أَحَدُ الشَّعَانِينِ كَمَا رَوَاهُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ

أَحَدُ الشَّعَانِينِ كَمَا رَوَاهُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ (مَتَّى 21: 1–11)

أ. د. لويس حزبون

النص الإنجيلي: (متى 21: 1-11)

1 ولمَّا قَرُبوا مِن أُورشَليم، ووصَلوا إِلى بَيتَ فاجي عندَ جَبَلِ الزَّيتون، حِينَئذٍ أَرسلَ يسوعُ تِلميذَينِ 2وقالَ لهما: ((اِذهَبا إِلى القَريةِ الَّتي تُجاهَكُما، تَجِدا أَتاناً مَرْبوطةً وجَحْشاً مَعها، فحُلاَّ رِباطَها وأتِياني بِهما. 3فإِن قالَ لَكما قائلٌ شَيئاً، فأَجيبا: ((الرَّبُّ مُحتاجٌ إِليهِما))، فيُرسِلُهما لِوَقتِه)). 4وإِنَّما حدَثَ هذا لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيّ: 5 ((قولوا لِبنتِ صِهيُون: هُوَذا مَلِكُكِ آتياً إِلَيكِ وَديعاً راكِباً على أَتان وجَحْشٍ ابنِ دابَّة)). 6فذَهبَ التِّلميذانِ وفعلا كَما أَمرَهما يسوع 7وأَتيا بِالأَتانِ والجَحْش. ثُمَّ وضَعا عَليهِما ردائَيهِما، فركِبَ يسوع. 8وكانَ مِنَ النَّاسِ جَمعٌ كَثير، فبَسَطوا أَردِيَتَهم على الطَّريق، وقَطَعَ غَيرُهم أَغصانَ الشَّجَر، ففَرشوا بِها الطَّريق. 9وكانتِ الجُموعُ الَّتي تَتقدَّمُه والَّتي تَتبَعُه تَهِتف: ((هُوشَعْنا لابنِ داود! تَباركَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!)) 10ولَمَّا دَخلَ أُورَشليم ضَجَّتِ المَدينةُ كُلُّها وسأَلت: ((مَن هذا؟)) 11فَأَجابَتِ الجُموع: ((هذا النَّبِيُّ يسوع مِن ناصِرةِ الجَليل)).

المُقَدِّمَة:

يُسَلِّطُ إِنْجيلُ أَحَدِ الشَّعانينَ الضَّوْءَ عَلى دُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ في الأُسْبوعِ الأَخيرِ مِن حَياتِهِ الأَرْضِيَّةِ (متى 21: 1–11)، وَهُوَ دُخولٌ لَيْسَ حَدَثًا تَارِيخِيًّا فَحَسْب، بَلْ إِعْلانٌ لاهوتيٌّ عَميقٌ يَكْشِفُ سِرَّ هُوِيَّةِ المَسيحِ وَرِسالَتِهِ الخَلاصِيَّةِ. فَأَحَدُ الشَّعانينَ يَفْتَتِحُ الأُسْبوعَ المُقَدَّسَ، الَّذي يَبْلُغُ ذِرْوَتَهُ في القِيامةِ، مُرورًا بِآلامِ المَسيحِ وَمَوْتِهِ، حَيْثُ يَتَجَلّى سِرُّ الفِداءِ كَمَسارٍ إِلٰهيٍّ يَهْدِفُ إِلى خَلاصِ الإِنسانِ وَتَحْريرِهِ مِن عُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ وَقُوَى الشَّرِّ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ الرَّسولُ بولُسُ قائِلًا: “إِنَّهُ يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ وَيَبْلُغوا إِلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ” (1 طيموثاوس 2: 4)، مُبَيِّنًا الطَّابِعَ الشُّمولِيَّ لِعَمَلِ الخَلاصِ.

وَيُعَمِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوس هٰذا البُعْدَ اللّاهوتيَّ، إِذْ يَرَى أَنَّ الجُمُوعَ الَّتي اسْتَقْبَلَتِ المَسيحَ بِسُعُوفِ النَّخْلِ «كانَتْ تُعْلِنُ نَصْرًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَصْرًا زَمَنِيًّا، بَلْ نَصْرُ المَسيحِ عَلَى المَوْتِ” (PL 38). فَالشَّعانينُ، في مَنْظورِ الآباءِ، هُوَ عِيدُ المُلْكِ الإِلٰهيِّ الَّذي يَتَحَقَّقُ عَبْرَ الصَّليبِ، لا عَبْرَ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ.

