الأَحَدُ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ السَّنَةِ: أَسرارُ اللهِ تُكشَفُ لِلودَعاءِ وَالمُتَواضِعينَ

الأَحَدُ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ السَّنَةِ: أَسرارُ اللهِ تُكشَفُ لِلودَعاءِ وَالمُتَواضِعينَ (متى 11: 25-30)

أ. د. لويس حزبون

 النَّصَّ الإنْجيلي (متى 11: 25-30)

25في ذلكَ الوقتِ تكلَّمَ يسوعُ فقال: ((أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. 26نَعَم يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك. 27قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه. 28تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. 29اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، 30لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف)).

مُقَدِّمَة

يُسَلِّطُ إِنجيلُ الأَحَدِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ السَّنَةِ (مَتّى 11: 25-30) الأَضواءَ على إِحدى أَجمَلِ صَلَواتِ يَسوعَ وَأَعمَقِها، حَيثُ يَرفَعُ تَسبيحَةَ الحَمدِ إِلى الآبِ السَّماوِيِّ، لأَنَّهُ أَخفَى أَسرارَ المَلَكوتِ عَنِ الحُكَماءِ وَالأَذكِياءِ، وَكَشَفَها لِلصِّغارِ. فَهُنا لا يَتَحَدَّثُ يَسوعُ عَن جَهلٍ يُمَدَحُ، بَل عَن تَواضُعٍ يَفتَحُ القَلبَ لِوَحيِ اللهِ، وَعَن بَساطَةِ الإِيمانِ الَّتي تُؤَهِّلُ الإِنسانَ لِلدُّخولِ في شَرِكَةِ الحَياةِ مَعَ الآبِ مِن خِلالِ الابنِ.

وَيُقابِلُ الإِنجيلُ بَينَ فِئتَينِ مِنَ النّاسِ: فِئَةٌ ظَنَّت أَنَّها تَملِكُ الحِكمَةَ وَالمَعرِفَةَ، مِثلَ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ، فَأَغلَقَت قُلوبَها أَمامَ وَحيِ اللهِ، وَفِئَةٌ أُخرى عَرَفَت فَقرَها الرُّوحيَّ وَتَواضُعَها، فَتَقَبَّلَت كَلِمَةَ اللهِ بِقَلبٍ مُنفَتِحٍ، وَنالَت فَهمَ أَسرارِ المَلَكوتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “لَيسَ التَّواضُعُ دَرَجَةً مِن دَرَجاتِ الفَضيلَةِ فَحَسب، بَل هُوَ الأَساسُ الَّذي تَقومُ عَلَيهِ جَميعُ الفَضائِلِ” (PL 40, 428).

ثُمَّ يَنتَقِلُ يَسوعُ مِنَ التَّسبيحِ إِلى الدَّعوَةِ، فَيُنادِي جَميعَ المُتعَبينَ وَالمُثقَلينَ بِالأَحمالِ “تَعالَوا إِلَيَّ… وَأَنا أُريحُكُم”. وَلا يَعِدُهُم بِحَياةٍ خالِيَةٍ مِنَ التَّجارِبِ، بَل بِراحَةِ القَلبِ الَّتي تَنبَعُ مِنَ الاتِّحادِ بِهِ، وَحَملِ نيرِهِ اللَّطيفِ وَحِملِهِ الخَفيفِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم:” إِنَّهُ لا يَرفَعُ الأَحمالَ، بَل يُعَلِّمُنا كَيفَ نَحمِلُها مَعَهُ، فَيُحَوِّلُ التَّعَبَ إِلى راحَةٍ” (PG 57, 428).

إِنَّ التَّواضُعَ، في هٰذا الإِنجيلِ، لَيسَ فَضيلَةً أَخلاقِيَّةً فَحَسب، بَل هُوَ البَابُ الَّذي يَدخُلُ مِنهُ الإِنسانُ إِلى مَعرِفَةِ اللهِ، وَالسِّرُّ الَّذي يَفتَحُ أَمامَهُ طَريقَ الرَّاحَةِ الحَقيقيَّةِ. فَمَن يَجلِسُ عِندَ قَدَمَيِ المَسيحِ بِقَلبِ الطِّفلِ، يَكتَشِفُ أَنَّ نيرَهُ لَطيفٌ، وَحِملَهُ خَفيفٌ، لأَنَّ المَسيحَ نَفسَهُ يَحمِلُهُ مَعَهُ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس: “إِنَّ التَّواضُعَ هُوَ مِفتاحُ المَعرِفَةِ الإِلٰهِيَّةِ؛ فَكُلَّما صَغُرَ الإِنسانُ أَمامَ اللهِ، كَبُرَت مَعرِفَتُهُ بِاللهِ” (PL 15, 1715).

مِن هٰذا المُنطَلَقِ، تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ، ثُمَّ في تَطبيقاتِهِ الرَّعَوِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، لِنَكتَشِفَ أَنَّ سِرَّ الحِكمَةِ الإِلٰهِيَّةِ لا يُوهَبُ لِمَن يَعتَمِدُ عَلَى حِكمَتِهِ الذّاتِيَّةِ، بَل لِمَن يَتَّخِذُ قَلبَ الطِّفلِ، وَيَتَعَلَّمُ مِنَ المَسيحِ أَن يَكونَ وَديعًا وَمُتواضِعَ القَلبِ.

 أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 11: 25-30)

25 فِي ذٰلِكَ الوَقْتِ تَكَلَّمَ يَسوعُ فَقالَ: “أَحْمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ الأَشْيَاءَ عَنِ الحُكَمَاءِ وَالأَذْكِيَاءِ، وَكَشَفْتَهَا لِلأَطْفَالِ”.

تُشِيرُ عِبَارَةُ “فِي ذٰلِكَ الوَقْتِ” إِلَى المَرْحَلَةِ الَّتِي تَلَتْ رَفْضَ مُدُنِ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ لِبِشَارَةِ يَسوعَ (مَتّى 11: 20-24)، أَمَّا فِي إِنْجِيلِ لُوقَا فَتَأْتِي بَعْدَ رُجُوعِ التَّلَامِيذِ السَّبْعِينَ وَهُمْ مُمْتَلِئُونَ فَرَحًا بِسَبَبِ خُضُوعِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ بِاسْمِ المَسِيحِ (لُوقَا 10: 17-21). وَهٰكَذَا يَظْهَرُ هٰذَا النَّشِيدُ كَاسْتِجَابَةٍ إِلٰهِيَّةٍ مُفْرِحَةٍ وَسْطَ وَاقِعِ الرَّفْضِ وَعَدَمِ الإِيمَانِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “تَكَلَّمَ يَسوعُ فَقالَ” فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἀποκριθεὶς ὁ Ἰησοῦς εἶπεν، أَيْ: “أَجَابَ يَسوعُ وَقَالَ”. وَهِيَ لا تَفْتَرِضُ دَائِمًا سُؤَالًا مُبَاشِرًا، بَلْ تُشِيرُ إِلَى جَوَابٍ عَلَى مَوْقِفٍ أَوْ حَدَثٍ سَابِقٍ. وَيَبْدُو هُنَا أَنَّ يَسوعَ يُجِيبُ ضِمْنًا عَلَى مَوْقِفِ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ حُكَمَاءَ وَأَذْكِيَاءَ، لٰكِنَّهُمْ رَفَضُوا الإِيمَانَ بِهِ وَبِإِنْجِيلِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قَائِلًا: “إِنَّ المَسِيحَ لا يَحْزَنُ بِسَبَبِ رَفْضِ الكَثِيرِينَ لَهُ، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ حِكْمَةَ اللهِ تَعْمَلُ فِي الَّذِينَ يَمْلِكُونَ قَلْبًا بَسِيطًا وَمُتَوَاضِعًا” (PG 57, 428.

أَمَّا عِبَارَةُ “أَحْمَدُكَ” فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Ἐξομολογοῦμαί σοι، وَهِيَ تَعْنِي: “أُسَبِّحُكَ وَأُمَجِّدُكَ وَأَعْتَرِفُ بِعَظَمَتِكَ”. وَلا يَقْتَصِرُ فِعْلُ الِاعْتِرَافِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ عَلَى الإِقْرَارِ بِالخَطِيئَةِ، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا الحَمْدَ وَالتَّسْبِيحَ وَتَمْجِيدَ اللهِ. لِذٰلِكَ فَالمَسِيحُ هُنَا يَرْفَعُ صَلَاةَ شُكْرٍ وَابْتِهَاجٍ لِلآبِ بِسَبَبِ تَدْبِيرِهِ الخَلَاصِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ قَائِلًا: “إِنَّ الِابْنَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُرْجِعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الآبِ بِالشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، لأَنَّ جَمِيعَ الخَيْرَاتِ تَأْتِي مِنْهُ” (PG 72, 728).

أَمَّا عِبَارَةُ “يَا أَبَتِ” فَتُشِيرُ إِلَى العَلَاقَةِ الفَرِيدَةِ الَّتِي تَرْبِطُ الِابْنَ الوَحِيدَ بِالآبِ السَّمَاوِيِّ. فَفِي هٰذَا النِّدَاءِ يَظْهَرُ سِرُّ البُنُوَّةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّذِي سَيُعْلِنُهُ يَسوعُ لَاحِقًا بِصُورَةٍ أَوْضَحَ: “لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْنُ”(مَتّى 11: 27). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هِيلَارِي أُسْقُفُ بُواتِييه قَائِلًا: “حِينَ يَدْعُو المَسِيحُ اللهَ أَبَاهُ، فَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّ مُسَاوَاتِهِ لِلآبِ فِي الطَّبِيعَةِ الإِلٰهِيَّةِ” (PL 10, 170).

أَمَّا عِبَارَةُ “رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ” فَتُشِيرُ إِلَى سِيَادَةِ اللهِ الشَّامِلَةِ عَلَى الخَلِيقَةِ كُلِّهَا. هٰذِهِ المَرَّةُ الوَحِيدَةُ فِي إِنْجِيلِ مَتّى الَّتِي يَسْتَعْمِلُ فِيهَا يَسوعُ هٰذَا اللَّقَبَ بِصِيغَتِهِ الكَامِلَةِ. فَالآبُ هُوَ خَالِقُ الكَوْنِ وَمُدَبِّرُ التَّارِيخِ وَسَيِّدُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَعًا.

أَمَّا عِبَارَةُ “لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ الأَشْيَاءَ عَنِ الحُكَمَاءِ وَالأَذْكِيَاءِ” فَلَا تَعْنِي أَنَّ اللهَ يَرْفُضُ الحِكْمَةَ الحَقِيقِيَّةَ، بَلْ إِنَّهُ يُقَاوِمُ الكِبْرِيَاءَ الفِكْرِيَّ الَّذِي يُغْلِقُ القَلْبَ أَمَامَ النِّعْمَةِ. فَالحُكَمَاءُ المَذْكُورُونَ هُنَا هُمُ الَّذِينَ اتَّكَلُوا عَلَى مَعْرِفَتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ وَرَفَضُوا الِانْفِتَاحَ عَلَى عَمَلِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “لَمْ تُخْفَ الحَقِيقَةُ عَنْهُمْ لأَنَّهُمْ حُكَمَاءُ، بَلْ لأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنْفُسَهُمْ حُكَمَاءَ” (PL 38, 438). كَمَا يُضِيفُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوس الكَبِيرُ: “الكِبْرِيَاءُ تُغْلِقُ بَابَ المَعْرِفَةِ الإِلٰهِيَّةِ، أَمَّا التَّوَاضُعُ فَيَفْتَحُ القَلْبَ لِقَبُولِ النُّورِ” (PL 76, 1139).

أَمَّا عِبَارَةُ “هٰذِهِ الأَشْيَاءَ” فَتُشِيرُ إِلَى أَسْرَارِ مَلَكُوتِ اللهِ، أَيْ إِلَى التَّدْبِيرِ الخَلَاصِيِّ الَّذِي أَعْلَنَهُ المَسِيحُ لِلبَشَرِ. وَهِيَ “أَسْرَارُ المَلَكُوتِ” الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا يَسوعُ لِتَلَامِيذِهِ قَائِلًا: “أُعْطِيتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مَتّى 13: 11). هٰذِهِ الأَسْرَارُ لَيْسَتْ مَعْلُومَاتٍ نَظَرِيَّةً، بَلْ مَعْرِفَةٌ شَخْصِيَّةٌ بِاللهِ وَبِعَمَلِهِ الخَلَاصِيِّ فِي المَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا: “أَسْرَارُ المَلَكُوتِ لا تُدْرَكُ بِقُوَّةِ العَقْلِ وَحْدَهُ، بَلْ تُعْطَى لِمَنْ يَفْتَحُ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ” (PG 13, 1088).

أَمَّا عِبَارَةُ “الحُكَماءُ وَالأَذْكِياءُ” فَتُشيرُ إِلَى الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ المُتَكَبِّرِينَ، وَإِلَى حُكَماءِ هٰذَا الدَّهْرِ الَّذِينَ يَتَّكِلُونَ عَلَى حِكْمَتِهِمُ البَشَرِيَّةِ وَعَلَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ. وَفِيهِم يَصْدُقُ قَوْلُ بُولُسَ الرَّسُولِ: “فَلَمَّا كانَ العالَمُ بِحِكْمَتِهِ لَم يَعرِفِ اللهَ في حِكْمَةِ اللهِ” (1 قورنتس 1: 21). فَهُم حُكَماءُ في أَعْيُنِ أَنْفُسِهِم، يَدَّعُونَ مَعْرِفَةَ اللهِ بِالِاعْتِمادِ عَلَى قُوَّتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُم لَيْسُوا بِحاجَةٍ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ. وَفِيهِم يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “لا يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ في هٰذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جاهِلًا لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا” (1 قورنتس 3: 18). وَهُمْ يَسْلُكُونَ بِدُونِ تَواضُعٍ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُم يَعْرِفُونَ أَسْرارَ المَلَكُوتِ، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ يَقُولُ عَنْهُمْ: “زَعَموا أَنَّهُم حُكَماءُ، فَإِذا هُمْ حَمْقَى” (رومة 1: 22). لِذٰلِكَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدْخُلُوا طَرِيقَ المَعْرِفَةِ الإِلٰهِيَّةِ الحَقَّةِ، لأَنَّ هٰذِهِ المَعْرِفَةَ هِيَ عَطِيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ تُعْطَى لِمَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ أَمَامَ اللهِ. فَقَدْ ظَنَّ الحُكَماءُ وَالأَذْكِياءُ أَنَّهُمْ نُورٌ، وَإِذا بِهِم فِي الوَاقِعِ ظُلْمَةٌ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “اِعْتَرِفْ أَنَّكَ لَسْتَ نُورًا لِنَفْسِكَ، بَلْ أَنَّكَ عَيْنٌ بِلا نُورٍ. وَمَا فَائِدَةُ العَيْنِ، وَإِنْ كانَتْ سَلِيمَةً وَمَفْتُوحَةً، إِنْ لَم يَكُنْ هُنَاكَ نُورٌ؟ فَاصْرُخْ مَعَ المُرَنِّمِ: “لأَنَّكَ أَنْتَ تُوقِدُ سِراجِي، إِلٰهِي أَنِرْ ظُلْمَتِي” (مزمور 18: 29). فَأَنَا كُنْتُ بِكُلِّيَّتِي ظُلْمَةً، وَأَنْتَ وَحْدَكَ النُّورُ الَّذِي يُبَدِّدُ ظُلْمَتِي وَيُنِيرُ لِي” (PL 35, 1652).

