عِيدُ انْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى السَّمَاءِ… كَيْفَ نَعِيشُهُ؟

عِيدُ انْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى السَّمَاءِ… كَيْفَ نَعِيشُهُ؟

أ. د. لُوَيْس حَزْبُون

مُقَدِّمَة

يُعَدُّ انْتِقَالُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى مَجْدِ السَّمَاءِ مِنْ أَسْمَى الْعَقَائِدِ الْمَرْيَمِيَّةِ فِي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، إِذْ يَكْشِفُ عَنْ تَتْوِيجِ عَمَلِ نِعْمَةِ اللهِ فِي مَرْيَمَ، وَعَنْ مُشَارَكَتِهَا الْفَرِيدَةِ فِي سِرِّ ابْنِهَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَفِي انْتِصَارِهِ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ. وَالْعَقِيدَةُ، فِي الْمَفْهُومِ الْكَاثُولِيكِيِّ، هِيَ حَقِيقَةٌ إِيمَانِيَّةٌ مُوحًى بِهَا مِنَ اللهِ، تُعْلِنُهَا الْكَنِيسَةُ بِسُلْطَانِهَا التَّعْلِيمِيِّ إِعْلَانًا نِهَائِيًّا، وَتَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَبُولِهَا بِإِيمَانٍ ثَابِتٍ.

وَقَدْ حَدَّدَ الْبَابَا بِيُوسُ الثَّانِي عَشَرَ هٰذِهِ الْعَقِيدَةَ تَحْدِيدًا رَسْمِيًّا فِي الدُّسْتُورِ الرَّسُولِيِّ، الصَّادِرِ فِي 1 تِشْرِينَ الثَّانِي 1950، مُعْلِنًا أَنَّ مَرْيَمَ، أُمَّ اللهِ الْمُنَزَّهَةَ عَنِ الْخَطِيئَةِ، الدَّائِمَةَ الْبَتُولِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَتْ مَسِيرَةَ حَيَاتِهَا الْأَرْضِيَّةِ، انْتَقَلَتْ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ (Munificentissimus Deus، 44).

وَيَرْتَبِطُ سِرُّ الِانْتِقَالِ ارْتِبَاطًا عَمِيقًا بِهُوِيَّةِ مَرْيَمَ وَدَعْوَتِهَا؛ فَهِيَ أُمُّ اللهِ، وَالْمُمْتَلِئَةُ نِعْمَةً (لوقا 1: 28)، وَالَّتِي اسْتَسْلَمَتْ كُلِّيًّا لِعَمَلِ الرُّوحِ الْقُدُسِ مُنْذُ بَدْءِ دَعْوَتِهَا: “هَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ” (لوقا 1: 38). لِذٰلِكَ لَا يُفْهَمُ انْتِقَالُهَا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ اتِّحَادِهَا الْفَرِيدِ بِابْنِهَا وَبِسِرِّهِ الْفِصْحِيِّ: فَالَّتِي شَارَكَتْهُ مَسِيرَةَ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالأَلَمِ، شَارَكَتْهُ أَيْضًا، بِنِعْمَةٍ خَاصَّةٍ، مَجْدَ انْتِصَارِهِ عَلَى الْمَوْتِ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ عَظَمَةَ مَرْيَمَ لَا تَنْبَعُ مِنْ قُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنِ اللهِ، بَلْ مِنْ عَمَلِ النِّعْمَةِ فِيهَا وَمِنْ جَوَابِهَا الْحُرِّ وَالْكَامِلِ لِهٰذِهِ النِّعْمَةِ. فَهِيَ الَّتِي أَعْلَنَتْ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ… لِأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ إِلَيَّ عَظَائِمَ» (لوقا 1: 46، 49). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ عِيدُ الِانْتِقَالِ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَنْ عَظَائِمِ اللهِ الَّتِي صَنَعَهَا فِي مَرْيَمَ.

وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ الِانْتِقَالَ لَيْسَ امْتِيَازًا مَرْيَمِيًّا مُنْفَصِلًا عَنَّا، بَلْ هُوَ أَيْضًا عَلَامَةُ رَجَاءٍ لِلْكَنِيسَةِ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ. فَمَا تَحَقَّقَ فِي مَرْيَمَ بِصُورَةٍ مُسْبَقَةٍ هُوَ مَا نَنْتَظِرُ اكْتِمَالَهُ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ، حِينَ “يُغَيِّرُ (الْمَسِيحُ) هَيْئَةَ جَسَدِنَا الْحَقِيرِ فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ الْمَجِيدِ: (فيلبّي 3: 21). فَمَرْيَمُ الْمُنْتَقِلَةُ إِلَى السَّمَاءِ هِيَ صُورَةُ الْكَنِيسَةِ فِي اكْتِمَالِهَا، وَبَاكُورَةُ الرَّجَاءِ الْمَسِيحِيِّ، وَعَلَامَةُ انْتِصَارِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ.

وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ عَلَيْنَا عِيدُ انْتِقَالِ الْعَذْرَاءِ سُؤَالًا لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ فَهْمِ الْعَقِيدَةِ نَفْسِهَا: كَيْفَ نَعِيشُ هٰذَا الْعِيدَ؟ فَالِاحْتِفَالُ بِمَرْيَمَ الْمُنْتَقِلَةِ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَكْرِيمِ امْتِيَازٍ نَالَتْهُ، بَلْ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكَتْهُ: طَرِيقَ الإِيمَانِ، وَالإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ، وَالطَّاعَةِ لِمَشِيئَتِهِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالْخِدْمَةِ، وَالرَّجَاءِ؛ حَتَّى يَصِيرَ مَجْدُ مَرْيَمَ وَعْدًا يُنِيرُ حَاضِرَنَا وَيُوَجِّهُ أَنْظَارَنَا نَحْوَ غَايَتِنَا الأَخِيرَةِ: الْحَيَاةِ مَعَ اللهِ فِي مَجْدِ الْقِيَامَةِ.

العَقِيدَةُ وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ

لَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ نَصٌّ يَرْوِي انْتِقَالَ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ رِوَايَةً تَارِيخِيَّةً مُبَاشِرَةً، غَيْرَ أَنَّ عَقِيدَةَ انْتِقَالِهَا بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ تَنْسَجِمُ انْسِجَامًا عَمِيقًا مَعَ مُجْمَلِ الْوَحْيِ الْكِتَابِيِّ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ التَّعْلِيمِ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، وَانْتِصَارِهِ عَلَى الْمَوْتِ، وَدَعْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي مَجْدِ قِيَامَتِهِ.

أَوَّلًا: الْمَرْأَةُ الْمُلْتَحِفَةُ بِالشَّمْسِ (رؤيا 12: 1-6)

يُقَدِّمُ سِفْرُ الرُّؤْيَا صُورَةً رَمْزِيَّةً بَالِغَةَ الْغِنَى: “وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُلْتَحِفَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا. حَامِلٌ تَصْرُخُ مِنْ أَلَمِ الْمَخَاضِ… فَوَضَعَتِ ابْنًا ذَكَرًا، وَهُوَ الَّذِي سَوْفَ يَرْعَى جَمِيعَ الْأُمَمِ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ” (رؤيا 12: 1-2، 5).

لَا يَنْبَغِي، مِنَ النَّاحِيَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ، حَصْرُ هٰذِهِ الْمَرْأَةِ فِي شَخْصِ مَرْيَمَ وَحْدَهَا؛ فَالصُّورَةُ تَحْمِلُ أَوَّلًا بُعْدًا جَمَاعِيًّا وَخَلَاصِيًّا، إِذْ تَرْمُزُ إِلَى شَعْبِ اللهِ، إِسْرَائِيلَ الَّذِي مِنْهُ وُلِدَ الْمَسِيحُ، وَإِلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي تَلِدُ أَبْنَاءَ اللهِ وَتُوَاجِهُ قُوَى الشَّرِّ. غَيْرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ الْمَسِيحِيَّ رَأَى فِي هٰذِهِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا بُعْدًا مَرْيَمِيًّا؛ فَمَرْيَمُ هِيَ أُمُّ الْمَسِيحِ، وَفِي شَخْصِهَا تَتَجَسَّدُ صُورَةُ شَعْبِ اللهِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَنِيسَةِ فِي كَمَالِ اسْتِجَابَتِهَا لِنِعْمَةِ اللهِ.

وَمِنْ هٰذَا الْمَنْظُورِ، تُصْبِحُ صُورَةُ الْمَرْأَةِ الْمُلْتَحِفَةِ بِالشَّمْسِ إِضَاءَةً كِتَابِيَّةً لِلسِّرِّ الَّذِي تَحْتَفِلُ بِهِ الْكَنِيسَةُ فِي عِيدِ الِانْتِقَالِ: مَرْيَمُ الَّتِي قَبِلَتِ ابْنَ اللهِ بِالإِيمَانِ، وَحَمَلَتْهُ فِي أَحْشَائِهَا، وَوَلَدَتْهُ بِحَسَبِ الْجَسَدِ، وَرَافَقَتْهُ فِي مَسِيرَةِ رِسَالَتِهِ حَتَّى الصَّلِيبِ، تُشَارِكُ الآنَ، بِنِعْمَةِ اللهِ، فِي مَجْدِ ابْنِهَا الْقَائِمِ. فَلَا أَرْوَعَ مِنْ هٰذَا الْمَشْهَدِ الْكِتَابِيِّ الَّذِي يُوَجِّهُ أَنْظَارَنَا إِلَى انْتِصَارِ اللهِ وَمَجْدِهِ الْمُعْلَنِ فِي خَلِيقَتِهِ.

وَيُضِيءُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا الِارْتِبَاطَ بَيْنَ مَرْيَمَ وَالْكَنِيسَةِ، إِذْ يَرَى أَنَّ مَرْيَمَ هِيَ أُمٌّ وَعُضْوٌ مُتَمَيِّزٌ فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ مَا يَظْهَرُ فِيهَا بِصُورَةٍ فَرِيدَةٍ يُضِيءُ سِرَّ الْكَنِيسَةِ كُلِّهَا (399، PL 40).  وَمِنْ هُنَا تَفْهَمُ الْكَنِيسَةُ مَرْيَمَ لَا مُنْفَصِلَةً عَنْهَا، بَلْ صُورَةً لَهَا وَاسْتِبَاقًا لِمَجْدِهَا الْمُقْبِلِ.

ثَانِيًا: مَرْيَمُ وَانْتِصَارُ الْمَسِيحِ عَلَى الْمَوْتِ

تَتَوَافَقُ عَقِيدَةُ انْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ مَعَ الْغَايَةِ النِّهَائِيَّةِ لِفِدَاءِ الْمَسِيحِ، أَيْ دَعْوَةِ الإِنْسَانِ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي قِيَامَتِهِ وَحَيَاتِهِ الْمَجِيدَةِ. فَالْمَوْتُ لَيْسَ الْكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ فِي الْمَصِيرِ الْبَشَرِيِّ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ وَطِئَ الْمَوْتَ بِمَوْتِهِ، وَقَامَ مُنْتَصِرًا عَلَيْهِ.