وَمِن هٰذا المُنْطَلَقِ، يَرْبِطُ القِدِّيسُ كيرلُّس الأُورَشَليميّ بَيْنَ دُخولِ المَسيحِ وَسِرِّ الفِداءِ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ «دَخَلَ إِلى أُورَشَليمَ لا لِيَتَسَلَّمَ مَجْدًا بَشَرِيًّا، بَلْ لِيُسَلِّمَ نَفْسَهُ ذَبيحَةً عَنِ العالَمِ” Catecheses)) .  فَالدُّخولُ هُوَ بَدْءُ طَريقِ الصَّليبِ، وَالصَّليبُ هُوَ عَرْشُ المَجْدِ.

وَقَدْ عَبَّرَ أَحْمَدُ شَوْقي عَنْ هٰذا السِّرِّ بِلُغَةٍ شِعْرِيَّةٍ عَميقَةٍ، فَأَشارَ إِلى أَنَّ قُوَّةَ المَسيحِ لا تَكْمُنُ في السَّيْفِ، بَلْ في الصَّليبِ، حَيْثُ يَنْقَلِبُ مَنْطِقُ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ إِلى مَنْطِقِ الحَقِّ الإِلٰهيِّ، فَيَظْهَرُ أَنَّ «وَراءَ الضَّعفِ مَقْدِرَةً، وَأَنَّ لِلْحَقِّ لا لِلْقُوَّةِ الغَلَبَا”.

وَمِن هٰنا تَنْبُعُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا البَحْثِ، إِذْ يَسْعى إِلى تَحْليلِ النَّصِّ الإِنْجيليِّ في أَبْعادِهِ التّارِيخِيَّةِ وَاللّاهوتِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَإِلى اسْتِخْلاصِ تَطْبيقاتٍ رَعَوِيَّةٍ تُساهِمُ في تَجْديدِ حَياةِ المُؤمِنِينَ، لِيَعِيشُوا سِرَّ المَسيحِ المَلِكِ الَّذي يَمْلِكُ بِالمَحَبَّةِ، وَيَنْتَصِرُ بِالصَّليبِ، وَيَقودُ الإِنسانَ إِلى مَجْدِ القِيامةِ.

أوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنْجيليِّ (متى 21: 1–11)

1 “وَلَمَّا قَرُبوا مِن أُورَشَليم، وَوَصَلوا إِلى بَيتِ فاجي عِندَ جَبَلِ الزَّيتون، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسوعُ تِلميذَينِ”

تُشيرُ عِبارَةُ وَلَمَّا قَرُبوا مِن أُورَشَليم” إِلى اللَّحْظَةِ الحاسِمَةِ في مَسيرةِ يَسوعَ الخَلاصِيَّةِ، إِذْ يَصعَدُ إِلى أُورَشَليمَ في اليَومِ العاشِرِ مِن شَهرِ نيسان، مُدشِّنًا الأُسْبوعَ الأَخيرَ مِن حَياتِهِ الأَرضِيَّةِ، وَهُوَ صُعودٌ لَيْسَ جُغْرافيًّا فَحَسْب، بَلْ لاهوتيٌّ يَتَّجِهُ نَحوَ الصَّليبِ. وَيُشيرُ الإِنجيليُّ مَتّى إِلى تَسَلْسُلٍ جُغْرافيٍّ دَقيقٍ: أُورَشَليمُ كَهَدَفٍ نِهائيٍّ (متى 20: 17–18)، ثُمَّ بَيْتُ فاجي، وَأَخيرًا جَبَلُ الزَّيتون، مِمّا يُضْفِي عَلى الحَدَثِ طابِعًا تاريخيًّا مَلموسًا وَفي الوَقْتِ عَيْنِهِ بُعْدًا خَلاصِيًّا مُتَنامِيًا.

أَمَّا عِبارَةُ بَيْتِ فاجي” (בֵּית־פַּגֵי) فَتَعني “بَيْتَ التِّين”، وَهِيَ قَرْيَةٌ صَغيرَةٌ تَقَعُ عَلى المُنْحَدَرِ الجَنوبِيِّ الشَّرقيِّ لِجَبَلِ الزَّيتون، تَبْعُدُ نَحوَ كيلومترٍ واحِدٍ عَن أُورَشَليم، وَتَتَّصِلُ بِبَيْتِ عَنْيا (لوقا 19: 29). وَيَبدو أَنَّ يَسوعَ مَرَّ بِها قَبْلَ دُخولِهِ إِلى بَيْتِ عَنْيا، وَهُوَ آتٍ مِن أَريحا صاعِدًا إِلى المَدينَةِ المُقَدَّسَةِ. وَعَدَمُ ذِكْرِها في العَهْدِ القَديمِ لا يَنْفي أَهَمِّيَّتَها في السِّياقِ الإِنجيليِّ، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ الخَلاصَ يَتَجَلّى أَحيانًا في أَماكِنَ بَسيطَةٍ وَمَجْهولَةٍ.