أَمَّا عِبَارَةُ “كَشَفْتَها” فَتُشيرُ إِلَى وَحْيِ اللهِ وَإِعْلانِهِ الإِلٰهِيِّ. وَقَدْ أَوْضَحَ يَسوعُ هٰذَا الأَمْرَ لِبُطْرُسَ الرَّسُولِ قَائِلًا: “طُوبى لَكَ يا سِمْعانُ بْنَ يُونَا، فَلَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي في السَّمَاوَاتِ” (متّى 16: 17). فَمَعْرِفَةُ المَسِيحِ وَأَسْرارِ المَلَكُوتِ لَيْسَتْ نَتِيجَةَ اجْتِهَادٍ بَشَرِيٍّ فَقَطْ، بَلْ ثَمَرَةُ نِعْمَةٍ وَوَحْيٍ مِنَ الآبِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “الصِّغارُ” فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ νήπιοι، أَيْ “الأَطْفَال”. وَلَا يُقْصَدُ بِهِمُ الأَطْفَالُ فِي السِّنِّ فَحَسْب، بَلِ الَّذِينَ يَضَعُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مَوْقِفِ القَبُولِ وَالإِصْغَاءِ وَالثِّقَةِ الكَامِلَةِ بِاللهِ. إِنَّهُمُ المُتَواضِعُونَ وَالوُدَعَاءُ وَالبُسَطَاءُ الَّذِينَ يَنْفَتِحُونَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ وَوَحْيِهِ بِقُلُوبٍ مُتَّضِعَةٍ. فَمَنْ يَعْتَرِفُ بِجَهْلِهِ يُعْطِهِ اللهُ حِكْمَةً وَفَهْمًا لِلقَلْبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قَائِلًا: “سَمَّاهُمْ أَطْفَالًا لا بِسَبَبِ العُمْرِ، بَلْ بِسَبَبِ نَقَاوَةِ القَلْبِ وَخُلُوِّهِمْ مِنَ الكِبْرِيَاءِ” (PG 57, 429). كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوس: “إِنَّ التَّوَاضُعَ هُوَ مِفْتَاحُ المَعْرِفَةِ الإِلٰهِيَّةِ؛ فَكُلَّمَا صَغُرَ الإِنْسَانُ أَمَامَ اللهِ، كَبُرَتْ مَعْرِفَتُهُ بِاللهِ” (PL 15, 1715). لِهٰذَا اخْتَارَ المَسِيحُ تَلَامِيذَهُ مِنَ البُسَطَاءِ وَالمُتَواضِعِينَ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “فَلَا يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ، فَإِنْ عَدَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ نَفْسَهُ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ هٰذِهِ الدُّنْيَا، فَلْيَصِرْ أَحْمَقَ لِيَصِيرَ حَكِيمًا”(1 قورنتس 3: 18). وَالصِّغارُ هُم، فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى، تَلَامِيذُ المَسِيحِ الَّذِينَ سَلَّمُوا ذَوَاتَهُمْ لَهُ (متّى 10: 42)، وَصَارُوا كَالأَطْفَالِ فِي تَواضُعِهِم وَوَدَاعَتِهِم وَاسْتِعْدَادِهِم لِقَبُولِ الحَقِّ (1 قورنتس 2: 6). وَلِهٰؤُلَاءِ كُشِفَ سِرُّ المَلَكُوتِ (متّى 13: 11). أَمَّا فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، فَالصِّغارُ هُمُ الوُدَعَاءُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالمَسِيحِ، بِخِلَافِ الفَرِّيسِيِّينَ الَّذِينَ رَفَضُوهُ (يُوحَنَّا 7: 47-49). وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “فَاعْتَبِرُوا، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، دَعْوَتَكُمْ، فَلَيْسَ فِيكُمْ فِي نَظَرِ البَشَرِ كَثِيرٌ مِنَ الحُكَمَاءِ، وَلَا كَثِيرٌ مِنَ المُقْتَدِرِينَ، وَلَا كَثِيرٌ مِنْ ذَوِي الحَسَبِ وَالنَّسَبِ” (1 قورنتس 1: 26). لَقَدْ رَضِيَ الرَّبُّ عَن صِغَارِ هٰذَا العَالَمِ لَا عَنْ كُبَرَائِهِ. فَاللهُ يَحْتَجِبُ عَنِ المُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ فَهْمًا وَعِلْمًا مِنْ غَيْرِهِم، بَيْنَمَا يُظْهِرُ ذَاتَهُ لِلمُتَواضِعِينَ وَيَكْشِفُ أَسْرَارَهُ لِلفُقَرَاءِ بِالرُّوحِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَتْهُ العَذْرَاءُ مَرْيَمُ فِي نَشِيدِهَا قَائِلَةً: “حَطَّ الأَقْوِيَاءَ عَنِ العُرُوشِ وَرَفَعَ الوُضَعَاءَ” (لوقا 1: 52). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ مُفَارَقَةَ الإِنْجِيلِ الكُبْرَى: فَاللهُ لا يَنْظُرُ إِلَى الذَّكَاءِ البَشَرِيِّ أَوِ المَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، بَلْ إِلَى القَلْبِ المُتَوَاضِعِ القَادِرِ عَلَى اسْتِقْبَالِ النِّعْمَةِ. لِذٰلِكَ يَرْفَعُ يَسوعُ صَلَاةَ الحَمْدِ لأَنَّ الآبَ شَاءَ أَنْ يَكْشِفَ أَسْرَارَ مَلَكُوتِهِ لِلصِّغَارِ وَالمُتَوَاضِعِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا كَلِمَةَ اللهِ بِالإِيمَانِ، بَيْنَمَا بَقِيَتْ خَفِيَّةً عَنِ المُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ أَغْلَقُوا قُلُوبَهُمْ أَمَامَ الحَقِيقَةِ.

26 “نَعَمْ يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاكَ”

تُشيرُ عِبارَةُ “نَعَمْ” إلى حَرْفِ جَوابٍ يُفيدُ التَّوكيدَ وَالمُوافَقَةَ الكامِلَةَ. وهي تُعبِّرُ عَن قَبولِ يَسوعَ وَرِضاهُ التَّامِّ بِمَشيئَةِ الآبِ السَّماويِّ وَتَدبيرِهِ الخَلاصيِّ. فَبَعدَ أَنْ أَعْلَنَ أَنَّ الآبَ أَخْفى أَسْرارَ المَلَكوتِ عَنِ الحُكَماءِ وَالأَذكِياءِ وَكَشَفَها لِلصِّغارِ، يُصادِقُ يَسوعُ عَلى هٰذا التَّدبيرِ الإِلٰهيِّ بِفَرَحٍ وَتَسبيحٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: “إِنَّ المَسيحَ لا يَقولُ هٰذا عَلَى سَبيلِ الخُضوعِ فَقَط، بَل عَلَى سَبيلِ الفَرَحِ أَيضًا، لأَنَّهُ يَرَى أَنَّ مَشيئَةَ الآبِ تَقودُ النُّفوسَ المُتَواضِعَةَ إِلَى الخَلاصِ” (PG 57, 428).

أمَّا عِبارَةُ “رِضاكَ” فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيِّ εὐδοκία ، وَتَعني: “المَسرَّة، أَوِ المَشيئَةُ الصَّالِحَةُ، أَوِ الرِّضا الإِلٰهيُّ”. وَهِيَ مِنَ الجِذرِ نَفسِهِ الَّذي وَرَدَ في شَهادَةِ الآبِ عِندَ مَعموديَّةِ يَسوعَ: “هٰذا هُوَ ابْني الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيتُ” (متّى 3: 17)، حيثُ استُعمِلَ الفِعلُ εὐδόκησα كَما تَرِدُ الكَلِمَةُ أَيضًا في نُبوءَةِ أَشَعْيا عَن عَبدِ الرَّبِّ: “هُوَذا عَبديَ الَّذي اختَرْتُهُ، حَبيبيَ الَّذي عَنهُ رَضيتُ” (متّى 12: 18).

وَتُشيرُ عِبارَةُ “هٰذا ما كانَ رِضاكَ” إِلَى أَنَّ كَشفَ أَسرارِ المَلَكوتِ لِلصِّغارِ لَيسَ أَمرًا عَرَضيًّا، بَل يَدخُلُ في صُلبِ مَشيئَةِ اللهِ وَتَدبيرِهِ الخَلاصيِّ. فَاللهُ لا يُفَضِّلُ الصِّغارَ لِضَعفِهِم في حَدِّ ذاتِهِ، بَل لأَنَّهُم أَكثَرُ استِعدادًا لِقَبولِ النِّعمَةِ وَالإِصغاءِ إِلَى كَلِمَتِهِ بِقُلوبٍ مُتَواضِعَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: “لَم يَخفِ اللهُ الحَقَّ عَنِ الحُكَماءِ لأَنَّهُ يُبغِضُ الحِكمَةَ، بَل لأَنَّهُ يُقاوِمُ كِبرياءَ الحُكَماءِ، وَيُعطي نِعمَتَهُ لِلمُتَواضِعينَ” (PL 38, 434). كَما يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه أَنَّ “الصِّغارَ هُم الَّذينَ يَقبَلونَ بِساطَةَ الإِيمانِ، أَمَّا المُتكَبِّرونَ فَيُغلِقونَ أَذهانَهُم عَنِ الحَقِّ بِسَبَبِ اعتِدادِهِم بِأَنفُسِهِم” (PL 9, 995). إِنَّ رِضَى اللهِ وَمَشيئَتَهُ يَقومانِ عَلى الحِكمَةِ وَالمَحَبَّةِ مَعًا، لأَنَّهُ “يُريدُ أَن يَخلُصَ جَميعُ النّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقِّ”(1 طيموثاوس 2: 4). لٰكِنَّ الَّذينَ يَقبَلونَ هٰذا الخَلاصَ هُم أُولئكَ الَّذينَ يَأتونَ إِلَيهِ بِقُلوبِ الأَطفالِ، مُدرِكينَ فَقرَهُم الرُّوحيَّ وَحاجَتَهُم إِلَى اللهِ. وَمِن هُنا يَتَجَلّى أَنَّ يَسوعَ لا يُسَبِّحُ الآبَ فَقَط لِأَنَّهُ كَشَفَ الحَقَّ لِلصِّغارِ، بَل أَيضًا لِأَنَّ هٰذا الكَشفَ يُعبِّرُ عَن جَوهَرِ مَشيئَةِ اللهِ الخَلاصيَّةِ: أَنْ يَهبَ نِعمَتَهُ لِمَن يَتَقَبَّلُها بِالتَّواضُعِ وَالثِّقَةِ وَالإِيمانِ.

 27″قَدْ سُلِّمَ إِلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَبِي، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ شَاءَ الابْنُ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُ”

تُشيرُ عِبارَةُ “قَدْ سُلِّمَ إِلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَبِي” إلى السُّلطانِ الشَّامِلِ الَّذي أَوْكَلَهُ الآبُ إِلَى الابْنِ في تَدبيرِ الخَلاصِ. فَيَسوعُ، بِوَصفِهِ الابْنَ المُتَجَسِّدَ وَالفادي، قَدْ نالَ مِنَ الآبِ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ وَعَلَى الأَرْضِ، كَما أَعْلَنَ بَعدَ القِيامَةِ: “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطانٍ في السَّماءِ وَالأَرْضِ” (متّى 28: 18). وَهٰذا التَّسليمُ لا يَعني تَفَوُّقَ الآبِ عَلَى الابْنِ في الجَوْهَرِ، بَل يَدُلُّ عَلَى دَوْرِ الابْنِ في التَّدبيرِ الخَلاصيِّ. فَالابْنُ مُساوٍ لِلآبِ في الأُلُوهِيَّةِ، وَمُشارِكٌ لَهُ في القُدرَةِ وَالمَجدِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَثَناسِيُوس الرَّسوليُّ قائلًا: “لَمْ يَأخُذِ الابْنُ سُلطانًا لَمْ يَكُنْ لَهُ، بَل قِيلَ إِنَّهُ أُعْطِيَ لَهُ لِأَنَّهُ تَجَسَّدَ وَظَهَرَ في الجَسَدِ لِخَلاصِ البَشَرِ” (PG 26, 389).

أمَّا عِبارَةُ “كُلُّ شَيْءٍ” فَتُشيرُ إِلَى كُلِّ ما يَخُصُّ المَلَكوتَ وَالخَلاصَ وَمَعرِفَةَ اللهِ. فَالابْنُ يَملِكُ سِرَّ الآبِ وَيَملِكُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ الَّتي يَهَبُها لِلمُؤمِنينَ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ يَسوعُ في صَلاتِهِ الكَهَنوتِيَّةِ: “أَوْلَيْتَهُ سُلْطانًا عَلَى جَميعِ البَشَرِ لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وَهَبْتَهُمْ لَهُ”(يوحنّا 17: 2).

أمَّا عِبارَةُ “فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ” فَتُعَدُّ مِن أَعْمَقِ النُّصوصِ الكريستولوجيَّةِ في الأَناجيلِ. فَالفِعلُ اليونانيُّ γινώσκει (يَعرِفُ) لا يَعني مَعرِفَةً عَقليَّةً مُجرَّدَةً، بَل مَعرِفَةَ الشَّرِكَةِ وَالاتِّحادِ وَالمَحبَّةِ. إِنَّها المَعرِفَةُ المُتَبادَلَةُ بَينَ الآبِ وَالابْنِ في وَحدَةِ الجَوْهَرِ الإِلٰهيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه قائِلًا: “إِنَّ مَعرِفَةَ الآبِ لِلابْنِ وَمَعرِفَةَ الابْنِ لِلآبِ لَيسَتا مَعرِفَتَينِ مُنفَصِلَتَينِ، بَل هُما إِعلانٌ عَن وَحدَةِ الطَّبيعَةِ وَالجَوْهَرِ بَينَهُما” (PL 10, 167. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكندريُّ أَنَّ “الابْنَ يَعرِفُ الآبَ مَعْرِفَةً كامِلَةً لأَنَّهُ مِن جَوْهَرِهِ، وَكَذٰلِكَ الآبُ يَعرِفُ الابْنَ لأَنَّهُ صُورَتُهُ الحَيَّةُ وَبَهاءُ مَجدِهِ” (PG 72, 729. وَتُوازي هٰذِهِ الآيَةُ أَقوالَ يَسوعَ في إِنجيلِ يُوحنّا: “أَنَا وَالآبُ واحِدٌ” (يوحنّا 10: 30)، وَ”مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يوحنّا 14: 9). فَالآبُ يَتَجَلَّى في الابْنِ، وَالابْنُ يُعلِنُ الآبَ لِلبَشَرِ.

أمَّا عِبارَةُ “وَمَنْ شَاءَ الابْنُ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُ” فَتُشيرُ إِلَى أَنَّ مَعرِفَةَ اللهِ هِبَةٌ وَوَحيٌ، لا مُجَرَّدُ جُهدٍ بَشَرِيٍّ. فَلا أَحَدَ يَستَطيعُ أَنْ يَبلُغَ إِلَى الآبِ بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ، بَل مِن خِلالِ وَحيِ الابْنِ وَنِعمَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: “بِالمَسيحِ صَارَ لَنا بابُ الدُّخولِ إِلَى اللهِ؛ فَمَن أَرادَ أَنْ يَعرِفَ الآبَ فَلْيَنظُرْ إِلَى الابْنِ” (PL 35, 1542). وَيَقُولُ القِدِّيسُ إيريناوس: “الابْنُ هُوَ المُعلِنُ لِلآبِ، وَمِن دُونِهِ لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعرِفَ اللهَ حَقًّا” (PG 7, 990). لِذٰلِكَ فَيَسوعُ هُوَ الوَسيطُ الأَوْحَدُ بَينَ اللهِ وَالنّاسِ، وَهُوَ الطَّريقُ إِلَى الآبِ، كَما أَعلَنَ قائِلًا: “أَنَا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ، لا يَأتي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلَّا بِي” (يوحنّا 14: 6). فَمَعرِفَةُ اللهِ الحَقِيقِيَّةُ لا تُنالُ بِالحِكمَةِ البَشَرِيَّةِ وَلا بِالدِّراسَةِ وَحدَها، بَل بِالقُربِ مِنَ المَسيحِ وَالاتِّحادِ بِهِ وَالانفِتاحِ عَلَى وَحيِهِ. وَهٰكَذا يُعلِنُ يَسوعُ في هٰذِهِ الآيَةِ سِرَّ عَلاقَتِهِ الفَريدَةِ بِالآبِ، وَيُظهِرُ أَنَّهُ المُوحِي بِاللهِ وَالمُعَرِّفُ بِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَن يُريدُ الدُّخولَ إِلَى مَعرِفَةِ الآبِ وَالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ لا بُدَّ لَهُ أَنْ يَعبُرَ مِن خِلالِ الابْنِ الَّذي يَكشِفُ الآبَ لِمَن يَشاءُ أَنْ يَقبَلَ وَحيَهُ بِالإِيمانِ وَالتَّواضُعِ.

وَلا يَعني قَولُهُ: “وَمَن شاءَ الابنُ” أَنَّ المَسيحَ يَختارُ النّاسَ اعتِباطًا، بَل يُشيرُ إِلى حُرِّيَّةِ نِعمَتِهِ وَمُبادَرَتِهِ الخَلاصيَّةِ. فَالابنُ يَشاءُ أَن يُعلِنَ الآبَ لِجَميعِ مَن يَقبَلونَهُ بِالإِيمانِ وَالتَّواضُعِ، كَما قالَ الإِنجيليُّ: “أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه، فَقَد أَعطاهُم سُلطانًا أَن يَصيروا أَبناءَ اللهِ، وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِهِ” (يوحنّا 1: 12). وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، فَإِنَّ الكَشفَ الإِلٰهِيَّ يَفتَرِضُ قَلبًا مُتواضِعًا مُستَعِدًّا لِقَبولِ النِّعمَةِ، لا قَلبًا مُتكَبِّرًا يَعتَمِدُ عَلَى حِكمَتِهِ الذّاتِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: «الابنُ، لِكَوْنِهِ واحِدًا مَعَ الآبِ في الجَوهرِ، هُوَ وَحدَهُ القادِرُ أَن يُعلِنَ الآبَ لِلبَشَرِ، لأَنَّهُ يَعرِفُهُ مَعرِفَةً كامِلَةً، وَيُدخِلُ المُؤمِنينَ في هٰذِهِ المَعرِفَةِ بِالنِّعمَةِ” (PG 73,161-164). وَيُضيفُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: “لَو لَم يَكشِفِ الابنُ الآبَ، لَما استطاعَ أَحَدٌ أَن يَعرِفَهُ؛ فَهُوَ النُّورُ الَّذي يُنيرُ العُقولَ، وَالمُعَلِّمُ الدّاخِلِيُّ الَّذي يَقودُ القُلوبَ إِلى الحَقِّ (434، PL 38).

