُونِ يَأْسٍ، وَلٰكِنْ مِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّنَا “نَأْخُذُ مِنَ اللهِ كُلَّ مَا نَتَمَنَّاهُ” بِمُجَرَّدِ الإِلْحَاحِ. فَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ وَسِيلَةً لإِجْبَارِ اللهِ عَلَى تَنْفِيذِ إِرَادَتِنَا، بَلْ هِيَ مَسِيرَةٌ نَضَعُ فِيهَا حَاجَاتِنَا أَمَامَ أَبٍ مُحِبٍّ، وَنَثِقُ بِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِخَيْرِنَا بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. فَاللهُ “يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ” (1 طيموثاوس 2: 4)، وَهٰذَا مَا يَجْعَلُنَا نُثَابِرُ فِي الصَّلَاةِ بِرَجَاءٍ، لا بِادِّعَاءِ الاسْتِحْقَاقِ. وَهٰكَذَا تَبْقَى المَرْأَةُ الكَنْعَانِيَّةُ نَمُوذَجًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَصْرُخُ وَلا يَيْأَسُ، يَسْجُدُ وَلا يَنْسَحِبُ، يَتَوَاضَعُ وَلا يَفْقِدُ رَجَاءَهُ، وَيَثِقُ بِأَنَّ رَحْمَةَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ حَاجِزٍ. وَمِنْ هُنَا تَبْقَى صَرْخَتُهَا صَلاتَنَا أَيْضًا: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! أَغِثْنَا، يَا رَبُّ!”
دُعَاء
أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ، يَا مَنْ خَرَجْتَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَا فَالْتَقَيْتَ بِالمَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ، وَرَأَيْتَ إِيمَانَهَا وَتَوَاضُعَهَا وَمُثَابَرَتَهَا، وَلَمْ تَرُدَّهَا خَائِبَةً، هَبْنَا إِيمَانًا عَظِيمًا عَلَى مِثَالِهَا، وَقَلْبًا مُتَوَاضِعًا يَثِقُ بِرَحْمَتِكَ وَلا يَيْأَسُ أَمَامَ الصُّعُوبَاتِ.
عَلِّمْنَا أَنْ نَثْبُتَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ نَطْلُبَ رَحْمَتَكَ مِنْ أَجْلِنَا، وَأَنْ نَحْمِلَ إِلَيْكَ فِي صَلاتِنَا جَمِيعَ المَرْضَى وَالمُتَأَلِّمِينَ وَالمُحْتَاجِينَ إِلَى شِفَائِكَ وَعَزَائِكَ.
يَا رَبُّ، أَزِلْ مِنْ قُلُوبِنَا كُلَّ حَاجِزٍ يَفْصِلُنَا عَنْكَ أَوْ عَنْ إِخْوَتِنَا، وَاجْعَلْنَا نَفْهَمُ أَنَّ رَحْمَتَكَ مَفْتُوحَةٌ لِجَمِيعِ البَشَرِ، وَأَنَّكَ تَدْعُو كُلَّ إِنْسَانٍ إِلَى شَرِكَةِ الخَلَاصِ وَإِلَى مَائِدَةِ مَلَكُوتِكَ.
وَكَمَا مَدَحْتَ إِيمَانَ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ قَائِلًا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28)، هَبْنَا أَنْ نَحْيَا إِيمَانًا ثَابِتًا، وَرَجَاءً لا يَخِيبُ، وَمَحَبَّةً تَحْمِلُ آلامَ الآخَرِينَ أَمَامَكَ. فَنَحْصُلَ عَلَى نِعْمَةِ خَلَاصِكَ، وَنَحْيَا كَأَبْنَاءٍ لِلآبِ فِي مَلَكُوتِكَ، شَاكِرِينَ لَكَ وَمُرَدِّدِينَ بِإِيمَانٍ صَرْخَةَ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! يَا ابْنَ دَاوُدَ، أَغِثْنَا يَا رَبُّ، يَا سَيِّدَنَا يَسُوعَ المَسِيحَ”. آمِينَ.
