الأَحَدُ الثَّانِي لِلْفِصْحِ: ظُهُورُ المَسِيحِ الحَيِّ لِتَلَامِيذِهِ وَتُوما

الأَحَدُ الثَّانِي لِلْفِصْحِ: ظُهُورُ المَسِيحِ الحَيِّ لِتَلَامِيذِهِ وَتُوما (يُوحَنَّا 20: 19-31) 

أ. د. لويس حزبون 

النص الانجيلي: (يوحنا 20: 19-31) 

19وفي مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود، فجاءَ يسوعُ ووَقَفَ بَينَهم وقالَ لَهم: ((السَّلامُ علَيكم!)) 20قالَ ذلك، وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ. 21فقالَ لَهم ثانِيَةً: ((السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً)). 22قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: ((خُذوا الرُّوحَ القُدُس. 23مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم)). 24على أَنَّ توما أَحَدَ الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع. 25فقالَ لَه سائِرُ التَّلاميذ: ((رأَينا الرَّبّ)). فقالَ لَهم: ((إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن)). 26وبَعدَ ثَمانِيةِ أَيَّامٍ كانَ التَّلاميذُ في البَيتِ مَرَّةً أُخْرى، وكانَ توما معَهم. فجاءَ يسوعُ والأبوابُ مُغلَقَة، فوَقَفَ بَينَهم وقال: ((السَّلامُ علَيكم))! 27ثُمَّ قالَ لِتوما((هَاتِ إِصبَعَكَ إِلى هُنا فَانظُرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ فضَعْها في جَنْبي، ولا تكُنْ غَيرَ مُؤمِنٍ بل كُنْ مُؤمِناً)). 28أَجابَه توما🙁 (رَبِّي وإِلهي!)) 29فقالَ له يسوع: ((أَلِأَنَّكَ رَأَيتَني آمَنتَ؟ طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا)). 30وأتى يسوعُ أَمامَ التَّلاميذ بِآياتٍ أُخرى كثيرة لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب، 31وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه. 

المُقَدِّمَةُ: 

يَنفَرِدُ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ، فِي الأَحَدِ الثَّانِي لِلفِصْحِ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، بِرِوَايَةِ ظُهُورِ يَسُوعَ القَائِمِ مِنَ الأَمْوَاتِ لِلتَّلَامِيذِ وَلِلرَّسُولِ تُوما، حَيْثُ أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ (يُوحَنَّا 20: 19-31). وَلَمْ يَكُنْ هٰذَا الظُّهُورُ مُجَرَّدَ تَجَلٍّ بَعْدَ القِيَامَةِ، بَلْ حَدَثًا خَلَاصِيًّا ذَا بُعْدٍ كِرَازِيٍّ، يَهْدِفُ إِلَى دَفْعِ القُرَّاءِ إِلَى الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ، حَتَّى وَإِنْ كَانُوا مِنْ بَيْنِ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا وَآمَنُوا (يُوحَنَّا 20: 29). 

وَهٰكَذَا، لَمْ يَعُدِ العِيَانُ شَرْطًا لِلإِيمَانِ، بَلْ أَصْبَحَ الإِيمَانُ مُرْتَكِزًا عَلَى شَهَادَةِ الرُّسُلِ وَالكَنِيسَةِ، أَيْ عَلَى كَلِمَةِ الحَيَاةِ المُعْلَنَةِ. فَالإِيمَانُ المَسِيحِيُّ يَقُومُ عَلَى سَمَاعِ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ يُوحَنَّا: ذَاكَ الَّذِي كَانَ مُنْذُ البَدْءِ، ذَاكَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ، ذَاكَ الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، ذَاكَ الَّذِي تَأَمَّلْنَاهُ وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا مِنْ كَلِمَةِ الحَيَاةِ… ذَاكَ الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُبَشِّرُكُمْ بِهِ” (1 يُوحَنَّا 1: 1، 3). 

وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: لَمْ يَكُنْ شَكُّ تُوما ضَعْفًا فِي الإِيمَانِ، بَلْ طَرِيقًا لِتَثْبِيتِ إِيمَانِنَا؛ فَقَدْ لَمَسَ هُوَ، لِكَيْ نُؤْمِنَ نَحْنُ” (أوغسطينوس، عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، 121، 5 (PL 35: 1959)..  أَمَّا القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوس الكَبِيرُ فَيَرَى أَنَّ مَا شَكَّ فِيهِ تُوما بِجَسَدِهِ، آمَنَّا نَحْنُ بِهِ فِي قُلُوبِنَا؛ فَشَكُّهُ أَفَادَ إِيمَانَنَا أَكْثَرَ مِمَّا أَفَادَ إِيمَانَهُ هُوَ”  (PL 76: 1197). 

مِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، إِذْ يَنْقُلُنَا مِنْ إِيمَانٍ مَبْنِيٍّ عَلَى المُشَاهَدَةِ إِلَى إِيمَانٍ مُؤَسَّسٍ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَمِنْ لِقَاءٍ حِسِّيٍّ إِلَى شَرِكَةٍ رُوحِيَّةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَطْبِيقَاتِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ. 

 أولاً: وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 20: 19-31) 

 19″وَفِي مَسَاءِ ذٰلِكَ اليَوْمِ، يَوْمِ الأَحَدِ، كَانَ التَّلَامِيذُ فِي دَارٍ قَدْ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُهَا خَوْفًا مِنَ اليَهُودِ، فَجَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ“. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ ذٰلِكَ اليَوْمِ، يَوْمِ الأَحَدِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَوْمِ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ وَالخَلْقِ الجَدِيدِ. أَمَّا التَّعْبِيرُ اليُونَانِيُّ μιᾷ σαββάτων أَيْ: “أَوَّلُ الأُسْبُوعِ فَيَدُلُّ عَلَى البَدَايَةِ الجَدِيدَةِ، وَهُوَ مَا سَتَفْهَمُهُ الكَنِيسَةُ لاحِقًا كَـاليَوْمِ الثَّامِنِ، أَيْ يَوْمِ التَّجَدُّدِ الأُخْرَوِيِّ. وَيُشَدِّدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا عَلَى وَحْدَةِ الزَّمَنِ الخَلَاصِيِّ، إِذْ يَحْدُثُ هٰذَا الظُّهُورُ فِي اليَوْمِ نَفْسِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ لِمَرْيَمَ المَجْدَلِيَّةِ (يُوحَنَّا 20: 1)، وَلِلنِّسْوَةِ (مَتَّى 28: 9)، وَلِتِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ (لُوقَا 24: 13). وَهٰكَذَا يَصِيرُ الأَحَدُ يَوْمَ اللِّقَاءِ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ، وَأَسَاسَ اجْتِمَاعِ الكَنِيسَةِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ كَانَ التَّلَامِيذُ فَتُشِيرُ إِلَى الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ، وَهُمْ عَشَرَةٌ فَقَط، إِذْ كَانَ تُومَا غَائِبًا، وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ قَدْ هَلَكَ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 1: 18). وَهٰذَا التَّفْصِيلُ يُظْهِرُ وَاقِعَ الكَنِيسَةِ فِي بَدَايَتِهَا: جَمَاعَةٌ نَاقِصَةٌ، خَائِفَةٌ، وَمُنْغَلِقَةٌ، وَمَعَ ذٰلِكَ تَكُونُ مَوْضِعَ ظُهُورِ الرَّبِّ. 

وَتَدُلُّ عِبَارَةُ قَدْ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُهَا عَلَى حَالَةِ الإِنْغِلَاقِ وَالخَوْفِ. وَلَيْسَ المَقْصُودُ بَابًا وَاحِدًا، بَلْ أَكْثَرَ مِنْ بَابٍ، مِمَّا يُشِيرُ إِلَى تَدَابِيرَ أَمْنِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ ذٰلِكَ قَائِلًا: لَمْ يَكُونُوا مُنْغَلِقِينَ فِي مَكَانٍ فَقَط، بَلْ فِي خَوْفِهِمْ أَيْضًا”(تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، كِتَاب 12 (PG 74: 706)). فَالإِغْلَاقُ هُنَا لَيْسَ مَادِّيًّا فَقَط، بَلْ رُوحِيٌّ أَيْضًا. وَهٰذِهِ الأَبْوَابُ المُغْلَقَةُ سَتَنْفَتِحُ يَوْمَ العَنْصَرَةِ بِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ، حِينَ تَتَحَوَّلُ الكَنِيسَةُ مِنَ الخَوْفِ إِلَى الشَّهَادَةِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ خَوْفًا مِنَ اليَهُودِ فَتُفَسِّرُ سَبَبَ الإِنْغِلَاقِ، إِذْ كَانَ التَّلَامِيذُ يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمُ الاضْطِهَادُ، خُصُوصًا بَعْدَ اتِّهَامِهِمْ بِسَرِقَةِ الجَسَدِ (مَتَّى 28: 13). وَقَدْ أَنْبَأَهُمْ يَسُوعُ مُسْبَقًا: سَيُضْطَهَدُونَ (يُوحَنَّا 15: 21)، وَأَنَّهُمْ سَيَتَبَدَّدُونَ بَعْدَ ضَرْبِ الرَّاعِي (مَتَّى 26: 31). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ خَوْفَهُمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ ضَعْفٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ مَسَارِ التَّجْرِبَةِ الَّتِي تَمُرُّ بِهَا الكَنِيسَةُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قَائِلًا: لَمْ يَكُنْ خَوْفُهُمْ عَجِيبًا، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ نَالُوا بَعْدُ قُوَّةَ الرُّوحِ (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، 86، 1 (PG 59: 468)). 

أَمَّا عِبَارَةُ فَجَاءَ يَسُوعُ فَتُشِيرُ إِلَى مُبَادَرَةِ المَسِيحِ القَائِمِ، إِذْ يَدْخُلُ إِلَى حَيَاةِ الإِنْسَانِ حِينَ يَبْلُغُ هٰذَا الأَخِيرُ حَالَةَ العَجْزِ وَالإِنْغِلَاقِ. وَيُؤَكِّدُ دُخُولُهُ وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ أَنَّ جَسَدَهُ القَائِمَ قَدِ اتَّخَذَ حَالَةً مُمَجَّدَةً، لَا تَخْضَعُ لِقُيُودِ الطَّبِيعَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الآلَامِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، لَيْسَ هُوَ شَبَحًا أَوْ خَيَالًا، بَلْ جَسَدٌ حَقِيقِيٌّ مُمَجَّدٌ، جِسْمٌ رُوحِيٌّ كَمَا يُسَمِّيهِ الرَّسُولُ بُولُسُ (1 قُورِنْتُس 15: 44). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوس النَّيْسِيُّ قَائِلًا: دَخَلَ وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ خَاضِعًا لِقَوَانِينِ الجَسَدِ الفَانِي (غْرِيغُورِيُوس النَّيْسِيّ، عَنِ القِيَامَةِ (PG 46: 617)). 

أَمَّا عِبَارَةُ وَوَقَفَ بَيْنَهُمْ (ἔστη εἰς τὸ μέσον)، فَتُفِيدُ أَنَّ يَسوعَ القَائِمَ أَقَامَ ذَاتَهُ فِي وَسَطِ جَمَاعَتِهِ، لَا كَزَائِرٍ عَابِرٍ، بَلْ كَحُضُورٍ ثَابِتٍ وَمُحْيِي. وَيَتَرَدَّدُ صَدَى هٰذَا التَّعْبِيرِ فِي شَهَادَةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ: “مَنْ وَسْطَكُمْ قَائِمٌ” μέσος ὑμῶν ἕστηκεν؛ (يو 1: 26)، مِمَّا يُظْهِرُ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ دَائِمًا الحَاضِرُ فِي الوَسَطِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ الإِنْسَانُ مِنَ البِدَايَةِوَيَنْدَرِجُ هٰذَا الحُضُورُ فِي إِطَارِ تَارِيخِ الخَلاصِ كُلِّهِ، حَيْثُ يَأْتِي اللهُ دَائِمًا إِلَى وَسَطِ شَعْبِهِ: يُخَلِّصُهُمْ، وَيُحَرِّرُهُمْ، وَيَقُودُهُمْ فِي مَسِيرَةِ العَهْدِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَثِيرًا مَا يَبْقَى أَسِيرَ الشَّكِّ وَعَدَمِ الإِدْرَاكِ، فَيُعِيدُ طَرْحَ السُّؤَالِ الجَوْهَرِيِّ:” “هَلِ الرَّبُّ فِي وَسَطِنَا أَمْ لَا؟” (خر 17: 7). وَهُنَا تَبْلُغُ رِوَايَةُ القِيَامَةِ ذِرْوَتَهَا اللاهوتيّة، إِذْ لَا يَبْقَى حُضُورُ اللهِ وَعْدًا أَوْ تَجَلِّيًا عَابِرًا، بَلْ يُصْبِحُ حُضُورًا مُتَجَسِّدًا وَدَائِمًا فِي شَخْصِ المَسِيحِ القَائِمِ، الَّذِي يَقِفُ فِي الوَسَطِ لِيُجِيبَ نِهَائِيًّا عَنْ سُؤَالِ الشَّكِّ الإِنْسَانِيِّ: إِنَّ اللهَ هُوَ حَقًّا فِي وَسَطِ شَعْبِهِ، لَا كَفِكْرَةٍ، بَلْ كَحُضُورٍ حَيٍّ وَمُخَلِّصٍ. 

أَمَّا فِعْلُ “وَقَفَ” فَيُشِيرُ إِلَى وَقْفَةِ القِيَامَةِ، أَيْ إِلَى حُضُورِ المَسِيحِ القَائِمِ حُضُورًا حَيًّا وَفَاعِلًا. فَوُقُوفُ يَسُوعَ فِي وَسَطِهِمْ وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ لَمْ يَكُنْ عَمَلًا مُجَرَّدًا مُعْجِزِيًّا خَارِقًا، بَلْ هُوَ تَجَلٍّ لِطَبِيعَةِ الجَسَدِ القَائِمِ مِنَ الأَمْوَاتِ. فَالمَسِيحُ قَامَ بِذَاتِ الجَسَدِ، لٰكِنَّهُ جَسَدٌ مُمَجَّدٌ، تَغَيَّرَتْ خَصَائِصُهُ دُونَ أَنْ تَتَبَدَّلَ هُوِيَّتُهُ. وَبِهٰذَا يُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَنَّ حُضُورَهُ لَمْ يَعُدْ خَاضِعًا لِحُدُودِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَلَا لِقَوَانِينِ الطَّبِيعَةِ أَوِ الحَاجَاتِ المَادِّيَّةِ وَالبِيُولُوجِيَّةِ، بَلْ أَصْبَحَ حُضُورًا شَامِلًا وَحُرًّا. إِنَّهُ الجَسَدُ بِذَاتِهِ، لٰكِنَّهُ “لَابِسٌ عَدَمَ الفَسَادِ”، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “فَلَا بُدَّ لِهٰذَا الكَائِنِ الفَاسِدِ أَنْ يَلْبَسَ مَا لَيْسَ بِفَاسِدٍ، وَلِهٰذَا الكَائِنِ الفَانِي أَنْ يَلْبَسَ الخُلُودَ” (1 قُورِنْتُس 15: 53). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى طَبِيعَةِ الجَسَدِ المُقَامِ قَائِلًا: “أَيًّا كَانَتْ طَبِيعَةُ هٰذَا الجَسَدِ الرُّوحَانِيِّ، وَمَهْمَا بَلَغَتْ عَظَمَةُ نِعْمَتِهِ، أَخْشَى أَنْ أَتَكَلَّمَ فِيهِ، لأَنَّنَا لَا نَزَالُ بَعِيدِينَ عَنِ اخْتِبَارِ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ”(أوغسطينوس، عَنْ مَدِينَةِ اللهِ، كِتَاب 22، فَصْل 21 (PL 41: 803).. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ سِرَّ الجَسَدِ المُمَجَّدِ يَتَجَاوَزُ إِدْرَاكَنَا الحَالِيَّ، وَيَبْقَى فِي نِطَاقِ الرَّجَاءِ الإِسْخَاتُولُوجِيِّ. هٰذَا يَتَنَاغَمُ مَعَ تَعْلِيمِ الرَّسُولِ بُولُسَ: “نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لٰكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ> (1 قُورِنْتُس 13: 12). وَبِذٰلِكَ، يَبْقَى الجَسَدُ المُمَجَّدُ حَقِيقَةً مَكْشُوفَةً بِالإِيمَانِ، لٰكِنَّهُ غَيْرُ مُدْرَكٍ كُلِّيًّا بِالخِبْرَةِ الحَاضِرَةِ، بَلْ مَوْعُودٌ لَنَا فِي مِلْءِ المَجْدِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ “بَيْنَهُمْ” (μέσος) فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ المَسِيحَ القَائِمَ هُوَ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَمِيعِ بِالدَّرَجَةِ نَفْسِهَا، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ وَاحِدٍ وَآخَرَ. يَظْهِرُ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ مَرْكَزُ الجَمَاعَةِ، وَأَنَّ حُضُورَهُ هُوَ الَّذِي يُؤَسِّسُ الكَنِيسَةَ. ثُمَّ يُعْلِنُ تَحِيَّتَهُ الفِصْحِيَّةَ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ”، وَهِيَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَحِيَّةٍ عَادِيَّةٍ، بَلْ عَطِيَّةٌ خَلَاصِيَّةٌ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: “لَمْ يَقُلْ لَهُمْ سَلَامًا كَلِمَةً، بَلْ مَنَحَهُمُ السَّلَامَ نِعْمَةً (PL 35: 1958).  وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ عَنْ تَحَوُّلٍ جَوْهَرِيٍّ: مِنْ كَنِيسَةٍ مُنْغَلِقَةٍ بِسَبَبِ الخَوْفِ، إِلَى كَنِيسَةٍ تُؤَسَّسُ عَلَى حُضُورِ المَسِيحِ وَسَلَامِهِ، وَسَتَنْطَلِقُ لِتَشْهَدَ لَهُ فِي العَالَمِوَحُضُورُهُ لَيْسَ نَاتِجًا عَنْ بَحْثِ الإِنْسَانِ عَنْهُ، بَلْ عَنْ مُبَادَرَتِهِ هُوَ أَوَّلًا، إِذْ يَأْتِي إِلَيْنَا قَبْلَ أَنْ نَذْهَبَ إِلَيْهِ. وَهٰذَا الحُضُورُ يَمْلَأُ القُلُوبَ فَرَحًا وَسَلَامًا، وَيُدْخِلُ التَّلَامِيذَ فِي مِلْءِ رِسَالَةِ الفِصْحِ. 