أَمَّا عِبارَةُ ” يَكشِفَهُ لَهُ” فَتُشيرُ إلى أَنَّ مَعرِفَةَ الآبِ لَيسَت ثَمَرَةَ بَحثٍ عَقليٍّ أَو اجتِهادٍ بَشَرِيٍّ فَحَسب، بَل هِيَ عَطِيَّةُ وَحيٍ إِلٰهِيٍّ يَمنَحُها الابنُ لِمَن يَنفَتِحُ بِالإِيمانِ عَلَى شَخصِهِ. فَالفِعلُ اليوناني ἀποκαλύψαι (يَكشِفُ، يُعلِنُ، يُزيحُ السِّتارَ) يَدُلُّ عَلَى إِظهارِ ما كانَ مَستورًا وَغَيرَ مُدرَكٍ. فَالابنُ لا يَنقُلُ مَعلومةً عَنِ الآبِ، بَل يُدخِلُ المُؤمِنَ في شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَهُ، حَتّى يَعرِفَ اللهَ مَعرِفَةَ الأَبناءِ لا مَعرِفَةً نَظَرِيَّةً. وَيُؤَكِّدُ هٰذا القَولُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ الوَسيطُ الوَحيدُ لِوَحيِ الآبِ، لأَنَّهُ “الاِبنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضنِ الآبِ، هُوَ الَّذي أَخبَرَ عَنهُ” (يوحنّا 1: 18). فَلا يُمكِنُ بُلوعُ مَعرِفَةِ اللهِ الحَقيقيَّةِ إِلّا بِالمَسيحِ وَمِن خِلالِهِ، كَما صَرَّحَ يَسوعُ: “أَنا هُوَ الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ، لا أَحَدَ يَأتي إِلى الآبِ إِلّا بي” (يوحنّا 14: 6)، وَقَولُهُ أَيضًا: “مَن رآني فَقَد رَأَى الآبَ” (يوحنّا 14: 9). وهكذا تُؤكِّدُ هٰذِهِ العِبارَةُ أَنَّ الوَحيَ المَسيحِيَّ لَيسَ اكْتِشافًا بَشَرِيًّا لِلهِ، بَل هُوَ مُبادَرَةُ اللهِ نَفسِهِ الَّتي يَكشِفُ فيها الآبُ ذاتَهُ في الابنِ، وَيُدخِلُ بِالرُّوحِ القُدُسِ المُؤمِنينَ في شَرِكَةِ مَحبَّتِهِ وَحَياتِهِ.

28 ” تَعالَوا إِلَيَّ جَميعًا أَيُّها المُرْهَقونَ المُثْقَلون، وَأَنا أُريحُكُم”

تُشيرُ عِبارَةُ تَعالَوا إِلَيَّ جَميعًا” إلى دَعوَةٍ شَامِلَةٍ يوجِّهُها يَسوعُ إِلَى جَميعِ النّاسِ مِن دُونِ استِثناء. فَهُوَ لا يَدعو إِلَى شَريعَةٍ جَديدَةٍ أَو إِلَى مَذهَبٍ فِكريٍّ، بَل يَدعو إِلَى شَخصِهِ هُوَ. وَفي هٰذا تَكمُنُ جِدَّةُ الإِنجيلِ وَفَرادَتُه؛ فَلَم يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنَ الأَنبِياءِ أَنْ يَدعوَ النّاسَ إِلَى نَفسِهِ، أَمَّا المَسيحُ فَيَدعو الجَميعَ إِلَى الاتِّحادِ بِهِ وَالإِيمانِ بِهِ، لأَنَّهُ الطَّريقُ إِلَى الآبِ وَالوَسيطُ الوَحيدُ بَينَ اللهِ وَالبَشَرِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَريُّ قائِلًا: “إِنَّ المَسيحَ لا يَقولُ: تَعالَوا إِلَى تَعليمي فَحَسْب، بَل تَعالَوا إِلَيَّ، لأَنَّهُ هُوَ مَنبَعُ الحَياةِ وَالخَلاصِ وَالرَّاحَةِ” (PG 72, 777). لِذٰلِكَ فَإِنَّ دَعوَةَ “تَعالَوا إِلَيَّ” تَبقَى مِن أَجْمَلِ الدَّعواتِ في الإِنجيلِ كُلِّهِ. فَهِيَ دَعوَةٌ إِلَى اللِّقاءِ بِالمَسيحِ الحَيِّ، وَإِلَى وَضْعِ أَثقالِ الحَياةِ عِندَ قَدَمَيهِ، وَإِلَى التَّعَلُّمِ مِن وَداعَتِهِ وَتَواضُعِهِ. فَمَن يَقتَرِبُ مِنَ المَسيحِ بِإِيمانٍ وَثِقَةٍ يَكتَشِفُ أَنَّ الرَّاحَةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تُوجَدُ في الهُروبِ مِنَ الصَّليبِ، بَل في حَملِهِ مَعَ المَسيحِ الَّذي يُحَوِّلُ الأَلَمَ إِلَى رَجاءٍ، وَالتَّعَبَ إِلَى سَلامٍ، وَالحَياةَ إِلَى فَرَحٍ لا يَزولُ.

أمَّا عِبارَةُ “المُرْهَقونَ” فَفي الأَصلِ اليونانيّ ِ κοπιῶντες، وَتَعني: “«المُتعَبونَ مِن كَثرَةِ الجُهدِ وَالعَناءِ”. وَتُشيرُ إِلَى الَّذينَ يُكافِحونَ تَحتَ ثِقَلِ الحَياةِ وَتَجارِبِها وَأَوجاعِها، وَكَذٰلِكَ إِلَى المُتعَبينَ مِن وَقْعِ الخَطيئَةِ وَسُلطانِ الشَّرِّ. فَالخَطيئَةُ تُتعِبُ الإِنسانَ وَتُفقِدُهُ سَلامَهُ الدّاخِلِيَّ، وَتُثقِلُ ضَميرَهُ بِالشُّعورِ بِالذَّنبِ وَالفَراغِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: “لَم يَدعُ يَسوعُ الأَبرارَ فَقَط، بَل دَعا المُتعَبينَ وَالمُنْهَكينَ مِن ثِقَلِ خَطاياهم، لأَنَّهُ جاءَ لا لِيُهْلِكَ الخاطِئَ بَل لِيُخَلِّصَهُ” (PG 57, 431).

أمَّا عِبارَةُ “المُثْقَلونَ” فَفي الأَصلِ اليونانيِّ πεφορτισμένοι، وَتَعني: “الَّذينَ يَحمِلونَ أَحمالًا ثَقيلَةً”. وَهِيَ تُشيرُ مِن جِهَةٍ إِلَى الأَثقالِ الرُّوحيَّةِ وَالنَّفسيَّةِ الَّتي يُعانيها الإِنسانُ، وَمِن جِهَةٍ أُخرى إِلَى الأَعباءِ الَّتي كانَ الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ يَفرِضونَها عَلَى النّاسِ مِن خِلالِ تَفاسيرِهِم المُتَشَدِّدَةِ لِلشَّريعَةِ، كَما قالَ يَسوعُ عَنهُم: “يَربِطونَ أَحمالًا ثَقيلَةً عَسِرَةَ الحَملِ وَيَضَعونَها عَلَى أَكتافِ النّاس” (متّى 23: 4). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: “إِنَّ الأَحمالَ الثَّقيلَةَ هِيَ أَعباءُ الخَطيئَةِ وَالخَوفِ وَالحُزنِ، وَأَيضًا تِلكَ الوَصايا البَشَرِيَّةُ الَّتي أَثقَلَت ضَمائِرَ البُسَطاءِ” (PL 26, 79).

أمَّا عِبارَةُ “وَأَنا أُريحُكُم” فَتُشكِّلُ قَلبَ الوَعدِ الإِنجيليِّ. فَيَسوعُ لا يَعِدُ بِإِزالَةِ كُلِّ صُعوباتِ الحَياةِ وَآلامِها، بَل بِمَنحِ الرَّاحَةِ الدّاخِلِيَّةِ وَالسَّلامِ الَّذي يَنبَعُ مِنَ الثِّقَةِ بِاللهِ وَالاتِّحادِ بِهِ. إِنَّهُ يَحمِلُ عَنِ المُؤمِنِ ثِقَلَ الخَطيئَةِ وَوَخْزَ الضَّميرِ وَخَوفَ المَوتِ، وَيَمنَحُهُ قُوَّةً جَديدَةً لِمُواصَلَةِ المَسيرَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: “قَلبُ الإِنسانِ يَبقَى قَلِقًا وَمُضطَرِبًا حَتّى يَستَريحَ في اللهِ” (PL 32, 661. وَيَرى القِدِّيسُ غريغوريوس النيصصي أَنَّ الرَّاحَةَ الَّتي يَعِدُ بِها المَسيحُ “لَيسَت رَاحَةَ الكَسَلِ، بَل رَاحَةَ النَّفسِ الَّتي وَجَدَت غايَتَها في اللهِ” (PG 44, 1272). وَقَد أَشارَ البابا فرنسيس إِلَى هٰذا البُعدِ قائِلًا: “إِنَّ يَسوعَ يَدعو المُتألِّمينَ وَالمُنهَكينَ وَالمَرضى لِيَجِدوا فيهِ الرَّحمَةَ وَالتَّعزِيَةَ، لأَنَّهُ هُوَ نَفسُهُ اختَبَرَ ضُعفَ الإِنسانِ وَآلامَهُ” (رسالة اليوم العالمي للمريض، 2020).

 29 اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم،

تُشيرُ عِبارَةُ “اِحمِلوا نيري” إلى دَعوةِ يَسوعَ لِلنّاسِ كَي يَدخُلوا في طاعَتِهِ وَتَلمَذَتِهِ، لا كَعِبيدٍ تَحتَ ثِقَلِ شَريعَةٍ خارِجيَّةٍ، بَل كَأَبناءٍ يَرتَبِطونَ بِمُعَلِّمِهِم وَرَبِّهِم بِرِباطِ المَحبَّةِ وَالثِّقَةِ. فَالنِّيرُ هُنا لا يَدلُّ عَلى القَهرِ أَوِ الإِرغامِ، بَل عَلى الارتِباطِ بِيَسوعَ وَالدُّخولِ في مَدرَسَتِهِ وَاتِّخاذِهِ مُعلِّمًا وَرَبًّا لِلحَياةِ. وَهُوَ بِهٰذا المَعنى يَحمِلُ بُعدًا مَلوكيًّا، لأَنَّ يَسوعَ يَدعو الإِنسانَ أَنْ يَخضَعَ لِسُلطانِهِ الخَلاصيِّ، وَأَنْ يَتَّحِدَ بِهِ في مَسيرَةِ الخَلاصِ.

أمَّا عِبارَةُ “نيري” فَفي الأَصلِ اليونانيِّ ζυγόν، وَهِيَ تُشيرُ أَصلًا إِلَى الخَشَبَةِ المُعتَرِضَةِ الَّتي تُوضَعُ عَلى عُنُقِ ثَورٍ أَو ثَورَيْنِ مَقرونَيْنِ لِجَرِّ المِحراثِ أَو غَيرِهِ مِن أَدَواتِ الفِلاحَةِ. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ أَصبَحَ “النِّيرُ” في لُغَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ رَمزًا لِكُلِّ ما يَرتَبِطُ بِالخُضوعِ وَالالتِزامِ وَالحَملِ. فَقَد يَدُلُّ عَلى العُبودِيَّةِ وَالقَهرِ، كَما في قَولِ الرَّبِّ لِشَعبِهِ: “كَسَرتُ نيرَكُم وَجَعَلتُكُم تَمشونَ مُنتَصِبي القامَة” (الأحبار 26: 13)، وَقَد يَدُلُّ أَيضًا عَلى نِيرِ الشَّريعَةِ وَأَحكامِها، كَما في سِفرِ يَشوعَ بنِ سِيراخ: “أَدخِلوا أَعناقَكُم تَحتَ النِّير” (يشوع بن سيراخ 51: 26)، وَكَما في أَعمالِ الرُّسُلِ عَن “نيرٍ” عَجَزَ الآباءُ وَالأَبناءُ عَن حَملِهِ (أعمال 15: 10). لٰكِنَّ يَسوعَ هُنا لا يَدعو إِلَى نِيرِ العُبودِيَّةِ، وَلا إِلَى نِيرِ فَرضٍ ناموسيٍّ ثَقيلٍ، بَل إِلَى نِيرِ الشَّرِكَةِ مَعَهُ. فَالصُّورَةُ تَحمِلُ بُعدًا رَعَوِيًّا جَميلًا: إِذْ إِنَّ الثَّورَ إِذا اقْتَرَنَ بِثَورٍ آخَرَ في نِيرٍ واحِدٍ، خَفَّ الحِملُ عَلَيهِ، لأَنَّ كُلًّا مِنهُما يَحمِلُ جُزءًا مِنَ العَناءِ. وَهٰكَذا يَدعو المَسيحُ المُؤمِنَ أَنْ يَدخُلَ تَحتَ نيرِهِ، لا لِيُثقِلَهُ، بَل لِيَحمِلَ مَعَهُ عِبءَ الحَياةِ وَالصَّليبِ، وَيُحوِّلَ العَناءَ إِلَى شَركَةٍ، وَالتَّعَبَ إِلَى رَاحَةٍ. وَمِن هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ “نِيرَ المَسيحِ” لَيسَ ثِقَلًا جَديدًا، بَل مُشارَكَةً لِلمُؤمِنِ في حَياةِ الرَّبِّ وَقُوَّتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: “لَم يَقُلِ الرَّبُّ: اِحمِلوا وَصاياي فَقَط، بَل اِحمِلوا نِيري، أَي ادخُلوا مَعي في وَحدَةِ الحَياةِ، لأَنَّ مَن يَقتَرِنْ بِالمَسيحِ لا يَعودُ يَحمِلُ الحِملَ وَحدَهُ” (PG 57, 432). وَمِن هٰنا تَظهَرُ المُفارَقَةُ بَينَ نِيرِ يَسوعَ وَنِيرِ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسيّين. فَهٰؤُلاءِ “يَربِطونَ أَحمالًا ثَقيلَةً عَسِرَةَ الحَملِ وَيَضَعونَها عَلى أَكتافِ النّاس” (متّى 23: 4)، أَمَّا يَسوعُ فَيُعطي نِيرًا آخَرَ، لا يَنقُضُ الشَّريعَةَ، بَل يُكمِلُها وَيُعطيها رُوحَها الحَقيقيَّةَ. فَهُوَ لا يَدعو إِلَى إِلقاءِ النِّيرِ كُلِّيًّا، بَل إِلَى إِبدالِ النِّيرِ الثَّقيلِ بِنِيرِهِ اللَّطيفِ، أَي إِلَى قِراءَةِ الشَّريعَةِ في ضَوءِ المَحبَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالعَلاقَةِ الحَيَّةِ بِاللهِ. وَبِهٰذا المَعنى يُصبِحُ نِيرُ المَسيحِ شَريعَةَ الحُبِّ وَالحَياةِ، لا شَريعَةَ القَيدِ وَالخَوفِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: “ما هُوَ نِيرُ المَسيحِ إِلَّا وَصيَّةُ المَحبَّةِ؛ فَمَن أَحَبَّ لا يَجِدُ وَصيَّةَ اللهِ ثِقلًا، بَل فَرَحًا” (PL 38, 441).

أمَّا عِبارَةُ “تَتَلْمَذوا” فَفي الأَصلِ اليونانيِّ μάθετε، وَمَعناها: “تَعَلَّموا”. وَهِيَ لا تُشيرُ إِلَى تَلَقِّي مَعرِفَةٍ ذِهنيَّةٍ فَقَط، بَل إِلَى الدُّخولِ في مَدرَسَةِ يَسوعَ وَتَشرُّبِ فِكرِهِ وَرُوحِهِ وَنَمطِ حَياتِهِ. فَالتَّلمَذَةُ عِندَ يَسوعَ لَيسَت حِفظًا لِتَعاليمَ مُجرَّدَةٍ، بَل مُشارَكَةً لِلمُعَلِّمِ في حَياتِهِ وَوَداعَتِهِ وَطاعَتِهِ لِلآبِ. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، لا يَطلُبُ يَسوعُ مِن تَلاميذِهِ شَيئًا لَم يَعِشهُ هُوَ أَوَّلًا، بَل يَدعوهم أَنْ يَتَعلَّموا مِنهُ لأَنَّهُ سَبَقَ فَعاشَ الطَّريقَ وَسارَ فيها أَمامَهُم. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَريُّ قائِلًا: “إِنَّ المَسيحَ لا يَكتَفي بِأَنْ يَأمُرَ، بَل يَجعَلُ مِن نَفسِهِ مِثالًا؛ فَمَن يَتَلَمْذُ لَهُ يَتَعَلَّمُ لا مِن أَقوالِهِ فَحَسْب، بَل مِن وَداعَتِهِ وَتَواضُعِهِ وَطاعَتِهِ” (PG 72, 780). وَعَلَيهِ، فَإِنَّ دَعوَةَ يَسوعَ: “اِحمِلوا نيري وَتَعَلَّموا مِنّي هِيَ دَعوَةٌ إِلَى الارتِباطِ بِشَخصِهِ، وَالدُّخولِ في شَركَةِ الحَياةِ مَعَهُ، وَاحْتِمالِ أَعباءِ الحَياةِ وَالصَّليبِ مَعَهُ، لا بِقُوَّتِنا الذّاتِيَّةِ بَل بِنِعمَتِهِ. فَنِيرُهُ لَيسَ نِيرَ عُبودِيَّةٍ، بَل نِيرُ بُنُوَّةٍ وَمَحبَّةٍ؛ وَلَيسَ نِيرَ شَريعَةٍ خارِجيَّةٍ، بَل نِيرُ اتِّحادٍ بِالمَسيحِ الَّذي يَحمِلُ مَعَنا أَثقالَنا وَيُحَوِّلُها إِلَى طَريقِ خَلاصٍ وَرَاحَةٍ.