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ وَهُوَ بِكْرُ الَّذِينَ مَاتُوا… وَكَمَا يَمُوتُ جَمِيعُ النَّاسِ فِي آدَمَ، فَكَذٰلِكَ سَيُحْيَوْنَ جَمِيعًا فِي الْمَسِيحِ، كُلُّ وَاحِدٍ وَرُتْبَتُهُ: الْبِكْرُ أَوَّلًا وَهُوَ الْمَسِيحُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ خَاصَّةَ الْمَسِيحِ” (1 قورنتس 15: 20-23).

إِذًا، قِيَامَةُ الْمَسِيحِ لَيْسَتْ حَدَثًا يَخُصُّهُ وَحْدَهُ، بَلْ هِيَ بَدَايَةُ الْخَلْقِ الْجَدِيدِ وَعُرْبُونُ قِيَامَتِنَا. فَالْمَسِيحُ هُوَ “الْبِكْرُ”، وَالَّذِينَ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ مَدْعُوُّونَ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي حَيَاتِهِ الْمُقَامَةِ. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ الْفِصْحِيِّ تَفْهَمُ الْكَنِيسَةُ امْتِيَازَ مَرْيَمَ: فَالَّتِي اتَّحَدَتْ بِابْنِهَا اتِّحَادًا فَرِيدًا فِي الأُمُومَةِ وَالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالأَلَمِ، أُشْرِكَتْ، بِنِعْمَةٍ فَرِيدَةٍ، فِي انْتِصَارِهِ عَلَى الْمَوْتِ.

وَهٰذَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ عَبَّرَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ (نحو 675–749) عَنْ هٰذَا الِارْتِبَاطِ بَيْنَ أُمُومَةِ مَرْيَمَ الإِلَهِيَّةِ وَمَجْدِ انْتِقَالِهَا، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ كَانَ لَائِقًا أَنْ يُحْفَظَ مِنَ الْفَسَادِ جَسَدُ تِلْكَ الَّتِي حَمَلَتِ الْخَالِقَ فِي أَحْشَائِهَا، وَأَنْ تَسْكُنَ فِي الْمَسَاكِنِ السَّمَاوِيَّةِ مَعَ ابْنِهَا الَّذِي حَمَلَتْهُ وَخَدَمَتْ سِرَّهُ الْخَلَاصِيَّ (741، PG 96).

وَبِذٰلِكَ تَظْهَرُ مَرْيَمُ الْمُنْتَقِلَةُ إِلَى السَّمَاءِ أَيْقُونَةً لِمَصِيرِ الإِنْسَانِ الْمَفْدِيِّ؛ فَمَا تَحَقَّقَ فِيهَا بِصُورَةٍ مُسْبَقَةٍ وَفَرِيدَةٍ هُوَ مَا تَرْجُوهُ الْكَنِيسَةُ لِجَمِيعِ أَبْنَائِهَا. وَلِذٰلِكَ أَصْبَحَتْ مَرْيَمُ عَلَامَةَ رَجَاءٍ أَكِيدٍ وَتَعْزِيَةٍ لِشَعْبِ اللهِ الْمُسَافِرِ، الَّذِي يَسِيرُ بِالإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ عَلَى خُطَى الْمَسِيحِ نَحْوَ اكْتِمَالِ الْقِيَامَةِ.

ثَالِثًا: مِنَ الإِيمَانِ الْكِتَابِيِّ إِلَى التَّحْدِيدِ الْعَقَائِدِيِّ

عَاشَتِ الْكَنِيسَةُ، عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، الإِيمَانَ بِأَنَّ أُمَّ اللهِ، بَعْدَ اكْتِمَالِ مَسِيرَتِهَا الأَرْضِيَّةِ، لَمْ يَبْقَ جَسَدُهَا خَاضِعًا لِفَسَادِ الْقَبْرِ، بَلْ أُشْرِكَتْ بِكُلِّيَّةِ كِيَانِهَا فِي مَجْدِ ابْنِهَا. وَيَشْهَدُ التُّرَاثُ الآبَائِيُّ لِتَرَسُّخِ هٰذَا الإِيمَانِ، وَلَا سِيَّمَا فِي عِظَاتِ رُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ فِي التَّقْلِيدِ الشَّرْقِيِّ.

فَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ جِرْمَانُسُ الْقُسْطَنْطِينِيُّ أَنَّ جَسَدَ مَرْيَمَ، الَّذِي كَانَ مَسْكِنًا لِلَّهِ الْمُتَجَسِّدِ، لَمْ يَكُنْ لِيَبْقَى فِي سُلْطَانِ فَسَادِ الْمَوْتِ، بَلْ دُعِيَ إِلَى الْحَيَاةِ وَالْمَجْدِ مَعَ ابْنِهَا (346، PG 98).  وَهٰكَذَا يَكْشِفُ التُّرَاثُ الآبَائِيُّ أَنَّ الِانْتِقَالَ لَيْسَ فِكْرَةً مَعْزُولَةً عَنْ سِرِّ الْمَسِيحِ، بَلْ يُفْهَمُ فِي ضَوْءِ التَّجَسُّدِ وَالْفِصْحِ وَالْقِيَامَةِ.

وَقَدْ بَلَغَ هٰذَا الإِيمَانُ الْكَنَسِيُّ تَعْبِيرَهُ الْعَقَائِدِيَّ الرَّسْمِيَّ فِي الأَوَّلِ مِنْ تِشْرِينَ الثَّانِي 1950، خِلَالَ السَّنَةِ الْيُوبِيلِيَّةِ، حِينَ أَعْلَنَ الْبَابَا بِيُوسُ الثَّانِي عَشَرَ، فِي الدُّسْتُورِ الرَّسُولِيِّ، عَقِيدَةَ انْتِقَالِ مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ، مُحَدِّدًا: “إِنَّ وَالِدَةَ الإِلَهِ الطَّاهِرَةَ، مَرْيَمَ الدَّائِمَةَ الْبَتُولِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَتْ مَسِيرَةَ حَيَاتِهَا الأَرْضِيَّةِ، انْتَقَلَتْ بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ” (Munificentissimus Deus، 44). وَيُوَضِّحُ الْبَابَا أَنَّ الِاحْتِفَالَ بِهٰذَا السِّرِّ لَا يَعْنِي فَقَطْ أَنَّ فَسَادَ الْقَبْرِ لَمْ يَنَلْ مِنْ جَسَدِ الْعَذْرَاءِ، بَلْ يُعْلِنُ أَيْضًا انْتِصَارَهَا عَلَى الْمَوْتِ وَتَمْجِيدَهَا السَّمَاوِيَّ عَلَى مِثَالِ ابْنِهَا الْوَحِيدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ (Munificentissimus Deus، 20).

وَأَكَّدَ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي هٰذَا التَّعْلِيمَ، مُبَيِّنًا أَيْضًا بُعْدَهُ الْكَنَسِيَّ وَالأُخْرَوِيَّ؛ فَمَرْيَمُ، بَعْدَ أَنْ رُفِعَتْ بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ إِلَى مَجْدِ السَّمَاءِ، أَصْبَحَتْ “صُورَةَ الْكَنِيسَةِ وَبِدَايَتَهَا فِي اكْتِمَالِهَا فِي الدَّهْرِ الآتِي”، وَ”عَلَامَةَ رَجَاءٍ وَطِيدٍ وَتَعْزِيَةٍ لِشَعْبِ اللهِ الْمُسَافِرِ” (Lumen Gentium، 59، 68).

وَهٰكَذَا، فَإِنَّ عَقِيدَةَ الِانْتِقَالِ لَا تَفْصِلُ مَرْيَمَ عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ تَكْشِفُ عَمَّا صَنَعَهُ الْمَسِيحُ فِيهَا. إِنَّهَا ثَمَرَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ مِنْ ثِمَارِ فِدَائِهِ، وَعَلَامَةٌ مُسْبَقَةٌ لِمَا يُرِيدُ أَنْ يُحَقِّقَهُ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ يَثْبُتُ فِيهِ. فَنَحْنُ لَا نَحْتَفِلُ فِي انْتِقَالِ مَرْيَمَ بِمَجْدِهَا وَحْدَهَا، بَلْ بِانْتِصَارِ نِعْمَةِ اللهِ فِي الإِنْسَانِ، وَبِالرَّجَاءِ الَّذِي يَنْتَظِرُ كُلَّ مَنْ يَحْيَا وَيَمُوتُ فِي الْمَسِيحِ.

العَقِيدَةُ وَآبَاءُ الْكَنِيسَةِ

لَمْ تَظْهَرْ عَقِيدَةُ انْتِقَالِ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ فَجْأَةً فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، بَلْ نَمَتْ وَتَبَلْوَرَتْ عَبْرَ الْقُرُونِ فِي إِيمَانِ الشَّعْبِ الْمَسِيحِيِّ، وَفِي اللِّيتُورْجِيَا، وَفِي تَعْلِيمِ آبَاءِ الْكَنِيسَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الشَّرْقِ الْمَسِيحِيِّ، حَيْثُ ازْدَهَرَ الِاحْتِفَالُ بِـرُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ. وَمِنْ أَبْرَزِ الشُّهُودِ الآبَائِيِّينَ لِهٰذَا التُّرَاثِ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ (نحو 675–749)، الَّذِي خَصَّ رُقَادَ الْعَذْرَاءِ بِعِظَاتٍ لَاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، رَبَطَ فِيهَا مَجْدَ مَرْيَمَ بِسِرِّ التَّجَسُّدِ وَالْقِيَامَةِ وَانْتِصَارِ الْمَسِيحِ عَلَى الْمَوْتِ. وقد استند التعليم الكاثوليكي الحديث إلى هذه الشهادة الآبائية عند شرح عقيدة الانتقال.

أَوَّلًا: الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ وَسِرُّ انْتِقَالِ مَرْيَمَ

يَنْطَلِقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ مِنْ سُؤَالٍ لَاهُوتِيٍّ جَوْهَرِيٍّ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ فَسَادُ الْمَوْتِ أَنْ يَسُودَ عَلَى جَسَدِ تِلْكَ الَّتِي حَمَلَتْ فِي أَحْشَائِهَا “الْحَيَاةَ” نَفْسَهَا؟ فَمَرْيَمُ لَمْ تَنَلْ مَجْدَهَا بِقُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ، بَلْ بِسَبَبِ اتِّحَادِهَا الْفَرِيدِ بِابْنِهَا، كَلِمَةِ اللهِ الْمُتَجَسِّدِ. فالمنطق الذي يحكم فكر الدمشقي هو منطق اللِّيَاقَةِ اللاهوتية: كان لائقًا أن تشترك أمُّ الحياة في انتصار ابنها، مصدر الحياة، على الموت.