أَمَّا قَوْلُهُ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ!” (Εἰρήνη ὑμῖν)، فَلَيْسَ مُجَرَّدَ تَحِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، بَلْ هُوَ دُعَاءٌ وَعَطِيَّةٌ خَلَاصِيَّةٌ. فَهُنَا يَنْتَقِلُ السَّلَامُ مِنْ مُجَرَّدِ تَحِيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ (“السَّلَامُ عَلَيْكُمْ”) إِلَى نِعْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ (“السَّلَامُ لَكُمْ”)، عَلَى مِثَالِ مَا أَوْصَى بِهِ يَسُوعُ: “أَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمْ، فَقُولُوا أَوَّلًا: السَّلَامُ لِهٰذَا البَيْتِ” (لُوقَا 10: 5). إِنَّ سَلَامَ يَسُوعَ القَائِمِ هُوَ عَطِيَّةٌ تُبَدِّدُ الخَوْفَ، وَتَحْمِلُ قُوَّةَ الشِّفَاءِ وَالمُصَالَحَةِ. فَلَمْ يَأْتِ الرَّبُّ لِيُوَبِّخَ تَلَامِيذَهُ عَلَى هُرُوبِهِمْ وَشُكُوكِهِمْ، بَلْ لِيَهَبَهُمُ السَّلَامَ وَيُعِيدَ إِلَيْهِمُ الشَّرِكَةَ. وَهٰذَا هُوَ السَّلَامُ الَّذِي وَعَدَ بِهِ قَبْلَ الآلَامِ: “السَّلَامَ أَسْتَوْدِعُكُمْ، سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. لَا أُعْطِيكُمْ أَنَا كَمَا يُعْطِي العَالَمُ، فَلَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَفْزَعْ” (يُوحَنَّا 14: 27). إِنَّهُ سَلَامُ القِيَامَةِ، سَلَامٌ دَاخِلِيٌّ يُصَالِحُ الإِنْسَانَ مَعَ اللهِ، وَمَعَ ذَاتِهِ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ. وَهُوَ عَطِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ تَتَجَاوَزُ كُلَّ مَقَايِيسِ العَالَمِ. لِذٰلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “سَلَامُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ إِدْرَاكٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَذْهَانَكُمْ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ (فِيلِبِّي 4: 7)، وَقَدْ حَقَّقَ السَّلَامَ بِدَمِ صَلِيبِهِ (كُولُسِّي 1: 20)، وَهُوَ سَلَامُنَا (أَفَسُس 2: 14)وَهٰكَذَا، فَإِنَّ حُضُورَ يَسُوعَ الحَيِّ بَيْنَ تَلَامِيذِهِ يُحَوِّلُ الحُزْنَ إِلَى فَرَحٍ، وَالخَوْفَ إِلَى شَجَاعَةٍ، وَخَيْبَةَ الأَمَلِ إِلَى رَجَاءٍ. كَمَا يُغَيِّرُ نَظْرَتَهُمْ إِلَى ذَوَاتِهِمْ وَإِلَى العَالَمِ وَإِلَى المُسْتَقْبَلِ، إِذْ يَدْعُوهُمْ إِلَى رِسَالَةٍ جَدِيدَةٍ: أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا لِقُوَّةِ القِيَامَةِ وَأَدَوَاتٍ لِسَلَامِ اللهِ فِي العَالَمِ. Bottom of Form 

20 “قَالَ ذٰلِكَ، وَأَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلَامِيذُ لِمُشَاهَدَتِهِمُ الرَّبَّ”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَرَاهُمْ” إِلَى مُبَادَرَةِ يَسُوعَ فِي تَقْدِيمِ أَدِلَّةٍ حِسِّيَّةٍ لِتَلَامِيذِهِ عَلَى قِيَامَتِهِ، مِنْ خِلَالِ إِظْهَارِ جِرَاحَاتِ يَدَيْهِ وَجَنْبِهِ، لِيُزِيلَ عَنْهُمُ الخَوْفَ وَيَبْعَثَ فِي نُفُوسِهِمُ السَّلَامَ، وَيَقُودَهُمْ إِلَى رُؤْيَةٍ أَعْمَقَ لِهُوِيَّتِهِ كَابْنِ اللهِ المُتَجَسِّدِ وَالمُمَجَّدِ. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ الفَرْقَ بَيْنَ رُؤْيَةٍ جَسَدِيَّةٍ سَابِقَةٍ، وَرُؤْيَةٍ إِيمَانِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ قَبْلَ آلامِهِ: “بَعْدَ قَلِيلٍ لَا تَرَوْنَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ تُشَاهِدُونَنِي”(يُوحَنَّا 16: 16). 

أَمَّا عِبَارَةُ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ فَتُشِيرُ إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي يَتَجَلَّى فِيهِ سِرُّ الفِصْحِ فِي أَعْمَقِ أَبْعَادِهِ. فَالقَائِمُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، حِينَ يَظْهَرُ لِتَلَامِيذِهِ، لَا يَكْشِفُ عَنْ مَجْدِهِ فَحَسْب، بَلْ عَنْ جِرَاحِ صَلْبِهِ أَيْضًا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْهَا مَكَانَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهِوَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الجِرَاحُ وَحْدَةَ شَخْصِ المَسِيحِ وَهُوِيَّتَهُ: فَالمَسِيحُ المَصْلُوبُ هُوَ عَيْنُهُ المَسِيحُ القَائِمُ، دُونَ انْقِطَاعٍ أَوِ انْفِصَالٍ بَيْنَ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ. فَهُوَ الآنَ حَيٌّ فِي مَجْدِ القِيَامَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي جَسَدِهِ المُمَجَّدِ آثَارَ الجِرَاحِ، لَا كَعَلَامَاتِ ضَعْفٍ، بَلْ كَشَوَاهِدِ حُبٍّ فِدَائِيٍّوَمِنْ هُنَا، تَتَجَلَّى الحَقِيقَةُ اللاهوتيّةُ الجَوْهَرِيَّةُ: إِنَّ القِيَامَةَ لَا تُلْغِي الآلَامَ، بَلْ تُحَوِّلُهَا وَتُمَجِّدُهَا. فَالجِرَاحُ الَّذِي كَانَ مَوْضِعَ المَوْتِ، أَصْبَحَ مَوْضِعَ الحَيَاةِ، وَالصَّلِيبُ الَّذِي كَانَ عَثْرَةً، صَارَ مَصْدَرَ المَجْدِ. وَهٰكَذَا، يَحْمِلُ جَسَدُ المَسِيحِ القَائِمِ ذَاكِرَةَ الفِدَاءِ، لِيُعْلِنَ أَنَّ الحُبَّ الَّذِي بُذِلَ حَتَّى الصَّلِيبِ هُوَ عَيْنُهُ الحُبُّ الَّذِي انْتَصَرَ فِي القِيَامَةِوَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “تَبْقَى الجِرَاحَاتُ فِي جَسَدِ المَسِيحِ، لَا كَنَقَائِصَ، بَلْ كَعَلَامَاتٍ لِمَجْدِهِ، وَكَشَهَادَةٍ دَائِمَةٍ عَلَى مَحَبَّتِهِ” PL 35: 1958)).  

أَمَّا عِبَارَةُ وَجَنْبَهُ فيَنْفَرِدُ يُوحَنَّا بِذِكْرِ الجَنْبِ المَطْعُونِ، فِي رَبْطٍ لَاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ بَيْنَ حَدَثِ الصَّلِيبِ (يُوحَنَّا 19: 34) وَحَدَثِ الظُّهُورِ فِي العُلِّيَّةِ. فَالمَسِيحُ هُوَ الحَمَلُ الفِصْحِيُّ الَّذِي ذُبِحَ عَلَى الجُلْجُلَةِ، وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَعُودُ إِلَى تَلَامِيذِهِ حَامِلًا ثِمَارَ ذَبِيحَتِهِ. وَفِي سِفْرِ الرُّؤْيَا نَرَى الصُّورَةَ ذَاتَهَا: حَمَلًا قَائِمًا كَأَنَّهُ ذَبِيحٌ (رُؤْيَا 5: 6)، فَهُنَاكَ اسْتِمْرَارِيَّةٌ بَيْنَ المَسِيحِ المُتَأَلِّمِ وَالمَسِيحِ القَائِمِوَيُشَدِّدُ الإِنْجِيلِيُّ عَلَى هٰذِهِ الصِّلَةِ بَيْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ التَّارِيخِيِّ المُتَأَلِّمِ (عِبْرَانِيِّينَ 2: 18) وَيَسُوعَ القَائِمِ الحَيِّ الَّذِي يَبْقَى مَعَ كَنِيسَتِهِ، كَمَا وَعَدَ: هَا أَنَا مَعَكُمْ طُولَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ (مَتَّى 28: 20)وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي قَائِلًا: إِنَّ مَوْهِبَةَ مَغْفِرَةِ الخَطَايَا الَّتِي أَعْطَاهَا المَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ، وُلِدَتْ مِنْ جِرَاحَاتِهِ، وَخَاصَّةً مِنْ جَنْبِهِ المَطْعُونِ؛ وَمِنْ هٰذِهِ الجِرَاحَاتِ تَنْبَثِقُ رَحْمَةُ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا”(يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي، عِظَةُ أَحَدِ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، 2001.). إِنَّ هٰذِهِ الجِرَاحَاتِ لَا تَبْقَى مَفْتُوحَةً كَجُرْحٍ يُنْزِفُ، بَلْ كَمَنْبَعٍ يَفِيضُ حَيَاةً وَنِعْمَةً، يَنْبُوعًا فِصْحِيًّا مُسْتَمِرًّا فِي الكَنِيسَةِإِنَّ هٰذِهِ الجِرَاحَ هِيَ فِي مَرْكَزِ إِنْجِيلِ اليَوْمِ، بَلْ فِي قَلْبِ اللِّقَاءِ الأَوَّلِ بَيْنَ المَسِيحِ القَائِمِ وَتَلَامِيذِهِ. فَلَيْسَتْ تَفْصِيلًا ثَانَوِيًّا فِي السَّرْدِ، بَلْ عُنْصُرًا كَاشِفًا لِهُوِيَّةِ القَائِمِ وَطَبِيعَةِ رِسَالَتِهِ. فَبِهَا يَتَعَرَّفُ التَّلَامِيذُ عَلَى الرَّبِّ، وَمِنْ خِلَالِهَا يَنْتَقِلُونَ مِنَ الخَوْفِ إِلَى الفَرَحِ، وَمِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِفَلَوْلَا هٰذِهِ الجِرَاحُ، لَكَانَ الفِصْحُ يُفْهَمُ كَعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ القُوَّةِ المُجَرَّدَةِ. أَمَّا بِجِرَاحِهِ، فَإِنَّ المَسِيحَ القَائِمَ لَا يُلْغِي الصَّلِيبَ، بَلْ يُدْخِلُهُ فِي مَجْدِهِ، فَيَجْعَلُ مِنَ الفِصْحِ لَا مُجَرَّدَ انْتِصَارٍ، بَلْ عَطَاءً مُتَجَدِّدًاوَهٰكَذَا، يَصِيرُ الفِصْحُ فِي المَسِيحِ القَائِمِ تَقْدِمَةً أَبَدِيَّةً، لَيْسَتْ لِآلَامٍ مُسْتَمِرَّةٍ بِمَعْنَى التَّكْرَارِ، بَلْ لِآلَامٍ مُتَحَوِّلَةٍ إِلَى حُبٍّ مُمَجَّدٍ، حَاضِرٍ عَلَى الدَّوَامِ أَمَامَ الآبِ. وتُعْلِنُ أَنَّ الحُبَّ الَّذِي بُذِلَ مَرَّةً عَلَى الصَّلِيبِ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ مَصْدَرَ حَيَاةٍ وَفِدَاءٍوَبِهٰذَا، لَا يَعُودُ المَجْدُ نَقِيضًا لِلصَّلِيبِ، بَلْ اكْتِمَالًا لَهُ، وَلَا تَعُودُ القِيَامَةُ إِلْغَاءً لِلآلَامِ، بَلْ تَحْوِيلًا لَهَا إِلَى حُضُورٍ مُحِبٍّ وَخَلَّاقٍ لَا يَزُولُ. 

أَمَّا عِبَارَةُ فَفَرِحَ التَّلَامِيذُ فَتُعَبِّرُ عَنْ الفَرَحِ الفِصْحِيِّ النَّاتِجِ عَنْ لِقَاءِ المَسِيحِ القَائِمِ، وَهُوَ إِتْمَامٌ لِوَعْدِ يَسُوعَ: سَأَعُودُ فَأَرَاكُمْ، فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ (يُوحَنَّا 16: 22). فَمُشَاهَدَتُهُمْ لَهُ أَحْيَتْ رَجَاءَهُمْ، وَبَدَّدَتْ شُكُوكَهُمْ وَمَخَاوِفَهُمْوَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قَائِلًا: إِنَّ مَا وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ قَبْلَ الصَّلِيبِ قَدْ تَحَقَّقَ الآنَ عَمَلِيًّا، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ فَرَحًا، وَانْتَقَلُوا مِنَ الخَوْفِ إِلَى الإِيمَانِ (يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي، عِظَةُ أَحَدِ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، 2001)إِنَّ هٰذَا الفَرَحَ، مِثْلَ السَّلَامِ، هُوَ مِنْ ثِمَارِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَعَلَامَةٌ عَلَى حُضُورِ مَلَكُوتِ اللهِ: فَلَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ القُدُسِ (رُومِيَة 14: 17). 

أَمَّا عِبَارَةُ لِمُشَاهَدَتِهِمُ الرَّبَّ فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ لِقَاءَ المَسِيحِ القَائِمِ هُوَ مَصْدَرُ الفَرَحِ الحَقِيقِيِّ. فَإِذَا كَانَتْ مُشَاهَدَتُهُ عَلَى الأَرْضِ تُفْرِحُ القُلُوبَ، فَكَمْ بِالحَرِيِّ تَكُونُ رُؤْيَتُهُ فِي المَجْدِ، حَيْثُ يَتِمُّ الوَعْدُ: لِيَكُونَ فِيكُمْ فَرَحِي، وَيَكْمُلَ فَرَحُكُمْ (يُوحَنَّا 15: 11)وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ جِرَاحَاتِ المَسِيحِ لَيْسَتْ عَارًا، بَلْ مَصْدَرَ نِعْمَةٍ؛ وَأَنَّ لِقَاءَهُ لَيْسَ ذِكْرَى، بَلْ حَضُورٌ يُحَوِّلُ الإِنْسَانَ مِنَ الخَوْفِ إِلَى الفَرَحِ، وَمِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِ. 

  21 “فَقَالَ لَهُمْ ثَانِيَةً: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ، أُرْسِلُكُمْ أَنَا أَيْضًا”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “ثَانِيَةً” إِلَى تَأْكِيدِ عَطِيَّةِ السَّلَامِ، لَيْسَ كَتَكْرَارٍ لَفْظِيٍّ فَقَط، بَلْ كَتَثْبِيتٍ رُوحِيٍّ يُؤَهِّلُ التَّلَامِيذَ لِلشَّهَادَةِ لِقِيَامَةِ المَسِيحِ فِي العَالَمِ. فَالسَّلَامُ الَّذِي يَهَبُهُ الرَّبُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَعْزِيَةٍ، بَلْ قُوَّةٌ دَاخِلِيَّةٌ تَجْعَلُهُمْ قَادِرِينَ عَلَى الرِّسَالَةِ. 