أمَّا عِبارَةُ “فَإِنِّي وَديعٌ مُتَواضِعُ القَلْب” فَتُشيرُ إلى دَعوةِ يَسوعَ لِلتَّلَمْذَةِ عَلى سِمَتَيْنِ أَساسِيَّتَيْنِ في شَخصِهِ: الوَداعة πραΰς وتَواضُعِ القَلْب ταπεινὸς τῇ καρδίᾳ. وَهُناكَ رِباطٌ عَميقٌ بَينَ الوَداعةِ وَالتَّواضُعِ لا يُمكِنُ فَصلُه، فَالإِنسانُ الوَديعُ يَكونُ بِالضَّرورَةِ مُتَواضِعًا، وَالمُتَواضِعُ يَحمِلُ في داخِلِهِ وَداعةً تُترجَمُ لُطفًا وَرِقَّةً وَاحتِمالًا. فَالوَداعةُ لَيسَت ضَعفًا أَو تَراخِيًا، بَل هِيَ قُوَّةٌ مَضبوطةٌ بِنِعمَةِ الله، تَجعَلُ الإِنسانَ لَطيفًا في مُعاملتِهِ، رَقيقَ القَلبِ، حامِلًا مَشاعِرَ طَيِّبَةً تُجاهَ الآخَرينَ، قادِرًا عَلى احتِمالِهِم بِصَبرٍ وَمَحبَّة. أَمَّا التَّواضُعُ فَلَيسَ تَحقيرًا لِلنَّفسِ أَو انتِقاصًا مِن قِيمَتِها، بَل هُوَ وَضعُ اللهِ في مَكانِهِ الحَقيقيِّ في القَلبِ، وَإِعطاؤُهُ المَركَزَ الأَوَّلَ، وَمِن ثَمَّ يَنبَثِقُ مِن هٰذا المَوقِفِ تَقديرُ القَريبِ وَإِكرامُهُ وَخِدمَتُهُ. وَيَسوعُ هُوَ الوَديعُ المُتَواضِعُ القَلبِ بِامتيازٍ، لأَنَّهُ مُتَواضِعٌ أَمامَ الآبِ، وَوَديعٌ مَعَ البَشَر. فَهُوَ المُتَواضِعُ لأَنَّهُ يَضَعُ ذاتَهُ بِاستِمرارٍ في وَضعِ الإِصغاءِ إِلى كَلِمَةِ الآبِ وَمَشيئَتِهِ، وَيَجعَلُ نَفسَهُ طائِعًا لَهُ حَتّى المَوتِ، مَوتِ الصَّليب. وَهٰذا ما يُظهِرُهُ نَشيدُ الرِّسالَةِ إلى أَهلِ فِيلِبِّي: “وَضَعَ نَفسَهُ وَأَطاعَ حَتَّى المَوت، مَوتَ الصَّليب” (فيلبي 2: 8). أَمَّا وَداعَتُهُ فَتَظهَرُ في احتِمالِهِ كُلَّ شَيءٍ مِن أَجلِ خَلاصِ الإِنسانِ، فَلا يَكسِرُ قَصَبَةً مَرْضوضَةً، وَلا يُطفِئُ فَتيلَةً تُدَخِّنُ (راجع متّى 12: 20)، بَل يَحمِلُ البَشَرَ بِرَحمَةٍ وَحِلمٍ وَصَبرٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: “لَم يَقُلِ الرَّبُّ: تَعَلَّموا مِنِّي صُنعَ العَجائِبِ، بَل تَعَلَّموا مِنِّي أَنِّي وَديعٌ وَمُتَواضِعُ القَلب، لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ جِذورُ كُلِّ فَضيلَة” (PG 57, 428). وَيُوافِقُهُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِذ يَقولُ: “إِذا سَأَلْتَ: ما أَوَّلُ فَضيلَةٍ في الحَياةِ المَسيحيَّة؟ أَقولُ: التَّواضُع. وَإِذا سَأَلتَ عَنِ الثّانِيَةِ وَالثّالِثَةِ، فَأَقولُ أَيضًا: التَّواضُع” (PL 33, 442). وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يَتَّضِحُ أَنَّ يَسوعَ لا يَدعو تَلاميذَهُ إِلى تَعَلُّمِ نَظَرِيَّةٍ أَخلاقيَّةٍ فَحَسْب، بَل إِلى الاِتِّحادِ بِشَخصِهِ وَالدُّخولِ في مَدرَسَتِهِ الدّاخِلِيَّةِ. فَالتَّواضُعُ هُنا لَيسَ مَظهَرًا خارِجيًّا، بَل حَرَكَةُ قَلبٍ تَجعلُ الإِنسانَ يَعيشُ أَمامَ اللهِ في حَقيقَتِهِ، وَيُدرِكُ أَنَّهُ يَأخُذُ كُلَّ شَيءٍ مِن يَدِ اللهِ. وَفي هٰذا السِّياقِ تَكتُبُ القِدِّيسَةُ تيريزا الكَلكُتِّيَّة: “لا نَتَعَلَّمُ التَّواضُعَ إِلّا مِن خِلالِ نَظرَةٍ عَميقَةٍ وَوَطيدَةٍ نَحوَ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. أَنَا أَنظُرُ إِلَيهِ وَهُوَ يَنظُرُ إِلَيَّ، فَنَعلَمُ أَنَّنا لَسنا بِشَيءٍ وَلا نَملِكُ شَيئًا” (No Greater Love). وَهٰذا يَعني أَنَّ التَّواضُعَ المَسيحيَّ الحَقيقيَّ لا يَنبَعُ مِن جُهدٍ أَخلاقيٍّ مَحضٍ، بَل مِن تَأَمُّلِ وَجهِ المَسيحِ وَالتَّثَبُّتِ في مَحبَّتِهِ. وَقَد أَعطى يوحنّا المَعمَدان مِثالًا بَليغًا عَن هٰذا التَّواضُعِ، فَفِيما كانَ الجَميعُ يَرَونَهُ عَظيمًا، أَعلَنَ أَنَّ مَن يَأتي بَعدَهُ أَعظَمُ مِنهُ قائلًا: “لَستُ أَهلًا لِأَن أَخلَعَ نَعلَيه” (متّى 3: 11). فَعَظَمَةُ يوحنّا لَم تَكُن في شُهرَتِهِ وَلا في نُسكِهِ وَلا في جُرأَتِهِ النَّبَوِيَّةِ فَحَسْب، بَل في أَنَّهُ تُوِّجَ بِفَضيلَةِ التَّواضُعِ. وَمِن هُنا يَظهَرُ أَنَّ أَوَّلَ دَرسٍ يَنبَغي أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الإِنسانُ مِنَ المَسيحِ هُوَ التَّواضُعُ؛ فَالجلوسُ عِندَ قَدَمَيهِ وَالإِصغاءُ إِلى كَلِمَتِهِ، عَلى مِثالِ مَريَمَ أُختِ لِعازَرَ (لوقا 10: 39)، هُوَ سِرُّ الرَّاحَةِ وَالسَّعادَةِ الحَقيقيَّةِ.

أمَّا عِبارَةُ “فَإِنِّي وَديعٌ ” فَتُشيرُ إلى دَعوةِ يَسوعَ لِلتَّلَمْذَةِ عَلى سِمَة أَساسِيَّةِ في شَخصِهِ: الوَداعة πραΰς. الْوَدَاعَةُ تَرْتَبِطُ أَكْثَرَ بِطَرِيقَةِ تَعَامُلِ الْإِنْسَانِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ. فَالْوَدِيعُ هُوَ الَّذِي لَا يَثُورُ بِسُرْعَةٍ، لَا يَرُدُّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، يَضْبِطُ غَضَبَهُ، يَتَعَامَلُ بِلُطْفٍ وَهُدُوءٍ وَصَبْرٍ، يَمْلِكُ قُوَّةً دَاخِلِيَّةً لَكِنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُهَا بِعُنْفٍ.  إِذًا فَالْوَدَاعَةُ هِيَ فَضِيلَةٌ فِي السُّلُوكِ وَالْعَلَاقَةِ مَعَ الْآخَرِينَ، أَيْ: كَيْفَ أَتَعَامَلُ مَعَ غَيْرِي، خَاصَّةً حِينَ أُسْتَفَزُّ أَوْ أُظْلَمُ. مِثَالٌ: إِنْسَانٌ أُهِينَ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ أَجَابَ بِهُدُوءٍ وَمَحَبَّةٍ وَلَمْ يَنْتَقِمْ. هٰذَا إِنْسَانٌ وَدِيعٌ.

أمَّا عِبارَةُ ” مُتَواضِعُ القَلْب “ فَتُشيرُ إلى دَعوةِ يَسوعَ لِلتَّلَمْذَةِ عَلى سِمَة أَساسِيَّةِ في شَخصِهِ: التواضع ταπεινὸς τῇ καρδίᾳ. التَّوَاضُعُ يَرْتَبِطُ بِنَظْرَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى نَفْسِهِ أَمَامَ اللهِ وَالنَّاسِ. فَالْمُتَوَاضِعُ هُوَ الَّذِي لَا يَتَكَبَّرُ وَلَا يَتَعَالَى عَلَى الْآخَرِينَ، يَعْرِفُ حُدُودَهُ وَضَعْفَهُ وَمَوَاهِبَهُ مِنْ دُونِ مُبَالَغَةٍ، يَنْسِبُ الْخَيْرَ إِلَى اللهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ، لَا يَطْلُبُ الْمَجْدَ لِنَفْسِهِ.  إِذًا فَالتَّوَاضُعُ هُوَ فَضِيلَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ وَالْفِكْرِ، أَيْ: كَيْفَ أَرَى نَفْسِي. مِثَالٌ: قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَالِمًا أَوْ صَاحِبَ مَرْكَزٍ، لَكِنَّهُ لَا يَتَفَاخَرُ وَلَا يَحْتَقِرُ غَيْرَهُ، بَلْ يَعْتَرِفُ أَنَّ كُلَّ مَا عِنْدَهُ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ. هٰذَا إِنْسَانٌ مُتَوَاضِعٌ.  باختصار، يَجْمَعُ يَسُوعَ فِي شَخْصِه الْفَضِيلَتَيْنِ مَعًا: مُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ: لَا يَطْلُبُ مَجْدًا لِنَفْسِهِ، بَلْ يُتَمِّمُ مَشِيئَةَ الْآبِ.  ووَدِيعٌ: لَا يَكْسِرُ قَصَبَةً مَرْضُوضَةً، وَلَا يَصْرُخُ، بَلْ يَحْمِلُ النَّاسَ بِمَحَبَّةٍ وَصَبْرٍ.  التَّوَاضُعُ هو كَيْفَ يَرَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ امام الله، والْوَدَاعَةُ هي كَيْفَ يُعَامِلُ الْإِنْسَانُ الْآخَرِينَ.  َأو بِصِيغَةٍ أُخْرَى: الْمُتَوَاضِعُ لَا يَرْفَعُ نَفْسَهُ فَوْقَ النَّاسِ. الْوَدِيعُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ أَوْ يَدَهُ أَوْ غَضَبَهُ عَلَى النَّاسِ.  التَّوَاضُعُ يَضْبِطُ عِلَاقَةَ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ أَمَامَ اللهِ، أَمَّا الْوَدَاعَةُ فَتَضْبِطُ عِلَاقَتَهُ بِالْآخَرِينَ. فَالْمُتَوَاضِعُ لَا يَتَكَبَّرُ، وَالْوَدِيعُ لَا يَتَعَنَّفُ. التَّوَاضُعُ يُطَهِّرُ الْقَلْبَ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ، وَالْوَدَاعَةُ تُطَهِّرُ السُّلُوكَ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالْغَضَبِ.

أمَّا عِبارَةُ “فَتَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكُم” فَتُشيرُ إلى ثَمَرَةِ الدُّخولِ في مَدرَسَةِ يَسوعَ الوَديعِ المُتَواضِعِ القَلب. فَكَلِمَةُ “الرَّاحَة” في الأَصلِ اليونانيِّ ἀνάπαυσις تَعني: الارتِياحَ وَالسَّكينةَ وَالتَّعزِيَةَ العَميقَةَ. وَهِيَ لا تَدُلُّ هُنا عَلى إِزالَةِ المَشَقَّاتِ وَالأَتعابِ مِن حَياةِ الإِنسانِ، بَل عَلى الرَّاحَةِ الَّتي يَهبُها المَسيحُ في وَسَطِ التَّعَبِ، أَي عَلى السَّلامِ الدّاخِلِيِّ الَّذي يَمنَحُ القُدرةَ عَلى الاحتمالِ وَالمُتابَعَةِ وَالثَّباتِ في مَسيرَةِ الإِيمان. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ فَإِنَّ يَسوعَ لا يَعِدُ بِحَياةٍ خالِيَةٍ مِنَ الأَلَمِ، بَل بِقَلبٍ يَجِدُ في شَركَتِهِ سَلامًا وَرَاحَةً وَقُوَّةً. لِذٰلِكَ يَرتَبِطُ وَعدُ يَسوعِ بِالرَّاحَةِ بِالسَّلامِ الَّذي يَمنَحُهُ هُوَ وَحدَهُ، لا العالَمُ، كَما قالَ لِتَلاميذِهِ: “السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وَسَلامي أُعطيكُم. لا أُعطي أَنا كَما يُعطي العالَم” (يوحنّا 14: 27). فَالرَّاحَةُ الَّتي يَعِدُ بِها يَسوعُ لَيسَت هُروبًا مِنَ الواقِعِ، وَلا تَوَقُّفًا عَنِ الجِهادِ، بَل دُخولًا في سَلامِ اللهِ وَنِعمَتِهِ، حَيثُ يَصيرُ التَّعَبُ مَكانًا لِلقاءِ اللهِ، وَالضُّعفُ مَجالًا لِظُهورِ قُوَّةِ المَسيح. وَهٰذا ما اختَبَرَهُ بولُسُ الرَّسولُ حينَ قالَ: “إِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيح… لأَنِّي عِندما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا” (2 قورنتس 12: 9-10). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير عَلى هٰذا البُعدِ الرُّوحيِّ قائلًا: “يُريدُ البَعضُ أَنْ يَقتَنوا الفَضائلَ مِن دونِ أَنْ يَقبَلوا التَّعَبَ الَّذي يَصنَعُها، وَهٰذا أَمرٌ مُستَحيل؛ فَلا يُمكِنُ رِبحُ المَعرَكَةِ مَعَ البَقاءِ في المَدينَةِ” (PL 76, 1139). وَبِهٰذا يَتَّضِحُ أَنَّ الرَّاحَةَ المَسيحيَّةَ لا تُناقِضُ الجِهادَ، بَل تُولَدُ في أَثناءِ الجِهادِ، لأَنَّها راحَةُ النَّفسِ المُتَّحِدَةِ بِاللهِ، لا راحَةُ الجَسَدِ المُتَحرِّرِ مِن كُلِّ مَشقَّةٍ. هٰذِهِ الرَّاحَةُ تُذَكِّرُنا بِدَعوةِ إِرميا النَّبيِّ: “قِفوا في الطُّرُقِ وَانظُروا، وَاسأَلوا عَنِ المَسالِكِ القَويمَة، ما هُوَ الطَّريقُ الصّالِحُ وَسيروا فيه، فَتَجِدوا راحَةً لِنُفوسِكُم” (إرميا 6: 16). فَيَسوعُ هُوَ هٰذا “الطَّريقُ الصّالِحُ” الَّذي فيه تَجِدُ النُّفوسُ رَاحَتَها، لأَنَّهُ الرَّاعي الَّذي أَخذَتهُ الشَّفَقَةُ عَلى الجُموعِ “لأَنَّهُم كانوا تَعِبينَ رازِحينَ كَغَنَمٍ لا راعيَ لَها” (متّى 9: 36). وَمِن هُنا فَإِنَّ عَمَلَ يَسوعَ هُوَ إِسعافُ الخِرافِ المُتعَبَةِ وَالمُنْهَكَةِ، وَإِعادَتُها إِلى رَاحَةِ الحَظيرَةِ وَأَمانِها. وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ يوحنّا سابا عَن هٰذِهِ الخِبرَةِ الرُّوحيَّةِ بِصَلاةٍ عَميقَةٍ قائِلًا: “طوبى لِذاكَ الَّذي يَطلُبُكَ في داخِلِهِ كُلَّ ساعَةٍ، مِنهُ تَجري لَهُ الحَياةُ لِيَتَنَعَّم!”؛ فَالرَّاحَةُ الحَقيقيَّةُ لِلنَّفسِ لا تُوجَدُ إِلّا في اللِّقاءِ بِالمَسيحِ وَالإِقامَةِ في حُضورِهِ.

وَبِاختِصارٍ، فَإِنَّ يَسوعَ في هٰذِهِ الآيَةِ يَدعو المُؤمِنَ إِلى أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنهُ الوَداعةَ وَالتَّواضُعَ، لأَنَّ هاتَينِ الفَضيلَتَينِ تَفتَحانِ القَلبَ عَلى نِعمَةِ اللهِ وَتُدخِلانِ الإِنسانَ في راحَةِ المَسيحِ. هٰذِهِ الرَّاحَةُ لَيسَت هُروبًا مِنَ الأَلَمِ، بَل سَلامًا داخِلِيًّا وَقُوَّةً رُوحيَّةً تَجعَلانِ التِّلميذَ قادِرًا عَلى أَنْ يَحمِلَ نِيرَ المَسيحِ وَيُشارِكَهُ في حِملِ أَثقالِ العالَمِ خِدمَةً لِلإِنجيلِ وَخَلاصِ النُّفوس.

30″ أَنَّ نِيري لَطيفٌ، وَحِمْلي خَفيف”.