وَلِذٰلِكَ يَرَى الدِّمَشْقِيُّ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ الْمُقَدَّسَ الَّذِي اتَّخَذَهُ “الْكَلِمَةُ” مِنْ مَرْيَمَ قَامَ مِنَ الْمَوْتِ، كَذٰلِكَ كَانَ لَائِقًا أَنْ تُشَارِكَ الأُمُّ، بِنِعْمَةِ ابْنِهَا، فِي مَجْدِ الْقِيَامَةِ. فَيَقُولُ فِي عِظَتِهِ الثَّانِيَةِ عَلَى رُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ، بِمَعْنًى لَاهُوتِيٍّ بَالِغِ الْعُمْقِ، إِنَّهُ كَانَ لَائِقًا لِتِلْكَ الَّتِي حَمَلَتِ الْكَلِمَةَ الإِلَهِيَّ فِي أَحْشَائِهَا أَنْ تَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ ابْنِهَا السَّمَاوِيَّةِ، وَأَنْ تَدْخُلَ الْعَرُوسُ الَّتِي اخْتَارَهَا الآبُ إِلَى أَخْدَارِ السَّمَاءِ (–742 741، PG 96)، وهذا النص نفسه أورده البابا بندكتس السادس عشر عند شرحه لعيد الانتقال.

وَلَا يَقْصِدُ الْقِدِّيسُ بِذٰلِكَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ وَانْتِقَالِ مَرْيَمَ مُسَاوَاةً؛ فَالْمَسِيحُ قَامَ وَصَعِدَ بِسُلْطَانِهِ الإِلَهِيِّ، أَمَّا مَرْيَمُ فَنَالَتْ مَجْدَهَا نِعْمَةً مِنَ اللهِ وَثَمَرَةً مِنْ ثِمَارِ فِدَاءِ ابْنِهَا. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الِانْتِقَالَ يُعْلِنُ قُوَّةَ فِدَاءِ الْمَسِيحِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنَ عَظَمَةَ مَرْيَمَ.

ثَانِيًا: مَرْيَمُ “تَابُوتُ الْعَهْدِ الْحَيُّ”

وَيَسْتَعْمِلُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ صُورَةً كِتَابِيَّةً بَدِيعَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ سِرِّ مَرْيَمَ، فَيَصِفُهَا بِأَنَّهَا التَّابُوتُ الْمُقَدَّسُ الْحَيُّ لِلَّهِ الْحَيِّ. وَيَقُولُ فِي عِظَتِهِ الثَّانِيَةِ: “الْيَوْمَ، التَّابُوتُ الْمُقَدَّسُ الْحَيُّ لِلَّهِ الْحَيِّ، الَّذِي حَمَلَ فِي أَحْشَائِهِ خَالِقَهُ، يَسْتَقِرُّ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ الَّذِي لَمْ تَبْنِهِ أَيْدٍ بَشَرِيَّةٌ” (723، PG 96). وهذه الإحالة موثقة كذلك في عظة البابا بندكتس السادس عشر في عيد الانتقال سنة 2011.

تَسْتَنِدُ هٰذِهِ الصُّورَةُ إِلَى رَمْزِيَّةِ تَابُوتِ الْعَهْدِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ؛ فَكَمَا كَانَ التَّابُوتُ عَلَامَةَ حُضُورِ اللهِ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ، صَارَتْ مَرْيَمُ، فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، التَّابُوتَ الْحَيَّ الَّذِي حَمَلَ لَا رَمْزَ الْحُضُورِ الإِلَهِيِّ فَقَطْ، بَلْ الْكَلِمَةَ الْمُتَجَسِّدَ نَفْسَهُ. وَمِنْ هُنَا يَرَى الدِّمَشْقِيُّ أَنَّهُ كَانَ لَائِقًا أَنْ يَنْتَقِلَ هٰذَا “التَّابُوتُ الْحَيُّ” إِلَى الْهَيْكَلِ السَّمَاوِيِّ.

ثَالِثًا: مِنَ الأُمُومَةِ الإِلَهِيَّةِ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ

يَقُومُ فِكْرُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيِّ عَلَى وَحْدَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ بَيْنَ أُمُومَةِ مَرْيَمَ الإِلَهِيَّةِ وَانْتِقَالِهَا. فَالَّتِي صَارَ جَسَدُهَا مَسْكِنًا لِكَلِمَةِ اللهِ لَا يُنْظَرُ إِلَى جَسَدِهَا كَشَيْءٍ ثَانَوِيٍّ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ. إِنَّ الْجَسَدَ نَفْسَهُ الَّذِي مِنْهُ أَخَذَ الْمَسِيحُ بَشَرِيَّتَهُ يُشَارِكُ، بِنِعْمَةِ اللهِ، فِي مَجْدِ ابْنِهَا.

وَلِذٰلِكَ يَتَكَرَّرُ عِنْدَ الدِّمَشْقِيِّ تَعْبِيرُ “كَانَ لَا بُدَّ”، أَوْ بِمَعْنًى أَدَقَّ: “كَانَ لَائِقًا”. فَهُوَ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ ضَرُورَةٍ تَفْرِضُ نَفْسَهَا عَلَى اللهِ، بَلْ عَنْ تَنَاسُبٍ دَاخِلِيٍّ بَيْنَ مَكَانَةِ مَرْيَمَ فِي سِرِّ التَّجَسُّدِ وَنِهَايَةِ مَسِيرَتِهَا فِي مَجْدِ الْقِيَامَةِ. وَهٰذَا مَا سَيُصْبِحُ فِيمَا بَعْدُ أَحَدَ الْخُطُوطِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي اللَّاهُوتِ الْمَرْيَمِيِّ.

رَابِعًا: شَهَادَةُ التُّرَاثِ الْغَرْبِيِّ

لَمْ يَبْقَ تَأَمُّلُ الْكَنِيسَةِ فِي مَجْدِ مَرْيَمَ مَحْصُورًا فِي التُّرَاثِ الشَّرْقِيِّ، بَلْ تَلَقَّاهُ أَيْضًا التُّرَاثُ اللَّاتِينِيُّ. وَمِنْ شُهُودِ هٰذَا التُّرَاثِ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ دَمْيَانُسُ (1007–1072)، الَّذِي تَحْتَلُّ مَرْيَمُ مَكَانَةً بَارِزَةً فِي صَلَوَاتِهِ وَنُصُوصِهِ الشِّعْرِيَّةِ. وقد أحال القديس يوحنا بولس الثاني نفسه إلى نصوصه المريمية في سياق حديثه عن مجد مريم وانتقالها (934، PL 145).

وَتَرْتَبِطُ صُوَرُ الِاسْتِقْبَالِ السَّمَاوِيِّ لِمَرْيَمَ فِي التُّرَاثِ الْغَرْبِيِّ بِلُغَةِ نَشِيدِ الأَنْشَادِ، الَّذِي قَرَأَهُ التَّقْلِيدُ الْمَسِيحِيُّ قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً فِي ضَوْءِ سِرِّ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ، وَطَبَّقَ بَعْضَ صُوَرِهِ أَيْضًا عَلَى مَرْيَمَ. وَمِنْ أَجْمَلِ هٰذِهِ الصُّوَرِ: “قُومِي يَا حَبِيبَتِي، يَا جَمِيلَتِي، وَتَعَالَيْ” (نشيد الأناشيد 2: 10). فَقَرَأَ التَّقْلِيدُ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ لِيتُورْجِيًّا وَرُوحِيًّا كَدَعْوَةٍ إِلَى مَرْيَمَ لِلدُّخُولِ فِي فَرَحِ ابْنِهَا وَمَجْدِهِ.

وَمِنَ النَّاحِيَةِ الأَكَادِيمِيَّةِ، يُفَضَّلُ أَلَّا نَنْسُبَ إِلَى بُطْرُسَ دَمْيَانُسَ حَرْفِيًّا عِبَارَةَ: “جَاءَ مَلِكُ الْمَجْدِ مَعَ أَجْوَاقِ الْمَلَائِكَةِ وَالْقِدِّيسِينَ لِمُلَاقَاتِهَا بِزَفَّةٍ إِلَهِيَّةٍ” مَا لَمْ يُحَدَّدْ مَوْضِعُهَا النَّصِّيُّ الدَّقِيقُ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ؛ وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ هٰذِهِ الصُّورَةَ تَنْتَمِي إِلَى التُّرَاثِ اللِّيتُورْجِيِّ وَالْمَرْيَمِيِّ الْوَاسِعِ الَّذِي صَوَّرَ انْتِقَالَ مَرْيَمَ كَدُخُولٍ عُرْسِيٍّ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ.

خَامِسًا: الدَّلَالَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ لِشَهَادَةِ الآبَاءِ

لَا تَقُومُ حُجَّةُ الآبَاءِ عَلَى مُجَرَّدِ تَكْرِيمٍ عَاطِفِيٍّ لِلْعَذْرَاءِ، بَلْ عَلَى رُؤْيَةٍ مَسِيحِيَّةٍ وَخَلَاصِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ. فَمَرْيَمُ مُمَجَّدَةٌ لِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْمُمَجِّدُ؛ وَهِيَ حَيَّةٌ فِي الْمَجْدِ لِأَنَّ ابْنَهَا هُوَ “الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ” (يوحنا 11: 25)؛ وَجَسَدُهَا لَهُ كَرَامَةٌ خَاصَّةٌ لِأَنَّ مِنْهُ أَخَذَ الْكَلِمَةُ جَسَدَهُ الْبَشَرِيَّ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ شَهَادَةَ الآبَاءِ تَكْشِفُ ثَلَاثَةَ أَبْعَادٍ أَسَاسِيَّةٍ لِعَقِيدَةِ الِانْتِقَالِ: بُعْدًا مَسِيحِيًّا، لِأَنَّ مَجْدَ مَرْيَمَ مُشَارَكَةٌ فِي مَجْدِ ابْنِهَا؛ وَبُعْدًا خَلَاصِيًّا، لِأَنَّ انْتِقَالَهَا هُوَ اكْتِمَالٌ فَرِيدٌ لِثِمَارِ فِدَاءِ الْمَسِيحِ فِيهَا؛ وَبُعْدًا أُخْرَوِيًّا، لِأَنَّ مَا تَحَقَّقَ فِي مَرْيَمَ يَسْتَبِقُ مَا تَرْجُوهُ الْكَنِيسَةُ لِجَمِيعِ أَبْنَائِهَا فِي قِيَامَةِ الأَجْسَادِ وَالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.

وَهٰكَذَا لَا يَكُونُ انْتِقَالُ مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ امْتِيَازًا مَعْزُولًا عَنْ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، بَلْ عَلَامَةً مُضِيئَةً عَلَى قُوَّةِ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ وَمَصِيرِ الإِنْسَانِ الْمَفْدِيِّ. فَمَرْيَمُ فِي مَجْدِهَا تُعْلِنُ سَلَفًا مَا تَنْتَظِرُهُ الْكَنِيسَةُ بِالرَّجَاءِ: أَنْ يَبْلَعَ النَّصْرُ الْمَوْتَ، وَأَنْ يَتَجَدَّدَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ، نَفْسًا وَجَسَدًا، فِي مَجْدِ الْمَسِيحِ الْقَائِمِ.