أَمَّا قَوْلُهُ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ!” فَيُشِيرُ إِلَى سَلَامِ القِيَامَةِ، السَّلَامِ الَّذِي حَمَلَهُ يَسُوعُ كَثَمَرَةٍ لِانْتِصَارِهِ عَلَى الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ. وَهٰذَا هُوَ السَّلَامُ الَّذِي وَعَدَ بِهِ تَلَامِيذَهُ قَبْلَ الآلَامِ: “سَتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ… لٰكِنَّ حُزْنَكُمْ سَيَنْقَلِبُ فَرَحًا” (يُوحَنَّا 16: 20)، وَهُوَ أَيْضًا السَّلَامُ الَّذِي “لَا يُعْطَى كَمَا يُعْطِي العَالَمُ”(يُوحَنَّا 14: 27)، بَلْ هُوَ “سَلَامُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ إِدْرَاكٍ” (فِيلِبِّي 4: 7). وَلَا يَهْدِفُ هٰذَا السَّلَامُ فَقَط إِلَى تَبْدِيدِ خَوْفِ التَّلَامِيذِ، بَلْ إِلَى إِعْدَادِهِمْ لِلرِّسَالَةِ، لِيَتَشَجَّعُوا وَيَتَقَوَّوْا فِي مُهِمَّتِهِمُ المُسْتَقْبَلِيَّةِ. فَالسَّلَامُ هُنَا يُصْبِحُ أَسَاسًا لِلإِرْسَالِ. وَهٰكَذَا يُطْرَحُ عَلَى المُؤْمِنِ سُؤَالٌ جَوْهَرِيٌّ: هَلْ نُدْرِكُ أَهَمِّيَّةَ السَّلَامِ البَاطِنِ فِي حَيَاتِنَا؟ وَهَلْ نَسْعَى لِحِفْظِهِ كَشَرْطٍ لِلشَّهَادَةِ؟ 

أَمَّا أَدَاةُ “كَمَا” (καθὼς) فَتُشِيرُ إِلَى عِلَاقَةٍ عَمِيقَةٍ بَيْنَ إِرْسَالِ الآبِ لِلِابْنِ وَإِرْسَالِ الِابْنِ لِلتَّلَامِيذِ. فَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّشَابُهِ فَقَط، بَلْ عَلَى المُشَارَكَةِ فِي نَفْسِ الحَرَكَةِ الخَلَاصِيَّةِ. كَمَا أَنَّهَا تَكْشِفُ عَنْ دُخُولِ التَّلَامِيذِ فِي أُلْفَةِ الحَيَاةِ الثَّالُوثِيَّةِ، إِذْ يُصْبِحُونَ شُرَكَاءَ فِي رِسَالَةِ الِابْنِ. 

وَتُفَسِّرُ عِبَارَةُ “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ” هُوِيَّةَ يَسُوعَ كَرَسُولِ الآبِ لِإِتْمَامِ عَمَلِ الفِدَاءِ، كَمَا يَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: “تَأَمَّلُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ يَسُوعَ” (عِبْرَانِيِّينَ 3: 1). فَالمَسِيحُ هُوَ المُرْسَلُ الأَوَّلُ، وَمِثَالُ كُلِّ إِرْسَالٍ. 

أَمَّا قَوْلُهُ: “أُرْسِلُكُمْ أَنَا أَيْضًا” فَيُشِيرُ إِلَى إِرْسَالِ التَّلَامِيذِ لِلتَّبْشِيرِ بِبِشَارَةِ القِيَامَةِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ نَابِعَةٌ مِنْ حَدَثِ الفِصْحِ نَفْسِهِ. وَقَدْ أَكَّدَ يَسُوعُ هٰذِهِ الرِّسَالَةَ قَبْلَ صُعُودِهِ: “اِذْهَبُوا إِلَى العَالَمِ كُلِّهِ، وَأَعْلِنُوا البِشَارَةَ إِلَى الخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مَرْقُس 16: 15)، وَ”بِاسْمِهِ تُنَادَى التَّوْبَةُ وَغُفْرَانُ الخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ” (لُوقَا 24: 47). وَيُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هٰذَا البُعْدِ الرِّسَالِيِّ قَائِلًا: “نَحْنُ سُفَرَاءُ عَنِ المَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا” (2 قُورِنْتُس 5: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ قَائِلًا: “كَمَا أُرْسِلَ الِابْنُ لِخَلَاصِ العَالَمِ، هٰكَذَا يُرْسَلُ التَّلَامِيذُ لِيُعْلِنُوا هٰذَا الخَلَاصَ”(كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيّ، تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، كِتَاب 12(PG 74: 708).. وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا القَوْلُ أَنَّ السَّلَامَ وَالإِرْسَالَ مُتَلَازِمَانِ: فَمَنْ نَالَ سَلَامَ المَسِيحِ، يُدْعَى أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى العَالَمِ. فَالكَنِيسَةُ لَيْسَتْ جَمَاعَةً مُنْغَلِقَةً عَلَى ذَاتِهَا، بَلْ جَمَاعَةٌ مُرْسَلَةٌ، تَعِيشُ مِنْ سَلَامِ القِيَامَةِ وَتُبَشِّرُ بِهِ. 

22 “قَالَ هٰذَا وَنَفَخَ فِيهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا الرُّوحَ القُدُسَ”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “قَالَ هٰذَا” إِلَى فِعْلٍ خَلَاصِيٍّ حَاسِمٍ تَمَّ الإِعْدَادُ لَهُ فِيمَا سَبَقَ، إِذْ يَنْتَقِلُ المَسِيحُ مِنَ الإِعْلَانِ إِلَى المَنْحِ، وَمِنَ الوَعْدِ إِلَى التَّحْقِيقِ. 

أَمَّا فِعْلُ “نَفَخَ فِيهِمْ (ἐνεφύσησεν، مِنْ ἐμφυσάω) فَيَحْمِلُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، يُعِيدُنَا إِلَى مَشْهَدِ الخَلْقِ الأَوَّلِ: “جَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ الإِنْسَانَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ، فَصَارَ الإِنْسَانُ نَفْسًا حَيَّةً” (تَكْوِين 2: 7). فَكَمَا نَفَخَ اللهُ فِي البَدْءِ نَسَمَةَ الحَيَاةِ، هٰكَذَا يَنْفُخُ المَسِيحُ القَائِمُ نَسَمَةَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ، مُعْلِنًا بَدْءَ خَلِيقَةٍ جَدِيدَةٍ فِي قِيَامَتِهِ. وَهٰكَذَا يَتَحَقَّقُ مَا يَقُولُهُ الرَّسُولُ: “اللهُ الَّذِي يُحْيِي الأَمْوَاتَ، وَيَدْعُو إِلَى الوُجُودِ غَيْرَ المَوْجُودِ” (رُومِيَة 4: 17). 

إِنَّ هٰذِهِ “النَّفْخَةَ” لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَمْزٍ، بَلْ هِيَ فِعْلُ خَلْقٍ جَدِيدٍ، يُحَوِّلُ التَّلَامِيذَ إِلَى خَلِيقَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، وَيُدَشِّنُ زَمَنَ الفِصْحِ كَبِدَايَةٍ لِعَالَمٍ جَدِيدٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرِينِئُوس قَائِلًا: “كَمَا نَفَخَ اللهُ رُوحَهُ فِي الإِنْسَانِ فِي البَدْءِ، هٰكَذَا أَعْطَى الرُّوحَ لِلكَنِيسَةِ؛ فَحَيْثُ الكَنِيسَةُ، هُنَاكَ أَيْضًا رُوحُ اللهِ”(إِيرِينِئُوس، ضِدَّ الهِرَطَقَات، 3، 24، 1 (PG 7: 966)..  

أَمَّا قَوْلُهُ: “خُذُوا” فَيُشِيرُ إِلَى مَنْحِ عَطِيَّةٍ إِلَهِيَّةٍ، إِذْ يَلِيقُ بِالمُرْسِلِ أَنْ يُعْطِي قُوَّةً لِمَنْ يُرْسِلُهُمْ. فَيَسُوعُ لَا يُرْسِلُ تَلَامِيذَهُ فَارِغِينَ، بَلْ يُجَهِّزُهُمْ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهٰذَا العَطَاءُ هُنَا هُوَ عَرَبُونٌ وَتَهْيِئَةٌ لِلإِمْتِلَاءِ الكَامِلِ يَوْمَ العَنْصَرَةِ، حَيْثُ “امْتَلَأُوا جَمِيعًا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ” (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 4). 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “الرُّوحَ القُدُسَ” إِلَى الأُقْنُومِ الثَّالِثِ فِي الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ، رُوحِ اللهِ المُحْيِي وَالمُقَدِّسِ. فَهُوَ “رُوحٌ” لأَنَّهُ مَصْدَرُ الحَيَاةِ، وَ”قُدُوسٌ” لأَنَّهُ يُقَدِّسُ المُؤْمِنِينَ وَيُطَهِّرُهُمْ مِنَ الخَطِيئَةِ. وَبِهِ يَنْتَقِلُ الإِنْسَانُ مِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ: “شَرِيعَةُ الرُّوحِ الَّذِي يَهَبُ الحَيَاةَ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ، قَدْ حَرَّرَتْنِي مِنْ شَرِيعَةِ الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ” (رُومِيَة 8: 2). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ أَيْضًا قُوَّةُ الشَّهَادَةِ وَالرِّسَالَةِ، كَمَا وَعَدَ يَسُوعُ: “مَتَى جَاءَ المُؤَيِّدُ… رُوحُ الحَقِّ المُنْبَثِقُ مِنَ الآبِ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي، وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَشْهَدُونَ” (يُوحَنَّا 15: 26-27). فَبِهِ يَصِيرُ التَّلَامِيذُ شُهُودًا لِلْمَسِيحِ، وَحَمَلَةً لِبِشَارَةِ الخَلَاصِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي قَائِلًا: “إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ، الَّذِي هُوَ فِي ذَاتِ اللهِ أُقْنُومٌ وَهَبَةٌ، قَدْ مُنِحَ لِلتَّلَامِيذِ وَلِلكَنِيسَةِ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ، وَمِنْ خِلَالِهِمْ لِلبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا (يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي، الرَّبُّ وَوَاهِبُ الحَيَاة، رَقْم 23.). وَهٰكَذَا، تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَنْ لَحْظَةٍ تَأْسِيسِيَّةٍ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ: فَالمَسِيحُ القَائِمُ يُعْطِي رُوحَهُ، لِيَخْلُقَ إِنْسَانًا جَدِيدًا، وَيُؤَسِّسَ جَمَاعَةً جَدِيدَةً، وَيُطْلِقَ رِسَالَةً جَدِيدَةً فِي العَالَمِ.   

23 “مَنْ غَفَرْتُمْ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ تُغْفَرُ لَهُمْ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ عَلَيْهِمُ الغُفْرَانَ يُمْسَكُ عَلَيْهِمْ”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “مَنْ غَفَرْتُمْ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ تُغْفَرُ لَهُمْ” إِلَى السُّلْطَانِ الَّذِي يَمْنَحُهُ المَسِيحُ القَائِمُ لِكَنِيسَتِهِ لِمَغْفِرَةِ الخَطَايَا، وَهُوَ سُلْطَانٌ كَانَ مَوْضِعَ تَشْكِيكٍ عِنْدَ الكَتَبَةِ، كَمَا فِي شِفَاءِ المُقْعَدِ: “مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ؟” (مَتَّى 9: 3). لٰكِنَّ يَسُوعَ يُظْهِرُ هُنَا أَنَّ هٰذَا السُّلْطَانَ الإِلَهِيَّ يُشَارَكُ فِيهِ رُسُلُهُ، لَا بِقُوَّتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ بِفِعْلِ الرُّوحِ القُدُسِ. فَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَغْفِرُ (إِشَعْيَاء 43: 25)، لٰكِنَّهُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ أَدَاةً لِعَمَلِهِ الخَلَاصِيِّ.  وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوس ذٰلِكَ قَائِلًا: “إِنَّ الخَطَايَا تُغْفَرُ بِالرُّوحِ القُدُسِ، أَمَّا البَشَرُ فَيُقَدِّمُونَ خِدْمَتَهُمْ؛ إِنَّهُمْ لَا يَغْفِرُونَ بِاسْمِهِمْ، بَلْ بِاسْمِ الآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. الخِدْمَةُ مِنَ الإِنْسَانِ، أَمَّا العَطِيَّةُ فَمِنَ اللهِ (أَمْبْرُوسِيُوس، عَنِ الرُّوحِ القُدُسِ، 3، 18، 137 PL 16: 808)).  وَبِهٰذَا، يَتَجَلَّى أَنَّ سِرَّ المَغْفِرَةِ هُوَ عَطِيَّةٌ فِصْحِيَّةٌ، نَابِعَةٌ مِنْ ذَبِيحَةِ المَسِيحِ، وَمُعْطَاةٌ لِلكَنِيسَةِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَقَدْ أَكَّدَ لُوقَا هٰذَا البُعْدَ قَائِلًا: يُعْلَنُ بِاسْمِهِ التَّوْبَةُ وَغُفْرَانُ الخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ (لُوقَا 24: 47)وَيُعَلِّقُ البَابَا فَرَنْسِيس قَائِلًا: إِنَّ مَغْفِرَةَ الخَطَايَا لَيْسَتْ أَمْرًا يُمْكِنُ أَنْ نُعْطِيَهُ لأَنْفُسِنَا، بَلْ نَطْلُبُهَا مِنَ المَسِيحِ؛ إِنَّهَا عَطِيَّةٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ تَنْبَعُ مِنْ قَلْبِ المَسِيحِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ”(فَرَنْسِيس، تَعْلِيمَاتٌ عَنْ سِرِّ المُصَالَحَةِ).  

أَمَّا عِبَارَةُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ عَلَيْهِمُ الغُفْرَانَ يُمْسَكُ عَلَيْهِمْ فَتُشِيرُ إِلَى وَجْهِ السُّلْطَانِ الآخَرِ، أَيْ التَّمْيِيزِ الرُّوحِيِّ. فَالغُفْرَانُ لَيْسَ عَمَلًا آلِيًّا، بَلْ مُرْتَبِطٌ بِالتَّوْبَةِ وَقَبُولِ النِّعْمَةِ. فَمَنْ يَرْفُضُ المَسِيحَ وَيُصِرُّ عَلَى خَطِيئَتِهِ، يَبْقَى فِي حَالَةِ عَدَمِ الغُفْرَانِ، لَا لأَنَّ اللهَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَ، بَلْ لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَقْبَلُ هٰذِهِ العَطِيَّةَوَيَرْتَبِطُ هٰذَا السُّلْطَانُ بِسُلْطَانِ الحَلِّ وَالرَّبْطِ” الَّذِي مَنَحَهُ المَسِيحُ لِرُسُلِهِ: مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَمَا حَلَلْتُمْ فِي الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ (مَتَّى 18: 18)وَفِي التَّقْلِيدِ الكَاثُولِيكِيِّ، يُفْهَمُ هٰذَا السُّلْطَانُ عَلَى أَنَّهُ مُعْطًى بِشَكْلٍ خَاصٍّ لِلرُّسُلِ وَخُلَفَائِهِمْ، أَيْ لِلْخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ، حَيْثُ يَعْمَلُ الكَاهِنُ فِي شَخْصِ المَسِيحِ” (in persona Christi)، وَيُمَارِسُ سِرَّ المُصَالَحَةِ كَوَكِيلٍ لِنِعْمَةِ اللهِ. فَهُوَ لَا يُمَثِّلُ المَسِيحَ فَقَط، بَلْ أَيْضًا الكَنِيسَةَ الَّتِي تَتَصَالَحُ مَعَ أَبْنَائِهَا وَتُرَافِقُهُمْ فِي مَسِيرَةِ التَّوْبَةِأَمَّا فِي بَعْضِ التَّقَالِيدِ الأُخْرَى، فَيُفْهَمُ هٰذَا السُّلْطَانُ كَإِعْلَانٍ لِبِشَارَةِ المَغْفِرَةِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ، كَمَا يَقُولُ بُطْرُسُ: كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الخَطَايَا (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 43)وَهٰكَذَا، فَإِنَّ سِرَّ التَّوْبَةِ وَالمُصَالَحَةِ يَنْبَعُ مُبَاشَرَةً مِنَ السِّرِّ الفِصْحِيِّ: مِنْ مَوْتِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ. وَفِيهِ يَفْرَحُ اللهُ بِعَوْدَةِ الخَاطِئِ، كَمَا فِي مَثَلِ الابْنِ الضَّالِّ (لُوقَا 15: 11-32)وَبِهٰذَا، تُعْلِنُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ القِيَامَةَ لَيْسَتْ حَدَثًا مَاضِيًا فَقَط، بَلْ قُوَّةً حَيَّةً تَعْمَلُ فِي الكَنِيسَةِ، مُحَقِّقَةً الغُفْرَانَ وَالمُصَالَحَةَ وَالحَيَاةَ الجَدِيدَةَ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. 