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ القِدِّيسَةُ مُونِيكَا: أُمٌّ لَمْ تَكُفَّ عَنِ الصَّلَاةِ
مِنْ أَجْمَلِ القِصَصِ الوَاقِعِيَّةِ الَّتِي تُذَكِّرُنَا بِالمَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ قِصَّةُ القِدِّيسَةِ مُونِيكَا، أُمِّ القِدِّيسِ أوغسطينوس. فَكَمَا حَمَلَتِ الكَنْعَانِيَّةُ أَلَمَ ابْنَتِهَا إِلَى يَسُوعَ، حَمَلَتْ مُونِيكَا ابْنَهَا فِي قَلْبِهَا وَصَلَاتِهَا سِنِينَ طَوِيلَةً.
وُلِدَ أوغسطينوس سَنَةَ 354م فِي شَمَالِ أَفْرِيقِيَا. وَكَانَ شَابًّا شَدِيدَ الذَّكَاءِ، مُحِبًّا لِلْعِلْمِ وَالبَحْثِ، لٰكِنَّهُ ابْتَعَدَ فِي شَبَابِهِ عَنِ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ الَّذِي عَاشَتْهُ أُمُّهُ مُونِيكَا، وَانْجَذَبَ إِلَى أَفْكَارٍ وَمَذَاهِبَ بَعِيدَةٍ عَنْ إِيمَانِهَا.
كَانَتْ مُونِيكَا تَرَى ابْنَهَا يَبْتَعِدُ عَنْ اللهِ، وَلَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى إِجْبَارِهِ عَلَى العَوْدَةِ. لٰكِنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ سِلَاحًا آخَرَ: الصَّلَاةَ وَالدُّمُوعَ وَالصَّبْرَ وَالرَّجَاءَ. فَصَلَّتْ مِنْ أَجْلِهِ سِنِينَ طَوِيلَةً، وَطَلَبَتْ مِنَ اللهِ أَلَّا يَتْرُكَهُ يَضِيعُ.
وَكَأَنَّ صَلَاتَهَا كَانَتْ تُرَدِّدُ صَرْخَةَ المَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! […] إِنَّ ابْنَتِي يَتَخَبَّطُهَا الشَّيْطَانُ تَخَبُّطًا شَدِيدًا” (مَتَّى 15: 22). فَالكَنْعَانِيَّةُ صَرَخَتْ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهَا، وَمُونِيكَا صَلَّتْ وَبَكَتْ مِنْ أَجْلِ ابْنِهَا.
وَذَاتَ مَرَّةٍ ذَهَبَتْ مُونِيكَا إِلَى أُسْقُفٍ، وَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُحَاوِرَ أوغسطينوس وَيُقْنِعَهُ بِخَطَئِهِ. فَرَأَى الأُسْقُفُ أَنَّ الوَقْتَ لَمْ يَحِنْ بَعْدُ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي الصَّلَاةِ. وَيَرْوِي أوغسطينوس نَفْسُهُ فِي كتاب ” الاعترافات“ أَنَّ الأُسْقُفَ، أَمَامَ إِلْحَاحِهَا وَدُمُوعِهَا، طَمْأَنَهَا بِأَنَّ ابْنًا تُذْرَفُ مِنْ أَجْلِهِ هٰذِهِ الدُّمُوعُ لا يُتْرَكُ لِلضَّيَاعِ (أوغسطينوس، الاعترافات، 3، 12، 21). مَرَّتِ السِّنُونُ، وَلَمْ تَرَ مُونِيكَا الاسْتِجَابَةَ سَرِيعًا. وَهُنَا تَشَابَهَتْ خِبْرَتُهَا مَعَ خِبْرَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: صَمْتٌ، وَانْتِظَارٌ، وَأَلَمٌ، وَلٰكِنْ مِنْ دُونِ يَأْسٍ.