العَقِيدَةُ وَاللَّاهُوتُ

تَنْسَجِمُ عَقِيدَةُ انْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى السَّمَاءِ، فِي اللَّاهُوتِ الْكَاثُولِيكِيِّ، مَعَ مُجْمَلِ الرُّؤْيَةِ الْمَسِيحِيَّةِ لِمَكَانَةِ مَرْيَمَ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ، وَلَا سِيَّمَا أُمُومَتِهَا الإِلَهِيَّةِ، وَقَدَاسَتِهَا الْفَرِيدَةِ، وَالْحَبَلِ بِهَا بِلَا دَنَسِ الْخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَاتِّحَادِهَا الْوَثِيقِ بِسِرِّ ابْنِهَا الْمَسِيحِ. وَيُمْكِنُ إِبْرَازُ الأَسَاسِ اللَّاهُوتِيِّ لِهٰذِهِ الْعَقِيدَةِ فِي ثَلَاثِ نِقَاطٍ رَئِيسِيَّةٍ:

أَوَّلًا: الأُمُومَةُ الإِلَهِيَّةُ وَالِاتِّحَادُ بِالْمَسِيحِ

إِنَّ الأَسَاسَ الأَوَّلَ لِفَهْمِ انْتِقَالِ مَرْيَمَ هُوَ عَلَاقَتُهَا الْفَرِيدَةُ بِابْنِهَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَهِيَ وَالِدَةُ الإِلَهِ (Theotokos)، الَّتِي مِنْهَا أَخَذَ كَلِمَةُ اللهِ جَسَدَهُ الْبَشَرِيَّ: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا فَسَكَنَ بَيْنَنَا” (يوحنا 1: 14). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ سِرَّ مَرْيَمَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ سِرِّ الْمَسِيحِ.

فَالْمَسِيحُ، الَّذِي هُوَ “الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ”يوحنا 11: 25)، أَشْرَكَ أُمَّهُ، بِنِعْمَةٍ فَرِيدَةٍ، فِي انْتِصَارِهِ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ. وَالَّتِي اتَّحَدَتْ بِهِ فِي التَّجَسُّدِ، وَرَافَقَتْهُ بِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ حَتَّى الصَّلِيبِ، أُشْرِكَتْ أَيْضًا، بِمَبَادَرَةٍ إِلَهِيَّةٍ، فِي مَجْدِ قِيَامَتِهِ.

وَلٰكِنْ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ هٰذِهِ الْمُشَارَكَةَ لَا تَجْعَلُ مَرْيَمَ مُسَاوِيَةً لِلْمَسِيحِ؛ فَالْمَسِيحُ هُوَ الْمُخَلِّصُ، وَمَرْيَمُ هِيَ أَوَّلُ الْمَفْدِيِّينَ وَأَكْمَلُهُمْ. وَهُوَ يَقُومُ وَيَصْعَدُ بِسُلْطَانِهِ الإِلَهِيِّ، أَمَّا هِيَ فَتُنْقَلُ إِلَى الْمَجْدِ بِنِعْمَةِ اللهِ وَبِفَضْلِ فِدَاءِ ابْنِهَا.

وَهٰذَا هُوَ الْمَنْطِقُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ، إِذْ رَأَى أَنَّهُ كَانَ لَائِقًا أَنْ تَسْكُنَ فِي الْمَسَاكِنِ السَّمَاوِيَّةِ تِلْكَ الَّتِي حَمَلَتِ الْكَلِمَةَ الإِلَهِيَّ فِي أَحْشَائِهَا (742-741، 14؛ PG 96).

ثَانِيًا: قَدَاسَةُ مَرْيَمَ وَكَرَامَةُ جَسَدِهَا

لَا يَرْتَبِطُ انْتِقَالُ مَرْيَمَ بِأُمُومَتِهَا الإِلَهِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا بِقَدَاسَتِهَا الْفَرِيدَةِ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ كِيَانِهَا، نَفْسًا وَجَسَدًا. فَالْخَلَاصُ الْمَسِيحِيُّ لَا يَخُصُّ النَّفْسَ وَحْدَهَا، بَلِ الإِنْسَانَ بِكُلِّيَّتِهِ، وَالْجَسَدُ نَفْسُهُ مَدْعُوٌّ إِلَى الْقِيَامَةِ وَالتَّمْجِيدِ.

وَقَدْ عَبَّرَ الْقِدِّيسُ جِرْمَانُسُ الْقُسْطَنْطِينِيُّ (نحو 634–733) عَنْ هٰذِهِ الْفِكْرَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ جَسَدَ مَرْيَمَ، بِسَبَبِ قَدَاسَتِهِ وَكَوْنِهِ مَسْكِنًا لِلْكَلِمَةِ الْمُتَجَسِّدِ، لَا يَلِيقُ أَنْ يَبْقَى خَاضِعًا لِفَسَادِ الْقَبْرِ. وَيُعَبِّرُ، فِي مَعْنَى كَلَامِهِ، عَنْ ذٰلِكَ قَائِلًا: ” إِنَّ جَسَدَ مَرْيَمَ الْبَتُولِيَّ الْمُقَدَّسَ، الَّذِي كَانَ مَسْكِنًا لِلَّهِ، لَا يَلِيقُ أَنْ يَنْحَلَّ وَيَعُودَ إِلَى التُّرَابِ”(PG 98, 344-346).

وَهُنَا يَظْهَرُ بُعْدٌ لَاهُوتِيٌّ مُهِمٌّ فِي عَقِيدَةِ الِانْتِقَالِ: إِنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ الْجَسَدَ، بَلْ تُعْلِنُ كَرَامَةَ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ وَدَعْوَتَهُ إِلَى التَّمْجِيدِ. فَمَا حَدَثَ فِي مَرْيَمَ هُوَ اسْتِبَاقٌ لِمَا يَعِدُ بِهِ الْمَسِيحُ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ: “سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا الْحَقِيرِ فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ الْمَجِيدِ” (فيلبّي 3: 21).

ثَالِثًا: الْحَبَلُ بِلَا دَنَسٍ وَانْتِصَارُ النِّعْمَةِ عَلَى الْمَوْتِ

تَرْتَبِطُ عَقِيدَةُ الِانْتِقَالِ أَيْضًا ارْتِبَاطًا عَمِيقًا بِعَقِيدَةِ الْحَبَلِ بِمَرْيَمَ بِلَا دَنَسِ الْخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ. فَمَرْيَمُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى لِوُجُودِهَا، حُفِظَتْ بِنِعْمَةٍ فَرِيدَةٍ مِنْ دَنَسِ الْخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ، بِفَضْلِ اسْتِحْقَاقَاتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ.

غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَاهُوتِيًّا الِاسْتِنْتَاجُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَمُتْ. فَعَقِيدَةُ الْحَبَلِ بِلَا دَنَسٍ تَعْنِي أَنَّهَا حُفِظَتْ مِنَ الْخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَفْرِضُ ضَرُورَةً أَنْ تَكُونَ قَدْ أُعْفِيَتْ مِنَ الْمَوْتِ الْجَسَدِيِّ. بَلْ إِنَّ تَقْلِيدًا كَنَسِيًّا قَدِيمًا وَوَاسِعًا، وَلَا سِيَّمَا فِي الشَّرْقِ، يَتَحَدَّثُ عَنْ رُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ.

وَلِهٰذَا السَّبَبِ اخْتَارَ الْبَابَا بِيُوسُ الثَّانِي عَشَرَ عِنْدَ تَحْدِيدِ الْعَقِيدَةِ عَامَ 1950 صِيغَةً دَقِيقَةً لَا تَحْسِمُ هٰذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ إِنَّ مَرْيَمَ “بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَتْ مَسِيرَةَ حَيَاتِهَا الأَرْضِيَّةِ، انْتَقَلَتْ بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ” (Munificentissimus Deus، 44).

وَيُعِيدُ التَّعْلِيمُ الْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ هٰذَا التَّعْلِيمَ قَائِلًا إِنَّ الْعَذْرَاءَ مَرْيَمَ، الَّتِي حَفِظَهَا اللهُ مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ، “لَمَّا أَكْمَلَتْ مَجْرَى حَيَاتِهَا الأَرْضِيَّةِ، رُفِعَتْ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى مَجْدِ السَّمَاءِ، وَأَعْلَنَهَا الرَّبُّ مَلِكَةً عَلَى الْكَوْنِ كُلِّهِ، لِتَكُونَ بِذٰلِكَ أَكْثَرَ تَشَبُّهًا بِابْنِهَا، رَبِّ الأَرْبَابِ، الْمُنْتَصِرِ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 966؛ راجع دستور عقائدي في الكنيسة ، 59). وَبِذٰلِكَ يُفْهَمُ انْتِقَالُ مَرْيَمَ لَا كَإِعْفَاءٍ بَسِيطٍ مِنْ قَانُونِ الْمَوْتِ، بَلْ، وَهٰذَا هُوَ الأَهَمُّ لَاهُوتِيًّا، كَاكْتِمَالٍ مُسْبَقٍ لِعَمَلِ الْفِدَاءِ فِي الإِنْسَانِ كُلِّهِ، نَفْسًا وَجَسَدًا.

رَابِعًا: رُقَادُ وَالِدَةِ الإِلَهِ فِي التَّقْلِيدِ الشَّرْقِيِّ

تُعَبِّرُ الْكَنَائِسُ الشَّرْقِيَّةُ عَنْ هٰذَا السِّرِّ، فِي تَقْلِيدِهَا اللِّيتُورْجِيِّ، بِتَعْبِيرِ “رُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ”.  وَيُشَدِّدُ هٰذَا التَّعْبِيرُ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ، فِي ضَوْءِ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، لَمْ يَعُدْ نِهَايَةً، بَلْ “رُقَادًا” يَفْتَحُ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمَجْدِ.

وَيَحْفَظُ التُّرَاثُ الْمَسِيحِيُّ الشَّرْقِيُّ رِوَايَاتٍ قَدِيمَةً عَنْ رُقَادِ مَرْيَمَ، وَاجْتِمَاعِ الرُّسُلِ حَوْلَهَا، وَإِكْرَامِ جَسَدِهَا، ثُمَّ تَمْجِيدِهَا. غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ جَوْهَرِ الإِيمَانِ الْكَنَسِيِّ وَالتَّفَاصِيلِ الْوَارِدَةِ فِي الرِّوَايَاتِ الأَبُوكْرِيفِيَّةِ وَالتَّقَالِيدِ الشَّعْبِيَّةِ. فَتَفَاصِيلُ مَكَانِ وَفَاتِهَا، وَحُضُورِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَفَتْحِ الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا تَنْتَمِي إِلَى التَّعْلِيمِ الْعَقَائِدِيِّ الْمُلْزِمِ.

وَأَمَّا التَّقْلِيدُ الْمُرْتَبِطُ بِأُورُشَلِيمَ فَيَرْبِطُ رُقَادَ الْعَذْرَاءِ وَقَبْرَهَا بِمِنْطَقَةِ وَادِي قَدْرُونَ عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حَيْثُ يَقُومُ مَزَارُ قَبْرِ الْعَذْرَاءِ. أَمَّا الْقَوْلُ إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ تَحْدِيدًا فِي بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي، فَلَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ كَحَقِيقَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُثْبَتَةٍ.