24 “عَلَى أَنَّ تُوما، أَحَدَ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَيُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ“. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ تُوما إِلَى اسْمٍ آراميٍّ (תוֹמָא) يَعْنِي تَوْأَمًا، وَيُتَرْجَمُ فِي اليُونَانِيَّةِ بِـ Δίδυμος. وَيُظْهِرُ الإِنْجِيلُ شَخْصِيَّةً مُمَيَّزَةً لِهٰذَا الرَّسُولِ، إِذْ يَجْمَعُ بَيْنَ الحُبِّ الصَّادِقِ وَالْمَيْلِ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّشَكُّكِ. فَهُوَ الَّذِي قَالَ بِجُرْأَةٍ وَأَمَانَةٍ: فَلْنَمْضِ نَحْنُ أَيْضًا لِنَمُوتَ مَعَهُ (يُوحَنَّا 11: 16)، مُعَبِّرًا عَنْ تَعَلُّقِهِ بِالمَسِيحِ حَتَّى المَوْتِ، وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيُظْهِرُ لاحِقًا صُعُوبَةً فِي الإِيمَانِ بِشَهَادَةِ الجَمَاعَةِوَقَدْ كَانَ تُوما أَحَدَ الاثْنَيْ عَشَرَ (مَتَّى 10: 3)، وَلَهُ دَوْرٌ لَاهُوتِيٌّ بَارِزٌ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، إِذْ يُمَثِّلُ الإِنْسَانَ الَّذِي يَسْعَى إِلَى الإِيمَانِ مِنْ خِلَالِ التَّسَاؤُلِ وَالبَحْثِ.  وَسَيَتَحَوَّلُ شَكُّهُ إِلَى أَعْلَى إِعْلَانٍ إِيمَانِيٍّ فِي الإِنْجِيلِ: رَبِّي وَإِلٰهِي (يُوحَنَّا 20: 28)وَكَانَ تُوما مَعَ التَّلَامِيذِ فِي ظُهُورِ المَسِيحِ عَلَى شَاطِئِ بَحْرِ طِبَرِيَّةَ (يُوحَنَّا 21: 2)، وَمَعَهُمْ أَيْضًا بَعْدَ الصُّعُودِ فِي العُلِّيَّةِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 1: 13)، مِمَّا يُظْهِرُ انْتِمَاءَهُ الثَّابِتَ إِلَى الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِوَحَسَبَ التَّقْلِيدِ الكَنَسِيِّ، بَشَّرَ تُوما فِي الشَّرْقِ، خُصُوصًا فِي بِلَادِ فَارِسَ وَالهِنْدِ، حَيْثُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ تَأْسِيسُ جَمَاعَاتٍ مَسِيحِيَّةٍ فِي مَنْطِقَةِ مَلَابَار. وَتُحَافِظُ بَعْضُ الكَنَائِسِ السُّرْيَانِيَّةِ هُنَاكَ عَلَى هٰذَا التُّرَاثِ الرَّسُولِيِّ. وَيُقَالُ إِنَّهُ اسْتُشْهِدَ فِي الهِنْدِ، وَأَنَّ ذِكْرَاهُ بَقِيَتْ حَيَّةً فِي مَوَاقِعَ تُنْسَبُ إِلَيْهِ، مِثْلَ جَبَلِ القِدِّيسِ تُوما قُرْبَ مَدْرَاس (تشيناي حاليًا). أَمَّا رُفَاتُهُ، فَتُنْسَبُ تَقْلِيدِيًّا إِلَى الرُّهَا (أُورْفَا)، ثُمَّ نُقِلَتْ لَاحِقًا إِلَى أُورْتُونَا فِي إِيطَالِيَا فِي القُرُونِ الوُسْطَىأَمَّا فِيمَا يَخُصُّ إِنْجِيلَ تُوما” الأَبُوكْرِيفِيَّ، الَّذِي اكْتُشِفَ ضِمْنَ مَخْطُوطَاتِ نَجْعِ حَمَّادِي (1945)، فَالإِجْمَاعُ العِلْمِيُّ يَعْتَبِرُهُ نَصًّا غُنُوصِيًّا مُتَأَخِّرًا، لَا يَعُودُ إِلَى الرَّسُولِ تُوما، بَلْ يَعْكِسُ فِكْرًا لَاهُوتِيًّا غَرِيبًا عَنِ التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ. 

أَمَّا عِبَارَةُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ فَتَحْمِلُ بُعْدًا رُوحِيًّا عَمِيقًا: فَغِيَابُ تُوما عَنِ الجَمَاعَةِ حَرَمَهُ مِنَ اللِّقَاءِ الأَوَّلِ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ، وَمِنْ نَيْلِ سَلَامِهِ وَفَرَحِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوس الكَبِيرُ قَائِلًا: كَانَ بِتَدْبِيرٍ إِلَهِيٍّ أَنْ يَغِيبَ تُوما، لِكَيْ يَشُكَّ، وَبِشَكِّهِ يُثَبِّتُ إِيمَانَنَا” (غْرِيغُورِيُوس الكَبِير، عِظَاتٌ عَلَى الأَنَاجِيل، 26، 7 (PL 76: 1197). ). وَهٰكَذَا، لَا يَكُونُ غِيَابُ تُوما مُجَرَّدَ تَفْصِيلٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ طَرِيقًا لَاهُوتِيًّا يُمَهِّدُ لِظُهُورٍ جَدِيدٍ، وَيُحَوِّلُ الشَّكَّ إِلَى شَهَادَةٍ، وَالغِيَابَ إِلَى لِقَاءٍ أَعْمَقَ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ. 

25″ قَالَ لَهُ سَائِرُ التَّلَامِيذِ: رَأَيْنَا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ أَثَرَ المِسْمَارَيْنِ فِي يَدَيْهِ، وَأَضَعْ إِصْبَعِي فِي مَكَانِ المِسْمَارَيْنِ، وَيَدِي فِي جَنْبِهِ، لَنْ أُؤْمِنَ”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “قَالَ لَهُ سَائِرُ التَّلَامِيذِ” إِلَى شَهَادَةِ الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِإِقْنَاعِ تُوما. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمْ شُهُودُ عِيَانٍ، إِلَّا أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُفْرَضُ، بَلْ يُقْبَلُ بِحُرِّيَّةٍ. 

أَمَّا قَوْلُهُمْ: “رَأَيْنَا الرَّبَّ” (Ἑωράκαμεν، مِنْ ὁράω)، فَلَا يَعْنِي مُجَرَّدَ نَظَرٍ حِسِّيٍّ، بَلْ رُؤْيَةً وَاعِيَةً مُتَّحِدَةً بِالإِيمَانِ. إِنَّهَا رُؤْيَةٌ تُدْخِلُ الإِنْسَانَ فِي سِرِّ الحَضُورِ الإِلَهِيِّ. وَهٰذَا النَّوْعُ مِنَ “النَّظَرِ” يُذَكِّرُنَا بِالحَيَّةِ النُّحَاسِيَّةِ (عَدَد 21: 4-9)، حَيْثُ كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهَا عِلَّةَ حَيَاةٍ. فَهَلْ نَتَعَلَّمُ أَنْ نَرْفَعَ أَعْيُنَنَا لِنُعَايِنَ مَحَبَّةَ الآبِ فِي الابْنِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ؟ 

أَمَّا رَدُّ تُوما: “إِنْ لَمْ أُبْصِرْ… وَأَضَعْ إِصْبَعِي… وَيَدِي… لَنْ أُؤْمِنَ”، فَيُظْهِرُ وَضْعَ شُرُوطٍ لِلإِيمَانِ. فَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِالشَّهَادَةِ، بَلْ يَطْلُبُ خِبْرَةً شَخْصِيَّةً مُبَاشِرَةً: أَنْ “يُبْصِرَ” وَ”يَلْمَسَ”. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ طَبِيعَتِهِ الَّتِي تَمِيلُ إِلَى السُّؤَالِ وَالبَحْثِ (يُوحَنَّا 14: 5). إِنَّهُ لَا يَرْفُضُ الإِيمَانَ فِي جَوْهَرِهِ، بَلْ يَسْعَى إِلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ حِسِّيَّةٍ خَاصَّةٍ. وَيُعَلِّقُ الأُسْقُفُ بَاسِيلِيُوس السِّلُوقِيُّ قَائِلًا: أَغْلَقَ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمَاعِ شَهَادَةِ التَّلَامِيذِ، وَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ… فَأَطْلَقَ شَكَّهُ، آمِلًا أَنْ تَتَحَقَّقَ رَغْبَتُهُ” (بَاسِيلِيُوس السِّلُوقِيّ، عِظَات (PG 85: 452)..  

أَمَّا عِبَارَةُ جَنْبِهِ فَتُشِيرُ إِلَى الجَنْبِ المَطْعُونِ بِالحَرْبَةِ: طَعَنَهُ أَحَدُ الجُنُودِ فِي جَنْبِهِ، فَخَرَجَ لِلْوَقْتِ دَمٌ وَمَاءٌ (يُوحَنَّا 19: 34). وَهٰذَا يَرْبِطُ بَيْنَ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ، فَالجِرَاحَاتُ هِيَ عَيْنُهَا عَلامَاتُ المَجْدِ. 

أَمَّا قَوْلُهُ: لَنْ أُؤْمِنَ فَيُعَبِّرُ عَنْ رَفْضِ تُوما الاِكْتِفَاءَ بِشَهَادَةِ الآخَرِينَ. إِنَّهُ يُرِيدُ بُرْهَانًا حِسِّيًّا وَشَخْصِيًّا. وَبِهٰذَا يُمَثِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنِ اليَقِينِ، وَيَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدُودِ الحِسِّ وَالتَّجْرِبَةِوَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: شَكَّ تُوما لِكَيْ لَا نَشُكَّ نَحْنُ” (أوغسطينوس، عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، 121، 5PL 35: 1959).). فَشَكُّهُ لَمْ يَكُنْ نِهَايَةً، بَلْ طَرِيقًا إِلَى إِيمَانٍ أَعْمَقَوَهُنَا يَظْهَرُ البُعْدُ الإِيجَابِيُّ لِلشَّكِّ: فَإِذَا قَادَ إِلَى السُّؤَالِ، وَالسُّؤَالُ إِلَى الحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ يُصْبِحُ مَسَارًا لِنُضُوجِ الإِيمَانِ. أَمَّا إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى عِنَادٍ وَانْغِلَاقٍ، فَإِنَّهُ يُصْبِحُ عَائِقًا أَمَامَ النِّعْمَةِوَهٰكَذَا، فَإِنَّ تُوما لَا يُمَثِّلُ الرَّفْضَ، بَلْ الإِنْسَانَ فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ: مِنَ الشَّكِّ إِلَى اللِّقَاءِ، وَمِنَ الطَّلَبِ إِلَى الاِعْتِرَافِ، لِيَبْلُغَ أَخِيرًا إِلَى قِمَّةِ الإِيمَانِ فِي إِعْلَانِهِ: رَبِّي وَإِلٰهِي“.  

26 “وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، كَانَ التَّلَامِيذُ فِي البَيْتِ مَرَّةً أُخْرَى، وَكَانَ تُوما مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ، فَوَقَفَ بَيْنَهُمْ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ!”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ” إِلَى أُسْبُوعٍ كَامِلٍ حَسَبَ الاِصْطِلَاحِ اليَهُودِيِّ، أَيْ إِلَى الأَحَدِ التَّالِي، وَهُوَ “اليَوْمُ الثَّامِنُ” الَّذِي يَحْمِلُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، إِذْ يَدُلُّ عَلَى البِدَايَةِ الجَدِيدَةِ وَالحَيَاةِ الأُخْرَوِيَّةِ. فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ اِمْتِدَادٍ لِلزَّمَنِ، بَلْ دُخُولٌ فِي زَمَنِ القِيَامَةِ، زَمَنِ الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قَائِلًا: “لِمَاذَا لَمْ يَظْهَرِ الرَّبُّ لِتُوما فِي الحَالِ؟ لِكَيْ يَسْمَعَ مِنَ التَّلَامِيذِ، وَيَزْدَادَ شَوْقُهُ، فَيُصْبِحَ إِيمَانُهُ أَقْوَى” (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، 87، 1 PG 59: 472).). فَالتَّأْخِيرُ لَيْسَ إِهْمَالًا، بَلْ تَدْبِيرٌ إِلَهِيٌّ يُنَضِّجُ الإِيمَانَ. 

وَالرَّقْمُ “ثَمَانِيَةٌ” فِي الرَّمْزِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ يُشِيرُ إِلَى مَا بَعْدَ الزَّمَنِ، إِلَى الأَبَدِيَّةِ وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ. فَبَعْدَ “السَّبْعَةِ” الَّتِي تُمَثِّلُ كَمَالَ الخَلْقِ، يَأْتِي “الثَّامِنُ” كَعَلاَمَةٍ عَلَى تَجَدُّدِ الخَلِيقَةِ فِي المَسِيحِ. وَمِنْ هٰذَا المَنْظُورِ، يُصْبِحُ الأَحَدُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ “فِي البَيْتِ” (ἔσω، أَيْ “فِي الدَّاخِلِ”) فَتُشِيرُ إِلَى الجَمَاعَةِ المُجْتَمِعَةِ فِي العُلِّيَّةِ فِي أُورُشَلِيمَ، حَيْثُ يَتَجَلَّى حُضُورُ المَسِيحِ فِي وَسَطِ الكَنِيسَةِ المُجْتَمِعَةِ. فَالمَكَانُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ إِطَارٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ فَضَاءٌ كَنَسِيٌّ يَتَحَقَّقُ فِيهِ اللِّقَاءُ مَعَ الرَّبِّ القَائِمِ. 

وَتُبَيِّنُ عِبَارَةُ “وَكَانَ تُوما مَعَهُمْ” أَنَّ الَّذِي كَانَ غَائِبًا قَدْ عَادَ إِلَى الجَمَاعَةِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى بُعْدٌ رُوحِيٌّ عَمِيقٌ: فَاللِّقَاءُ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ يَتِمُّ فِي سِيَاقِ الجَمَاعَةِ. وَيُعَلِّقُ البَابَا فَرَنْسِيس قَائِلًا: “إِنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَتْرُكُ الَّذِي يَبْقَى فِي الخَلْفِ” (فَرَنْسِيس، تَأَمُّلَاتٌ فِي الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ). فَالمَسِيحُ يَنْتَظِرُ تُوما، وَلَا يَسْتَثْنِيهِ مِنْ لِقَائِهِ 

وَكَمَا فِي الظُّهُورِ الأَوَّلِ، “جَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ“، مُؤَكِّدًا أَنَّ جَسَدَهُ القَائِمَ لَا يَخْضَعُ لِقُيُودِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ هُوَ جَسَدٌ مُمَجَّدٌ. وَ”وَقَفَ بَيْنَهُمْ“، لِيَكُونَ مَرْكَزَ الجَمَاعَةِ وَمَصْدَرَ حَيَاتِهَاوَيُكَرِّرُ تَحِيَّتَهُ الفِصْحِيَّةَ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ!”، لِيُثَبِّتَ فِي قُلُوبِهِمْ عَطِيَّةَ القِيَامَةِ، وَيُعِيدَ مَا انْكَسَرَ بِسَبَبِ الخَوْفِ وَالشَّكِّ. فَهٰذَا السَّلَامُ لَيْسَ كَلِمَةً فَقَط، بَلْ حُضُورٌ يُجَدِّدُ الجَمَاعَةَ وَيُدْخِلُهَا فِي مِلْءِ الحَيَاةِ. وَهٰكَذَا، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ عَنْ حَقِيقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ: أَنَّ المَسِيحَ القَائِمَ يَعُودُ مِرَارًا إِلَى جَمَاعَتِهِ، لَا لِيُدِينَ ضَعْفَهَا، بَلْ لِيَحْمِلَهَا إِلَى كَمَالِ الإِيمَانِ، وَأَنْ يُحَوِّلَ شَكَّهَا إِلَى شَهَادَةٍ. 

27 “ثُمَّ قَالَ لِتُوما: هَاتِ إِصْبَعَكَ إِلَى هُنَا فَانْظُرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ فَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ كُنْ مُؤْمِنًا“. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ هَاتِ إِصْبَعَكَ إِلَى هُنَا فَانْظُرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ فَضَعْهَا فِي جَنْبِي إِلَى أَنَّ يَسُوعَ يَسْتَعْمِلُ نَفْسَ الأَلْفَاظِ الَّتِي سَبَقَ أَنْ وَضَعَهَا تُوما شَرْطًا لِإِيمَانِهِ، وَبِذٰلِكَ يُظْهِرُ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا جَرَى فِي غِيَابِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ غَائِبًا عَنْ خَفَايَا القُلُوبِ وَخَوَاطِرِ الإِنْسَانِ. فَالمَسِيحُ لَا يُجِيبُ تُوما بِالتَّوْبِيخِ، بَلْ بِالتَّنَازُلِ المُمْتَلِئِ حَنَانًا، وَيُقَدِّمُ لَهُ مَا طَلَبَهُ، لَا لِيُثَبِّتَ الشَّكَّ، بَلْ لِيَقُودَهُ إِلَى الإِيمَانِ. 

أَمَّا فِعْلُ فَانْظُرْ فِيُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ النَّظَرِ الحِسِّيِّ، بَلْ يَدْعُو إِلَى المُعَايَنَةِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الِاعْتِرَافِ. فَيَسُوعُ لَا يَكْشِفُ لِتُوما جِرَاحَاتِهِ كَدَلِيلٍ مَادِّيٍّ فَحَسْب، بَلْ كَمَدْخَلٍ إِلَى فَهْمِ سِرِّ شَخْصِهِ: إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي صُلِبَ وَمَاتَ، وَهُوَ الآنَ نَفْسُهُ القَائِمُ وَالمُمَجَّدُ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ قِيَامَتَهُ لَيْسَتْ ظُهُورًا شَبَحِيًّا أَوْ رُؤْيَا خَيَالِيَّةً، بَلْ قِيَامَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِذَاتِ الجَسَدِ الَّذِي تَأَلَّمَ، وَلٰكِنْ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ المَجْدَ وَعَدَمَ الفَسَادِوَهٰذَا مَا يُوَافِقُ قَوْلَ يَسُوعَ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا: أُنْظُرُوا إِلَى يَدَيَّ وَقَدَمَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. اِجُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي (لُوقَا 24: 39). فَالمَسِيحُ القَائِمُ لَيْسَ رُوحًا غَيْرَ مُتَجَسِّدٍ، بَلْ هُوَ الرَّبُّ القَائِمُ بِجَسَدٍ مُمَجَّدٍ، سَيُغَيِّرُ جَسَدَ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ (فِيلِبِّي 3: 21)، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ بُولُسُ جِسْمًا رُوحِيًّا” (1 قُورِنْتُس 15: 44). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس عَلَى هٰذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا إِنَّ القِيَامَةَ لَا تُلْغِي هُوِيَّةَ الجَسَدِ، بَلْ تُجَدِّدُهُ وَتُمَجِّدُهُ. فَالَّذِي يَقُومُ هُوَ الجَسَدُ عَيْنُهُ، لَا جَسَدٌ آخَرُ. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ إِظْهَارِ الجِرَاحَاتِ: فَهِيَ تُثْبِتُ الِاسْتِمْرَارِيَّةَ بَيْنَ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ هَاتِ يَدَكَ فَضَعْهَا فِي جَنْبِي فَتُشِيرُ إِلَى دَعْوَةِ تُوما إِلَى أَنْ يَدْخُلَ، لَا فِي الجُرْحِ المَادِّيِّ فَحَسْب، بَلْ فِي سِرِّ مَحَبَّةِ المَسِيحِ المَصْلُوبِ. فَالجَنْبُ المَطْعُونُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ وَالمَاءُ (يُوحَنَّا 19: 34) يَصِيرُ هُنَا مَوْضِعَ اللِّقَاءِ بَيْنَ الشَّكِّ وَالإِيمَانِ، وَبَيْنَ ضَعْفِ الإِنْسَانِ وَرَحْمَةِ اللهِ. وَإِذَا كَانَ يَسُوعُ قَدْ قَالَ لِمَرْيَمَ المَجْدَلِيَّةِ: لَا تَلْمِسِينِي (يُوحَنَّا 20: 17)، فَإِنَّهُ هُنَا يَدْعُو تُوما إِلَى لَمْسٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، لَمْسٍ يَعْبُرُ مِنَ المَحْسُوسِ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ الخَارِجِ إِلَى العُمْقِوَقَدْ أَشَارَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي إِلَى أَنَّ جِرَاحَاتِ يَسُوعَ البَاقِيَةَ بَعْدَ القِيَامَةِ، وَالمُمَجَّدَةَ فِي الجَسَدِ القَائِمِ، تَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، لِأَنَّهَا تَشْهَدُ أَنَّ اللهَ أَحَبَّ العَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الوَحِيدَ. كَمَا أَكَّدَ البَابَا فَرَنْسِيس أَنَّ تُوما، إِذْ لَمَسَ جِرَاحَاتِ يَسُوعَ، لَمْ يَلْمَسْ أَلَمًا فَقَط، بَلْ لَمَسَ مَحَبَّةَ اللهِ الَّتِي لَا حُدُودَ لَهَا، وَاكْتَشَفَ فِي جِرَاحَاتِ المَسِيحِ قُرْبَ اللهِ الحَنُونَ مِنْ هَشَاشَةِ الإِنْسَانِ. 