وَأَمَّا عِبارَةُ جَبَلِ الزَّيتون” فَتُشيرُ إِلى الجَبَلِ الَّذي يُشْرِفُ عَلى أُورَشَليمَ مِن الجِهَةِ الشَّرقيَّةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُما وادي قِدْرون (يوحنا 18: 1). وَيَبْلُغُ ارْتِفاعُهُ نَحوَ 780م عَن سَطْحِ البَحر، وَيُعَدُّ مَوْقِعًا لاهوتيًّا مَفصليًّا في تَاريخِ الخَلاصِ: فَمِن سَفْحِهِ بَكى يَسوعُ عَلى أُورَشَليم (لوقا 19: 41)، وَعَلَيْهِ أَعلَنَ نُبُوءَةَ خَرابِ الهَيْكَل (متى 24: 3)، وَفي بُسْتانِ الجِسْمَانِيَّةِ أَسفَلَهُ دَخَلَ في صِراعِ الآلامِ (لوقا 22: 39). وَيَرى القِدِّيسُ أمبروسيوس في جَبَلِ الزَّيتونِ بُعْدًا رَمْزِيًّا عَميقًا، إِذْ يَقول: “لَعَلَّ المَسيحَ نَفْسَهُ هُوَ الجَبَلُ، إِنَّهُ ذاكَ الَّذي مِن خِلالِهِ نَصعَدُ وَإِلَيْهِ نَبْلُغُ؛ هُوَ الطَّريقُ وَالبابُ” (PL 15). فَالجَبَلُ هُنا لا يَحْمِلُ بُعْدًا جُغْرافيًّا فَحَسْب، بَلْ يُصْبِحُ أَيْقونَةً لِلمَسيحِ الَّذي يَقودُ الإِنسانَ مِن الأَرضِ إِلى السَّماءِ. وَقَدْ ذَكَرَ العَهْدُ القَديمُ هٰذا الجَبَلَ بِتَسْمِياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ: جبل الزيتون (2 صموئيل 15: 30)؛ و”الجبل” (نحميا 8: 15)، و”الجبل الذي تجاه اورشليم (حزقيال 11: 23)، “وجبل الهلاك” (2 ملوك 23: 13). مِمّا يُظْهِرُ أَنَّهُ مَوْضِعُ حُضورٍ إِلٰهيٍّ وَإِعلانٍ نُبُوِيٍّ مُتَواصِلٍ، وَهٰذا ما يَتَحَقَّقُ كَمَالُهُ في العَهْدِ الجَديدِ مَعَ المَسيحِ.

أَمَّا عِبارَةُ «”أَرْسَلَ يَسوعُ تِلميذَينِ” فَتُعْلِنُ بُعْدًا كَنَسِيًّا وَإِرساليًّا، إِذْ إِنَّ الإِرساليَّةَ تَسْبِقُ دَائِمًا ظُهورَ المَسيحِ. فَكَما أَرْسَلَ التِّلميذَينِ لِيُهَيِّئا الدُّخولَ المَلوكيَّ، سَيُرْسِلُهُما لاحِقًا لِيُعِدّا الفِصْحَ (متى 26: 17)، وَهٰذا يَرْمُزُ إِلى أَنَّ الكَنيسَةَ مَدْعُوَّةٌ دَائِمًا أَنْ تُهَيِّئَ طَريقَ الرَّبِّ في العالَمِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ إيرونيموس هٰذَيْنِ التِّلميذَيْنِ رَمْزِيًّا قائِلًا: “أَرْسَلَ تِلميذَيْهِ، أَحَدُهُما لِأَهْلِ الخِتانِ وَالآخَرُ لِلأُمَمِ” (PL 26)، فَيُصْبِحُ الدُّخولُ إِلى أُورَشَليمَ صُورَةً مُسْبَقَةً لِانْفِتاحِ الخَلاصِ عَلى جَميعِ الشُّعوبِ. وَمِن هٰنا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الحَدَثَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَصْفٍ جُغْرافيٍّ، بَلْ بِنْيَةٌ لاهوتيَّةٌ مُتَكامِلَةٌ: طَريقٌ يَبْدَأُ مِن أَريحا، يَمُرُّ بِبَيْتِ فاجي وَجَبَلِ الزَّيتون، وَيَنْتَهي في أُورَشَليم، لِيَبْلُغَ ذِرْوَتَهُ عَلى الجُلْجُلَةِ، حَيْثُ يَتَحَقَّقُ المُلْكُ الحَقيقيُّ لا بِالقُوَّةِ، بَلْ بِالمَحَبَّةِ وَالبَذْلِ.