خَامِسًا: أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا وَانْتِقَالُ مَرْيَمَ

يَعْرِفُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ نَمَاذِجَ لأَشْخَاصٍ أُخِذُوا إِلَى اللهِ بِطَرِيقَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ. فَعَنْ أَخْنُوخَ يَقُولُ سِفْرُ التَّكْوِينِ: “وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ لَهُ وُجُودٌ، لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ” (تكوين 5: 24؛ راجع عبرانيين 11: 5). وَعَنْ إِيلِيَّا يَرْوِي سِفْرُ الْمُلُوكِ أَنَّهُ “صَعِدَ فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ” (2 ملوك 2: 11).

وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا تُعَدُّ هٰذِهِ النُّصُوصُ بَرَاهِينَ مُبَاشِرَةً عَلَى عَقِيدَةِ انْتِقَالِ مَرْيَمَ، بَلْ تُظْهِرُ أَنَّ فِكْرَةَ أَنْ يَأْخُذَ اللهُ إِنْسَانًا إِلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ لَيْسَتْ غَرِيبَةً عَنِ الْوَحْيِ الْكِتَابِيِّ. أَمَّا الْخُصُوصِيَّةُ اللَّاهُوتِيَّةُ لِانْتِقَالِ مَرْيَمَ فَتَنْبَعُ مِنْ عَلَاقَتِهَا الْفَرِيدَةِ بِالْمَسِيحِ وَمِنِ اكْتِمَالِ ثِمَارِ فِدَائِهِ فِيهَا.

خُلَاصَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ

إِنَّ عَقِيدَةَ انْتِقَالِ الْعَذْرَاءِ لَيْسَتْ عَقِيدَةً عَنْ مَرْيَمَ وَحْدَهَا، بَلْ هِيَ، فِي عُمْقِهَا، عَقِيدَةٌ عَنْ قُوَّةِ فِدَاءِ الْمَسِيحِ وَمَصِيرِ الإِنْسَانِ. فَمَرْيَمُ الْمُنْتَقِلَةُ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى الْمَجْدِ تُظْهِرُ مَا تَسْتَطِيعُ نِعْمَةُ اللهِ أَنْ تَصْنَعَهُ فِي الإِنْسَانِ، وَتَسْتَبِقُ فِي ذَاتِهَا مَا تَنْتَظِرُهُ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ.

لِذٰلِكَ يَقُولُ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي إِنَّ أُمَّ يَسُوعَ، الْمُمَجَّدَةَ فِي السَّمَاءِ بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ، هِيَ “صُورَةُ الْكَنِيسَةِ وَبِدَايَتُهَا فِي اكْتِمَالِهَا فِي الدَّهْرِ الآتِي”، وَتَسْطَعُ عَلَى الأَرْضِ “عَلَامَةَ رَجَاءٍ وَطِيدٍ وَتَعْزِيَةٍ لِشَعْبِ اللهِ الْمُسَافِر (ِدستور عقائدي في الكنيسة، 68).

العَقِيدَةُ وَالطُّقُوسُ اللِّيتُورْجِيَّةُ

لَمْ يَبْقَ الإِيمَانُ بِانْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ إِلَى السَّمَاءِ تَأَمُّلًا لَاهُوتِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ تَجَسَّدَ مُنْذُ الْقُرُونِ الْمَسِيحِيَّةِ الأُولَى فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ اللِّيتُورْجِيَّةِ وَصَلَاتِهَا وَأَعْيَادِهَا. فالليتورجيا كانت من أهم الشهود على نمو الإيمان الكنسي بهذا السر، حتى قبل أن يبلغ تعبيره العقائدي النهائي في إعلان البابا بيوس الثاني عشر سنة 1950.

أَوَّلًا: نَشْأَةُ عِيدِ وَالِدَةِ الإِلَهِ فِي أُورُشَلِيمَ

تَرْجِعُ الْجُذُورُ اللِّيتُورْجِيَّةُ لِعِيدِ انْتِقَالِ الْعَذْرَاءِ إِلَى الْكَنِيسَةِ الأُورُشَلِيمِيَّةِ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ، حَيْثُ عُرِفَ فِي الْبِدَايَةِ عِيدٌ لِـ”ذِكْرَى وَالِدَةِ الإِلَهِ” (Theotokos)، وَكَانَ يُحْتَفَلُ بِهِ فِي الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ آب.

وَيَرْتَبِطُ هٰذَا الِاحْتِفَالُ الْقَدِيمُ بِالْبِيئَةِ اللِّيتُورْجِيَّةِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَلَا سِيَّمَا بِالْمَزَارِ الْمَرْيَمِيِّ الْقَدِيمِ فِي كَاثِسْمَا (Kathisma)، عَلَى الطَّرِيقِ بَيْنَ أُورُشَلِيمَ وَبَيْتِ لَحْمَ. وَمَعَ تَطَوُّرِ التُّرَاثِ اللِّيتُورْجِيِّ، انْتَقَلَ مِحْوَرُ الِاحْتِفَالِ تَدْرِيجِيًّا مِنْ مُجَرَّدِ ذِكْرَى وَالِدَةِ الإِلَهِ إِلَى الِاحْتِفَالِ بِـرُقَادِهَا وَتَمْجِيدِهَا.

وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ فِي التُّرَاثِ الشَّرْقِيِّ اسْمُ “رُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ” (Koimesis tes Theotokou،وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَكْشِفُ نَظْرَةَ الإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ إِلَى الْمَوْتِ: فَالْمَوْتُ، فِي ضَوْءِ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ رُقَادٌ يَنْفَتِحُ عَلَى الْقِيَامَةِ وَالْحَيَاةِ.

ثَانِيًا: انْتِشَارُ عِيدِ الرُّقَادِ فِي الشَّرْقِ

انْتَقَلَ الِاحْتِفَالُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى سَائِرِ الْكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ، وَأَصْبَحَ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ عِيدًا مَعْرُوفًا فِي الْعَالَمِ الْبِيزَنْطِيِّ. وَيُنْسَبُ إِلَى الإِمْبَرَاطُورِ مَوْرِيقِيُوسَ (582–602) تثبيتُ الاحتفال بعيد رقاد والدة الإله في 15 آب في الإمبراطورية البيزنطية، الأمر الذي أسهم في توحيد موعد الاحتفال وانتشاره الواسع.

وَمَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ، أَصْبَحَ عِيدُ الرُّقَادِ وَاحِدًا مِنْ أَعْظَمِ الأَعْيَادِ الْمَرْيَمِيَّةِ فِي اللِّيتُورْجِيَا الشَّرْقِيَّةِ. وَتُعَبِّرُ نُصُوصُهُ عَنْ إِيمَانِ الْكَنِيسَةِ بِأَنَّ مَرْيَمَ، وَإِنْ أَكْمَلَتْ حَيَاتَهَا الأَرْضِيَّةَ، لَمْ يَكُنِ الْمَوْتُ نِهَايَتَهَا، بَلِ انْتَقَلَتْ إِلَى الْحَيَاةِ وَالْمَجْدِ مَعَ ابْنِهَا.

وَفِي التَّقْلِيدِ الْبِيزَنْطِيِّ يَسْبِقُ الْعِيدَ صَوْمُ رُقَادِ وَالِدَةِ الإِلَهِ، الَّذِي يَبْدَأُ فِي الأَوَّلِ مِنْ آب وَيَمْتَدُّ إِلَى الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْهُ، أَيْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَهُوَ صَوْمٌ يَهْدِفُ إِلَى تَهْيِئَةِ الْمُؤْمِنِينَ رُوحِيًّا لِلْعِيدِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالتَّوْبَةِ.

وَمِنَ الضَّرُورِيِّ التَّمْيِيزُ هُنَا بَيْنَ التَّقَالِيدِ اللِّيتُورْجِيَّةِ: فَصَوْمُ الأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ التَّقْلِيدِ الْبِيزَنْطِيِّ وَبَعْضِ الْكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ، وَلَيْسَ فَرْضًا لِيتُورْجِيًّا عَامًّا فِي الْكَنِيسَةِ اللَّاتِينِيَّةِ.

ثَالِثًا: انْتِقَالُ الْعِيدِ إِلَى رُومَا وَالْغَرْبِ

انْتَقَلَ الِاحْتِفَالُ بِهٰذَا السِّرِّ مِنَ الشَّرْقِ إِلَى الْغَرْبِ تَدْرِيجِيًّا. وَيَرْتَبِطُ تَرْسِيخُهُ فِي رُومَا بِالْبَابَا ثِيُودُورُسَ الأَوَّلِ (642–649)، الَّذِي كَانَ مِنْ أَصْلٍ شَرْقِيٍّ ومولودًا في أورشليم، في سياق ازدياد تأثير التقاليد الليتورجية الشرقية في روما.

وَفِي التَّقْلِيدِ اللَّاتِينِيِّ تَطَوَّرَ اسْمُ الْعِيدِ مِنَ الِاحْتِفَالِ بـرُقَادِ مَرْيَمَ (Dormitio Mariae) إِلَى التَّرْكِيزِ بِصُورَةٍ أَوْضَحَ عَلَى انْتِقَالِهَا (Assumptio Mariae)، أَيْ رَفْعِهَا بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ.

وَفِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ، أَخَذَ عِيدُ الِانْتِقَالِ مَكَانَةً بَارِزَةً فِي اللِّيتُورْجِيَا الرُّومَانِيَّةِ، وَارْتَبَطَ بِاحْتِفَالَاتٍ وَمَوَاكِبَ لِيتُورْجِيَّةٍ، ثُمَّ انْتَشَرَ فِي الْغَرْبِ الْمَسِيحِيِّ، حَتَّى أَصْبَحَ مِنْ أَهَمِّ الأَعْيَادِ الْمَرْيَمِيَّةِ فِي السَّنَةِ اللِّيتُورْجِيَّةِ.

رَابِعًا: اللِّيتُورْجِيَا شَاهِدَةٌ لِلإِيمَانِ

تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا التَّطَوُّرِ التَّارِيخِيِّ فِي أَنَّ الْكَنِيسَةَ احْتَفَلَتْ بِسِرِّ انْتِقَالِ مَرْيَمَ قَبْلَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ مِنْ تَحْدِيدِهِ عَقِيدَةً إِيمَانِيَّةً سَنَةَ 1950. وَهٰذَا يُبْرِزُ الْعَلَاقَةَ الْعَمِيقَةَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالإِيمَانِ فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، وَفْقَ الْقَاعِدَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ الْقَدِيمَةِ: Lex orandi, lex credenda “قَاعِدَةُ الصَّلَاةِ هِيَ قَاعِدَةُ الإِيمَانِ”.

فَاللِّيتُورْجِيَا لَا تَقْتَصِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنِ الإِيمَانِ، بَلْ تَحْفَظُهُ وَتَنْقُلُهُ وَتُسَاعِدُ الْكَنِيسَةَ عَلَى التَّعَمُّقِ فِي فَهْمِهِ. وَقَدِ اسْتَنَدَ الْبَابَا بِيُوسُ الثَّانِي عَشَرَ، عِنْدَ إِعْلَانِ عَقِيدَةِ الِانْتِقَالِ، إِلَى شَهَادَةِ اللِّيتُورْجِيَا الْمُتَوَاصِلَةِ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الْكُتُبَ اللِّيتُورْجِيَّةَ الشَّرْقِيَّةَ وَالْغَرْبِيَّةَ تُقَدِّمُ شَهَادَةً وَاضِحَةً لإِيمَانِ الْكَنِيسَةِ بِهٰذَا السِّرّ ِ (Munificentissimus Deus، 20 – 16).