تُشيرُ عِبارَةُ “لَطيفٌ” في الأَصلِ اليونانيِّ χρηστός إلى ما هو هَيِّنٌ، صالِحٌ، مُناسِبٌ، وَمُريحٌ. وَهُنا يَكشِفُ يَسوعُ عَن طَبيعَةِ نيرِهِ، فَهُوَ لَيسَ نيرَ قَهرٍ أَو عُبودِيَّةٍ، بَل نيرُ مَحبَّةٍ وَنِعمَةٍ وَحَياة. فالعالَمُ اليَهوديُّ كان يُقَدِّمُ أَحيانًا تَفسيرًا قاسيًا لِلشَّريعَةِ، مُحَمَّلًا بِكَثرَةِ الفَرائِضِ وَالتَّقاليدِ، حَتّى صارَ النّاموسُ، مَعَ إِضافاتِ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ، حِملًا ثَقيلًا عَلى ضَمائِرِ النّاس. أَمَّا نيرُ المَسيحِ، فَمَعَ أَنَّهُ يَطلُبُ مُقاوَمَةَ الخَطيئَةِ وَالقِيامَ بِواجِباتِ المَحبَّةِ وَالقَداسَةِ، فَإِنَّهُ يَمنَحُ الرّاحَةَ، لأَنَّهُ لا يُفرَضُ مِنَ الخارِجِ بِقَسوَةٍ، بَل يُقبَلُ مِنَ الدّاخِلِ بِالمَحبَّةِ وَالنِّعمَةِ. وَمِن هُنا يَتَمَيَّزُ نيرُ المَسيحِ عَن نيرِ الشَّريعَةِ حِينَ تُفهَمُ فَهمًا حَرفيًّا جامدًا. فالمَسيحُ لَم يُلغِ الشَّريعَةَ، بَل كَمَّلَها بِروحِها العَميقَةِ، وَجَعَلَها شَريعَةَ حُبٍّ وَحُرِّيَّةٍ وَفَرَحٍ. لِذٰلِكَ يَقولُ بُولُسُ الرَّسولُ: “إِنَّ المَسيحَ قَد حَرَّرَنا تَحريرًا، فاثبُتوا إِذًا وَلا تَدَعوا أَحَدًا يَعودُ بِكُم إِلى نيرِ العُبودِيَّةِ” (غَلاطِيَّة 5: 1). فالنِّيرُ الَّذي يُقَدِّمُهُ يَسوعُ لَيسَ عَودَةً إِلى الخَوفِ، بَل دُخولٌ في حُرِّيَّةِ أَبناءِ الله. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوسُ قائِلًا: «إِذا قُلتُ لَكَ: أَنكِرْ نَفسَكَ، وَاحمِلْ صَليبَكَ، وَاتَّبِعْني، فَهَل تَظُنُّ وَصِيَّتي قاسِيَةً؟ إِنَّها لَيسَت ثَقيلَةً عَلى مَن يُحِبُّ، لأَنَّ المَحبَّةَ تُخَفِّفُ ثِقَلَ الوَصِيَّةِ” (PL 38, 441).

أَمَّا عِبارَةُ “وَحِمْلي خَفيفٌ” فَتُشيرُ إِلى أَنَّ وَصايا المَسيحِ لَيسَت ثَقيلَةً عَلى القَلبِ الَّذي يُحِبُّهُ، كَما يُؤَكِّدُ يُوحَنّا الرَّسولُ: “وَوَصاياهُ لَيسَت ثَقيلَةً” (1 يُوحَنّا 5: 3). فالحِملُ يَصيرُ خَفيفًا عِندما نَحمِلُهُ في سَبيلِ المَسيحِ، وَمَعَ المَسيحِ، وَبِقُوَّةِ المَسيحِ. فالرَّبُّ لا يَترُكُ تِلميذَهُ وَحيدًا تَحتَ الأَعباءِ، بَل يَحمِلُ مَعَهُ ثِقَلَ الحَياةِ وَالصَّليبِ وَالرِّسالَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموسُ قائِلًا: “يَصيرُ النِّيرُ لَطيفًا لأَنَّهُ نيرُ المَسيحِ، وَيَصيرُ الحِملُ خَفيفًا لأَنَّهُ حِملُهُ هُوَ” (PL 26, 80) . وَلا يَعني خِفَّةُ الحِملِ غِيابَ الأَلَمِ أَو إِلغاءَ الصَّليبِ، بَل تَعني حُضورَ المَسيحِ في وَسَطِ الأَلَمِ. فالمُؤمِنُ يَستَطيعُ أَن يَقولَ مَعَ بُولُسَ الرَّسولِ: “أَستَطيعُ كُلَّ شَيءٍ بِذاكَ الَّذي يُقَوِّيني” (فيلِبِّي 4: 13). وَحِينَ يَضَعُ الإِنسانُ حِملَهُ في يَدِ المَسيحِ، يَتَحَوَّلُ الأَلَمُ إِلى شَرِكَةٍ، وَالتَّعَبُ إِلى نِعمَةٍ، وَالضَّعفُ إِلى مَجالٍ لِظُهورِ قُوَّةِ اللهِ، كَما يَقولُ الرَّسولُ: «لأَنِّي حِينَ أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا» (2 قورِنثُس 12: 10). وَيُشيرُ البابا فِرَنسيسُ إِلى هٰذا المَعنى قائِلًا: “لا يَحُلُّ يَسوعُ مَشاكِلَنا بِطَريقَةٍ سِحريَّةٍ، بَل يَجعَلُنا أَقوِياءَ في مَشاكِلِنا. إِنَّهُ لا يَرفَعُ عَنّا أَعباءَ الحَياةِ وَلا يَنزِعُ الصَّليبَ، بَل يَحمِلُهُ مَعَنا؛ وَمَعَهُ يَصيرُ العِبءُ خَفيفًا” (عِظَةُ الأَحَد، 9 تَمّوز 2017).  وَيَصيرُ حِملُ المَسيحِ خَفيفًا أَيضًا لأَنَّهُ مَصحوبٌ بِسَلامٍ داخليٍّ لا يَقدِرُ العالَمُ أَن يُعطيَهُ، كَما يَقولُ بُولُسُ الرَّسولُ: “وَسَلامُ اللهِ الَّذي يَفوقُ كُلَّ إِدراكٍ يَحفَظُ قُلوبَكُم وَأَذهانَكُم في المَسيحِ يَسوع” (فيلِبِّي 4: 7). وَهٰذا السَّلامُ لا يَعني غِيابَ الجِهادِ، بَل حُضورَ النِّعمَةِ في قَلبِ الجِهاد. وَلَم يَتَكَلَّمْ بُولُسُ عَن هٰذا الحِملِ نَظَرِيًّا فَقَط، بَلِ اختَبَرَهُ في حَياتِهِ، حَتّى استَطاعَ أَن يَقولَ: “فَلَوِ اقتَضى الأَمرُ أَن يُراقَ دَمي ذَبيحَةً مُقَرَّبَةً في سَبيلِ إِيمانِكُم، لَفَرِحتُ وَشارَكتُكُمُ الفَرَحَ جَميعًا” (فيلِبِّي 2: 17). فَحِينَ تُحمَلُ الوَصِيَّةُ بِالمَحبَّةِ، تَتَحَوَّلُ التَّضْحِيَةُ إِلى فَرَحٍ. إِنَّ نيرَ المَسيحِ قَد يَبدو عَسيرًا عَلى الَّذينَ لا يُحِبُّونَهُ، أَمَّا الَّذينَ يُحِبُّونَهُ فَيَجِدونَهُ لَطيفًا. فالمَحبَّةُ لا تُزيلُ التَّعَبَ دائمًا، لٰكِنَّها تُبَدِّلُ مَعناهُ؛ وَلا تُلغِي الصَّليبَ، لٰكِنَّها تَجعَلُهُ طَريقًا إِلى القِيامَةِ. لِذٰلِكَ فَقَولُ يَسوعَ: “لأَنَّ نِيري لَطيفٌ، وَحِمْلي خَفيفٌ” هُوَ إِعلانٌ بِأَنَّ الحَياةَ مَعَ المَسيحِ لَيسَت خالِيَةً مِنَ الجِهادِ، لٰكِنَّها مَملوءةٌ بِالنِّعمَةِ وَالسَّلامِ وَالفَرَحِ، لأَنَّ المَسيحَ نَفسَهُ يَحمِلُ مَعَنا كُلَّ ما يَدعونا إِلى حَملِهِ.

إِنَّ هٰذِهِ الْعِبَارَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ “نِيرِي لَطِيفٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ” لَا تَحْمِلُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ تَحْمِلُ أَيْضًا بُعْدًا رَعَوِيًّا وَرُوحِيًّا عَمِيقًا لِحَيَاةِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَنِيسَةِ. فَيَسُوعُ لَا يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى دِينِ الْخَوْفِ وَالثِّقَلِ وَالْقَلَقِ، بَلْ إِلَى عِلَاقَةِ ثِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَسْلِيمٍ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الرِّسَالَةَ الرَّعَوِيَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ هٰذَا النَّصِّ هِيَ أَنَّ الْكَنِيسَةَ مَدْعُوَّةٌ أَلَّا تُضِيفَ أَحْمَالًا جَدِيدَةً عَلَى الْمُتْعَبِينَ، بَلْ أَنْ تَقُودَهُمْ إِلَى الْمَسِيحِ الَّذِي يُرِيحُهُمْ، وَأَنْ تُقَدِّمَ لَهُمْ وَجْهَ اللهِ الرَّحِيمِ، لا وَجْهَ الدِّينِ الْقَاسِي وَالْجَافِّ. وَعَلَى الصَّعِيدِ الشَّخْصِيِّ، يَدْعُو هٰذَا النَّصُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ إِلَى أَنْ يَفْحَصَ نِيرَهُ: هَلْ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ مَعَ الْمَسِيحِ، أَمْ يَحْمِلُ أَثْقَالَهُ وَحْدَهُ؟ هَلْ يَعِيشُ الْوَصِيَّةَ كَعِبْءٍ فَرْضِيٍّ، أَمْ كَاسْتِجَابَةِ مَحَبَّةٍ لِلرَّبِّ؟ فَحِينَ يَنْفَصِلُ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْمَسِيحِ، يَصِيرُ كُلُّ شَيْءٍ ثَقِيلًا، أَمَّا حِينَ يَتَّحِدُ بِهِ، فَإِنَّ التَّعَبَ نَفْسَهُ يَصِيرُ مَسِيرَةَ نِعْمَةٍ وَتَقَدُّمٍ رُوحِيٍّ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ الْبُعْدَ الرُّوحِيَّ لِهٰذِهِ الْكَلِمَةِ يَكْمُنُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى التَّلْمَذَةِ الْحَقِيقِيَّةِ: أَنْ نَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ فِي تَعَبِنَا، وَنَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَوْفَنَا وَجُرُوحَنَا وَأَحْمَالَنَا، وَنَتَعَلَّمَ مِنْهُ الْوَدَاعَةَ وَتَوَاضُعَ الْقَلْبِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى الرَّاحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ: لَيْسَتْ فِي غِيَابِ الصَّلِيبِ، بَلْ فِي حُضُورِ الْمَسِيحِ الَّذِي يَحْمِلُهُ مَعَنَا وَيُحَوِّلُهُ إِلَى طَرِيقِ خَلَاصٍ وَقِيَامَةٍ.

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 11: 25-30)

بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (مَتَّى 11: 25-30)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مِحْوَرَهُ الأَسَاسِيَّ هُوَ دَعْوَةُ يَسُوعَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَسْرَارِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَمِنْ هُنَا يَبْرُزُ سُؤَالَانِ رَئِيسَانِ: مَنْ هُمُ الَّذِينَ يَتَجَاوَبُونَ مَعَ هٰذِهِ الدَّعْوَةِ؟ وَمَا هِيَ الإِرْشَادَاتُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي تَحْمِلُهَا؟

  • مَنْ يَتَجَاوَبُ مَعَ دَعْوَةِ يَسُوعَ لِمَعْرِفَةِ الْمَلَكُوتِ؟

يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَكْشِفَ أَسْرَارَ مَلَكُوتِهِ لِلْبَشَرِيَّةِ، وَيَسُوعُ، الَّذِي يَحْيَا فِي أُلْفَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ الآبِ، قَدْ نَالَ مَعْرِفَةَ هٰذِهِ الأَسْرَارِ، وَأُوكِلَتْ إِلَيْهِ مُهِمَّةُ إِعْلَانِهَا، كَمَا يَقُولُ: “قَدْ سَلَّمَنِي أَبِي كُلَّ شَيْءٍ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ شَاءَ الابْنُ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُ” (مَتَّى 11: 27). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ عَلَى هٰذِهِ الآيَةِ قَائِلًا إِنَّ الْمَسِيحَ “لَمْ يَقُلْ هٰذَا لِيُبْعِدَ النَّاسَ عَنِ الآبِ، بَلْ لِيَقُودَهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الآبِ بِوَاسِطَتِهِ” لِأَنَّ الابْنَ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي بِهِ يَدْخُلُ الإِنْسَانُ إِلَى سِرِّ اللهِ (PG 57, 425-434).

وَتَقُومُ رِسَالَةُ يَسُوعَ عَلَى إِعْلَانِ مَلَكُوتِ اللهِ لِجَمِيعِ النَّاسِ عَلَى السَّوَاءِ، مِنْ دُونِ تَمْيِيزٍ فِي الْمَرْكَزِ أَوِ الإِمْكَانَاتِ أَوِ الْقُدُرَاتِ. فَهُوَ لَمْ يُقَدِّمِ الْمَلَكُوتَ لِنُخْبَةٍ مُخْتَارَةٍ مِنَ الْحُكَمَاءِ وَالأَذْكِيَاءِ، بَلْ جَعَلَهُ مُتَاحًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ بِلَا مُحَابَاةٍ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدًا مِنْ مَعْرِفَتِهِ. وَقَدْ كَشَفَ يَسُوعُ مَحَبَّةَ اللهِ وَمَلَكُوتَهُ مِنْ خِلَالِ الأَمْثَالِ وَالتَّعَالِيمِ وَحَيَاتِهِ عَلَى الأَرْضِ (لُوقَا 10: 22)، كَمَا دَعَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا رَازِحِينَ تَحْتَ عِبْءِ الْخَطِيئَةِ، أَمْ تَحْتَ ثِقَلِ الشَّرِيعَةِ، أَمْ تَحْتَ قَسْوَةِ ظُرُوفِ الْحَيَاةِ، مِثْلَ الصِّغَارِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمُتَأَلِّمِينَ وَالْجِيَاعِ وَالْمَرْضَى وَالْحَزَانَى وَالْخُطَأَةِ. وَهُنَا يَرَى الْقِدِّيسُ هِيلارِيُوس الأَسْقُفُ مِنْ بُواتْيِيه أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَخْتَرِ “الصِّغَارَ” لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، بَلْ لِبَسَاطَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَابِلِيَّتِهِمْ لِلْوَحْيِ، فَالصِّغَرُ فِي الإِنْجِيلِ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْفَهْمِ، بَلِ انْفِتَاحٌ عَلَى عَطِيَّةِ اللهِ (PL 9, 992-995).

غَيْرَ أَنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ وَأَذْكِيَاءُ، كَالْفَرِّيسِيِّينَ الْمُتَعَجْرِفِينَ وَالْكَتَبَةِ الَّذِينَ ادَّعَوْا امْتِلَاكَ مَعْرِفَةٍ عَقْلِيَّةٍ تَكْفِي لِخَلَاصِهِمْ، يَثْقُلُونَ بِالأَنَا وَالْكِبْرِيَاءِ، فَلَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدْخُلُوا طَرِيقَ الْمَعْرِفَةِ الإِلٰهِيَّةِ الْحَقَّةِ. وَيُشِيرُ الذَّهَبِيُّ الْفَمُ إِلَى أَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ أَنَّ اللهَ يَحْجُبُ نِعْمَتَهُ تَعَسُّفًا، بَلْ إِنَّ هٰؤُلَاءِ أَغْلَقُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْهَا بِغُرُورِهِمْ، مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِ بُولُسَ: “إِذْ طَلَبُوا أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّهُمْ هُمْ، لَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ” (رُومِيَة 10: 3)، وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ الْكِبْرِيَاءُ حِجَابًا أَمَامَ الْوَحْيِ (PL 26, 73-80).  وَمِنْ هُنَا يَعِيشُ الْمُتَكَبِّرُ انْقِسَامًا دَاخِلِيًّا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْوَاقِعِ، وَبَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَبَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.

أَمَّا مَنْ يَقْبَلُ دَعْوَةَ الْمَسِيحِ بِبَسَاطَةِ الْقَلْبِ، وَيَحْمِلُ صَلِيبَهُ فِي تَوَاضُعٍ، فَيَصِيرُ كَالطِّفْلِ الَّذِي ارْتَمَى فِي حِضْنِ أَبِيهِ، وَيَدْخُلُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا الأَمْرَ بِقَوْلِهِ إِنَّ الْمَسِيحَ لَا يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى جَهْلٍ عَقْلِيٍّ، بَلْ إِلَى اتِّضَاعِ الْقَلْبِ، فَـ”الطِّفْلُ” فِي الإِنْجِيلِ هُوَ مَنْ لَا يَتَّكِلُ عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ يَتَّكِلُ عَلَى اللهِ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ PL 38 , 67-68)).