أَمَّا عِبَارَةُ وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ كُنْ مُؤْمِنًا فَتُشِيرُ إِلَى دَعْوَةٍ صَرِيحَةٍ إِلَى العُبُورِ مِنْ عَدَمِ الإِيمَانِ إِلَى الإِيمَانِ. فَيَسُوعُ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَقْبَلَ ضَعْفَ تُوما، بَلْ يَدْعُوهُ إِلَى تَحَوُّلٍ دَاخِلِيٍّ. إِنَّهُ يَدْعُوهُ أَلَّا يَبْقَى أَسِيرَ المَطَالِبِ الحِسِّيَّةِ، بَلْ أَنْ يَنْفَتِحَ عَلَى الإِيمَانِ الَّذِي تَصْنَعُهُ كَلِمَةُ المَسِيحِ وَحُضُورُهُفَالْمَسِيحُ يُرِيدُ أَنْ نَسْلُكَ بِالإِيمَانِ لَا بِالعِيَانِ فَقَط. وَمَنْ يَدْخُلُ فِي صَدَاقَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقَى عِنْدَ سَطْحِ الجِرَاحَاتِ، بَلْ يَعْبُرُ مِنْ خِلَالِهَا إِلَى سِرِّ المَحَبَّةِ وَالفِدَاءِ. وَهٰكَذَا فَإِنَّ تُوما يُمَثِّلُنَا جَمِيعًا فِي مَخَاوِفِنَا وَتَرَدُّدِنَا وَضَعْفِنَا، لٰكِنَّ الرَّبَّ لَا يَرْفُضُنَا بِسَبَبِ هَشَاشَتِنَا، بَلْ يَأْتِي إِلَيْنَا، وَيُعْطِينَا مِنَ البَرَاهِينِ مَا يَكْفِي لِكَيْ يَنْتَقِلَ قَلْبُنَا مِنَ الشَّكِّ إِلَى الثِّقَةِ، وَمِنَ التَّرَدُّدِ إِلَى الِاعْتِرَافِوَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوس الكَبِيرُ قَائِلًا: إِنَّ ذٰلِكَ التِّلْمِيذَ الشَّاكَّ، إِذْ لَمَسَ جِرَاحَ مُعَلِّمِهِ، شَفَى فِي نَفْسِهِ جُرْحَ شَكِّنَا” (غْرِيغُورِيُوس الكَبِير، عِظَاتٌ عَلَى الأَنَاجِيل، 26، 7 PL 76: 1197).). وَفِي هٰذَا المَعْنَى، أَعْطَى يَسُوعُ تُوما أَقْوَى البَرَاهِينِ، لَا لِأَجْلِ تُوما وَحْدَهُ، بَلْ لِأَجْلِنَا أَيْضًا، كَيْ لَا نَبْقَى أَسْرَى الشَّكِّ، بَلْ نَبْلُغَ إِلَى إِيمَانٍ حَيٍّ بِالمَسِيحِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ. 

28″أَجَابَهُ تُوما: رَبِّي وَإِلٰهِي!”. 

إِنَّ قَوْلَهُ “رَبِّي وَإِلٰهِي” لَيْسَ تَعْبِيرًا عَقَائِدِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ هُوَ اِعْتِرَافٌ شَخْصِيٌّ عَمِيقٌ، يَكْشِفُ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ عَلاقَةٌ حَيَّةٌ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالمَسِيحِ، وَلَيْسَ مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً فَقَط. فَلَمْ يَقُلْ تُوما “الرَّبُّ وَالإِلٰهُ”، بَلْ “رَبِّي وَإِلٰهِي”، مُعْلِنًا دُخُولَهُ فِي شَرِكَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ. وَاللاَّفِتُ أَنَّ تُوما، بَعْدَ أَنْ وَضَعَ شُرُوطًا حِسِّيَّةً لِلإِيمَانِ، لَمْ يَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى لَمْسِ الجِرَاحَاتِ. فَكَلِمَةُ يَسُوعَ وَحُضُورُهُ كَانَا كَافِيَيْنِ لِيُحَوِّلَا قَلْبَهُ وَيُنِيرَا عَقْلَهُ. وَفِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، اِنْتَقَلَ مِنْ أَقْصَى الشَّكِّ “لَنْ أُؤْمِنَ” إِلَى أَقْصَى الإِيمَانِ “رَبِّي وَإِلٰهِي”. وَيُعَبِّرُ هٰذَا الاِعْتِرَافُ عَنْ مِلْءِ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ، كَمَا يُعْلِنُهُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ هُوَ الرَّبُّ، لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (فِيلِبِّي 2: 11). فَتُوما لَا يَعْتَرِفُ بِسُلْطَانِ يَسُوعَ فَقَط، بَلْ بِأُلُوهِيَّتِهِ أَيْضًا، مُؤَكِّدًا أَنَّ الَّذِي قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ هُوَ اللهُ الظَّاهِرُ فِي الجَسَدِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “لَمَسَ الإِنْسَانَ، فَاعْتَرَفَ بِاللهِ” PL 35: 1959))، أَيْ إِنَّ تُوما رَأَى فِي الجَسَدِ المُمَجَّدِ مَا يَقُودُهُ إِلَى الإِيمَانِ بِاللَّاهُوتِ. فَالجِرَاحَاتُ الَّتِي رَآهَا لَمْ تَكُنْ عَائِقًا، بَلْ جِسْرًا إِلَى الاِعْتِرَافِ. وَبِهٰذَا، يُصْبِحُ تُوما نَمُوذَجًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ: فَالإِيمَانُ لَا يُلْغِي التَّسَاؤُلَ، بَلْ يُحَوِّلُهُ إِلَى لِقَاءٍ. وَكُلُّ مَنْ يَخْتَبِرُ قُوَّةَ القِيَامَةِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرَدِّدَ مَعَ تُوما: “رَبِّي وَإِلٰهِي”. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ يَتَأَسَّسُ عَلَى شَخْصِ المَسِيحِ القَائِمِ، الَّذِي مِنْهُ نَسْتَمِدُّ القُوَّةَ فِي وَجْهِ كُلِّ تَحَدٍّ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ: “فَمَنْ يَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ المَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ…؟” (رُومِيَة 8: 35). وَهٰكَذَا، بِهِبَةِ الإِيمَانِ، نُدْعَى أَنْ نُحَوِّلَ هٰذَا الاِعْتِرَافَ إِلَى حَيَاةٍ، فَلَا يَبْقَى مُجَرَّدَ قَوْلٍ، بَلْ يُصْبِحُ خِبْرَةً شَخْصِيَّةً نَعِيشُهَا كُلَّ يَوْمٍ: “يَسُوعُ رَبِّي وَإِلٰهِي”.  

تُعَدُّ هٰذِهِ الآية أَسْمَى إِعْلَانٍ إِيمَانِيٍّ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، إِذْ يُعْلِنُ تُوما، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، حَقِيقَةَ شَخْصِ يَسُوعَ: أَنَّهُ “الرَّبُّ” وَ”الإِلٰهُ”. وَيَحْمِلُ هٰذَا الاِعْتِرَافُ صَدًى عَمِيقًا لِصَلَوَاتِ العَهْدِ القَدِيمِ، خُصُوصًا فِي المَزَامِيرِ: “يَا رَبُّ إِلٰهِي” (مَزْمُور 35: 23)، حَيْثُ يُخَاطِبُ المُؤْمِنُ اللهَ بِعَلَاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ. وَهُنَا يُوَجِّهُ تُوما هٰذَا الاِعْتِرَافَ إِلَى يَسُوعَ، فَيُحَقِّقُ بِذٰلِكَ إِعْلَانَ الإِنْجِيلِ: “وَالكَلِمَةُ هُوَ اللهُ”(يُوحَنَّا 1: 1). 

29فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَلِأَنَّكَ رَأَيْتَنِي آمَنْتَ؟ طُوبَى لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَرَوْا”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَلِأَنَّكَ رَأَيْتَنِي آمَنْتَ؟” إِلَى نَوْعٍ مِنَ الإِيمَانِ المُرْتَبِطِ بِالمُعَايَنَةِ الحِسِّيَّةِ. فَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ ἑώρακά (مِنْ ὁράω) يَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ أَدَّتْ إِلَى الإِيمَانِ. وَهٰذَا هُوَ مَسَارُ تُوما: رَأَى فَآمَنَ. وَلٰكِنَّ يَسُوعَ يَكْشِفُ أَنَّ هٰذَا النَّوْعَ مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا، لَيْسَ هُوَ الأَكْمَلَ. فَكَثِيرُونَ طَلَبُوا الإِيمَانَ المُرْتَبِطَ بِالآيَاتِ وَالأَعَاجِيبِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ لِعَامِلِ المَلِكِ: “إِذَا لَمْ تَرَوْا الآيَاتِ وَالأَعَاجِيبَ لَا تُؤْمِنُونَ” (يُوحَنَّا 4: 48). وَفِعْلًا، آمَنَ التَّلَامِيذُ بِكَثِيرٍ مِمَّا رَأَوْهُ: فِي قَانَا الجَلِيلِ (يُوحَنَّا 2: 1-12)، وَفِي تَهْدِئَةِ العَاصِفَةِ (مَتَّى 8: 23-27)، وَفِي شِفَاءِ المَرْضَى وَإِقَامَةِ لَعَازَرَ (يُوحَنَّا 11: 1-44). إِلَّا أَنَّ هٰذَا النَّوْعَ مِنَ الإِيمَانِ يَبْقَى مَرْتَبِطًا بِالمَرْئِيِّ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي لِلإِيمَانِ، فَقَدْ “صَنَعَ يَسُوعُ آيَاتٍ كَثِيرَةً أَمَامَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ” (يُوحَنَّا 12: 37). وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَنْبَعُ مِنَ المُشَاهَدَةِ فَقَط، بَلْ مِنَ الاِنْفِتَاحِ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوس الكَبِيرُ قَائِلًا: “لَمْ يَقُلِ الرَّبُّ لِتُوما: لأَنَّكَ لَمَسْتَ آمَنْتَ، بَلْ لأَنَّكَ رَأَيْتَ؛ فَالرُّؤْيَةُ قَادَتْهُ إِلَى الإِيمَانِ” (غْرِيغُورِيُوس الكَبِير، عِظَاتٌ عَلَى الأَنَاجِيل، 26، 7 PL 76: 1197).).  وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ يَسُوعَ يَدْعُوهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ مُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ. 

أَمَّا قَوْلُهُ: “طُوبَى لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَرَوْا“، فَهُوَ تَطْوِيبٌ إِنْجِيلِيٌّ جَدِيدٌ، يُوَجَّهُ إِلَى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ الأَزْمِنَةِ، خُصُوصًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُعَايِنُوا المَسِيحَ حِسِّيًّا، وَلٰكِنَّهُمْ آمَنُوا بِشَهَادَةِ الرُّسُلِ. فَهٰذَا هُوَ الإِيمَانُ الكَنَسِيُّ: إِيمَانٌ يَقُومُ عَلَى الشَّهَادَةِ، لَا عَلَى المُعَايَنَةِ المُبَاشِرَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “آمَنَ تُوما لأَنَّهُ رَأَى، أَمَّا نَحْنُ فَنُؤْمِنُ دُونَ أَنْ نَرَى؛ وَهٰذَا أَعْظَمُ” PL 35: 1959)).  فَهُنَا يَرْتَقِي الإِيمَانُ مِنَ المَحْسُوسِ إِلَى الرُّوحِيِّ، وَمِنَ الدَّلِيلِ إِلَى الثِّقَةِإِنَّ هٰذِهِ الطُّوبَى تَدْعُونَا إِلَى إِيمَانٍ بِلَا شُرُوطٍ، إِيمَانٍ يَثِقُ بِالمَسِيحِ وَبِكَلِمَتِهِ، حَتَّى دُونَ طَلَبِ البَرَاهِينِ. فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى المَعْجِزَاتِ فَقَط، بَلْ إِلَى عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الرَّبِّ القَائِمِوَهٰكَذَا، يَنْتَقِلُ الإِنْجِيلُ مِنْ إِيمَانِ الرُّؤْيَةِ إِلَى إِيمَانِ الشَّهَادَةِ، وَمِنْ خِبْرَةِ تُوما الشَّخْصِيَّةِ إِلَى دَعْوَةٍ جَامِعَةٍ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ: أَنْ يُؤْمِنُوا، لَا بِمَا يَرَوْنَ، بَلْ بِمَا يُعْلَنُ لَهُمْ فِي المَسِيحِ. تُشِيرُ هذه التَّطْوِيبَةَ إِلَى مَرْكَزِيَّةِ الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ، سَوَاءٌ جَاءَ هٰذَا الإِيمَانُ عَبْرَ العِيَانِ أَمْ عَبْرَ السَّمَاعِ لِكَلِمَةِ الإِنْجِيلِ. إِلَّا أَنَّ التَّطْوِيبَةَ هُنَا لَا تَسْتَنِدُ إِلَى الرُّؤْيَةِ الحِسِّيَّةِ، بَلْ إِلَى الشَّهَادَةِ: شَهَادَةِ الَّذِينَ رَأَوْا وَآمَنُوا، أَيْ شَهَادَةِ الرُّسُلِ وَالكَنِيسَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّي هٰذِهِ التَّطْوِيبَةَ “التَّطْوِيبَةَ التَّاسِعَةَ”، إِذْ تَنْقُلُنَا مِنْ زَمَنِ العِيَانِ إِلَى زَمَنِ الإِيمَانِ. فَإِنْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ الجَسَدِيَّةُ أَسَاسًا لِإِيمَانِ تُوما، فَإِنَّ الإِيمَانَ اليَوْمَ يُصْبِحُ أَسَاسًا لِرُؤْيَةِ المَسِيحِ. وَهٰكَذَا يَتَحَقَّقُ قَوْلُ الرَّسُولِ بُولُسَ: الإِيمَانُ مِنَ السَّمَاعِ، وَالسَّمَاعُ يَكُونُ بِكَلِمَةِ المَسِيحِ (رُومِيَة 10: 17)إِنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَقُومُ عَلَى طَلَبِ البَرَاهِينِ الحِسِّيَّةِ، بَلْ عَلَى الثِّقَةِ بِكَلِمَةِ اللهِ وَبِشَهَادَةِ الآخَرِينَ. وَهٰذَا هُوَ الإِيمَانُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ القِدِّيسُ بُطْرُسُ: الَّذِي لَا تَرَوْنَهُ وَتُحِبُّونَهُ، وَإِلَى الآنَ لَمْ تَرَوْهُ وَتُؤْمِنُونَ بِهِ” (1 بُطْرُس 1: 8). وَبِذٰلِكَ، يَنْتَهِي زَمَنُ العِيَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَسُوعُ يَجُولُ فِي فِلَسْطِين، وَيَبْدَأُ زَمَنُ الإِيمَانِ، زَمَنُ الكَنِيسَةِ. فَالمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ العُصُورِ يَتَّصِلُونَ بِالمَسِيحِ القَائِمِ مِنْ خِلَالِ شَهَادَةِ شُهُودِ العِيَانِ، كَمَا يُعْلِنُ بُطْرُسُ: يَسُوعُ هٰذَا قَدْ أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لذلك” (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 32). 