خَامِسًا: مِنْ “الرُّقَادِ” إِلَى “الِانْتِقَالِ”

لَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَى تَعْبِيرَي “الرُّقَادِ” فِي الشَّرْقِ وَ”الِانْتِقَالِ” فِي الْغَرْبِ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ؛ بَلْ يُبْرِزُ كُلٌّ مِنْهُمَا بُعْدًا مِنْ أَبْعَادِ السِّرِّ.

فَالتَّقْلِيدُ الشَّرْقِيُّ، بِتَعْبِيرِ الرُّقَادِ، يُرَكِّزُ عَلَى خِتَامِ حَيَاةِ مَرْيَمَ الأَرْضِيَّةِ وَعُبُورِهَا إِلَى الْحَيَاةِ؛ أَمَّا التَّقْلِيدُ الْغَرْبِيُّ، بِتَعْبِيرِ الِانْتِقَالِ، فَيُرَكِّزُ عَلَى النَّتِيجَةِ النِّهَائِيَّةِ: تَمْجِيدِ مَرْيَمَ بِكُلِّيَّةِ كِيَانِهَا، نَفْسًا وَجَسَدًا، مَعَ ابْنِهَا فِي السَّمَاءِ.

وَهٰكَذَا تَلْتَقِي اللِّيتُورْجِيَا الشَّرْقِيَّةُ وَالْغَرْبِيَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ الأَسَاسِيَّةِ: إِنَّ مَرْيَمَ، الَّتِي عَاشَتْ كُلِّيًّا لِلْمَسِيحِ عَلَى الأَرْضِ، تَحْيَا الآنَ بِكُلِّيَّةِ كِيَانِهَا فِي مَجْدِهِ.

سَادِسًا: اللِّيتُورْجِيَا وَمَعْنَى الْعِيدِ لِلْمُؤْمِنِ

لَا تَحْتَفِلُ الْكَنِيسَةُ فِي الْخَامِسِ عَشَرَ مِنْ آب بِحَدَثٍ يَخُصُّ مَرْيَمَ وَحْدَهَا، بَلْ تَحْتَفِلُ أَيْضًا بِمَصِيرِ الإِنْسَانِ الَّذِي خَلَّصَهُ الْمَسِيحُ. فَمَرْيَمُ الْمُنْتَقِلَةُ إِلَى السَّمَاءِ هِيَ صُورَةٌ مُسْبَقَةٌ لِمَا تَنْتَظِرُهُ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا: قِيَامَةَ الْجَسَدِ وَالْحَيَاةَ فِي مَجْدِ اللهِ.

وَلِهٰذَا تَضَعُ اللِّيتُورْجِيَا الرُّومَانِيَّةُ فِي قُدَّاسِ الْعِيدِ أَمَامَنَا كَلِمَاتِ بُولُسَ الرَّسُولِ: “إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ وَهُوَ بِكْرُ الَّذِينَ مَاتُوا” (1 قورنتس 15: 20). فَمَجْدُ مَرْيَمَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ؛ وَانْتِقَالُهَا هُوَ ثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ فِصْحِ ابْنِهَا، وَعَلَامَةُ رَجَاءٍ لِكُلِّ مَنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ عِيدَ الِانْتِقَالِ يَدْعُو الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ غَايَتِهِ الأَخِيرَةِ.  فَالْحَيَاةُ الْمَسِيحِيَّةُ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ حُدُودِ الأَرْضِ، بَلْ تَتَّجِهُ نَحْوَ الْقِيَامَةِ وَالشَّرِكَةِ الأَبَدِيَّةِ مَعَ اللهِ. وَمَرْيَمُ، الَّتِي سَبَقَتْنَا إِلَى الْمَجْدِ، تَبْقَى، كَمَا يُعَلِّمُ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي، “عَلَامَةَ رَجَاءٍ وَطِيدٍ وَتَعْزِيَةٍ لِشَعْبِ اللهِ الْمُسَافِرِ (دستور عقائدي في الكنيسة، 68).

 

كَيْفَ نَعِيشُ عِيدَ انْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ؟

تَدْعُونَا الْكَنِيسَةُ إِلَى الِاحْتِفَالِ بِمَجْدِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، ابْنَةِ النَّاصِرَةِ الْمُتَوَاضِعَةِ، الَّتِي اخْتَارَهَا اللهُ مِنْ بَيْنِ النِّسَاءِ لِتَكُونَ أُمًّا لِابْنِهِ، مُخَلِّصِ الْعَالَمِ. فَلَا يَسَعُنَا إِلَّا أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي “الْعَظَائِمِ” الَّتِي صَنَعَهَا اللهُ فِيهَا وَمِنْ أَجْلِهَا، حَتَّى بَلَغَتْ، بَعْدَ اكْتِمَالِ مَسِيرَتِهَا الْأَرْضِيَّةِ، مَجْدَ السَّمَاءِ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ.

وَيَدْعُونَا عِيدُ الِانْتِقَالِ إِلَى تَجْدِيدِ مَحَبَّتِنَا لِمَرْيَمَ وَإِكْرَامِهَا، لَا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ لَنَا مَا تَسْتَطِيعُ نِعْمَةُ اللهِ أَنْ تَصْنَعَهُ فِي الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْتَحُ ذَاتَهُ لِعَمَلِ اللهِ. وَهِيَ نَفْسُهَا تَرُدُّ كُلَّ مَجْدٍ إِلَى اللهِ قَائِلَةً: “لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ إِلَيَّ عَظَائِمَ” (لوقا 1: 49).

وَبِهٰذَا الْمَعْنَى، لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مَرْيَمَ وَحْدَهَا، بَلْ نَتَأَمَّلُ أَيْضًا فِي دَعْوَتِنَا نَحْنُ؛ فَنَحْنُ أَيْضًا مَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ، وَمَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نَعْرِفَ “مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أفسس 1: 18).

أَوَّلًا: نَعِيشُ الْعِيدَ بِالرَّجَاءِ

فِي عِيدِ الِانْتِقَالِ نَنْظُرُ إِلَى مَرْيَمَ فَتَفْتَحُ قُلُوبَنَا عَلَى الرَّجَاءِ؛ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الَّتِي لَا يَقْهَرُهَا الْمَوْتُ، وَرَجَاءِ الْمَجْدِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. وَقَدْ عَبَّرَ الْمَجْمَعُ الْفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي عَنْ هٰذَا الْبُعْدِ بِقَوْلِهِ إِنَّ مَرْيَمَ الْمُمَجَّدَةَ فِي السَّمَاءِ تَسْطَعُ أَمَامَ شَعْبِ اللهِ الْمُسَافِرِ “عَلَامَةَ رَجَاءٍ وَطِيدٍ وَتَعْزِيَةٍ” (دستور عقائدي في الكنيسة، 68).

وَهٰذَا الرَّجَاءُ لَيْسَ أَمْنِيَةً غَامِضَةً، بَلْ هُوَ مُؤَسَّسٌ عَلَى قِيَامَةِ الْمَسِيحِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ مَرْيَمَ، فِي مَجْدِهَا، تُعَلِّمُنَا الطَّرِيقَ إِلَى هٰذَا الْمَصِيرِ: أَنْ نَقْبَلَ الْمَسِيحَ بِالإِيمَانِ، وَنَثْبُتَ فِي صَدَاقَتِهِ، وَنَسْمَعَ كَلِمَتَهُ، وَنَتْبَعَهُ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى عِنْدَمَا تَصِيرُ صُلْبَانُ حَيَاتِنَا ثَقِيلَةً.

وَهُنَا تَتَقَاطَعُ خِبْرَةُ مَرْيَمَ مَعَ خِبْرَةِ كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ فَهِيَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَجْدَ مِنْ دُونِ مَسِيرَةِ إِيمَانٍ وَطَاعَةٍ وَأَلَمٍ، بَلْ سَارَتْ مَعَ ابْنِهَا مِنَ النَّاصِرَةِ إِلَى الْجُلْجُلَةِ، وَمِنَ الصَّلِيبِ إِلَى رَجَاءِ الْقِيَامَةِ.

ثَانِيًا: نَنْظُرُ إِلَى حَيَاتِنَا فِي ضَوْءِ مَصِيرِ مَرْيَمَ

فِي تَأَمُّلِنَا بِالْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ نَنَالُ نِعْمَةً أُخْرَى: نِعْمَةَ أَنْ نَنْظُرَ بِعُمْقٍ إِلَى حَيَاتِنَا. فَوُجُودُنَا الْيَوْمِيُّ، بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ مُشْكِلَاتٍ وَآمَالٍ، وَأَفْرَاحٍ وَآلَامٍ، يَتَلَقَّى نُورًا جَدِيدًا مِنْ مَسِيرَةِ أُمِّ اللهِ وَمِنْ مَصِيرِهَا الْمَجِيدِ.

إِنَّ مَرْيَمَ، الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَى السَّمَاءِ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ، تُظْهِرُ لَنَا أَنَّنَا فِي طَرِيقِنَا نَحْوَ بَيْتِنَا الْحَقِيقِيِّ، أَيْ نَحْوَ شَرِكَةِ الْفَرَحِ وَالسَّلَامِ مَعَ اللهِ. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ إِنَّهُ كَانَ لَائِقًا أَنْ تُقِيمَ فِي الْمَسَاكِنِ السَّمَاوِيَّةِ تِلْكَ الَّتِي حَمَلَتِ الْخَالِقَ فِي أَحْشَائِهَا (–742 741، PG 96  ).

وَلٰكِنَّ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَعْنِي الْهُرُوبَ مِنَ الأَرْضِ، بَلْ أَنْ نَعِيشَ حَيَاتَنَا الْحَاضِرَةَ فِي ضَوْءِ غَايَتِهَا النِّهَائِيَّةِ. فَالْمَسِيحِيُّ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ غَايَتَهُ هِيَ اللهُ يَصِيرُ أَكْثَرَ أَمَانَةً لِمَسْؤُولِيَّاتِهِ عَلَى الأَرْضِ، وَأَكْثَرَ انْفِتَاحًا عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْمُصَالَحَةِ.

ثَالِثًا: نَصِيرُ، عَلَى مِثَالِ مَرْيَمَ، تَابُوتَ عَهْدٍ حَيًّا

تُقَدِّمُ لَنَا لِيتُورْجِيَا عِيدِ الِانْتِقَالِ صُوَرًا كِتَابِيَّةً غَنِيَّةً، وَمِنْ أَبْرَزِهَا صُورَةُ تَابُوتِ الْعَهْدِ. فَمَرْيَمُ هِيَ تَابُوتُ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، لأَنَّهَا حَمَلَتْ فِي أَحْشَائِهَا لَا أَلْوَاحَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ كَلِمَةَ اللهِ الْمُتَجَسِّدَ. وَقَدْ سَمَّى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ مَرْيَمَ “التَّابُوتَ الْمُقَدَّسَ الْحَيَّ لِلَّهِ الْحَيِّ”، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الَّتِي حَمَلَتْ فِي أَحْشَائِهَا خَالِقَهَا تَسْتَقِرُّ فِي الْهَيْكَلِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي لَمْ تَبْنِهِ أَيْدٍ بَشَرِيَّةٌ (723، PG 96).