وَهٰكَذَا تَكْشِفُ دَعْوَةُ يَسُوعَ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ السَّامِعِينَ: فِئَةِ الصِّغَارِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْوَحْيَ الإِلٰهِيَّ، وَهُمُ التَّلَامِيذُ وَكُلُّ مَنْ فَتَحَ قَلْبَهُ لِكَلِمَةِ اللهِ؛ وَفِئَةِ الْحُكَمَاءِ الَّذِينَ رَفَضُوهُ، وَهُمْ أُولٰئِكَ الَّذِينَ ادَّعَوْا الْمَعْرِفَةَ وَاكْتَفَوْا بِذَوَاتِهِمْ، كَالْفَرِّيسِيِّينَ وَالْكَتَبَةِ. فَالْمِعْيَارُ الْحَقِيقِيُّ، إِذًا، لَيْسَ مُسْتَوَى الثَّقَافَةِ أَوِ الذَّكَاءِ، بَلْ قَبُولُ الْوَحْيِ الإِلٰهِيِّ أَوْ رَفْضُهُ.  فَمَنْ يَنْفَتِحْ عَلَى اللهِ فِي تَوَاضُعٍ وَثِقَةٍ يَصِيرْ “صَغِيرًا” فِي مَنْطِقِ الإِنْجِيلِ، أَمَّا مَنْ يَنْغَلِقْ عَلَى ذَاتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَيَحْسَبْ نَفْسَهُ “حَكِيمًا”، لَكِنَّهُ يَبْقَى بَعِيدًا عَنْ سِرِّ الْمَلَكُوتِ.

وَنَسْتَنْتِجُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ مَدْعُوٌّ إِلَى التَّقَدُّمِ نَحْوَ يَسُوعَ لَا بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَا بِاتِّكَالِهِ عَلَى ذَكَائِهِ أَوْ عِلْمِهِ وَحْدَهُمَا، بَلْ بِثِقَةِ الأَبْنَاءِ وَبَسَاطَةِ الأَطْفَالِ. فَالْمَسِيحُ لَيْسَ ضِدَّ الْفِكْرِ وَلَا ضِدَّ الْعَمَلِ الْعِلْمِيِّ، بَلْ ضِدَّ الْكِبْرِيَاءِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ، فَيَسْتَغْنِيَ عَنِ اللهِ. لِذٰلِكَ تَبْقَى كَلِمَةُ الرَّبِّ وَاضِحَةً وَحَاسِمَةً: “بِمَعْزِلٍ عَنِّي لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَعْمَلُوا شَيْئًا” (يُوحَنَّا 15: 5).

وَإِذَا كَانَ هٰؤُلَاءِ “الصِّغَارُ” هُمْ أَهْلُ الْمَلَكُوتِ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ تُوَجِّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ إِلَى أَنْ يَطْلُبَ بَسَاطَةَ الْقَلْبِ وَاتِّضَاعَهُ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ لَا تُقْتَنَى بِالاسْتِعْلَاءِ، بَلْ تُوهَبُ لِمَنْ يَنْحَنِي أَمَامَ اللهِ بِثِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ. وَهُنَا يَلْتَقِي التَّفْسِيرُ الآبَائِيُّ مَعَ الْخِبْرَةِ الرُّوحِيَّةِ: فَالْمَلَكُوتُ لَا يُفْتَحُ لِمَنْ يَدَّعِي الاكْتِفَاءَ بِنَفْسِهِ، بَلْ لِمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى اللهِ وَمُحْتَاجٌ إِلَى نِعْمَتِهِ.

  • مَا هِيَ إِرْشَادَاتُ يَسُوعَ لِنَجِدَ الرَّاحَةَ؟

إِنَّ دَعْوَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ دَعْوَةٌ مُدْهِشَةٌ وَفَرِيدَةٌ، لأَنَّهُ يَدْعُو أُولٰئِكَ الَّذِينَ أَثْقَلَتْهُمُ الْحَيَاةُ وَأَرْهَقَتْهُمُ الأَحْمَالُ، وَيَعِدُهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيَجِدُونَ عِنْدَهُ الرَّاحَةَ. وَتَرِدُ هٰذِهِ الدَّعْوَةُ فِي صِيغَةِ الأَمْرِ، وَتَتَضَمَّنُ ثَلَاثَ إِرْشَادَاتٍ رُوحِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ: “تَعَالَوْا إِلَيَّ”، وَ”اِحْمِلُوا نِيرِي”، وَ”تَعَلَّمُوا مِنِّي”.

الإِرْشَادُ الأَوَّلُ: “تَعَالَوْا إِلَيَّ”

يَدْعُو الرَّبُّ يَسُوعُ الْجَمِيعَ إِلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِ، قَائِلًا: “تَعَالَوْا إِلَيَّ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُتْعَبُونَ وَالثَّقِيلُو الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مَتَّى 11: 28)، لِكَيْ يَجِدُوا فِيهِ الرَّاحَةَ وَالتَّعْزِيَةَ وَالْخَلَاصَ. َهٰذِهِ الدَّعْوَةُ تَكْشِفُ يَسُوعَ بِصِفَتِهِ خَادِمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ النَّبِيُّ أَشَعْيَا قَائِلًا: “أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ تِلْمِيذٍ، لِأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ” (أَشَعْيَا 50: 4). فَيَسُوعُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يُسْنِدُ الْمُتْعَبَ، وَيُعَزِّي الْمُنْهَكَ، وَيُقِيمَ الْمُنْكَسِرَ الْقَلْبِ.

وَيَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَقُلْ: “تَعَالَوْا أَيُّهَا الأَبْرَارُ أَوِ الْمُتَفَوِّقُونَ”، بَلْ وَجَّهَ دَعْوَتَهُ إِلَى الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، أَيْ إِلَى كُلِّ مَنْ يُعَانِي مِنْ ثِقَلِ الْخَطِيئَةِ، أَوْ مِنْ عِبْءِ الشَّرِيعَةِ الْمُفْرَغَةِ مِنْ رُوحِهَا، أَوْ مِنْ أَوْجَاعِ الْحَيَاةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْمَسِيحَ “لَا يَدْعُوهُمْ لِيُثْقِلَهُمْ، بَلْ لِيَنْزِعَ عَنْهُمْ ثِقَلَهُمْ” (PG 57, 428-430).

وَهٰذَا النِّدَاءُ هُوَ نِدَاءٌ شَخْصِيٌّ وَحَيٌّ، لَا يَسْتَهْدِفُ جَمَاعَةً مُجَرَّدَةً فَحَسْبُ، بَلْ يُخَاطِبُ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي جُرْحِهِ وَتَعَبِهِ وَحِمْلِهِ. فَكَأَنَّ يَسُوعَ يُنَاجِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْهَقِينَ وَيَقُولُ لَهُ: تَعَالَ إِلَيَّ، أَنَا أَعْرِفُ وَجَعَكَ، وَأُرِيدُ أَنْ أَقِفَ إِلَى جَانِبِكَ، وَأَنْ أَحْمِلَ مَعَكَ ثِقْلَكَ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس عَلَى هٰذِهِ الدَّعْوَةِ قَائِلًا إِنَّ الْمَسِيحَ “يَدْعُو لَا الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَصِحَّاءَ، بَلِ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِتَعَبِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَيَرْغَبُونَ فِي الشِّفَاءِ” (PL 26, 77-78).

وَإِلَى جَانِبِ هٰؤُلَاءِ الْمُتْعَبِينَ وَثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، يَضَعُ الإِنْجِيلُ غَالِبًا الْفُقَرَاءَ (مَتَّى 11: 5) وَالصِّغَارَ (مَتَّى 18: 6)، لأَنَّهُمْ الأَكْثَرُ اسْتِعْدَادًا لِقَبُولِ الْخَلَاصِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى إِمْكَانَاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ يَتَّكِلُونَ عَلَى اللهِ. وَإِذْ يُدْرِكُونَ حَالَتَهُمُ الْوَضِيعَةَ وَفَقْرَهُمُ الدَّاخِلِيَّ، يَعْتَمِدُونَ عَلَى رَحْمَةِ الرَّبِّ وَيَنْتَظِرُونَ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ الْوَحِيدَةَ الْمُمْكِنَةَ. وَمِنْ هُنَا يَجِدُونَ فِي دَعْوَةِ يَسُوعَ الْجَوَابَ عَلَى تَوَقُّعَاتِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ تَلَامِيذَهُ وَيَنَالُونَ وَعْدَ الرَّاحَةِ. وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوس الأَسْقُفُ مِنْ بُواتْيِيه إِلَى أَنَّ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ الْمَلَكُوتَ هُمْ أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَتَخَلَّوْنَ عَنْ كِبْرِيَاءِ الاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ، وَيَنْفَتِحُونَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ كَالأَطْفَالِ (PL 9, 994-995).

وَلٰكِنْ، أَلَا يَدْعُو الْمَسِيحُ “الْكِبَارَ” أَيْضًا؟ بِالتَّأْكِيدِ إِنَّ قَلْبَ الْمَسِيحِ مَفْتُوحٌ لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ يَدْعُو “جَمِيعًا ” : “تَعَالَوْا إِلَيَّ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُتْعَبُونَ وَثَّقِيلُو الأَحْمَالِ” (مَتَّى 11: 28). فَلَا إِقْصَاءَ فِي دَعْوَتِهِ، وَلَا تَمْيِيزَ فِي رَحْمَتِهِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَصُمُّونَ آذَانَهُمْ عَنْ هٰذَا النِّدَاءِ، كَمَا فَعَلَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، لأَنَّ كِبْرِيَاءَهُمْ وَغُرُورَهُمْ وَأَنَانِيَّتَهُمْ جَعَلَتْهُمْ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى سَمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ. فَالْمُتَكَبِّرُ مُنْشَغِلٌ بِنَفْسِهِ، أَمَّا الْمُتَوَاضِعُ فَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى الإِصْغَاءِ. وَهُنَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس إِنَّ الْمَسِيحَ يَدْعُو الْجَمِيعَ، “لٰكِنَّ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هُمْ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ مُتْعَبُونَ وَمُحْتَاجُونَ إِلَى الطَّبِيبِ”(PL 38, 440-442)؛ فَالشُّعُورُ بِالْحَاجَةِ هُوَ بَدَايَةُ الرَّاحَةِ، لأَنَّهُ يَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى الِاتِّكَالِ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ لَا عَلَى بَرِّهِ الذَّاتِيِّ

إِنَّ الرَّبَّ يَدْعُو جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ دُونَ أَيِّ تَمْيِيزٍ إِلَى رَاحَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَخَلَاصِهِ. وَقَدْ عَبَّرَ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس عَنْ هٰذَا التَّعَلُّقِ الْعَمِيقِ بِالْمَسِيحِ فِي مُنَاجَاتِهِ الشَّهِيرَةِ لِلَّهِ، قَائِلًا: “مَنْ يُعْطِينِي أَنْ أَسْتَرِيحَ فِيكَ؟ مَنْ يُعْطِينِي أَنْ تَأْتِيَ إِلَى قَلْبِي وَتُسْكِرَهُ، حَتَّى أَنْسَى مَتَاعِبِي وَأُعَانِقَكَ، أَنْتَ خَيْرِي الْوَحِيدَ؟” ثُمَّ يُتَابِعُ: “قُلْ لِنَفْسِي: أَنَا خَلَاصُكِ” (مَزْمُور 35: 3)، (PL 32, 664-665) فَتَظْهَرُ هُنَا الرَّاحَةُ لَيْسَ كَهُدُوءٍ نَفْسِيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَلِقَاءٍ خَلَاصِيٍّ مَعَ اللهِ يَشْفِي الْقَلْبَ وَيُثَبِّتُهُ فِي الرَّجَاءِ

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الإِرْشَادَ الأَوَّلَ “تَعَالَوْا إِلَيَّ” لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ الاقْتِرَابِ الْخَارِجِيِّ مِنْ شَخْصِ يَسُوعَ، بَلْ يَعْنِي الدُّخُولَ فِي عِلَاقَةِ ثِقَةٍ مَعَهُ، وَالِاعْتِرَافَ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَتَسْلِيمَ أَثْقَالِ الْحَيَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَالْمَسِيحُ لَا يَعِدُ بِإِزَالَةِ صُعُوبَاتِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا، بَلْ يَعِدُ بِحَمْلِهَا مَعَنَا، وَبِتَحْوِيلِهَا مِنْ عِبْءٍ سَاحِقٍ إِلَى طَرِيقِ شَرِكَةٍ وَخَلَاصٍ. وَهُنَا تَبْدَأُ الرَّاحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ: لَيْسَتْ فِي الهُرُوبِ مِنَ الْحَمْلِ، بَلْ فِي اللِّقَاءِ بِمَنْ يَحْمِلُهُ مَعَنَا وَيُعْطِي لِلْقَلْبِ سَلَامًا.

الإِرْشَادُ الثَّانِي: “اِحْمِلُوا نِيرِي”

يَدْعُو يَسُوعُ الْجَمِيعَ قَائِلًا: “اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ” (مَتَّى 11: 29). وَيَسْتَعْمِلُ صُورَةَ النِّيرِ لِيُشِيرَ إِلَى عَهْدِ الشَّرِكَةِ وَالارْتِبَاطِ بَيْنَ اللهِ وَشَعْبِهِ، وَبِالتَّالِي إِلَى الْخُضُوعِ لِمَشِيئَتِهِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنْهَا الشَّرِيعَةُ. وَفِي التَّقْلِيدِ الْيَهُودِيِّ كَانَ “النِّيرُ”» يُشِيرُ إِلَى نِيرِ الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الِالْتِزَامِ بِوَصَايَا اللهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَلَا يَضَعُ عَلَى تَلَامِيذِهِ نِيرًا غَرِيبًا عَنْهُ، بَلْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي شَرِكَةِ حَيَاةٍ مَعَهُ، فَيَصِيرُ نِيرُهُ هُوَ الِاتِّحَادَ بِشَخْصِهِ وَالسَّيْرَ عَلَى مَنْهَجِهِ وَحَمْلَ مَشِيئَةِ الآبِ مَعَهُ وَفِيهِ.

وَعَلَى خِلَافِ الْكَتَبَةِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ الَّذِينَ “يَرْبُطُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً وَعَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ” (مَتَّى 23: 4)، فَإِنَّ يَسُوعَ يَدْعُو تَلَامِيذَهُ إِلَى نِيرِهِ هُوَ، لِأَنَّ فِيهِ تَجِدُ الشَّرِيعَةُ كَمَالَهَا وَغَايَتَهَا. فَهُوَ لَا يُلْغِي مَشِيئَةَ اللهِ، بَلْ يُظْهِرُ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيَّ وَيَقُودُ إِلَى عَيْشِهَا فِي رُوحِ الْبُنُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَيُشِيرُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ إِلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَقُلْ فَقَطْ: “أَنَا أُرِيحُكُمْ”، بَلْ أَضَافَ: “اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ”، لِيُظْهِرَ أَنَّ الرَّاحَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَأْتِي مِنْ إِعْفَاءِ الإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَكْلِيفٍ، بَلْ مِنْ دُخُولِهِ فِي عِلَاقَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ الْمَسِيحِ، حَيْثُ يَصِيرُ الْحَمْلُ مُمْكِنًا لأَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ يَحْمِلُهُ مَعَ الْمُؤْمِنِ (PG 57, 429-430).

إِنَّ نِيرَ يَسُوعَ، إِذًا، لَيْسَ شَرِيعَةً خَارِجِيَّةً تُفْرَضُ مِنْ فَوْقَ، بَلْ هُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي حَيَاتِهِ وَفِي سِرِّ طَاعَتِهِ لِلآبِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يُعَلِّمَ التَّلَامِيذَ مَشِيئَةَ اللهِ، بَلْ يَجْعَلُ مِنْ شَخْصِهِ هُوَ الْمِحْوَرَ الَّذِي تُفْهَمُ مِنْ خِلَالِهِ هٰذِهِ الْمَشِيئَةُ. فَهُوَ وَحْدَهُ الْمُفَسِّرُ الْكَامِلُ لِلشَّرِيعَةِ، وَفِيهِ يَتَحَوَّلُ وَاجِبُ الطَّاعَةِ إِلَى مَسِيرَةِ مَحَبَّةٍ وَشَرِكَةٍ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُمْكِنُ فَهْمُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَابَا فِرَنْسِيس مِنْ أَنَّ يَسُوعَ يَقِفُ فِي جَوْهَرِ عِلَاقَاتِ التَّلَامِيذِ وَيَجْعَلُ مِنْ نَفْسِهِ حَجَرَ الأَسَاسِ لِحَيَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكُلُّ مَنْ يَقْبَلُ حِمْلَ “نِيرِ يَسُوعَ” يَدْخُلُ فِي شَرِكَةٍ مَعَهُ وَيُصْبِحُ شَرِيكَهُ فِي سِرِّ صَلِيبِهِ وَفِي مَصِيرِهِ الْخَلَاصِيِّ.