” 2وقالَ لهما: اِذهَبا إِلى القَرْيَةِ الَّتي تُجاهَكُما، تَجِدا أَتانًا مَرْبوطةً وجَحْشًا مَعها، فَحُلّا رِباطَها وأْتِياني بِهِما

تُشيرُ عِبارَةُ أَتان إِلى أُنثى الحِمار،

أَمّا الجَحْش فَهُوَ ابنُ الأَتان في سِنِّهِ الأُولى. وَيَحْمِلُ ذِكْرُ الأَتانِ وَالجَحْشِ مَعًا بُعْدًا رَمْزِيًّا مُضاعَفًا، لَيْسَ فَقَطْ في الإطارِ التَّاريخيّ، بَلْ في الأُفُقِ الخَلاصيّ وَالنُّبُوِيّ. فَمِن جِهَةٍ أُولى، يَتَجاوَبُ هذا المَشْهَدُ مَعَ التَّقليدِ الكِتابيّ، خُصوصًا في قِصَّةِ أَتانِ بَلْعام الَّتي أَبْصَرَت مَلاكَ الرَّبّ (عدد 22: 31–34)، فَتُصْبِحُ الأَتانُ شاهِدًا لِحُضورِ اللهِ في مَواقِفَ يَعْجَزُ الإِنسانُ عَن إِدْراكِها. وَفي هٰذا السِّياقِ، يَرى العَلّامَةُ أوريجانوس أَنَّ “الأَتانَ الَّتي حَمَلَت بَلْعامَ قَديمًا، أَضْحَت الآن تَحْمِلُ المَسيحَ، وَبِحَلِّ رِباطِها تَحَرَّرَت مِن قُيودِها، لِتَدْخُلَ في خِدْمَةِ مَلِكِ المَجدِ” (Hom. in Matth).  فَتَتَحَوَّلُ الدَّابَّةُ مِن أَداةٍ عاديَّةٍ إِلى وَسيطٍ خَلاصِيّ، حامِلَةً المَسيحَ نَحوَ أُورَشَليم.

وَمِن جِهَةٍ ثانِيَةٍ، تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ عِبارَةِ “أَتانًا مَرْبوطةً وجَحْشًا مَعها” في إِطارِ إِتْمامِ النُّبُوءَةِ، إِذْ يُحيلُ الإِنجيليُّ مَتّى إِلى نُبُوءَةِ زكريا (9: 9): “هُوَذا مَلِكُكِ يَأْتيكِ وَديعًا، راكِبًا عَلى حِمارٍ وَعَلى جَحْشِ ابنِ أَتان”. وَقَدْ أَكَّدَ مَتّى ذِكْرَ الحَيَوانَيْنِ مَعًا لِيُبَيِّنَ لِقُرّائِهِ مِن أَصْلٍ يَهوديّ أَنَّ يَسوعَ يُتِمُّ النُّبُوءَةَ بِدِقَّةٍ، بَيْنَما اكْتَفى الإِنجيليّونَ الآخَرونَ بِذِكْرِ الجَحْشِ لِلتَّركيزِ عَلى البُعْدِ العَمَليّ. وَيُقَدِّمُ القِدِّيسُ كيرلُّس الإِسْكَنْدَريّ قِراءةً رَمْزِيَّةً عَميقَةً، إِذْ يَرَى أَنَّ “الأَتانَ وَالجَحْشَ يُمَثِّلانِ العالَمَ المُنْقَسِمَ: فالأَتانُ تُشيرُ إِلى شَعبِ إِسرائيلَ المُتَقَدِّمِ في التَّدبير، أَمّا الجَحْشُ الَّذي لَمْ يُسْتَعْمَلْ بَعْدُ، فَيُشيرُ إِلى الأُمَمِ الَّتي سَتُدْعى جَديدًا إِلى الخَلاص”. فَيُصْبِحُ المَشهَدُ إِعلانًا لِشُمولِيَّةِ الخَلاصِ الَّذي يَجْمَعُ اليَهودَ وَالأُمَمَ في شَخْصِ المَسيحِ. وَيُوافِقُهُ في ذٰلِكَ القِدِّيسُ أوغسطينوس، إِذْ يَرى أَنَّ “الرَّبَّ جَلَسَ عَلى الجَحْشِ لِيُظْهِرَ أَنَّهُ سَيَخْضَعُ الأُمَمَ لِنِيرِهِ اللَّطيفِ” (PL 38)، فَيَتَحَوَّلُ الحَيَوانُ الَّذي لَمْ يُرَوَّضْ بَعْدُ إِلى صُورَةٍ لِلإِنسانِ الَّذي يَخْضَعُ لِمُلْكِ المَسيحِ.