وَتُعَلِّمُنَا هٰذِهِ الصُّورَةُ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَحْمِلِ الْمَسِيحَ فِي جَسَدِهَا فَقَطْ، بَلْ حَمَلَتْهُ أَوَّلًا فِي إِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى قَالَ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس إِنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ أَكْثَرَ سَعَادَةً بِحَمْلِ الْمَسِيحِ فِي إِيمَانِهَا مِنْ مُجَرَّدِ حَمْلِهِ فِي جَسَدِهَا (398، PL 40).

وَمِنْ هُنَا، يُصْبِحُ الْعِيدُ دَعْوَةً لَنَا نَحْنُ أَيْضًا لِنَصِيرَ تَوَابِيتَ عَهْدٍ حَيَّةً: أَنْ تَسْكُنَ فِينَا كَلِمَةُ اللهِ، وَتُغَيِّرَنَا مِنَ الدَّاخِلِ، وَتُحَوِّلَ أَفْكَارَنَا وَقَرَارَاتِنَا وَعَلَاقَاتِنَا، حَتَّى يَسْتَطِيعَ الآخَرُونَ أَنْ يَلْتَقُوا مِنْ خِلَالِنَا قُرْبَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ. وَهٰذَا مَا أَكَّدَهُ الْبَابَا بُولُسُ السَّادِسُ عِنْدَمَا وَصَفَ مَرْيَمَ بِأَنَّهَا تَابُوتُ الْعَهْدِ الْحَقِيقِيُّ وَهَيْكَلُ اللهِ الْحَيُّ، لأَنَّهَا قَبِلَتْ فِي أَحْشَائِهَا الْوَسِيطَ الْوَاحِدَ، الْمَسِيحَ (Marialis Cultus، 6).

رَابِعًا: نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا بِقِيَامَةِ الْجَسَدِ

إِنَّ انْتِقَالَ مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ هُوَ مُشَارَكَةٌ فَرِيدَةٌ فِي قِيَامَةِ ابْنِهَا، وَاسْتِبَاقٌ لِقِيَامَةِ الْمَسِيحِيِّينَ. وَفِي مَجْدِهَا نَرَى مُسْبَقًا مَا نَرْجُوهُ لِذَوَاتِنَا فِي الْمَسِيحِ. وَيُعَبِّرُ الْبَابَا بُولُسُ السَّادِسُ عَنْ هٰذَا الْمَعْنَى بِوُضُوحٍ، فَيَرَى فِي عِيدِ 15 آب احْتِفَالًا بِاكْتِمَالِ مَصِيرِ مَرْيَمَ وَتَمْجِيدِهَا، وَبِتَشَبُّهِهَا الْكَامِلِ بِالْمَسِيحِ الْقَائِمِ، وَفِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ صُورَةً مُعَزِّيَةً لِرَجَاءِ الْكَنِيسَةِ وَالْبَشَرِيَّةِ فِي التَّمْجِيدِ الْمُقْبِلِ (Marialis Cultus، 6).

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْعِيدَ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نُجَدِّدَ إِيمَانَنَا بِمَا نَعْتَرِفُ بِهِ فِي قَانُونِ الإِيمَانِ: “وَأَنْتَظِرُ قِيَامَةَ الْمَوْتَى وَالْحَيَاةَ فِي الدَّهْرِ الآتِي”.

وَلٰكِنْ مِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ: “إِنَّ اللهَ رَفَعَ مَرْيَمَ وَمَعَهَا جَمِيعَ الْبَشَرِ”، بَلْ نَقُولَ: إِنَّ اللهَ، إِذْ مَجَّدَ مَرْيَمَ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ، أَظْهَرَ فِيهَا مُسْبَقًا الْمَصِيرَ الَّذِي أَعَدَّهُ، فِي الْمَسِيحِ، لِلإِنْسَانِ الْمَفْدِيِّ.

خَامِسًا: نَتَعَلَّمُ مِنْ مَرْيَمَ أَنْ نُعَظِّمَ اللهَ لَا ذَوَاتِنَا

إِنَّ أَجْمَلَ جَوَابٍ عَلَى “الْعَظَائِمِ” الَّتِي صَنَعَهَا اللهُ فِي مَرْيَمَ هُوَ جَوَابُهَا هِيَ: “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي” (لوقا 1: 46-47).

لَمْ تَجْعَلْ مَرْيَمُ مِنْ عَطَايَا اللهِ سَبَبًا لِتَعْظِيمِ ذَاتِهَا، بَلْ حَوَّلَتْهَا كُلَّهَا إِلَى تَسْبِيحٍ لِلرَّبِّ. وَهُنَا نَجِدُ إِحْدَى أَعْمَقِ رَسَائِلِ عِيدِ الِانْتِقَالِ: كُلَّمَا رَفَعَنَا اللهُ، وَجَبَ أَنْ نَزْدَادَ تَوَاضُعًا؛ وَكُلَّمَا أَنْعَمَ عَلَيْنَا، وَجَبَ أَنْ نَزْدَادَ شُكْرًا؛ وَكُلَّمَا أَعْطَانَا، وَجَبَ أَنْ نَزْدَادَ خِدْمَةً.

وَقَدْ رَبَطَ آبَاءُ الْكَنِيسَةِ بَيْنَ عَظَمَةِ مَرْيَمَ وَإِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا. فَالْقِدِّيسُ أوغسطينوس يَشَدِّدُ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ قَبِلَتِ الْمَسِيحَ أَوَّلًا فِي قَلْبِهَا بِالإِيمَانِ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَهُ فِي أَحْشَائِهَا، وَبِذٰلِكَ صَارَتْ نَمُوذَجًا لِلْكَنِيسَةِ فِي سَمَاعِ كَلِمَةِ اللهِ وَحِفْظِهَا (1074، PL 38).

سَادِسًا: نَعِيشُ الْعِيدَ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ

لَا تُقَدِّمُ لَنَا مَرْيَمُ مَثَلَ التَّأَمُّلِ فَقَطْ، بَلْ مَثَلَ الْخِدْمَةِ الْمُسْرِعَةِ إِلَى الآخَرِ.  فَبَعْدَ أَنْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ فِي الْبِشَارَةِ، “قَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَمَضَتْ مُسْرِعَةً” إِلَى أَلِيصَابَاتَ (لوقا 1: 39). فَمَنْ يَحْمِلُ الْمَسِيحَ حَقًّا لَا يَنْغَلِقُ عَلَى ذَاتِهِ، بَلْ يَخْرُجُ إِلَى الآخَرِينَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ إِكْرَامَ مَرْيَمَ لَا يَكُونُ صَحِيحًا إِنْ لَمْ يُثْمِرْ فِي حَيَاتِنَا مَحَبَّةً وَخِدْمَةً وَرَحْمَةً.

وَقَدْ أَكَّدَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ نَفْسَ مَرْيَمَ تَكُونُ نَمُوذَجًا لِنَفْسِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، حِينَ تُمَجِّدُ الرَّبَّ وَتَفْرَحُ بِاللهِ (1561، PL 15).  وَبِهٰذَا الْمَعْنَى لَا يَبْقَى “تَعْظِيمُ مَرْيَمَ” كَلِمَاتٍ نَقُولُهَا، بَلْ يَصِيرُ حَيَاةً تُعَظِّمُ اللهَ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ أَجْمَلَ طَرِيقَةٍ لِنَعِيشَ عِيدَ انْتِقَالِ مَرْيَمَ هِيَ أَنْ نَجْعَلَ إِيمَانَنَا عَمَلًا: نَزُورُ الْمَرِيضَ، وَنُعَزِّي الْحَزِينَ، وَنَغْفِرُ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، وَنُصَالِحُ مَنْ خَاصَمْنَا، وَنَمُدُّ أَيْدِيَنَا إِلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَنَحْمِلُ الرَّجَاءَ إِلَى مَنْ فَقَدَهُ.

سَابِعًا: نَعِيشُ عَلَى الأَرْضِ وَقُلُوبُنَا فِي السَّمَاءِ

إِنَّ عِيدَ الِانْتِقَالِ لَا يَدْعُونَا إِلَى نِسْيَانِ الأَرْضِ، بَلْ إِلَى أَنْ نَعِيشَهَا فِي ضَوْءِ السَّمَاءِ. فَمَرْيَمُ تُظْهِرُ لَنَا أَنَّ حَيَاتَنَا لَا تَكْتَمِلُ فِي الْمَادِّيِّ وَالزَّائِلِ، بَلْ إِنَّنَا خُلِقْنَا لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ.

وَهٰذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي لَخَّصَهُ الْقِدِّيسُ جِرْمَانُسُ الْقُسْطَنْطِينِيُّ عِنْدَمَا رَبَطَ مَجْدَ مَرْيَمَ بِقَدَاسَةِ جَسَدِهَا الَّذِي صَارَ مَسْكِنًا لِكَلِمَةِ اللهِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ هٰذَا الْجَسَدَ الْمُقَدَّسَ لَا يَلِيقُ أَنْ يَبْقَى خَاضِعًا لِفَسَادِ الْقَبْرِ -346)344؛ PG 98). وَلِهٰذَا فَإِنَّ مَرْيَمَ الْمُنْتَقِلَةَ إِلَى السَّمَاءِ لَا تَجْعَلُنَا نَحْتَقِرُ الْجَسَدَ وَالْعَالَمَ، بَلْ تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الإِنْسَانَ كُلَّهُ، نَفْسًا وَجَسَدًا، مَدْعُوٌّ إِلَى الْخَلَاصِ وَالتَّمْجِيدِ.

خُلَاصَةٌ

إِنَّ انْتِقَالَ مَرْيَمَ إِلَى السَّمَاءِ هُوَ مُشَارَكَةٌ فَرِيدَةٌ فِي قِيَامَةِ ابْنِهَا، وَاسْتِبَاقٌ لِقِيَامَةِ الْمَسِيحِيِّينَ. فِي مَرْيَمَ نَرَى مَا تَصْنَعُهُ نِعْمَةُ اللهِ فِي الإِنْسَانِ، وَمَا يُعِدُّهُ الْمَسِيحُ لِلَّذِينَ يَثْبُتُونَ فِيهِ.

وَإِذْ نَنْظُرُ إِلَى مَرْيَمَ فِي مَجْدِهَا، لَا نَقِفُ عِنْدَ مَرْيَمَ، بَلْ تَقُودُنَا هِيَ إِلَى ابْنِهَا. فَإِكْرَامُهَا الْحَقِيقِيُّ يَتَحَقَّقُ حِينَ نُصْغِي إِلَى كَلِمَتِهِ وَنَعْمَلُ بِهَا: “مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ” (يوحنا 2: 5).