وَسَافَرَ أوغسطينوس إِلَى إِيطَالِيَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ فِي مِيلَانُو، وَهُنَاكَ التَقَى بِالقِدِّيسِ أمبروسيوس وَمِنْ خِلَالِ وَعْظِ أَمْبْرُوسِيُوسَ، وَقِرَاءَةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، وَصِرَاعٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ، بَدَأَ قَلْبُ أوغسطينوس يَتَغَيَّرُ.
وَفِي سَنَةِ 386م حَدَثَ التَّحَوُّلُ الحَاسِمُ فِي حَيَاتِهِ. وَفِي عِيدِ الفِصْحِ سَنَةَ 387م نَالَ المَعْمُودِيَّةَ عَلَى يَدِ القِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ. وَهٰكَذَا رَأَتْ مُونِيكَا، بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الدُّمُوعِ وَالصَّلَاةِ، ابْنَهَا يَعُودُ إِلَى المَسِيحِ.
وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ الابْنَ الَّذِي صَلَّتْ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِهِ سَيَصِيرُ بَعْدَ ذٰلِكَ أُسْقُفًا، وَمِنْ أَعْظَمِ مُعَلِّمِي الكَنِيسَةِ، وَأَنَّ كُتُبَهُ سَتُؤَثِّرُ فِي أَجْيَالٍ مِنَ المَسِيحِيِّينَ.
وَقُبَيْلَ وَفَاتِهَا فِي أُوسْتِيَا سَنَةَ 387م، شَعَرَتْ مُونِيكَا أَنَّ أَعْمَقَ أُمْنِيَةٍ فِي حَيَاتِهَا قَدْ تَحَقَّقَتْ. وَيَنْقُلُ أوغسطينوس عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا مَا تَرْجُوهُ مِنْ هٰذِهِ الحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ رَأَتْهُ مَسِيحِيًّا كَاثُولِيكِيًّا (الاعترافات، 9، 10).
العِبْرَةُ
تُذَكِّرُنَا مُونِيكَا بِالمَرْأَةِ الكَنْعَانِيَّةِ: أُمٌّ تَتَأَلَّمُ مِنْ أَجْلِ ابْنِهَا، وَأُمٌّ لا تَسْتَسْلِمُ لِلْيَأْسِ، وَأُمٌّ تَحْمِلُ مَنْ تُحِبُّ إِلَى اللهِ حَتَّى عِنْدَمَا يَطُولُ الانْتِظَارُ. لٰكِنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ أَنَّ الإِلْحَاحَ يُجْبِرُ اللهَ عَلَى تَنْفِيذِ مَا نُرِيدُ، بَلْ أَنَّ الصَّلَاةَ المُثَابِرَةَ تَضَعُ مَنْ نُحِبُّهُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَتُبْقِي قُلُوبَنَا مُتَعَلِّقَةً بِرَحْمَتِهِ حَتَّى عِنْدَمَا لا نَرَى النَّتِيجَةَ فَوْرًا.
فَالكَنْعَانِيَّةُ سَمِعَتْ أَخِيرًا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” (مَتَّى 15: 28)، وَمُونِيكَا رَأَتْ بَعْدَ سِنِينَ ثَمَرَ صَلاتِهَا فِي حَيَاةِ ابْنِهَا. وَهٰكَذَا تَقُولُ القِصَّتَانِ لِكُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ، وَلِكُلِّ مَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ إِنْسَانٍ يُحِبُّهُ: لا تَكُفَّ عَنِ المَحَبَّةِ، وَلا تَكُفَّ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلا تَفْقِدِ الرَّجَاءَ؛ وَضَعْ مَنْ تُحِبُّهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وَقُلْ مَعَ الكَنْعَانِيَّةِ: “رُحْمَاكَ، يَا رَبُّ! أَغِثْنِي، يَا رَبُّ!”