أَمَّا عِبارَةُ “فَحُلّا رِباطَها” فَتَحْمِلُ بُعْدًا خَلاصِيًّا وَكَنَسِيًّا عَميقًا، إِذْ تُشيرُ إِلى فِعْلِ التَّحْريرِ مِن قُيودِ الخَطيئَةِ. فَالرِّباطُ يُجَسِّدُ عُبودِيَّةَ الإِنسانِ، وَالحَلُّ يُجَسِّدُ عَمَلَ النِّعْمَةِ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ القِدِّيسُ إيرونيموس قائِلًا: “كانَت مَرْبوطةً، وَلٰكِن بِأَمْرِ الرَّبِّ حُلَّت، لِأَنَّ كَلِمَتَهُ تُحَرِّرُ ما كانَ مُقَيَّدًا” (PL 26). وَفي هٰذا الإِطارِ، يَتَّسِعُ المَعْنى لِيَشْمَلَ رِسالَةَ الكَنيسَةِ، إِذْ يَرتَبِطُ فِعْلُ “الحَلّ” بِسُلطانِ الغُفْرانِ الَّذي أَعْطاهُ المَسيحُ لِرُسُلِهِ: “مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم، ومَن أَمسَكتُم علَيهِم الغُفْران يُمسَكُ علَيهِم” (يوحنا 20: 23). فَتُصْبِحُ الكِرازَةُ وَالأَسرارُ وَسائِلَ إِلٰهيَّةً “لِحَلِّ” الإِنسانِ مِن رِباطِ الخَطيئَةِ، وَإِدْخالِهِ في حُرِّيَّةِ أَبْناءِ الله. وَهٰكَذا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هذا المَشْهَدَ البَسيطَ ظاهِرًا يَحْمِلُ بُعْدًا لاهوتيًّا عَميقًا:

  • الأَتانُ وَالجَحْشُ رمز وَحْدَةُ الخَلاصِ لِليَهودِ وَالأُمَم
  • الرِّباطُ رمز عُبودِيَّةُ الخَطيئَة
  • الحَلُّ رمز عَمَلُ الفِداء وَسُلطانُ الكَنيسَة
  • الرُّكوبُ رمز مُلْكُ المَسيحِ الَّذي يَخْضَعُ لَهُ الإِنسان

فَيَتَحَوَّلُ الحَدَثُ مِن وَقائِعَ جُغْرافيَّةٍ إِلى أَيْقونَةٍ خَلاصِيَّةٍ تُجَسِّدُ عَمَلَ اللهِ في تَحْريرِ الإِنسانِ وَإِدْخالِهِ إِلى مَدِينَةِ اللهِ.

3 “فَإِنْ قالَ لَكُما قائِلٌ شَيْئًا، فَقولا: الرَّبُّ مُحْتاجٌ إِلَيْهِما، فَيُرْسِلُهُما لِلْوَقْتِ” (متى 21: 3)

 تُشيرُ عِبارَةُ “فَإِنْ قالَ لَكُما قائِلٌ شَيْئًا” إِلى احتمالِ وُجودِ اعتراضٍ أَو تَساؤلٍ مِن أَحَدِ أَصحابِ المَكانِ أَو مِن شَخْصٍ يَرى في أَخْذِ الأَتانِ وَالجَحْشِ أَمرًا يَحتاجُ إِلى تَبريرٍ. وَهٰذا التَّفصيلُ يُظهِرُ أَنَّ يَسوعَ لا يَتَصَرَّفُ بِصُورَةٍ مُرْتَجَلَةٍ أَو عَشوائيَّةٍ، بَلْ بِوَعيٍ كامِلٍ لِما سَيَجري، وَبِسُلطانٍ هادِئٍ يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِهِ. فَالسيِّدُ يَعرِفُ مُسْبَقًا ما قَد يَحدُث، وَيُعطي تِلميذَيْهِ الجَوابَ المُناسِبَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ السَّابِقِ بِالأَحداثِ وَعَلى أَنَّ دُخولَهُ إِلى أُورَشَليمَ لَم يَكُنْ خُضوعًا لِصُدْفَةٍ أَو لِضَغطِ الظُّروفِ، بَلْ مَسيرَةً حُرَّةً نَحوَ الآلامِ بِمِلءِ الإِرادَةِ. وَفي هذا السِّياقِ يَرَى القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم أَنَّ المَسيحَ “يُدَبِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِسُلطانِهِ، وَلا يَتَقَدَّمُ إِلى الآلامِ كَمَن يُساقُ قَسرًا، بَلْ كَمَن يَذهَبُ إِلَيْها بِإِرادَتِهِ”؛ فَالمَشهدُ يُعلِنُ سَيادَةَ المَسيحِ حتّى في التَّفاصيلِ الصَّغيرةِ الَّتي تَسبِقُ دُخولَهُ المَلوكيَّ.