وَيُبَيِّنُ الإِنْجِيلُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ذٰلِكَ الْخَادِمُ الْوَدِيعُ وَالْمُتَوَاضِعُ أَمَامَ اللهِ وَأَمَامَ النَّاسِ، وَهُوَ بِذٰلِكَ يَتَمَيَّزُ عَنْ عُلَمَاءِ الأَخْلَاقِ وَمُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُثْقِلُونَ النَّاسَ بِالأَحْمَالِ مِنْ دُونِ أَنْ يَحْمِلُوهَا مَعَهُمْ. أَمَّا الْمَسِيحُ فَيَدْعُو إِلَى نِيرِهِ هُوَ، لِأَنَّهُ نِيرُ الْوَدَاعَةِ وَالْمَحَبَّةِ. هٰذِهِ الْوَدَاعَةُ هِيَ مِنْ سِمَاتِ الْمَسِيحِ الْمُنْتَظَرِ، وَهِيَ الَّتِي تَهَبُ الرَّاحَةَ لِمَنْ يَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ فِي أَمَانَةٍ جَدِيدَةٍ لِشَرِيعَتِهِ، أَيْ لِشَرِيعَةِ الْمَحَبَّةِ. وَيُشِيرُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس إِلَى أَنَّ نِيرَ الْمَسِيحِ هَيِّنٌ، لَا لأَنَّهُ يُلْغِي مَطَالِبَ الإِنْجِيلِ، بَلْ لأَنَّهُ يُعَاشُ فِي ضَوْءِ الْمَحَبَّةِ، وَ” مَا يُفْرَضُ بِالْخَوْفِ يَصِيرُ خَفِيفًا حِينَ يُحْمَلُ بِالْمَحَبَّةِ” (PL 26, 78-79).

إِنَّ هٰذِهِ الأَمَانَةَ لِشَرِيعَةِ الْمَحَبَّةِ قَدْ جَعَلَهَا يَسُوعُ مُمْكِنَةً بِفَضْلِ حَيَاتِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. فَيَكْفِي أَنْ نَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ نَسْمَعَ كَلَامَهُ، وَأَنْ نُرَافِقَهُ فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى نَفْهَمَ أَنَّ نِيرَهُ لَيِّنٌ وَحِمْلَهُ خَفِيفٌ. وَقَدْ عَبَّرَ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هٰذَا السِّرِّ بِقَوْلِهِ: “لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَأْخُذُ بِمَجَامِعِ قُلُوبِنَا” (2 قُورِنْثُس 5: 14). فَالْمَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تُخَفِّفُ الْوِزْرَ وَتُقَلِّلُ مِنْ وَطْأَةِ النِّيرِ، لأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْوَاجِبَ إِلَى عَطَاءٍ، وَالطَّاعَةَ إِلَى شَرِكَةٍ، وَالتَّضْحِيَةَ إِلَى فَرَحٍ.

وَهُنَا يَتَلَاقَى التَّفْسِيرُ الإِنْجِيلِيُّ مَعَ خِبْرَةِ الْقِدِّيسِ أوغسطينوس، الَّذِي يَرَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ تُغَيِّرُ طَبِيعَةَ الْحَمْلِ نَفْسِهِ. فَهُوَ يَقُولُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَحَبَّةِ: “حَيْثُ تَكُونُ الْمَحَبَّةُ، لَا يَكُونُ التَّعَبُ ثَقِيلًا؛ وَإِنْ وُجِدَ تَعَبٌ، فَإِنَّ التَّعَبَ نَفْسَهُ يُحَبُّ” (PL 35, 2033). وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُفَسِّرُ خِفَّةَ نِيرِ الْمَسِيحِ بِأَنَّ الَّذِي يُحِبُّ الْمَسِيحَ لَا يَعُودُ يَرَى وَصَايَاهُ عِبْئًا، بَلْ طَرِيقًا إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْفَرَحِ. لِذٰلِكَ يَقُولُ أَيْضًا بِمَعْنًى مُتَّسِقٍ مَعَ هٰذَا السِّيَاقِ إِنَّ الْحِمْلَ “قَدْ يَبْدُو عَسِيرًا لِمَنْ لَا يُحِبُّ، أَمَّا لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ فَهُوَ سَهْلٌ”، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تُلْغِي الصَّلِيبَ، بَلْ تَجْعَلُ حَمْلَهُ مُمْكِنًا وَمُثْمِرًا.

مِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَفْرِضُ وَصَايَاهُ قَسْرًا، بَلْ يُقَدِّمُهَا كَطَرِيقِ حَيَاةٍ؛ وَلَا يُكْرِهُ أَحَدًا، بَلْ يَدْعُو وَيُقْنِعُ وَيَجْذِبُ بِالْمَحَبَّةِ. فَنِيرُهُ لَيْسَ نِيرَ عُبُودِيَّةٍ، بَلْ نِيرُ بُنُوَّةٍ وَتَلْمَذَةٍ. وَحِينَ يَقْبَلُهُ الْمُؤْمِنُ بِإِيمَانٍ وَمَحَبَّةٍ، يَجِدُ فِيهِ فَرَحًا وَرَاحَةً وَسَلَامًا. فَمَا أَحْلَى نِيرَ الْمَسِيحِ لِمَنْ يَحْمِلُهُ مَعَ الْمَسِيحِ وَفِي الْمَسِيحِ! وَمَا أَخَفَّ ذٰلِكَ الْحِمْلَ حِينَ يَصِيرُ الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ دَاخِلَ شَرِكَةِ الْمَحَبَّةِ!

وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّنَا لَنْ نَقْدِرَ أَنْ نَلْتَقِيَ بِمَسِيحِنَا خَارِجًا عَنْ نِيرِهِ، وَلَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى الآبِ بِمَعْزِلٍ عَنْ صَلِيبِهِ. فَعَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ كَالأَطْفَالِ “الصِّغَارِ” لِنَقْبَلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَنَحْمِلَ صَلِيبَهُ كَحِمْلٍ خَفِيفٍ. وَفِيمَا نَحْمِلُهُ نَكْتَشِفُ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ هُوَ الْحَامِلُ لِلصَّلِيبِ مَعَنَا وَفِينَا. وَهُنَا تَتَجَلَّى الْمُفَارَقَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ: فَالنِّيرُ الَّذِي يَبْدُو ثِقْلًا يَصِيرُ فِي شَرِكَةِ الْمَسِيحِ طَرِيقًا إِلَى الرَّاحَةِ، وَالصَّلِيبُ الَّذِي يَبْدُو عَارًا يَصِيرُ سُلَّمًا إِلَى مَعْرِفَةِ الآبِ وَإِلَى مَجْدِ الْقِيَامَةِ.

وَفِي هٰذَا الْمَنْظُورِ الرُّوحِيِّ يَصِحُّ أَنْ نَسْتَحْضِرَ مَا يَقُولُهُ الْقِدِّيسُ خُوسِيهِ مَارِيَّا إِسْكْرِيفَا: “إِذَا كَلَّفَكَ الرَّبُّ بِمُهِمَّةٍ مَا، فَسَوْفَ يُعْطِيكَ الْقُوَّةَ اللَّازِمَةَ لِلْقِيَامِ بِهَا”. فَنِيرُ الْمَسِيحِ لَا يُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ النِّعْمَةِ: إِنَّهُ لَيْسَ حِمْلًا يَتْرُكُ الإِنْسَانَ وَحِيدًا، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى شَرِكَةٍ يَحْمِلُ فِيهَا الرَّبُّ مَعَ الإِنْسَانِ مَا يَدْعُوهُ إِلَى حَمْلِهِ.

لإِرْشَادُ الثَّالِثُ: “تَعَلَّمُوا مِنِّي”

يَدْعُو يَسُوعُ الْجَمِيعَ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا تَلَامِيذَ لَهُ، قَائِلًا: “تَعَلَّمُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (مَتَّى 11: 29). فَهُوَ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَى تَعَلُّمِ عَقِيدَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى الدُّخُولِ فِي مَدْرَسَتِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِقَلْبِهِ الْوَدِيعِ وَالْمُتَوَاضِعِ، وَحَمْلِ أَتْعَابِهِمْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي حَمَلَ بِهَا هُوَ أَتْعَابَهُ. وَقَدْ كَشَفَ يَسُوعُ فِي لَيْلَةِ الْعَشَاءِ السِّرِّيِّ مَعْنَى هٰذِهِ التَّلْمَذَةِ حِينَ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: “فَقَدْ جَعَلْتُ لَكُمْ مِنْ نَفْسِي قُدْوَةً، لِتَصْنَعُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَا صَنَعْتُ إِلَيْكُمْ” (يُوحَنَّا 13: 15). وَقَدِ احْتَلَّتْ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ الْمَكَانَ الأَوَّلَ بَيْنَ أُولٰئِكَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَفُقَرَاءِ الرَّبِّ الَّذِينَ تَتَلْمَذُوا لِيَسُوعَ، إِلَى جَانِبِ التَّلَامِيذِ الأَوَّلِينَ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَا يَطْلُبُهُ يَسُوعُ مِنَ الإِنْسَانِ لِكَيْ يَصِيرَ تِلْمِيذًا لَهُ لَيْسَ أَوَّلًا الاسْتِعْدَادَاتِ الذِّهْنِيَّةَ أَوِ الأَدَبِيَّةَ، بَلْ قَبُولَ الدَّعْوَةِ الَّتِي يُوَجِّهُهَا إِلَيْهِ: “اتْبَعْنِي” (مَرْقُس 1: 17-20). وَفِي الأَنَاجِيلِ يَدُلُّ لَفْظُ “اتْبَعْنِي” عَلَى التَّعَلُّقِ بِشَخْصِ يَسُوعَ نَفْسِهِ، لَا بِفِكْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ خَارِجِيٍّ. فَاتِّبَاعُ يَسُوعَ يَعْنِي قَطْعَ كُلِّ عِلَاقَةٍ تُعِيقُ الْمَاضِي، وَالاقْتِدَاءَ بِمِثَالِهِ، وَسَمَاعَ تَعَالِيمِهِ، وَمُطَابَقَةَ الْحَيَاةِ عَلَى سِيرَةِ الْمُخَلِّصِ: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ، وَيَتْبَعْنِي” (مَرْقُس 8: 34). وَحَيْثُ إِنَّ تِلْمِيذَ يَسُوعَ لَا يَرْتَبِطُ بِتَعْلِيمٍ فَقَطْ، بَلْ بِشَخْصِ يَسُوعَ الْوَدِيعِ وَالْمُتَوَاضِعِ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتْرُكَ مُعَلِّمَهُ الَّذِي صَارَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ (مَتَّى 10: 37). وَبِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ يُعْطِي يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ، وَيَحْفَظُهُمْ لِلْخَلَاصِ، كَمَا وَعَدَ قَائِلًا: “مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي أَلَّا أُهْلِكَ أَحَدًا مِنْ جَمِيعِ مَا أَعْطَانِيهِ، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يُوحَنَّا 6: 39).

وَيَدْعُو يَسُوعُ جَمِيعَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَتَلْمَذُوا لَهُ إِلَى أَنْ يَحْمِلُوا سِمَتَيِ الْوَدَاعَةِ وَتَوَاضُعِ الْقَلْبِ. فَبِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ يُرَكِّزُ الْمَسِيحُ عَلَى الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ، لِكَيْ يَصِيرَ تَلَامِيذُهُ عَلَى مِثَالِهِ. فَيَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ الْوَدِيعُ وَالْمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، كَمَا تَنَبَّأَ عَنْهُ زَكَرِيَّا: “هَا هُوَذَا مَلِكُكِ آتِيًا إِلَيْكِ وَدِيعًا” (مَتَّى 21: 5؛ زَكَرِيَّا 9: 9). وَفِي الْحَقِيقَةِ، إِنَّ “الْكَلِمَةَ صَارَ بَشَرًا” (يُوحَنَّا 1: 14) لِيَقُودَ الإِنْسَانَ إِلَى أَوْجِ التَّوَاضُعِ، وَقَدْ بَلَغَ تَوَاضُعُهُ إِلَى حَدِّ غَسْلِ أَرْجُلِ تَلَامِيذِهِ (يُوحَنَّا 13: 14-16)، جَاعِلًا مِنْ نَفْسِهِ قُدْوَةً لَهُمْ. وَمِنْ خِلَالِ الْوَدَاعَةِ وَالتَّوَاضُعِ يَدْعُو يَسُوعُ إِلَى الدُّخُولِ فِي عِلَاقَةٍ مَعَ الآبِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ أَسْرَارِ الْمَلَكُوتِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “تَعَلَّمُوا مِنْهُ، لَا صُنْعَ الْعَالَمِ، وَلَا صُنْعَ الْمُعْجِزَاتِ، بَلْ أَنَّهُ وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ”، لِأَنَّ التَّوَاضُعَ هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْمَحَبَّةُ (PL 38, 441-442).

وَعَلَّمَ يَسُوعُ الرُّسُلَ أَنْ يَلْبَسُوا ثَوْبَ التَّوَاضُعِ، وَكَانَ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ مِنْ أَوَائِلِ الَّذِينَ اخْتَبَرُوا ثَمَرَةَ هٰذَا التَّوَاضُعِ. فَعِنْدَ الصَّيْدِ الْعَجِيبِ صَرَخَ قَائِلًا: “يَا رَبُّ، تَبَاعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ” (لُوقَا 5: 8)، وَعِنْدَ هَيَجَانِ الْبَحْرِ صَرَخَ مَعَ سَائِرِ التَّلَامِيذِ: “يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، لَقَدْ هَلَكْنَا” (لُوقَا 8: 24). فَالتَّوَاضُعُ يَكْشِفُ لِلإِنْسَانِ حَقِيقَةَ ضَعْفِهِ، وَيَفْتَحُهُ عَلَى قُوَّةِ النِّعْمَةِ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الصَّلِيبِ: “إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَاسْتَدِرْ نَحْوَ الرَّبِّ الْمَسِيحِ، لِكَيْ تَحْصُلَ مِنْهُ عَلَى الْوَدَاعَةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَاتْبَعْهُ”(يوحنا الصليب، آراء وأمثال).  فَمَنْ يَعْتَمِدُ التَّوَاضُعَ أَوَّلًا يُعِيدُ إِلَى اللهِ كُلَّ شَيْءٍ، وَيَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ فَيْضِ نِعْمَتِهِ.

وَيُعَلِّمُنَا يَسُوعُ أَنْ نَتَحَلَّى بِثَوْبِ التَّوَاضُعِ فِي عِلَاقَاتِنَا الْمُتَبَادَلَةِ، كَمَا يَقُولُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ: “تَسَرْبَلُوا جَمِيعًا بِالتَّوَاضُعِ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ” (1 بُطْرُس 5: 5)، وَكَذٰلِكَ كَمَا يُعَلِّمُ بُولُسُ الرَّسُولُ: “لَا تَفْعَلُوا شَيْئًا بِدَافِعِ الْمُنَافَسَةِ أَوِ الْعُجْبِ، بَلْ عَلَى كُلٍّ مِنْكُمْ أَنْ يَتَوَاضَعَ وَيَعُدَّ غَيْرَهُ أَفْضَلَ مِنْهُ” (فِيلِبِّي 2: 3). فَالتِّلْمِيذُ الْمُتَوَاضِعُ لَا يَجْذِبُ النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، بَلْ إِلَى الإِنْجِيلِ؛ وَلَا يَفْرِضُ ذَاتَهُ، بَلْ يُشَجِّعُ الآخَرِينَ عَلَى قَبُولِ كَلِمَةِ اللهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا، وَالْوُصُولِ إِلَى الْخَلَاصِ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس: “يُحِبُّ الْجَمِيعُ الِارْتِفَاعَ إِلَى الْمَجْدِ، وَلٰكِنَّ التَّوَاضُعَ هُوَ السُّلَّمُ الَّذِي يَنْبَغِي الصُّعُودُ عَلَيْهِ” (38, 586). وَيُضِيفُ إِسْحَقُ السُّرْيَانِيُّ قَائِلًا: “إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَجِدَ الْحَيَاةَ، فَاحْفَظْ فِي دَاخِلِكَ الإِيمَانَ وَالتَّوَاضُعَ، فَبِهِمَا تَجِدُ الرَّأْفَةَ وَالْمَعُونَةَ وَكَلِمَةَ اللهِ فِي قَلْبِكَ” (إِسْحَقُ السُّرْيَانِيُّ، المَجْمُوعَةُ الأُولَى، المَقَالَة 19).

وَتَمَاشِيًا مَعَ تَعَالِيمِ الْمَسِيحِ وَمِثَالِهِ، تَكَلَّمَ الرُّسُلُ عَنِ الْوَدَاعَةِ بِاعْتِبَارِهَا ثَمَرَةً مِنْ ثِمَارِ التَّلْمَذَةِ. فَيَقُولُ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ عَنْ أَهَمِّيَّتِهَا فِي الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ: “أَفِيكُمْ أَحَدٌ ذُو حِكْمَةٍ وَدِرَايَةٍ؟ فَلْيُظْهِرْ بِحُسْنِ سِيرَتِهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ تُصْنَعُ بِوَدَاعَةٍ تَأْتِي مِنَ الْحِكْمَةِ” (يَعْقُوب 3: 13). أَمَّا بُطْرُسُ الرَّسُولُ فَيُرَكِّزُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْوَدَاعَةِ فِي الشَّهَادَةِ لِلإِيمَانِ، فَيَقُولُ: “قَدِّسُوا الرَّبَّ الْمَسِيحَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكُونُوا دَائِمًا مُسْتَعِدِّينَ لِأَنْ تَرُدُّوا عَلَى مَنْ يَطْلُبُ مِنْكُمْ دَلِيلَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الرَّجَاءِ، وَلٰكِنْ لِيَكُنْ ذٰلِكَ بِوَدَاعَةٍ وَوَقَارٍ” (1 بُطْرُس 3: 15-16).