وَيَدْعُونَا يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ ضِمْنًا إِلَى الإِيمَانِ بِشَهَادَتِهِ، إِذْ يَقُولُ: ذَاكَ الَّذِي كَانَ مُنْذُ البَدْءِ… الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا… وَلمَسَتْهُ أَيْدِينَا… نُبَشِّرُكُمْ بِهِ” (1 يُوحَنَّا 1: 1). فَالشَّهَادَةُ هِيَ الجِسْرُ الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ القِيَامَةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالإِيمَانِ الحَيِّ فِي الحَاضِرِ. وَيُؤَكِّدُ الإِنْجِيلُ هٰذَا البُعْدَ قَائِلًا: جَاءَ شَاهِدًا لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، فَيُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ (يُوحَنَّا 1: 7). فَالإِيمَانُ هُنَا هُوَ اِسْتِجَابَةٌ لِشَهَادَةٍ، لَا نَتِيجَةُ مُعَايَنَةٍ مُبَاشِرَةٍوَلٰكِنَّ الأَدِلَّةَ الحِسِّيَّةَ، مَهْمَا كَانَتْ قَوِيَّةً، لَا تَكْفِي لِإِيجَادِ الإِيمَانِ، كَمَا يُظْهِرُ مِثَالُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي آمَنَ رَاجِيًا عَلَى غَيْرِ رَجَاءٍ (رُومِيَة 4: 18)، وَحُسِبَ لَهُ ذٰلِكَ بِرًّا. فَالإِيمَانُ هُوَ ثِقَةٌ فِي اللهِ، وَتَسْلِيمٌ لِكَلِمَتِهِ، حَتَّى فِي غِيَابِ الرُّؤْيَةِ. 

وَمِنْ هُنَا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ اللِّقَاءَ مَعَ المَسِيحِ القَائِمِ يَتِمُّ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ. فَتُوما لَمْ يَلْتَقِ بِالرَّبِّ إِلَّا عِنْدَمَا عَادَ إِلَى جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ الخِبْرَةَ الإِيمَانِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الجَمَاعَةِ. وَكَمَا قَالَ أَحَدُ الآبَاءِ: لَا يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَخْلُصَ وَحْدَهُ“. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرِينِئُوس قَائِلًا: إِنَّ الكَنِيسَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْتَشِرَةً فِي العَالَمِ كُلِّهِ، تَحْفَظُ الإِيمَانَ بِوَحْدَةٍ، كَأَنَّهَا تَسْكُنُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَلَهَا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَرُوحٌ وَاحِدٌ (إِيرِينِئُوس، ضِدَّ الهِرَطَقَات، 1، 10، 2 PG 7: 552).). وَمِنْ هٰذَا المَنْطَلَقِ، فَإِنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ، القَائِمَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا عَلَى العِيَانِ، لَا يَقِلُّ عَنْ إِيمَانِ الرُّسُلِ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ يَتَّسِعُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الأَجْيَالِ 

وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ كَنِيسَةً بِلَا عَيْبٍ، فَإِنَّهُ يَبْقَى دُونَ كَنِيسَةٍ. وَهٰذَا مَا كَانَ يُرَدِّدُهُ اللَّاهُوتِيُّ الأَبُ ايف كنغار ( Yves Congar ) قَائِلًا: “إِنْ كُنَّا نَبْحَثُ عَنْ كَنِيسَةٍ مَعْصُومَةٍ مِنَ الهَفَوَاتِ لِنَلْتَزِمَهَا، فَلَنْ نَلْتَزِم”. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ صُعُوبَةِ إِيمَانِ تُوما بِالقِيَامَةِ، لَمْ يَنْفَصِلْ عَنِ الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ، بَلْ بَقِيَ فِيهَا، وَفِي هٰذَا البَقَاءِ وَجَدَ طَرِيقَهُ إِلَى الإِيمَانِ، حَتَّى أَعْلَنَ: “رَبِّي وَإِلٰهِي”. فَالإِيمَانُ لَا يُنْمَى فِي العُزْلَةِ، بَلْ فِي أَحْضَانِ الجَمَاعَةِ الَّتِي تَحْمِلُ شَهَادَةَ القِيَامَةِ. 

وَقَدْ سُئِلَ مَرَّةً عَالِمٌ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ وَالفَلَكِ: “هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الكَوْنَ لَا نِهَايَةَ لَهُ؟” فَأَجَابَ: “بِالتَّأْكِيد”. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا الَّذِي يُؤَكِّدُ لَكَ ذٰلِكَ؟ ” فَقَالَ: “لِأَنِّي أُؤْمِنُ وَأُصَدِّقُ مَا تَعَلَّمْتُهُ”. وَهٰكَذَا، فَالإِيمَانُ أَيْضًا لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعَايَنَةٍ، بَلْ ثِقَةٌ بِشَهَادَةٍ مُعْطَاةٍ وَمَقْبُولَةٍ. وَمِنْ خِلَالِ هٰذَا الإِيمَانِ، الَّذِي يُعَاشُ فِي الكَنِيسَةِ، يَدْخُلُ المُؤْمِنُونَ فِي اتِّحَادٍ حَيٍّ بِالمَسِيحِ القَائِمِ، كَمَا صَلَّى الرَّبُّ: “لِيَكُونُوا جَمِيعًا وَاحِدًا” (يُوحَنَّا 17: 20). فَالإِيمَانُ لَيْسَ فِكْرًا مُجَرَّدًا، بَلْ شَرِكَةٌ حَيَّةٌ تَرْبِطُ الإِنْسَانَ بِالمَسِيحِ وَبِجَسَدِهِ، أَيْ الكَنِيسَةِ. وَعَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُخْضِعَ حِكْمَتَهُ لِحِكْمَةِ اللهِ، وَأَنْ يَكْتَشِفَ الرَّبَّ مِنْ خِلَالِ العَلَامَاتِ الَّتِي يُعْطِيهَا هُوَ عَنْ حُضُورِهِ وَمَحَبَّتِهِ. فَهٰذَا هُوَ الإِيمَانُ المُسْتَحِقُّ الطُّوبَى، وَهُوَ المِفْتَاحُ لِلدُّخُولِ إِلَى أَعْمَاقِ سِرِّ المَسِيحِ. وَفِي ضَوْءِ هٰذَا كُلِّهِ، يَبْقَى السُّؤَالُ الرُّوحِيُّ مَفْتُوحًاهَلْ لَدَيْنَا إِيمَانٌ حَقِيقِيٌّ؟ هَلْ نَنْظُرُ إِلَى المَسِيحِ بِعُيُونِ الإِيمَانِ؟ هَلْ نُؤْمِنُ بِهِ مُخَلِّصًا وَرَبًّا لِحَيَاتِنَا؟ وَهَلْ نَجْرُؤُ أَنْ نَصْرُخَ، مَعَ تُوما وَفِي عُمْقِ قُلُوبِنَا: “رَبِّي وَإِلٰهِي”؟ وَهَلْ لَدَيْنَا ثِقَةٌ كَافِيَةٌ بِالرَّبِّ تَسْمَحُ لَنَا أَنْ نَفْتَحَ أَبْوَابَ قُلُوبِنَا لَهُ، وَأَنْ نُبَشِّرَ العَالَمَ بِأَعْظَمِ بُشْرَى: أَنَّ المَسِيحَ قَدْ قَامَ حَقًّا؟ 

30“وَأَتَى يَسُوعُ أَمَامَ التَّلَامِيذِ بِآيَاتٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ لَمْ تُكْتَبْ فِي هٰذَا الكِتَابِ”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَمَامَ التَّلَامِيذِ” إِلَى الدَّوْرِ المِحْوَرِيِّ لِلرُّسُلِ كَشُهُودِ عِيَانٍ. فَقَدِ اخْتَارَ يَسُوعُ الاثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، يَرَوْنَ أَعْمَالَهُ وَيَسْمَعُونَ تَعَالِيمَهُ، لَا لِأَجْلِهِمْ فَقَط، بَلْ لِأَجْلِ العَالَمِ كُلِّهِ. فَهُمْ الحَلَقَةُ الوَاصِلَةُ بَيْنَ الحَدَثِ التَّارِيخِيِّ وَالإِيمَانِ الكَنَسِيِّ، وَمِنْ خِلَالِ شَهَادَتِهِمْ يَصِلُ الإِنْجِيلُ إِلَى جَمِيعِ الأَجْيَالِ. 

أَمَّا كَلِمَةُ “آيَاتٍ” (σημεῖα)، وَمَا يُقَابِلُهَا فِي العِبْرِيَّةِ (אוֹתוֹת)، فَتَدُلُّ عَلَى أَفْعَالٍ خَارِقَةٍ لَيْسَتْ غَايَتُهَا الإِدْهَاشَ، بَلِ الإِشَارَةُ إِلَى حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ. فَالآيَةُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا هِيَ “عَلَامَةٌ” تَقُودُ إِلَى الإِيمَانِ، وَتَكْشِفُ عَنْ مَجْدِ اللهِ الحَاضِرِ فِي شَخْصِ يَسُوعَ. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُعْجِزَةٍ، بَلْ لُغَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ تُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ الحَيُّ. وَقَدِ اخْتَارَ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ سَبْعَ آيَاتٍ رَئِيسِيَّةٍ، لِتَكُونَ مِفْتَاحًا لِفَهْمِ سِرِّ المَسِيحِ، مِنْهَا: 

  • مُعْجِزَةُ الخَمْرِ فِي قَانَا الجَلِيلِ (يُوحَنَّا 2: 1-11)، حَيثُ “أَظهَرَ مَجدَهُ فَآمَنَ بِهِ تَلاميذُهُ”. 
  • شِفاءِ ابنِ مَوظَّفِ المَلِك (يُوحَنَّا 4: 46–54) حَيثُ “آمَنَ هُوَ وَبَيتُهُ كُلُّهُ”. 
  • شِفَاءُ المَقْعَدِ عِنْدَ بَرْكَةِ بَيْتِ حِسْدَا (يُوحَنَّا 5: 1-9)، فَيَكشِفُ سُلطانَ المَسيحِ كَواهِبٍ لِلحَياة. 
  • تَكثيرِ الأَرغِفَةِ وَالسَّمَكَتَين (يوُحَنَّا 6: 1–14)، يَسوعُ “خُبزُ الحَياة”، مُشيرًا إِلى سِرِّ الإِفخارستيا. 
  • المَشيُ عَلى الماء (يوُحَنَّا 6: 16–21) لِيُظهِرَ سُلطانَهُ عَلَى قُوى الطَّبيعَة، “أَنا هُو، لا تَخافوا”. 
  •  َشِفَاءُ الأَعْمَى (يُوحَنَّا 9: 1-38)، يَسوعُ نورُ العالَم، وانتقال مِن العَمى الجَسَديّ إِلى البَصيرَةِ الرُّوحيَّة. 
  • إِقَامَةُ لَعَازَرَ (يُوحَنَّا 11: 1-44). حَيثُ يُعلِنُ المَسيحُ: “أَنا القِيامَةُ وَالحَياة”، تَّمْهيدًا لِسِرِّ الصَّليبِ وَالقِيامَة. 

وَهٰذِهِ الآيَاتُ لَيْسَتْ سِرْدًا تَارِيخِيًّا شَامِلًا، بَلِ اخْتِيَارٌ لَاهُوتِيٌّ مُوَجَّهٌ، يَهْدِفُ إِلَى إِظْهَارِ مَجْدِ المَسِيحِ وَدَعْوَةِ الإِنْسَانِ إِلَى الإِيمَانِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس عَلَى هٰذِهِ الآياتِ قائِلًا “لَيسَت مُجرَّدَ أَفعالٍ، بَل هِيَ آيات” (PL 35, 1592)، مُشيرًا إِلى أَنَّها تَحمِلُ بُعدًا سِرِّيًّا يَتَجاوَزُ الحَدَثَ المَلموس. وَفي مَوضِعٍ آخَرَ يُؤَكِّدُ“شَيءٌ يُرى، وَآخَرُ يُفهَم” (PL 35, 1760) يُبرِزُ البُعدَ السِّرِّيَّ لِكُلِّ آيَة. وَبِذٰلِكَ، تَظهَرُ هٰذِهِ الآياتُ السَّبعُ كَمَسارٍ لاهوتيٍّ دِيناميّ:
مِن إِعلانِ المَجد إِلى دَعْوَةِ الإِيمان إِلى نَيلِ الحَياة. فَكُلُّ آيَةٍ لَيست نِهايَةً في ذاتِها، بَل عَتَبَةٌ إِلى لِقاءٍ أَعمَقَ مَعَ المَسيح، وَدَعْوَةٌ لِكُلِّ قارِئٍ أَن يَعبُرَ مِن مُشاهَدَةِ العَجائِب إِلى الإِيمانِ بِالشَّخص، أَي بِالمَسيحِ الحَيّ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ بِاسمِهِ. 

 أَمَّا عِبَارَةُ “آيَاتٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ” فَتُشِيرُ إِلَى غِنَى حَيَاةِ يَسُوعَ وَفَيْضِ أَعْمَالِهِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْصَى أَوْ تُدَوَّنَ بِالكَامِلِ. فَالإِنْجِيلُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ سَجَّلَ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ قَدَّمَ مَا هُوَ جَوْهَرِيٌّ لِلخَلاصِ 

وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: “لَمْ تُكْتَبْ فِي هٰذَا الكِتَابِ” يُظْهِرُ بُعْدًا مَنْهَجِيًّا عَمِيقًا: فَالْكَتَابَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ هِيَ اخْتِيَارٌ مُلْهِمٌ، لَيْسَ لِلتَّوْثِيقِ الشَّامِلِ، بَلْ لِلتَّقْدِيمِ الخَلَاصِيِّ. وَقَدْ أَكَّدَ يُوحَنَّا نَفْسُهُ هٰذَا فِي خَاتِمَةِ إِنْجِيلِهِ: “لَوْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، لَظَنَنْتُ أَنَّ العَالَمَ نَفْسَهُ لَا يَسَعُ الكُتُبَ المَكْتُوبَةَ” (يُوحَنَّا 21: 25). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ مَا كُتِبَ لَيْسَ نَاقِصًا، بَلْ كَافٍ. فَهُوَ يَحْمِلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ الإِنْسَانُ لِيُؤْمِنَ أَنَّ “يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ، ابْنُ اللهِ”، وَلِكَيْ “تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يُوحَنَّا 20: 31). وَمِنْ هُنَا، تَتَجَلَّى غَايَةُ الإِنْجِيلِ: لَيْسَ تَجْمِيعَ الأَحْدَاثِ، بَلْ قِيَادَةُ الإِنْسَانِ إِلَى الإِيمَانِ وَالحَيَاةِ. فَالإِنْجِيلُ كِتَابُ حَيَاةٍ، لَا كِتَابُ تَارِيخٍ فَقَط. وَهٰذَا يَدْعُونَا إِلَى قِرَاءَةِ الآيَاتِ، لَا كَعَجَائِبَ مَاضِيَةٍ، بَلْ كَعَلَامَاتٍ حَيَّةٍ تُرْشِدُنَا إِلَى المَسِيحِ الحَيِّ، الَّذِي يَدْعُونَا اليَوْمَ، كَمَا دَعَا التَّلَامِيذَ أَمْسِ، إِلَى الإِيمَانِ وَالحَيَاةِ فِيهِ. 

 31 “وَإِنَّمَا كُتِبَتْ هٰذِهِ لِتُؤْمِنُوا بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِتَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ الحَيَاةُ بِاسْمِهِ”. 

تُشِيرُ عِبَارَةُ “كُتِبَتْ هٰذِهِ لِتُؤْمِنُوا” إِلَى الغَايَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ الجَوْهَرِيَّةِ لِإِنْجِيلِ يُوحَنَّا، أَلَا وَهِيَ إِيقَاظُ الإِيمَانِ وَتَنْمِيَتُهُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. فَالْكِتَابَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَيْسَتْ سَرْدًا تَارِيخِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ عَمَلٌ خَلَاصِيٌّ يَهْدِفُ إِلَى إِدْخَالِ القَارِئِ فِي عَلاقَةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس، قَائِلًا: “لَمْ تُكْتَبْ هٰذِهِ الأُمُورُ لِتَعْلَمُوا فَقَط، بَلْ لِتُؤْمِنُوا، وَبِالإِيمَانِ تَحْيَوْا” (أُوغُسْطِينُس، عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، 121، 4PL 35: 1958).). أَمَّا مَضْمُونُ هٰذَا الإِيمَانِ فَيَتَجَلَّى فِي قَوْلِهِ: بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ. فَيَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، المَوْلُودُ مِنْ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، وَالمَصْلُوبُ وَالقَائِمُ، هُوَ عَيْنُهُ المَسِيَّا المُنْتَظَرُ الَّذِي تَنَبَّأَ عَنْهُ الأَنْبِيَاءُ، وَهُوَ ابْنُ اللهِ الأَزَلِيُّ. وَفِي هٰذَا الاِعْتِرَافِ يَتَحَقَّقُ مَا أَعْلَنَهُ بُطْرُسُ: أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيّ (مَتَّى 16: 16)، وَمَا أَكَّدَهُ بَدْءُ إِنْجِيلِ مَرْقُسَ: بَدْءُ بِشَارَةِ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ اللهِ (مَرْقُس 1: 1)وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيّ أَنَّ الاِعْتِرَافَ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ لَيْسَ كَلِمَةً فَقَط، بَلْ دُخُولٌ فِي سِرِّ الحَيَاةِ الَّتِي مِنَ اللهِ” (كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيّ، تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا (PG 73: 161). .   

أَمَّا قَوْلُهُ: وَلِتَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ الحَيَاةُ بِاسْمِهِ، فَيُشِيرُ إِلَى الثَّمَرَةِ المُبَاشِرَةِ لِلإِيمَانِ: الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. فَالإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَصْدِيقٍ عَقْلِيٍّ، بَلْ مَعْرِفَةٌ حَيَّةٌ وَشَرِكَةٌ عَمِيقَةٌ مَعَ المَسِيحِ، تُفْضِي إِلَى الحَيَاةِ. وَهٰذَا مَا يُعْلِنُهُ الإِنْجِيلُ: لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يُوحَنَّا 3: 16). 