أَمَّا عِبارَةُ “الرَّبُّ” فَتَحْمِلُ ثِقَلًا لاهوتيًّا خاصًّا. فَالأَصلُ اليونانيُّ هُوَ κύριος، وَمَعناهُ: السَّيِّدُ، المَوْلى، الرَّبُّ، وَهُوَ يُقابِلُ في اللُّغَةِ العِبريَّةِ הָאָדוֹן أَي “السَّيِّد”. وَتَدُلُّ الكَلِمَةُ في أَصلِها عَلى الاِعتِبارِ وَالإِكرامِ، لٰكِنَّها في الاستِعمالِ الكَنَسيِّ الأَوَّلِ أَصبَحَت لَقَبًا مَسيحانيًّا وَإِلٰهيًّا يَدلُّ عَلى سَيادَةِ يَسوعَ وَشَرِكَتِهِ في مَجدِ الله. وَمِن هُنا تَكتَسِبُ هٰذِهِ العِبارَةُ أَهَمِّيَّةً كُبرى، لأَنَّ يَسوعَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ هُنا لا مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ أَو نَبِيٍّ، بَلْ بِصِفَتِهِ الرَّبَّ الَّذي لَهُ السُّلطانُ. وَقَدِ استَخدَمَتِ الجَماعَةُ المَسيحيَّةُ الأُولى هٰذا اللَّقَبَ لِلتَّعبيرِ عَن إِيمانِها بأَنَّ يَسوعَ هُوَ الرَّبُّ القائِمُ مِن بَيْنِ الأَموات، كما يَظهرُ في الكِرازَةِ الرَّسوليَّةِ وَخاصَّةً في رَسائِلِ بولُسَ. فَلَقَبُ κύριος لا يَدُلُّ فَقَط عَلى سَيادَةٍ أَدَبِيَّةٍ، بَلْ يَحْمِلُ في الإِيمانِ المَسيحيِّ بُعدًا لاهوتيًّا يَمسُّ هُوِيَّةَ المَسيحِ نَفْسِها.

وَبِناءً عَلى ذٰلِكَ، فَإِنَّ قَولَ يَسوعَ: “الرَّبُّ مُحْتاجٌ إِلَيْهِما” لا يَنْطَوي عَلى ضَعْفٍ أَو عَجْزٍ، بَلْ يَكشِفُ عَن مُفارَقَةِ التَّجَسُّدِ: فَذاكَ الَّذي لَهُ كُلُّ سُلطانٍ في السَّماءِ وَعَلى الأَرضِ يَرتَضي أَن يَدخُلَ فَقرَ الإِنسانِ وَحاجَتَهُ. فَهُوَ الرَّبُّ، وَمَعَ ذٰلِكَ “مُحتاجٌ”؛ لا لأَنَّهُ يَفتَقِرُ في ذاتِهِ، بَلْ لأَنَّهُ شاءَ أَن يَسْلُكَ طَريقَ التَّواضُعِ وَالإِخلاءِ. وَفي هذا المَعنى يُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائِلًا: “إِنَّهُ رَبُّ البَشَريَّةِ كُلِّها، وَحَتّى الخُطاةُ هُم لَهُ، وَإِن كانوا بِحُرِّيَّتِهِم قَدِ استَسلَموا لِلشِّرّ»؛ أَي إِنَّ سَيادَةَ المَسيحِ تَشمَلُ كُلَّ الخَليقَةِ، وَمِن ثَمَّ فَلَهُ الحَقُّ أَن يَطلُبَ ما هُوَ لَهُ. وَلِهٰذا لا يُعارِضُ صاحِبُ الأَتانِ وَالجَحْشِ، لأَنَّ طَلَبَ الرَّبِّ يَحْمِلُ في ذاتِهِ سُلطانَهُ وَمَشروعيَّتَهُ. وَيَرى بَعضُ المُفَسِّرينَ أَنَّ عِبارَةَ “الرَّبُّ مُحْتاجٌ إِلَيْهِما” تُوحي أَيضًا بِوُجودِ أُناسٍ في أُورَشَليمَ وَضَواحيها كانوا قَدِ اعتَرَفوا بِيَسوعَ رَبًّا، وَرُبَّما صارَ بَعضُهُم مِن تَلاميذِهِ أَو مِن المُتَعاطِفينَ مَعَهُ أَثناءَ خِدمَتِهِ السَّابِقَةِ. وَهٰذا ما يُفَسِّرُ سُرعَةَ الاِسْتِجابَةِ وَعَدَمَ المُمانَعَةِ. وَفي ذٰلِكَ إِشارَةٌ إِلى أَنَّ الرَّبَّ يَجِدُ دَومًا في التَّاريخِ قُلوبًا مُستَعِدَّةً لِخِدمَتِهِ، حتّى وَإِنْ كانَت غَيرَ ظاهِرَةٍ في وَجهِ الحَدَثِ. أَمَّا مِنَ الجِهَةِ الرُّوحيَّةِ، فَإِنَّ هٰذِهِ العِبارَةَ تَكشِفُ عَن فَقرِ المَسيحِ الاِختِياريِّ. فَيَسوعُ، الَّذي لَيسَ لَهُ أَيْنَ يُسنِدُ رَأْسَهُ” (متى 8: 20)، يَستَعيرُ هُنا أَتانًا لِيَركَبَها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَنطونيوس البادَوانيّ بِصُورَةٍ مُؤَثِّرَةٍ قائِلًا: إِنَّ المَسيحَ “كانَ فَقيرًا حتّى إِنَّهُ لَم يَجِدْ ما يَضَعُ عَلَيْهِ رَأْسَهُ، إِلَّا حينَ حَنى رَأْسَهُ عَلى الصَّليبِ وَأَسلَمَ الرُّوحَ”. وَهٰنا يَرتَبِطُ دُخولُهُ إِلى أُورَشَليمَ بِفَقرِهِ الخَلاصيِّ الَّذي سَيَبلُغُ مِلأَهُ عَلى الجُلجُلَةِ. فَالَّذي يَدخُلُ المَدينةَ راكِبًا دابَّةً مُستَعارَةً هُوَ نَفْسُهُ الَّذي سَيَبذُلُ ذاتَهُ عَنِ العالَمِ كُلِّهِ. وَتُظهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ أَيضًا أَنَّ يَسوعَ لَم يَخضَعْ لِلظُّروفِ أَو يَبْنِ قَراراتِهِ بِمُحضِ المُصادَفَةِ، بَلْ كانَ يُفَكِّرُ وَيُدَبِّرُ كُلَّ أُمورِهِ في ضَوءِ الرِّسالَةِ الَّتي جاءَ لِيُتِمَّها. فَهُوَ يَعلَمُ ما سَيَحدُثُ، وَيُنبِئُ بِهِ قَبلَ وُقوعِهِ، وَيَختارُ الذَّهابَ إِلى أُورَشَليمَ لِلآلامِ وَالمَوتِ بِحُرِّيَّةٍ كامِلَةٍ. وَهٰذا ما يَمنَحُ الحَدَثَ بُعدَهُ الخَلاصِيَّ العَميق: فَالمَسيحُ لا يُفاجِئُهُ الصَّليبُ، بَلْ يَدخُلُ إِلَيْهِ عالِمًا وَمُريدًا، لِأَنَّهُ جاءَ خُصوصًا لِيَبذُلَ نَفسَهُ فِديَةً عَن كَثيرينَ.