وَهٰكَذَا نَعِيشُ عِيدَ الِانْتِقَالِ: نَنْظُرُ إِلَى مَرْيَمَ فَنَرَى الْمَسِيحَ؛ نَرَى مَجْدَهَا فَنَتَذَكَّرُ دَعْوَتَنَا؛ نُكَرِّمُهَا فَنَتَعَلَّمُ مِنْهَا الإِيمَانَ وَالتَّوَاضُعَ وَالْخِدْمَةَ؛ وَنَرْفَعُ أَنْظَارَنَا نَحْوَ السَّمَاءِ، مِنْ دُونِ أَنْ نَنْسَى مَسْؤُولِيَّتَنَا عَلَى الأَرْضِ.

دُعَاءٌ

يَا مَرْيَمُ سَيِّدَتَنَا، يَا كُلِّيَّةَ الْقَدَاسَةِ، يَا مَنْ أَكْمَلْتِ مَسِيرَةَ حَيَاتِكِ الأَرْضِيَّةِ، وَانْتَقَلْتِ بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ، وَتَتَأَلَّقِينَ الآنَ بَيْنَ جُمُوعِ الْقِدِّيسِينَ كَعَلَامَةِ رَجَاءٍ وَمَجْدٍ لِلْكَنِيسَةِ الْمُسَافِرَةِ، اُنْظُرِي إِلَيْنَا بِنَظْرَةٍ أُمُومِيَّةٍ عَطُوفَةٍ، وَتَشَفَّعِي فِينَا لَدَى ابْنِكِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

سَاعِدِينَا لِكَيْ نَطْلُبَ “الأُمُورَ الَّتِي فِي الْعُلَى (قولسي 3: 1)، وَنَسِيرَ، عَلَى مِثَالِكِ، فِي طَرِيقِ الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ. عَلِّمِينَا أَنْ نَحْفَظَ كَلِمَةَ اللهِ فِي قُلُوبِنَا، وَأَنْ نَثْبُتَ مَعَ ابْنِكِ فِي سَاعَاتِ الْفَرَحِ وَالأَلَمِ، وَأَنْ نَجْعَلَ حَيَاتَنَا تَسْبِيحًا لِلرَّبِّ وَخِدْمَةً لِلإِخْوَةِ.

يَا أُمَّ الرَّجَاءِ، ثَبِّتِي إِيمَانَنَا بِقِيَامَةِ الْمَوْتَى وَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، حَتَّى لَا نَخَافَ مِنْ صُلْبَانِ الْحَيَاةِ وَلَا مِنَ الْمَوْتِ، بَلْ نَسِيرَ وَاثِقِينَ بِوَعْدِ ابْنِكِ الْقَائِمِ، عَالِمِينَ أَنَّ وَطَنَنَا الْحَقِيقِيَّ هُوَ فِي السَّمَاءِ.

وَعِنْدَ اكْتِمَالِ مَسِيرَتِنَا الأَرْضِيَّةِ، كُونِي لَنَا أُمًّا وَشَفِيعَةً، لِكَيْ نَبْلُغَ، بِنِعْمَةِ اللهِ، إِلَى مَجْدِ الْقِيَامَةِ، وَنَشْتَرِكَ مَعَكِ وَمَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي فَرَحِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ نُسَبِّحُ الآبَ وَالِابْنَ وَالرُّوحَ الْقُدُسَ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: الْقِدِّيسُ مَكْسِمِلْيَانُ كُولْبِي… مِنْ ظُلْمَةِ الْمَوْتِ إِلَى رَجَاءِ السَّمَاءِ

فِي 14 آب سنة 1941، عَشِيَّةَ عِيدِ انْتِقَالِ سَيِّدَتِنَا مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، مَاتَ فِي مُعَسْكَرِ أُوشْفِيتْز النَّازِيِّ كَاهِنٌ فَرَنْسِيسْكَانِيٌّ بُولَنْدِيٌّ اسْمُهُ الأَبُ مَكْسِمِلْيَانُ مَارِيَا كُولْبِي (1894–1941)، وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْمُكَرَّسِينَ لِلْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ.

فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ تَمُّوزَ 1941، هَرَبَ أَحَدُ السُّجَنَاءِ مِنَ الْمُعَسْكَرِ. وَعِقَابًا عَلَى هُرُوبِهِ، اخْتَارَ الْحُرَّاسُ عَشَرَةَ رِجَالٍ لِيَمُوتُوا جُوعًا. وَعِنْدَمَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى السَّجِينِ فْرَنْسِيسْتْشِك غَايُوفْنِيتْشِك، صَرَخَ الرَّجُلُ مُتَأَلِّمًا وَهُوَ يَذْكُرُ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ.

عِنْدَئِذٍ خَرَجَ الأَبُ مَكْسِمِلْيَانُ كُولْبِي مِنْ صَفِّ السُّجَنَاءِ، وَتَقَدَّمَ نَحْوَ الْحَارِسِ وَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَ ذٰلِكَ الأَبِ. وَعَرَّفَ عَنْ نَفْسِهِ بِبَسَاطَةٍ: أَنَا كَاهِنٌ كَاثُولِيكِيٌّ، وَأُرِيدُ أَنْ أَمُوتَ مَكَانَهُ.

قُبِلَ طَلَبُهُ، وَأُدْخِلَ مَعَ التِّسْعَةِ الآخَرِينَ إِلَى مَلْجَإِ الْمَوْتِ جُوعًا. وَهُنَاكَ حَدَثَ شَيْءٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ. فَالْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَمْتَلِئَ بِالصُّرَاخِ وَالْيَأْسِ، امْتَلَأَ بِالصَّلَاةِ. كَانَ الأَبُ كُولْبِي يُصَلِّي مَعَ رِفَاقِهِ، وَيُرَتِّلُ مَعَهُمْ، وَيُشَجِّعُهُمْ عَلَى أَنْ يَضَعُوا رَجَاءَهُمْ فِي اللهِ. وَشَهِدَ الَّذِينَ عَايَنُوا تِلْكَ الأَيَّامَ أَنَّ الصَّلَوَاتِ وَالتَّرَاتِيلَ كَانَتْ تُسْمَعُ مِنْ مَلْجَإِ الْجُوعِ.

مَرَّتِ الأَيَّامُ، وَمَاتَ السُّجَنَاءُ وَاحِدًا بَعْدَ الآخَرِ، أَمَّا الأَبُ مَكْسِمِلْيَانُ فَبَقِيَ حَيًّا. وَفِي 14 آب 1941، حِينَ أَرَادَ الْحُرَّاسُ إِفْرَاغَ الْمَكَانِ، أَنْهَوْا حَيَاتَهُ بِحُقْنَةٍ قَاتِلَةٍ. وَكَانَ ذٰلِكَ، عَلَى نَحْوٍ مُؤَثِّرٍ، عَشِيَّةَ عِيدِ انْتِقَالِ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ، الَّتِي أَحَبَّهَا كُولْبِي وَكَرَّسَ لَهَا حَيَاتَهُ وَرِسَالَتَهُ.

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، 15 آب، كَانَتِ الْكَنِيسَةُ تَحْتَفِلُ بِمَرْيَمَ الْمُنْتَقِلَةِ إِلَى السَّمَاءِ، وَتُعْلِنُ أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةَ الإِنْسَانِ، بَلْ إِنَّ الْكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ هِيَ لِلْحَيَاةِ الَّتِي وَهَبَهَا لَنَا الْمَسِيحُ الْقَائِمُ.

مَا عِلَاقَةُ هٰذِهِ الْقِصَّةِ بِعِيدِ الِانْتِقَالِ؟

لَمْ يَكُنْ مَكْسِمِلْيَانُ كُولْبِي يَعْرِفُ، وَهُوَ يَتَقَدَّمُ لِيَأْخُذَ مَكَانَ رَجُلٍ آخَرَ، كَيْفَ سَتَنْتَهِي حَيَاتُهُ، وَلٰكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ لِمَنْ وَهَبَ حَيَاتَهُ.  وَهُنَا يَلْتَقِي مَعَ رُوحَانِيَّةِ مَرْيَمَ: “هَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ” (لوقا 1: 38).

إِنَّ عِيدَ انْتِقَالِ الْعَذْرَاءِ لَا يَقُولُ لَنَا إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَنْ يَمُوتَ، بَلْ يَقُولُ شَيْئًا أَعْمَقَ: إِنَّ الْمَوْتَ لَنْ يَمْلِكَ الْكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ عَلَى مَنْ هُوَ لِلْمَسِيحِ. فَمَرْيَمُ الْمُنْتَقِلَةُ إِلَى السَّمَاءِ هِيَ “عَلَامَةُ رَجَاءٍ وَطِيدٍ” لِشَعْبِ اللهِ الْمُسَافِرِ (دستور عقائدي في الكنيسة، 68).

وَمِنْ هُنَا يَكْشِفُ مَكْسِمِلْيَانُ كُولْبِي عَنْ مَعْنًى عَمَلِيٍّ آخَرَ لِلْعِيدِ: مَنْ يُؤْمِنُ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْذُلَ حَيَاتَهُ فِي الْمَحَبَّةِ. فَالرَّجَاءُ بِالسَّمَاءِ لَمْ يَجْعَلْهُ يَهْرُبُ مِنْ مَأْسَاةِ الأَرْضِ، بَلْ جَعَلَهُ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى أَنْ يُحِبَّ إِنْسَانًا آخَرَ حَتَّى النِّهَايَةِ. وَكَأَنَّ عَشِيَّةَ الِانْتِقَالِ فِي أُوشْفِيتْز تُذَكِّرُنَا بِكَلِمَةِ الْمَسِيحِ: “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَبْذِلَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ أَحِبَّائِهِ” (يوحنا 15: 13).

الْعِبْرَةُ

عِنْدَمَا نَحْتَفِلُ بِانْتِقَالِ مَرْيَمَ، لَا يَكْفِي أَنْ نَرْفَعَ أَعْيُنَنَا إِلَى السَّمَاءِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ أَيْضًا إِلَى الإِنْسَانِ الَّذِي يَقِفُ بِجَانِبِنَا. مَرْيَمُ تُعَلِّمُنَا أَنْ نَرْجُوَ السَّمَاءَ، وَمَكْسِمِلْيَانُ كُولْبِي يُعَلِّمُنَا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا يَمُرُّ عَبْرَ الْمَحَبَّةِ.

فَعِيدُ الِانْتِقَالِ هُوَ دَعْوَةٌ إِلَى أَنْ نَعِيشَ عَلَى الأَرْضِ وَقُلُوبُنَا مُتَّجِهَةٌ إِلَى السَّمَاءِ؛ أَنْ نَتَمَسَّكَ بِالرَّجَاءِ وَسَطَ الأَلَمِ، وَأَنْ نُحَوِّلَ إِيمَانَنَا بِالْقِيَامَةِ إِلَى مَحَبَّةٍ تُبْذَلُ مِنْ أَجْلِ الآخَرِينَ. وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا نَتَعَلَّمُهُ مِنْ هٰذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ: مَنْ يَعِشْ لِلْمَسِيحِ بِالْمَحَبَّةِ، لَا يَسْتَطِعِ الْمَوْتُ أَنْ يَسْلُبَهُ الرَّجَاءَ؛ لأَنَّ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ لَيْسَتِ الْقَبْرَ، بَلِ الْقِيَامَةَ وَالْحَيَاةَ مَعَ اللهِ.

 

 

 

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email