وَيُشِيرُ الفِعْلُ آمَنْتُمْ” (πιστεύοντες) إِلَى إِيمَانٍ مُسْتَمِرٍّ، لَيْسَ لَحْظِيًّا، بَلْ مَسِيرَةً دَائِمَةً مِنَ الثِّقَةِ وَالتَّسْلِيمِ. فَالإِيمَانُ هُوَ قَبُولُ المَسِيحِ وَإِعْطَاؤُهُ السِّيَادَةَ عَلَى حَيَاةِ الإِنْسَانِ. 

أَمَّا الحَيَاةُ» فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فَهِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، أَيْ الحَيَاةُ الَّتِي تَنْبَعُ مِنَ الاتِّحَادِ بِالمَسِيحِ القَائِمِ. فَالإِيمَانُ هُوَ الشَّرْطُ، وَالحَيَاةُ هِيَ الثَّمَرَةُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرِينِئُوس، قَائِلًا: “مَجْدُ اللهِ هُوَ الإِنْسَانُ الحَيُّ، وَحَيَاةُ الإِنْسَانِ هِيَ رُؤْيَةُ اللهِ” (إِيرِينِئُوس، ضِدَّ الهِرَطَقَات، 4، 20، 7 PG 7: 1037).).  

أَمَّا عِبَارَةُ بِاسْمِهِ فَتَحْمِلُ بُعْدًا كِتَابِيًّا عَمِيقًا، إِذْ إِنَّ الاِسْمَ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ يُشِيرُ إِلَى الشَّخْصِ وَحُضُورِهِ الفَعَّالِ. فَاسْمُ يَسُوعَ هُوَ مَصْدَرُ الخَلاصِ، كَمَا أَعْلَنَ بُطْرُسُ: لَا خَلَاصَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 4: 12)وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم قَائِلًا: لَيْسَ الاِسْمُ هُنَا لَفْظًا، بَلْ قُوَّةً وَحُضُورًا وَعَمَلًا خَلَاصِيًّا” (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، عِظَات (PG 59: 120).. وَهٰكَذَا، فَإِنَّ غَايَةَ الإِنْجِيلِ تَتَلَخَّصُ فِي ثَلَاثِيَّةٍ خَلَاصِيَّة ٍالإِيمَانُ والمَسِيحُ والحَيَاةُفَمَا كُتِبَ لَيْسَ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ كُلَّ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الإِنْسَانُ، وَبِإِيمَانِهِ يَدْخُلَ فِي حَيَاةِ اللهِوَهٰكَذَا يُصْبِحُ الإِنْجِيلُ دَعْوَةً شَخْصِيَّةً لِكُلِّ إِنْسَانٍأَنْ يُؤْمِنَ، لِيَحْيَاوَأَنْ يَعْرِفَ المَسِيحَ، لِيَدْخُلَ فِي سِرِّ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. 

ثانيًا: تطبيقاتُ النَّصِّ الإنجيليّ (يُوحَنّا 20: 19–31) 

بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإنجيليّ (يُوحَنّا 20: 19–31)، يَتَبَيَّنُ أَنَّ مِحورَهُ اللاهوتيَّ يَدورُ حَولَ ظُهورِ المَسيحِ القائمِ مِن بَينِ الأمواتِ وَخَصائصِ هٰذا الظُّهور، الَّذي يُشَكِّلُ جِسرًا بَينَ التّاريخِ وَالإيمان، وَبَينَ العِيانِ وَالسِّرِّ. 

  1. مَفهومُ ظُهورِ المَسيحِ القائمِ مِن بَينِ الأموات 

يَجِبُ التَّمييزُ بَينَ “الظُّهور” (ἐμφάνεια / ὤφθη) وَ”الرُّؤيا”  (ὅρασις) فَالرُّؤيا تَركِّزُ على البُعدِ المَجديِّ وَتَكشِفُ أُمورًا سِرِّيَّةً سَماويَّةً في سِياقٍ رَمزيٍّ أَو نَبَويّ، أَمّا الظُّهورُ فَهُوَ فِعلٌ إِلهيٌّ يَجعلُ الكائِنَ غَيرَ المَنظورِ بِطَبعِهِ حاضِرًا حُضورًا مَلموسًا في التّاريخ، دونَ أَن يَفقِدَ طابِعَهُ السِّرِّيّ. 

وَأَقدَمُ شَهادَةٍ مَكتوبَةٍ لِظُهوراتِ المَسيحِ القائمِ يَقدِّمُها بولس الرسول في نَحوِ سَنَة 55م، مُستَنِدًا إِلى تَقليدٍ كَنَسيٍّ سابِقٍ، قائِلًا: تَراءى لِصَخرٍ، ثُمَّ لِلاِثنَي عَشَر، ثُمَّ تَراءى لأَكثَرَ مِن خَمسِمِئَةِ أَخٍ مَعًا… ثُمَّ تَراءى لِيَعقوب… ثُمَّ لِجَميعِ الرُّسُل، وَآخِرَ الكُلِّ تَراءى لي أَنا أَيضًا” (1 قور 15: 5–8). تُظهِرُ هٰذِهِ الصِّيغَةُ الإيمانيَّةُ القَديمَةُ أَنَّ الظُّهوراتِ لَم تَكُن خِبراتٍ فَرديَّةً مَنعَزِلَة، بَل أَحداثًا كَنَسيَّةً مُتَعَدِّدَةَ الشُّهود. 

أَمَّا الأناجيلُ، فَتَذكُرُ بَعضَ هٰذِهِ الظُّهوراتِ وَتُعيدُ صِياغَتَها لاهوتيًّا: ظُهورُهُ لِسِمعانَ بُطرُس (لو 24: 34)، وَلِلجَماعَةِ الرُّسوليَّةِ (يو 20: 19–29)، وَلِمَريَمَ المَجدليَّة (يو 20: 11–18)، وَلِتِلمَيذَي عِمّاوس (لو 24: 13–35)، وَلِسَبعَةٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلى شاطِئِ البُحَيرَة (يو 21: 1–23). وَهٰذا التَّنوُّعُ يُظهِرُ أَنَّ الظُّهورَ لَم يَكُن نَمطًا واحِدًا، بَل خِبرَةً مُتَعَدِّدَةَ الأَبعادِ. 

وَيُمكِنُ تَصنيفُ الظُّهوراتِ إِلى نَوعَينِ: 

الأَوَّلُ: ظُهوراتٌ عامَّةٌ، وَهِيَ ذاتُ طابِعٍ رَسميٍّ كَنَسيّ، تَستَهدِفُ تَأسيسَ الإِرساليَّةِ وَإِرساءِ سُلطانِ الشَّهادَة (كَظُهورِهِ لِلرُّسُلِ في العَليَّة). 

الثّاني: ظُهوراتٌ خاصَّةٌ، تَدورُ حَولَ لِقاءٍ شَخصيٍّ يَقودُ إِلى التَّعرُّفِ على المَسيحِ الحَيّ (كَظُهورِهِ لِمَريَمَ المَجدليَّةِ أَو لِتِلمَيذَي عِمّاوس). 

لَم تَكُنِ الظُّهوراتُ، في ذاتِها، ضَروريَّةً مِن حَيثُ المَبدَأ، إِذ كانَ يُمكِنُ أَن يَقودَ فَهمُ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ إِلى الإِيمانِ بِالقِيامَة لأَنَّهُم لَم يَكونوا بَعدُ يَعرِفونَ الكِتابَ أَنَّهُ يَنبَغي أَن يَقومَ مِن بَينِ الأموات“(يو 20: 9). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَقَد جاءَتِ الظُّهوراتُ كَاستِجابَةٍ لِإِيمانٍ لا يَزالُ في مَرحَلَةِ النُّموّ، كَما يَظهَرُ في عَدَمِ تَصديقِ التَّلاميذِ لِشَهادَةِ عِمّاوس (مر 16: 13). 

غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ الظُّهوراتِ تَكتَسِبُ ضَرورَةً أُخرى تَاريخيَّةً وَكَنَسيَّة: فَأُولئِكَ الَّذينَ عاشوا مَعَ يَسوعَ النّاصِريّ هُمُ الَّذينَ دُعوا لِيَكونوا شُهودَ القِيامَةِ (أع 1: 21–22)، لِكَي تَتَجَذَّرَ نُقطَةُ الانطِلاقِ في الإِيمانِ المَسيحيّ في واقِعٍ تَاريخيٍّ مَلموس. وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ إِيمانَ الرُّسُلِ لَيسَ فِكرَةً مُجرَّدَة، بَل شَهادَةُ عِيانٍ لِحَدَثٍ مُعاشٍ 

وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: لَم يَكتَفِ المَسيحُ بِإِعلانِ القِيامَةِ، بَل أَراهُم ذاتَهُ، لِكَي لا يَبقى لِلشَّكِّ مَوضِع” (PG 59, 468). كَما يُؤَكِّدُ غريغوريوس الكبير: “شَكُّ توما كانَ أَنفَعَ لِإِيمانِنا مِن إِيمانِ التَّلاميذِ الآخرين، لِأَنَّهُ بِاللَّمسِ شُفِيَ مِن شَكِّهِ، وَنَحنُ بِذٰلِكَ نَتَثَبَّتُ في الإِيمان“(PL 76, 1201). أَمَّا أوغسطينوس فَيُلَخِّصُ البُعدَ اللاهوتيَّ لِهٰذِهِ الظُّهوراتِ قائِلًا: كانوا يَرَونَ الإِنسانَ، وَيُؤمِنونَ بِالله” (PL 35, 1973)، أَي أَنَّ الظُّهورَ يَجمعُ بَينَ الواقِعِ الحِسّيّ وَالإِعلانِ الإِلهيّوَهٰكَذا، يُمكِنُ القَولُ إِنَّ التَّلاميذَ رَأَوا الرَّبَّ القائمَ في اختِبارٍ تَاريخيٍّ حَقيقيّ، لٰكِنَّ هٰذِهِ الرُّؤيَةَ لَم تَكُن نِهايَةَ المَسار، بَل بَدايَتَهُ: إِذِ انتَقَلوا مِن رُؤيَةِ العَينِ إِلى إِيمانِ القَلب، وَمِن الإِيمانِ إِلى الشَّهادَة، لِيُصبِحوا أُسُسَ الكَنيسَةِ وَشُهودَ القِيامَةِ إِلى أَقاصي الأَرض (أع 1: 8). 

  1.  عَناصِرُ ظُهورِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأموات 

العُنصُرُ الأوَّل: مُبادَرَةُ يَسوعَ القائِم 

يُمكِنُ التَّمييزُ في ظُهوراتِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأمواتِ بَينَ ثَلاثَةِ عَناصِرَ أَساسيَّةٍ: المُبادَرَة، التَّعرُّف، وَحَملُ الرِّسالَة. وَيَبرُزُ أَوَّلُ هٰذِهِ العَناصِرِ في مُبادَرَةِ يَسوعَ ذاتِهِ، إِذ إِنَّهُ هُوَ الَّذي يَتَقَدَّمُ وَيَظهَرُ، لا كَاستِجابَةٍ لِبَحثٍ بَشَريّ، بَل كَعَطيَّةٍ إِلهيَّةٍ مَجّانِيَّة. 

فَيَسوعُ القائِمُ هُوَ الَّذي بادَرَ وَوَقَفَ في الوَسَط” (يو 20: 19)، وَظَهَرَ لِتَلاميذٍ مُغلِقينَ عَلَى أَنفُسِهِم أَبوابَهُم خَوفًا، لا يَتَوَقَّعونَ حُضورَهُ. وَهُوَ أَيضًا الَّذي بادَرَ بِشَكلٍ خاصٍّ إِلى مُلاقاةِ توما الرسول، دُونَ أَن يَطلُبَ مِنهُ أَن يَرتَقي أَوَّلًا في إِيمانِهِ، بَل دَعاهُ بِحُبٍّ قائِلًا: “هاتِ إِصبَعَكَ إِلى هُنا وَانظُر يَدَيَّ… وَلا تَكُن غَيرَ مُؤمِنٍ بَل مُؤمِنًا” (يو 20: 27). إِنَّها مُبادَرَةُ نِعمَةٍ تَسبِقُ الإِيمانَ وَتُؤَسِّسُهُ. 

وَيُعبَّرُ عَن هٰذِهِ المُبادَرَةِ الإِلهيَّةِ في اللُّغَةِ الكِتابيَّةِ بِالفِعلِ اليونانيّ ὤφθη  “تَراءى، الَّذي يَرِدُ في تَقليدِ الإِيمانِ الأَقدَمِ عِندَ بولس الرسول:  “تَراءى لِصَخرٍ، ثُمَّ لِلاِثنَي عَشَر…» (1 قور 15: 5–8). وَيَحمِلُ هٰذا الفِعلُ بُعدًا لاهوتيًّا عَميقًا، إِذ يَدُلُّ لا عَلَى رُؤيَةٍ بَشَريَّةٍ مُبادِرَة، بَل عَلَى ظُهورٍ إِلهيٍّ يَفتَحُ نَفسَهُ لِلإِنسان. فَالمَسيحُ لَم يُكتَشَف، بَل أَظهَرَ نَفسَهُ“.  

وَهٰكَذا تَتَطابَقُ ظُهوراتُ القِيامَةِ مَعَ كِرازَةِ الكَنيسَةِ الأُولى: فَاللهُ هُوَ الَّذي تَدَخَّلَ في التّاريخِ، وَأَقامَ يَسوعَ مِن بَينِ الأموات، وَأَعطاهُ أَن يُظهِرَ نَفسَهُ حَيًّا (أع 10: 40–41). فَالقِيامَةُ لَيسَت أُسطورَةً أَو فِكرَةً مِيتافيزيقيَّة، بَل حَدَثٌ خَلاصيٌّ تَاريخيٌّ تَجَلّى في لِقاءاتٍ حَقيقيَّةٍ مَعَ التَّلاميذ. 

وَيُؤَكِّدُ كيرلس الإسكندري هٰذا البُعدَ قائِلًا: لَم يَظهَرِ الرَّبُّ لِلجَميع، بَل لِلشُّهودِ المُختارين، لِكَي يَكُونَ إِيمانُنا مُؤَسَّسًا عَلَى شَهادَةٍ حَقيقيَّة” (PG 74, 707). كَما يُشيرُ أوغسطينوس إِلى أَنَّ الَّذي ظَهَرَ لَهُم لَم يَكُن غَيرَ ذٰلِكَ الَّذي صُلِب، لِكَي يَتَأَكَّدُوا أَنَّ الَّذي قامَ هُوَ عَينُهُ الَّذي مات” (PL 35, 1972). 

وَمِن ثَمَّ، نَستَنتِجُ أَنَّ مُبادَرَةَ المَسيحِ القائِمِ قَد أَزالَت شُكوكَ التَّلاميذ، وَمَنَحَتهُم عَلاماتٍ حِسِّيَّةً (الجِراح)، وَفَتَحَ أَذهانَهُم لِفَهمِ الكُتُبِ المُقَدَّسَة، وَحَدَّدَ دَعوَتَهُم كَشُهودٍ لِلقِيامَة. فَحُضورُهُ الحَيُّ لَيسَ مُجرَّدَ تَعزيةٍ، بَل تَأسيسٌ لِرِسالَة: أَن يَصيروا شُهودًا لَهُ في العالَم، وَحامِلينَ بُشرى الحَياةِ الجَديدَة. 

العُنصُرُ الثّاني: تَعَرُّفُ التَّلاميذِ على يَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأموات 

إِنَّ تَعَرُّفَ التَّلاميذِ على يَسوعَ القائِمِ يُشَكِّلُ مَرحَلَةً حاسِمَةً في مَسارِ الإِيمان، حَيثُ لا يَقتَصِرُ الأَمرُ على مُجرَّدِ ظُهورٍ خَارِجيّ، بَل يَتَحوَّلُ إِلى عَملِيَّةِ إِدراكٍ داخِليٍّ يَكتَشِفُ فيها التَّلاميذُ هُوِيَّةَ الَّذي يَظهَرُ لَهُم: إِنَّهُ يَسوعُ النّاصِريُّ عَينُهُ، الَّذي عايَشوا حَياتَهُ وَشاهَدوا مَوتَهُ، وَها هُوَ الآنَ حَيٌّ، فِيهِ تَحَقَّقَتِ النُّبُوءَات. 

وَلٰكِنَّ هٰذا التَّعرُّفَ لا يَحدُثُ بِشَكلٍ فَوريّ، بَل يَسيرُ في مَسارٍ تَدريجيّ. فَفي البِدايَةِ، يَرى التَّلاميذُ في يَسوعَ شَخصًا عادِيًّا: فَيَظهَرُ كَمُسافِرٍ لِتِلمَيذَي عمّاوس (لو 24: 15–16)، أَو كَشَخصٍ غَيرِ مَعروفٍ عِندَ شاطِئِ بحيرة طبرية (يو 21: 4–5)، أَو حتّى كَبُستانيٍّ لَدَى مريم المجدلية (يو 20: 15). ثُمَّ يَتَحَوَّلُ هٰذا الإِدراكُ تَدريجيًّا إِلى إِيمانٍ: “إِنَّهُ الرَّبّ. إِنَّهُ انتِقالٌ مِنَ الرُّؤيَةِ الحِسِّيَّةِ إِلى البَصيرَةِ الإِيمانيَّة. 

وَيَتَّسِمُ هٰذا التَّعرُّفُ بِالحُرِّيَّة، إِذ لَيسَ إِكراهًا، بَل دَعوَةً. فَبَعضُ التَّلاميذِ آمَنوا (كَما فَعَلَ التِّلميذُ الَّذي كانَ يَسوعُ يُحِبُّهُ في يو 20: 8)، في حينِ تَرَدَّدَ آخَرونَ أَو شَكّوا، مِثلَ توما الرسول (يو 20: 25–29)، وَكَما يُشيرُ إِليهِ إنجيل متى: “فَلَمّا رَأَوهُ سَجَدوا لَهُ، وَلٰكِنَّ بَعضَهُمُ ارتابوا (مت 28: 17). وَهٰذا يُظهِرُ أَنَّ القِيامَةَ لا تُلغِي إِمكانِيَّةَ الشَّكّ، بَل تَدعو الإِنسانَ إِلى تَجاوُزِهِ بِالإِيمان. 