أَمَّا عِبارَةُ “فَيُرْسِلُهُما لِلْوَقْتِ” فَتُشيرُ إِلى الاِسْتِجابَةِ الفَورِيَّةِ الَّتي يَلقاها طَلَبُ الرَّبِّ. وَهٰذِهِ السُّرعَةُ لا تُعبِّرُ فَقَط عَن مَعْرِفَةِ أَصحابِ الأَتانِ وَالجَحْشِ بِيَسوعَ، بَلْ أَيضًا عَن سُلطانِ كَلِمَتِهِ الَّتي تَفتَحُ القُلوبَ وَتُحَرِّكُ الإِرادَةَ.  َعِندَما يَطلُبُ الرَّبُّ، يَصيرُ العَطاءُ استِجابَةً إِيمانيَّةً، لا مُجرَّدَ تَنازُلٍ ماديٍّ.  وَفي هذا رِسالَةٌ رَعَوِيَّةٌ عَميقَةٌ: كُلُّ ما لِلمُؤمِنِ هُوَ أَصلًا لِلرَّبِّ، وَعِندَما يَطلُبُهُ الرَّبُّ لِخِدمَتِهِ، يَنبَغي أَن يُعطى “لِلْوَقْتِ”، أَي بِطَواعِيَةٍ وَسُرعَةِ قَلبٍ. وَهٰكَذا تَتَجاوَزُ الآيَةُ مُجرَّدَ تَدبيرٍ عَمَليٍّ لِتُعلِنَ حَقائقَ لاهوتيَّةً كُبرى: فَيَسوعُ هُوَ الرَّبُّ ذُو السُّلطان، وَهُوَ في الوَقتِ نَفْسِهِ الفَقيرُ المُتَجَسِّدُ الَّذي يَقبَلُ أَن يَحتاجَ، وَهُوَ أَيضًا المُدَبِّرُ الحُرُّ الَّذي يَتَّجِهُ بِملءِ وَعيِهِ إِلى ساعَةِ الآلام. وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ عِبارَةَ “الرَّبُّ مُحْتاجٌ إِلَيْهِما” تَبقى مِن أَجْمَلِ العِباراتِ الإِنجيليَّةِ الَّتي تَجمَعُ بَينَ المَجدِ وَالتَّواضُعِ، وَبَينَ السُّلطانِ وَالفَقرِ، وَبَينَ الرُّبوبِيَّةِ وَالتَّجَسُّدِ.