وَأَمَّا بُولُسُ الرَّسُولُ فَيَتَطَرَّقُ إِلَى الْوَدَاعَةِ فِي الإِصْلَاحِ الأَخَوِيِّ، قَائِلًا: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنْ وَقَعَ أَحَدٌ فِي فَخِّ الْخَطِيئَةِ، فَأَصْلِحُوهُ أَنْتُمُ الرُّوحِيِّينَ بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ… لِيَحْمِلْ بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَأَتِمُّوا هٰكَذَا الْعَمَلَ بِشَرِيعَةِ الْمَسِيحِ” (غَلَاطِيَّة 6: 1-2). وَأَخِيرًا يُنَاشِدُ بُولُسُ الْمَسِيحِيِّينَ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِالْوَدَاعَةِ وَالتَّوَاضُعِ، قَائِلًا لأَهْلِ أَفَسُس: “فَأُنَاشِدُكُمْ، أَنَا السَّجِينَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسِيرُوا سِيرَةً تَلِيقُ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، سِيرَةً مِلْؤُهَا التَّوَاضُعُ وَالْوَدَاعَةُ وَالصَّبْرُ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ” (أَفَسُس 4: 1-2).

وَنَسْتَنْتِجُ أَنَّ التَّلْمَذَةَ لِيَسُوعَ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدِّ السَّمَاعِ أَوِ الإِعْجَابِ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى اتِّبَاعٍ وَاقْتِدَاءٍ وَتَشَبُّهٍ. فَمَنْ يَتَعَلَّمْ مِنْ يَسُوعَ يَتَعَلَّمْ قَلْبَهُ قَبْلَ أَقْوَالِهِ، وَيَحْمِلْ وَدَاعَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ رِسَالَتَهُ، وَيَتَزَيَّنْ بِتَوَاضُعِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِاسْمِهِ. وَهٰكَذَا يَجِدُ التِّلْمِيذُ الرَّاحَةَ الَّتِي وَعَدَ بِهَا الْمَسِيحُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ أَثْقَالَهُ وَحْدَهُ، بَلْ يَحْمِلُهَا فِي شَرِكَةِ الْمُعَلِّمِ الْوَدِيعِ وَالْمُتَوَاضِعِ الْقَلْبِ.

الخُلاصَة:

يَكشِفُ إِنجيلُ مَتّى (11: 25-30) عَن وَجهِ يَسوعَ المُعَلِّمِ وَالمُخَلِّصِ، الَّذي لا يَفرِضُ عَلى الإِنسانِ أَعباءً خارِجِيَّةً تُثقِلُهُ، بَل يَدعوهُ إِلى الدُّخولِ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَهُ، وَإِلى تَتَلْمُذٍ حَقٍّ على مِثالِهِ. فَيَسوعُ يَرفَعُ صَلاةَ الحَمدِ لِلآبِ الَّذي كَشَفَ أَسرارَ المَلَكوتِ لِلصِّغارِ وَالمُتَواضِعينَ، وَيُخاطِبُ كُلَّ المُتعَبينَ وَالمُثقَلينَ بِالأَحمالِ داعِيًا إِيّاهُم إِلى أَن يَأتوا إِلَيهِ، وَيَحمِلوا نيرَهُ، وَيَتَعَلَّموا مِنهُ، لِأَنَّهُ وَديعٌ وَمُتَواضِعُ القَلبِ. وَهٰكَذا يَتَبيَّنُ أَنَّ الرّاحَةَ الَّتي يَعِدُ بِها المَسيحُ لا تَعني الهُروبَ مِنَ الصَّليبِ، بَلِ الدُّخولَ في مَعناهُ الخَلاصيِّ، وَحَملَهُ مَعَ المَسيحِ وَفي المَسيحِ.

فَنِيرُ المَسيحِ لَيسَ نيرَ عُبودِيَّةٍ وَخَوفٍ، بَل نيرُ مَحبَّةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَبُنُوَّةٍ لله. إِنَّهُ نيرٌ لَطيفٌ، لا لأَنَّهُ يُلغِي الجِهادَ أَو يُنهي الأَلَمَ، بَل لأَنَّ المَسيحَ نَفسَهُ يَحمِلُهُ مَعَ تِلميذِهِ، وَيُحَوِّلُ ثِقَلَهُ إِلى نِعمَةٍ وَشَرِكَةٍ وَسَلامٍ. وَحِملُهُ خَفيفٌ، لا لأَنَّهُ خالٍ مِنَ الصَّليبِ، بَل لأَنَّهُ مَحمولٌ بِالمَحبَّةِ وَمُسَنَدٌ بِالنِّعمَةِ. وَمِن هُنا فَإِنَّ التَّواضُعَ وَالوَداعَةَ لَيسا مُجرَّدَ فَضيلَتَينِ أَخلاقيَّتَينِ، بَل هُما الطَّريقُ الَّذي يَدخُلُ بِهِ الإِنسانُ إِلى مَعرِفَةِ الآبِ، وَإِلى قَبولِ سِرِّ المَلَكوتِ، وَإِلى التَّمَتُّعِ بِالرّاحَةِ الَّتي لا يَقدِرُ العالَمُ أَن يَمنَحَها.

وَبِذٰلِكَ تَبقى دَعوَةُ يَسوعَ في هٰذا الإِنجيلِ دَعوَةً مُتَجَدِّدَةً لِكُلِّ مُؤمِنٍ وَلِكُلِّ جَماعَةٍ كَنَسِيَّةٍ: أَنْ نَتَخَلّى عَن كِبرياءِ الاكتِفاءِ الذّاتيِّ، وَأَنْ نَعودَ إِلى اللهِ بِقَلبِ الأَطفالِ، وَأَنْ نُسلِّمَ لِلْمَسيحِ أَثقالَنا وَخَوفَنا وَخَطايانا، وَأَنْ نَتَتَلْمَذَ لَهُ في مَدرَسَةِ الوَداعَةِ وَالتَّواضُعِ وَالمَحبَّةِ. فَهُناكَ، وَهُناكَ وَحدَهُ، يَجِدُ الإِنسانُ راحَةَ نَفسِهِ، لأَنَّهُ يَكتَشِفُ أَنَّ اللهَ لا يَقِفُ بَعيدًا عَن تَعَبِهِ، بَل يَحمِلُهُ مَعَهُ، وَيَقودُهُ، مِن خِلالِ الصَّليبِ، إِلى فَرَحِ القِيامَةِ وَمَجدِ المَلَكوتِ.

دُعَاء

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، نَشْكُرُكَ لأَنَّكَ كَشَفْتَ أَسْرَارَ مَلَكُوتِكَ لِلصِّغَارِ وَالْمُتَوَاضِعِينَ وَأَخْفَيْتَهَا عَنِ الْمُتَكَبِّرِينَ. هَبْ لَنَا نِعْمَةَ الْوَدَاعَةِ وَتَوَاضُعِ الْقَلْبِ عَلَى مِثَالِ ابْنِكَ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْوَدِيعِ وَالْمُتَوَاضِعِ الْقَلْبِ، لِكَيْ نَأْتِيَ إِلَيْهِ بِثِقَةٍ، وَنَحْمِلَ مَعَهُ نِيرَ الصَّلِيبِ بِمَحَبَّةٍ، وَنَجِدَ فِيهِ الرَّاحَةَ وَالسَّلَامَ وَالتَّعْزِيَةَ.

افْتَحْ قُلُوبَنَا لِنَعْرِفَ أَسْرَارَ مَلَكُوتِكَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَثَبِّتْنَا فِي مَسِيرَةِ التَّلْمَذَةِ وَالأَمَانَةِ لِلإِنْجِيلِ، حَتَّى نَبْلُغَ مِلْءَ الْحَيَاةِ مَعَكَ، وَنَرَاكَ وَجْهًا لِوَجْهٍ فِي مَجْدِ مَلَكُوتِكَ السَّمَاوِيِّ. وَنُرَدِّدُ بِثِقَةٍ وَمَحَبَّةٍ: يَا يَسُوعُ الْوَدِيعَ وَالْمُتَوَاضِعَ الْقَلْبِ، اجْعَلْ قُلُوبَنَا مِثْلَ قَلْبِكَ. آمِين.

قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ: التَّوَاضُعُ أَمَامَ اللهِ

فَازَ أَحَدُ الأَشْخَاصِ فِي الِانْتِخَابَاتِ النِّيَابِيَّةِ فِي إِنْجِلْتَرَا، وَأَصْبَحَ عُضْوًا فِي مَجْلِسِ الْبَرْلَمَانِ الْبِرِيطَانِيِّ. وَكَانَ هٰذَا الرَّجُلُ مِنْ إِحْدَى الْقُرَى الصَّغِيرَةِ خَارِجَ مَدِينَةِ لَنْدَن. وَلَمَّا فَازَ فِي الِانْتِخَابَاتِ، تَسَلَّلَ إِلَى قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ، إِذْ أَصْبَحَ لَهُ مَنْصِبٌ مُهِمٌّ فِي الْحُكُومَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ.

وَذَاتَ يَوْمٍ، اصْطَحَبَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ فِي زِيَارَةٍ إِلَى لَنْدَن، لِيُرِيَهُمْ مَكَانَ عَمَلِهِ وَمَعَالِمَ الْمَدِينَةِ الشَّهِيرَةَ. وَبَيْنَمَا كَانُوا يَمْشُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَى تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ الْعَظِيمَةِ، أَخَذَ الرَّجُلُ يُفَسِّرُ بِاعْتِزَازٍ تَارِيخَ تِلْكَ الْمَبَانِي الَّتِي كَانُوا يَزُورُونَهَا. وَأَخِيرًا اقْتَادَهُمْ إِلَى مَبْنَى كاتدرائية وِسْتْمِنْسْتَر الشَّهِيرِ، حَيْثُ تُقَامُ الْمَرَاسِيمُ الدِّينِيَّةُ لِلْعَائِلَةِ الْمَالِكَةِ فِي بَرِيطَانِيَا.

وَلَدَى دُخُولِ الْعَائِلَةِ إِلَى الْمَبْنَى، بَانَتْ مَعَالِمُ الذُّهُولِ عَلَى وَجْهِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَكَانَتْ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهَا. نَظَرَ إِلَيْهَا وَالِدُهَا بِافْتِخَارٍ، ثُمَّ سَأَلَهَا: “بِمَاذَا تُفَكِّرِينَ يَا ابْنَتِي؟” فَأَجَابَتْهُ بِبَسَاطَةٍ وَبَرَاءَةٍ: “أُفَكِّرُ يَا أَبِي كَمْ تَبْدُو أَنْتَ كَبِيرًا فِي بَيْتِنَا، وَكَمْ تَبْدُو صَغِيرًا فِي هٰذَا الْمَكَانِ!”

فَكَانَتْ كَلِمَاتُ الطِّفْلَةِ كَالسَّهْمِ النَّافِذِ إِلَى الْقَلْبِ، تُذَكِّرُ وَالِدَهَا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ، مَهْمَا عَلاَ شَأْنُهُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، يَبْقَى صَغِيرًا أَمَامَ عَظَمَةِ اللهِ. فَالْمَنَاصِبُ وَالْأَلْقَابُ وَالْكَرَامَاتُ الأَرْضِيَّةُ قَدْ تَرْفَعُ الْإِنْسَانَ فِي نَظَرِ الْعَالَمِ، لَكِنَّهَا لَا تُغْنِيهِ عَنِ التَّوَاضُعِ أَمَامَ اللهِ، الَّذِي أَمَامَ جَلَالِهِ يَنْكَشِفُ حَجْمُنَا الْحَقِيقِيُّ.

العِبْرَةُ الرُّوحِيَّةُ مِنَ الْقِصَّةِ

تُعَلِّمُنَا هٰذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَظُنُّ نَفْسَهُ كَبِيرًا بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ مَنْصِبٍ أَوْ سُلْطَةٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ، لَكِنَّهُ مَا إِنْ يَقِفُ أَمَامَ اللهِ حَتَّى يُدْرِكَ حَقِيقَتَهُ: أَنَّهُ خَلِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ وَمُحْتَاجَةٌ دَائِمًا إِلَى النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ. فَالتَّوَاضُعُ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ الإِنْسَانُ حَجْمَهُ الْحَقِيقِيَّ أَمَامَ اللهِ، فَلَا يَتَكَبَّرَ بِمَا عِنْدَهُ، وَلَا يَنْسَى أَنَّ كُلَّ مَا لَدَيْهِ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ الرَّبِّ. وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ كَلِمَةَ يَسُوعَ: “تَعَلَّمُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (مَتَّى 11: 29).

فَالْمَسِيحُ يَدْعُونَا أَلَّا نَبْنِي عَظَمَتَنَا عَلَى مَجْدٍ بَشَرِيٍّ زَائِلٍ، بَلْ عَلَى تَوَاضُعِ الْقَلْبِ أَمَامَ اللهِ. فَمَنْ يَعْرِفْ أَنَّهُ صَغِيرٌ أَمَامَ اللهِ، يَصِيرْ كَبِيرًا فِي مَلَكُوتِهِ؛ وَمَنْ يَتَوَاضَعْ أَمَامَ الرَّبِّ، يَرْفَعْهُ الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ.

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ الطِّفْلُ الَّذِي فَهِمَ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْكِبَار

فِي إِحْدَى الرَّعَايَا، دَخَلَ كَاهِنٌ إِلَى قَاعَةِ التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ لِيَشْرَحَ لِلْأَوْلَادِ مَعْنَى الصَّلِيبِ وَمَحَبَّةِ يَسُوعَ. وَكَانَ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ رَجُلٌ مُثَقَّفٌ، جَاءَ لِيَسْمَعَ مَا سَيُقَالُ، وَكَانَ يَعْتَقِدُ فِي دَاخِلِهِ أَنَّ هٰذِهِ الأَحَادِيثَ الدِّينِيَّةَ لَا تُضِيفُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ شَيْئًا، لأَنَّهُ قَرَأَ كَثِيرًا، وَدَرَسَ كَثِيرًا، وَكَانَ يَرَى نَفْسَهُ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ.

بَدَأَ الْكَاهِنُ يَتَكَلَّمُ عَنْ يَسُوعَ الَّذِي أَحَبَّ الْبَشَرَ حَتَّى الْمَوْتِ، وَعَنْهُ وَهُوَ يَبْسُطُ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الصَّلِيبِ لِيَحْمِلَ خَطَايَا الْعَالَمِ. وَبَعْدَ الشَّرْحِ، سَأَلَ الْكَاهِنُ الأَوْلَادَ: “مَنْ مِنْكُمْ يَقُولُ لِي: لِمَاذَا مَاتَ يَسُوعُ عَلَى الصَّلِيبِ؟” رَفَعَ طِفْلٌ صَغِيرٌ يَدَهُ، وَقَالَ بِبَسَاطَةٍ: “مَاتَ لأَنَّهُ أَحَبَّنَا أَكْثَرَ مِمَّا أَحَبَّ نَفْسَهُ.

سَادَ الصَّمْتُ فِي الْقَاعَةِ لَحَظَاتٍ. أَمَّا الرَّجُلُ الْمُثَقَّفُ، فَبَقِيَ صَامِتًا وَمُتَأَمِّلًا. لَمْ تَكُنْ إِجَابَةُ الطِّفْلِ لَاهُوتًا مُعَقَّدًا، وَلَا شَرْحًا فَلْسَفِيًّا، لَكِنَّهَا لَمَسَتْ جَوْهَرَ الْحَقِيقَةِ: أَنَّ سِرَّ الْمَسِيحِ يُفْهَمُ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّوَاضُعِ أَكْثَرَ مِمَّا يُفْهَمُ بِالْعَقْلِ الْمُتَكَبِّرِ.

وَبَعْدَ انْتِهَاءِ اللِّقَاءِ، اقْتَرَبَ الرَّجُلُ مِنَ الْكَاهِنِ وَقَالَ لَهُ: “أَعْتَرِفُ أَنِّي قَرَأْتُ كُتُبًا كَثِيرَةً عَنِ اللهِ، لٰكِنَّ هٰذَا الطِّفْلَ فَهِمَ الْيَوْمَ بِقَلْبِهِ مَا لَمْ أَفْهَمْهُ أَنَا بِكُلِّ مَا عِنْدِي مِنْ مَعْرِفَةٍ”.

فَابْتَسَمَ الْكَاهِنُ وَقَالَ لَهُ: “لِهٰذَا قَالَ يَسُوعُ: أَحْمَدُكَ يَا أَبَتِ… لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذَا عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَكَشَفْتَهُ لِلصِّغَارِ. فَاللهُ لَا يَرْفُضُ الْعَقْلَ، وَلٰكِنَّهُ يَرْفُضُ الْقَلْبَ الْمُتَكَبِّرَ. أَمَّا الْقَلْبُ الْمُتَوَاضِعُ، فَهُوَ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ نُورَ الْحَقِّ”.

فَخَفَضَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ، وَقَالَ بِتَأَثُّرٍ: “الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ أَعْرِفَ عَنِ اللهِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ أَصِيرَ صَغِيرًا أَمَامَهُ، لِكَيْ أَعْرِفَهُ حَقًّا”.

العِبْرَةُ

تُعَلِّمُنَا هٰذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ اللهَ لَا يَكْشِفُ أَسْرَارَ مَلَكُوتِهِ لِمَنْ يَغْلِقُ قَلْبَهُ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ، بَلْ لِمَنْ يَقْبَلُهَا بِبَسَاطَةِ الأَطْفَالِ وَتَوَاضُعِهِمْ. فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِـ “الصِّغَارِ” قِلَّةَ الْعِلْمِ، بَلْ تَوَاضُعَ الْقَلْبِ وَالِانْفِتَاحَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ. وَمَنْ يَتَوَاضَعْ أَمَامَ اللهِ، يَفْهَمْ مَا يَعْجِزُ الْمُتَكَبِّرُ عَنْ أَنْ يَرَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُمْتَلِئًا عِلْمًا وَمَعْرِفَةً.

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email