وَمِن جِهَةٍ أُخرى، يَتَأَكَّدُ التَّلاميذُ مِن حَقيقَةِ القائِمِ مِن خِلالِ خِبرَةٍ جَماعِيَّة، حَيثُ إِنَّ الظُّهوراتِ غالبًا ما تَحدُثُ لِجَماعَةٍ، مِمّا يُتيحُ تَبادُلَ التَّأكُّدِ وَيُقصي وَهمَ الخِبرَةِ الفَرديَّة. فَهُم يَتَثَبَّتونَ أَنَّ الَّذي يَظهَرُ لَهُم لَيسَ خَيالًا أَو شَبحًا، بَل شَخصٌ حَقيقيّ. لِذٰلِكَ يَتِمُّ التَّشديدُ في النُّصوصِ على اللَّمسِ وَالأَكلِ مَعَهُ (لو 24: 39–43؛ يو 20: 27). 

وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ جَسَدَ القائِمِ لا يَخضَعُ لِقَوانينِ الحَياةِ الأَرضيَّةِ العادِيَّة، بَل يَحمِلُ بُعدًا مُمَجَّدًا: يَظهَرُ وَيَختَفي، يَدخُلُ وَالأَبوابُ مُغلَقَة. وَهٰذا ما يُشيرُ إِليهِ بولس الرسول بِتَعبيرِهِ جِسمٌ رُوحانيّ” (1 قور 15: 44–49)، أَي جَسَدٌ حَقيقيٌّ تَحوَّلَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ وَدَخَلَ في حالَةِ المَجدِ. 

وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس بِتَواضُعٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ قائِلًا: مَهما كانَت طَبيعَةُ هٰذا الجَسَدِ الرُّوحانيّ، نَحنُ لا نَزالُ نَجهَلُها، لِأَنَّنا لَم نَختَبِرها بَعد” (PL 37, 1131). وَفي مَوضِعٍ آخَرَ يُضيفُ: الجَسَدُ يَخضَعُ لِلرُّوح، فَلا يَبقى صِراعٌ بَينَهُما” (PL 41, 394). 

وَمِن هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ قِيامَةَ يَسوعَ لَيسَت عَودَةً إِلى الحَياةِ الأَرضيَّة، بَل دُخولٌ في الحَياةِ الَّتي لا يَعودُ لِلمَوتِ عَلَيها سُلطان: إِنَّ المَسيحَ بَعدَما أُقيمَ مِن بَينِ الأمواتِ لا يَموتُ بَعد (رو 6: 9)وَبِفَضلِ مُبادَرَةِ المَسيحِ وَظُهورِهِ، حُفِظَ التَّلاميذُ مِنَ الوَهمِ، وَتَأَكَّدَت خِبرَتُهُم بِالرَّبِّ الحَيّ. فَبِرُؤيَتِهِ يَربِطونَ الحاضِرَ بِالماضي، وَبِسَماعِهِ يَتَأَكَّدونَ مِن مَعرِفَتِهِ، وَبِذٰلِكَ يَنمُو إِيمانُهُم. وَمِن هٰذا المَنطَلَق، لا يُدرِكُ المُؤمِنُ مَعنى الظُّهورِ إِلّا في إِطارِ الكِرازَةِ الكَنَسيَّة، حَيثُ يُعلَنُ المَسيحُ القائِمُ وَيُعاشُ في جَماعتِهِ الحَيَّة. 

العُنصُرُ الثّالِث: حَملُ رِسالَةِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأموات 

إِنَّ ذِروَةَ خِبرَةِ الظُّهورِ لا تَكْمُنُ في المُشاهَدَةِ ذاتِها، بَل في التَّحوُّلِ الَّذي تُحدِثُهُ في التَّلاميذ: مِن مُجرَّدِ شُهودٍ إِلى رُسُلٍ مُرسَلين. فَبَعدَ أَن تَعَرَّفوا على الرَّبِّ وَاخْتَبَروا حُضورَهُ القائِم، يُدرِكونَ أَنَّ هٰذا الحُضورَ لَيسَ لِلاِستِقرارِ مَعَهُم، بَل لِإِرسَالِهِم. 

يَتَحَقَّقُ وَعدُ المَسيحِ بِحُضورِهِ الدّائِم: وَها أَنا مَعَكُم كُلَّ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم (مت 28: 20)، لٰكِنَّهُ حُضورٌ ديناميٌّ يُحوِّلُ الجَماعَةَ مِن داخِلِها. فَفِي العَلِّيَّةِ، وَالأَبوابُ مُغلَقَة، يَقِفُ يَسوعُ في الوَسَطِ وَيَقولُ: السَّلامُ لَكُم… كَما أَرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أَنا أَيضًا” (يو 20: 21). هٰكَذا تَنتَقِلُ الجَماعَةُ مِن حالَةِ الخَوفِ إِلى حالَةِ الإِرساليَّة، وَمِن تَلاميذَ يَتَلَقَّونَ إِلى رُسُلٍ يُرسَلون. 

وَيَتَعَمَّقُ هٰذا الإِرسَالُ بِمَنحِ الرُّوحِ القُدُس: نَفَخَ فيهِم وَقالَ لَهُم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم…” (يو 20: 22–23). فَالرِّسالَةُ لَيسَت مُجرَّدَ تَكليفٍ خَارِجيّ، بَل اشتِراكٌ في عَمَلِ المَسيحِ الخَلاصيّ، في سُلطانِ الحَلِّ وَالرَّبطِ، وَفي بُناءِ الكَنيسَةِ كَسِرِّ الخَلاصِ في العالَم. 

وَتَتَجَذَّرُ هٰذِهِ الإِرساليَّةُ في ذاتِها في رِسالَةِ الاِبنِ الَّذي أَرسَلَهُ الآب: كَما أَرسَلتَني إِلى العالَم، أَرسَلتُهُم أَنا أَيضًا إِلى العالَم” (يو 17: 18). فَلا تُوجَدُ رِسالَةٌ أُخرى مُنفَصِلَة، بَل هُناكَ رِسالَةٌ واحِدَةٌ تَنبُعُ مِن الآب، تَتَجَسَّدُ في الاِبن، وَتَستَمِرُّ في الكَنيسَة. وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ الرُّسُلَ لا يُبَشِّرونَ بِأَنفُسِهِم، بَل بِالمَسيحِ، وَمِن خِلالِهِ. 

وَيُشيرُ أعمال الرسل إِلى أَنَّ هٰذِهِ الشَّهادَةَ لَيسَت خِيارًا، بَل هُوِيَّة: وَتَكونونَ لي شُهودًا… إِلى أَقاصي الأَرض (أع 1: 8). فَالتِّلميذُ يَصيرُ رَسولًا، أَي مُرسَلًا، حامِلًا بُشرى القِيامَةِ 

وَيُعَبِّرُ التَّقليدُ الآبائيُّ عَن هٰذا الامتِدادِ الحَيِّ لِرِسالَةِ المَسيح، فَيَقولُ كيرلس الأورشليمي: “كَما أَرسَلَ الآبُ الاِبن، كَذٰلِكَ يُرسِلُ الاِبنُ تَلاميذَهُ، لِيَكونوا نُورًا لِلعالَم وَأَدَواتِ نِعمَتِهِ (PG 33, 989) “.  وَفي زَمَنِنا، يُجدِّدُ البابا فرنسيس هٰذِهِ الرُّؤيَةَ قائِلًا: إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَمنَحُ القُوَّةَ لِإِعلانِ البُشرى بِجُرأَة… وَالرَّبُّ يَريدُ مُبَشِّرينَ لا بِالكَلامِ فَحَسب، بَل بِحَياةٍ تَتَجَلّى فيها حُضورُ الله” (فرح الانجيل، 259). 

وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ هٰذِهِ العَناصِرَ الثَّلاثَة (المُبادَرَة، التَّعرُّف، الرِّسالَة) تَرتَبِطُ بِعَلاقَةٍ حَيَوِيَّةٍ مُتَبادَلَةفَالمَسيحُ القائِمُ يُبادِرُ، وَالإِنسانُ يَتَعَرَّفُ، وَمِن ثَمَّ يُرسَلُإِنَّ الحاضِرَ يَتَجَدَّدُ بِفِعلِ القائِم، وَالإِيمانُ يَنمو بِالتَّعرُّفِ عَلَيهِ، وَالمُستَقبَلُ يُبنى بِالشَّهادَةِ لَهُ. وَهٰذا المُستَقبَلُ هُوَ الكَنيسَةُ، الَّتي تَحيا مِن القِيامَة، وَتُعلِنُها لِلعالَملِذٰلِكَ، نَرفَعُ صَلاتَنا إِلى الرُّوحِ القُدُس، أَن يَأتي لِيُجدِّدَ الكَنيسَة، وَيُحرِّكَها، وَيَدْفَعَها لِتَكونَ شاهِدَةً أَمينةً لِلمَسيحِ القائِم، فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكان، وَبِجُرأَةِ الإِيمانِ وَقُوَّةِ الحَياة. 

خُلاصَة 

إِنَّ الأَبعادَ الثَّلاثةَ لِحُضورِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأموات (المُبادَرَة، التَّعرُّف، الرِّسالَة) لَيست مَجرَّدَ وَصفٍ لِخِبرَةٍ ماضِيَة، بَل هِيَ واقِعٌ حَيٌّ يَتَجَدَّدُ بِاستِمرارٍ في حَياةِ الكَنيسَةِ. فَالمُبادَرَةُ تَبقى دائِمًا مِن الله، وَبِالأَخصِّ مِن المَسيحِ القائِم، الَّذي لا يَزالُ يَتَكَلَّمُ اليَومَ مِن خِلالِ كِرازَةِ الكَنيسَةِ الحَيَّة، وَيُعلِنُ ذاتَهُ لِلإِنسانِ كَما فَعَلَ مَعَ الشُّهودِ الأَوَّلين. 

إِنَّ يَسوعَ النّاصِريَّ يَنكَشِفُ لَنا اليَوم، لٰكِن لَيسَ بِصُورَةٍ مُنفَصِلَةٍ عَنِ التّاريخ، بَل مِن خِلالِ شَهادَةِ الرُّسُلِ وَالخِبرَةِ الإِيمانيَّةِ الَّتي تَحمِلُها الكَنيسَةُ عَبرَ الأَجيال. وَفِي التَّفاعُلِ الحَيِّ بَينَ المُبادَرَةِ الإِلهيَّة، وَتَعَرُّفِ الإِنسان، وَحَملِ الرِّسالَة، يَتَجَلّى سِرُّ حُضورِ المَسيحِ القائِمِ حَيًّا في الكَنيسَةِ وَالعالَم. 

إِنَّهُ حُضورٌ مُستَمِرٌّ، أَمينٌ لِوَعدِهِ: وَها أَنا مَعَكُم كُلَّ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم (مت 28: 20). وَهٰذا الحُضورُ لا يَتَحَقَّقُ بِشَكلٍ مُجرَّد، بَل مِن خِلالِ الكَنيسَةِ كَجَسَدِهِ السِّرِّيّ، حَيثُ يَجعَلُ ذاتَهُ مَعروفًا عِندَ كَسرِ الخُبز (لو 24: 35)، في سِرِّ الإِفخارستيا وَفي جَماعَةِ المُؤمِنين. 

وَيُعَبِّرُ البابا يوحنا بولس الثاني عَن هٰذا السِّرِّ بِعُمقٍ رُعويّ قائِلًا: إِنَّ الرَّبَّ القائِمَ يُهدي حُبَّهُ كَعَطيَّةٍ لِلإِنسانيَّة، حُبًّا يَغفِرُ وَيُصالِحُ وَيَفتَحُ القُلوبَ مِن جَديدٍ لِلرَّجاءِ… إِنَّهُ الحُبُّ الَّذي يَجعَلُ القُلوبَ تَتوبُ وَيَمْنَحُ السَّلام. وَكَم يَحتاجُ العالَمُ إِلى قَبولِ الرَّحمَةِ الإِلهيَّة“.  

وَهٰكَذا، فَإِنَّ القِيامَةَ لَيست حَدَثًا ماضِيًا يُستَذكَر، بَل حَياةٌ حاضِرَةٌ تُعاشالمَسيحُ يَزالُ يُبادِر، وَالإِنسانُ يُدعى لِلتَّعرُّف، وَالكَنيسَةُ تُرسَلُ لِتَشهَدوَمِن هٰذا المَنبَع، تَنبُعُ رِسالَةُ الكَنيسَةِ وَرَجاءُ العالَم: أَنَّ المَسيحَ القائِمَ حَيٌّ، حاضِرٌ، وَفاعِلٌ، يَدعو كُلَّ إِنسانٍ إِلى الدُّخولِ في شَركَةِ الحَياةِ وَالنُّورِ وَالسَّلام. 

 دُعَاء 

أَيُّها الآبُ السَّماويّ،
نَسأَلُكَ بِاسمِ ابنِكَ يَسوعَ المَسيح،
أَن تَنفُخَ فينا رُوحَكَ القُدّوس،
فَيَتَبَدَّدَ خَوفُنا، وَيَتقَوّى إيمانُنا بِقِيامَتِهِ المَجيدَة. 

اِمنَحنا أَن نَنظُرَ إلى جِراحاتِهِ المُقَدَّسَة،
فَنَنالَ الشِّفاءَ وَالسَّلام،
وَنَمتَلِئَ مِن فَرَحِ القِيامَةِ الَّذي لا يَزول. 

وَاجعَلنا شُهودًا أُمناءَ لِقِيامَتِهِ،
نُعلِنُ بُشرى الخَلاصِ في العالَم،
بِحَياتِنا قَبلَ كَلِماتِنا،
وَنُرَدِّدُ مَعَ توما الرسول: “رَبّي وَإِلهي“. آمين. 

قِصَّةٌ واقِعِيَّةٌ على خُطى توما الرسول 

تُعيدُ قِصَّةُ فرانك موريسون (الَّذي كانَ اسمُهُ الحَقيقيّ ألبِرت هنري روس) تَجسيدَ مَسارِ الإِيمانِ الَّذي سَلَكَهُ توما: مِن الشَّكِّ إِلى اليَقين. 

في عام 1927م، عَزَمَ هٰذا المُحامي البِريطانيّ أَن يَكتُبَ كِتابًا يَنقُضُ فيهِ قِيامَةَ السَّيِّدِ المَسيح، مُعتمِدًا على دِراسَةٍ تَاريخيَّةٍ نَقديَّةٍ لِأَحداثِ الأيّامِ الأَخيرةِ مِن حَياةِ يَسوع. 

وَلٰكِن، كُلَّما تَعَمَّقَ في فَحصِ الشَّهاداتِ وَالأَدلَّة، وَقارَنَ بَينَ النُّصوصِ الإِنجيليَّةِ وَالواقِعِ التّاريخيّ، بَدَأَ يَكتَشِفُ أَنَّ الفَرَضيّاتِ الَّتي بَنى عَلَيها شَكَّهُ لَم تَصمُد أَمامَ قُوَّةِ الحَقيقَة. فَكَما لَمَسَ توما جِراحَ المَسيحِ فَآمَن، هٰكَذا لَمَسَ موريسون، بِعَقلِهِ وَبَحثِهِ، وَاقِعَ القِيامَةِ فَانتَقَلَ مِنَ الإِنكارِ إِلى الإِيمان. 

فَبَدَلًا مِن كِتابٍ يَنقُضُ القِيامَة، خَرَجَ إِلى النُّورِ كِتابٌ يُدافِعُ عَنها، بِعُنوانمن دحرج الحجر؟،
وَجَعَلَ أَوَّلَ فُصولِهِ بِعُنوانٍ مُعبِّر: الكِتابُ الَّذي لَم يُكتَب، كَإِقرارٍ صَريحٍ أَنَّ مَشروعَهُ الأَوَّلَ قَد سَقَطَ أَمامَ الحَقيقَة. 

إِنَّ هٰذِهِ القِصَّةَ تُظهِرُ أَنَّ الإِيمانَ المَسيحيّ لا يَقومُ عَلَى أُسطورَة، بَل عَلَى حَدَثٍ تَاريخيٍّ قادِرٍ أَن يُواجِهَ النَّقدَ وَيَصمُدَ أَمامَه. وَهِيَ تُؤَكِّدُ أَنَّ الطَّريقَ إِلى الإِيمانِ قَد يَمرُّ أَحيانًا عَبرَ الشَّكّ، لٰكِنَّهُ شَكٌّ صادِقٌ يَبحَثُ عَن الحَقيقَة، لا عَن الهُروبِ مِنها. 

وَمَا أَحوَجَنا اليَومَ إِلى هٰذِهِ الخِبرَة: أَن نَكتَشِفَ أَنَّ المَسيحَ الحَيَّ القائِمَ لا يَزالُ يَلمَسُ عُقولَنا وَقُلوبَنا، وَيُحَوِّلُ شُكوكَنا إِلى إِيمان، وَخَوفَنا إِلى رَجاءفَإِذا وَثِقنا بِهِ، دَخَلنا في صَحوَةٍ رُوحيَّةٍ عَميقَة، تُعَزِّزُ العَلاقَةَ بَينَ اللهِ وَالإِنسان، وَتُجَدِّدُ رَوابطَ المَحبَّةِ بَينَ النّاس. 

المَسيحُ قام. حَقًّا قام. هللويا. 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email