4 “وَإِنَّما حَدَثَ هذا لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيّ”

 تَستَعمِلُ العِبارَةُ “ لِيَتِمَّ ” اليونانيَّةُ ἵνα πληρωθῇ الفِعلَ في صِيغَةِ المَجهولِ اللاهوتيّ، أَي إِنَّ اللهَ نَفْسَهُ هُوَ الفاعِلُ الضِّمنيُّ الَّذي يُتِمُّ كَلِمَتَهُ في التَّاريخ. وَيُشيرُ قَولُهُ “لِيَتِمَّ” إِلى مَفهومٍ مِحْوَريٍّ في إنجيل مَتَّى، حَيْثُ يَتَكَرَّرُ فيه لِيُؤَكِّدَ أَنَّ شَخصَ يَسوعَ وَأَعمالَهُ هِيَ إِتْمامُ الخَطِّ النُّبُوِيِّ كُلِّهِ. فَلا يَقتَصِرُ الأَمرُ عَلى تَحقيقِ نُبُوءَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ عَلَى إِظهارِ أَنَّ التَّاريخَ الخَلاصيَّ يَجِدُ مِلأَهُ وَاكْتِمالَهُ في المَسيحِ. وَفي هذا السِّياقِ يَقولُ القِدِّيسُ إيريناوس: “ما أُعلِنَ بِالرُّموزِ وَالنُّبُوءَاتِ في العَهْدِ القَديمِ، تَحَقَّقَ وَظَهَرَ بِوُضوحٍ في شَخصِ المَسيح” (Adv. Haer.). وَفي البُعدِ اللاهوتيِّ الأَعْمَق، تَكشِفُ عِبارَةُ «لِيَتِمَّ» أَنَّ اللهَ أَمينٌ لِوُعودِهِ، وَأَنَّ التَّاريخَ لَيْسَ مَسارًا عَشوائيًّا، بَلْ مَسيرَةُ خَلاصٍ تَتَحَقَّقُ وَفْقَ تَدبيرٍ إِلٰهيٍّ. وَيَرى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ «ما وُعِدَ بِهِ قَديمًا يُعلَنُ الآن، وَما أُعلِنَ في الرُّموزِ يُرى في الحَقيقَة»، فَيَصيرُ المَسيحُ هُوَ نُقْطَةَ التِقاءِ العَهْدَيْنِ.

أمَّا عِبَارة “ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيّ” فتشير الى نُبُوءَةُ زكريا (9: 9): “اِبْتَهِجي جِدًّا يا بِنتَ صِهْيون، وَاهْتِفي يا بِنتَ أُورَشَليم: هُوَذا مَلِكُكِ آتِيًا إِلَيْكِ، بارًّا مُخَلِّصًا، وَديعًا، راكِبًا على حِمارٍ وَعَلى جَحْشِ ابنِ أَتان”. وَكَتَبَ النَّبيُّ زكريا هٰذِهِ الكَلِماتِ في سِياقِ رَجاءِ إِسرائيلَ بِمَلِكٍ مَسيحانيٍّ يُقيمُ العَدلَ وَالسَّلامَ، بَعدَ زَمَنِ الضِّيقِ وَالاضطِراب. لٰكِنَّ مَتّى يُظهِرُ أَنَّ هذا الرَّجاءَ لا يَتَحَقَّقُ بِصُورَةٍ سِياسيَّةٍ أَو عَسكريَّةٍ، بَلْ في شَخصِ يَسوعَ الوَديعِ الَّذي يَدخُلُ المَدينةَ عَلى جَحْشٍ. وَيُلاحظُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم أَنَّ الإِنجيليَّ لَم يَذكُرِ النُّبُوءَةَ اعتِباطًا، بَلْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ “كُلَّ ما يَجري لَم يَكُنْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، بَلْ بِتَدبيرٍ إِلٰهيٍّ مُسْبَقٍ” (PG 58)، فَيَصيرُ الدُّخولُ إِلى أُورَشَليمَ إِعلانًا أَنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ المَوعودُ، وَأَنَّ التَّاريخَ بِلُغَتِهِ النُّبُوِيَّةِ يَتَّجِهُ نَحوَهُ. وَيُعَمِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس هٰذا المَعنى، إِذْ يَرَى أَنَّ الإِتْمامَ لا يَعني مُجرَّدَ تَحقيقٍ حَرْفيٍّ، بَلْ إِعطاءَ المَعْنى كامِلًا: “لَم تُقَلِ النُّبُوءَةُ لِتَبقى كَلِماتٍ، بَلْ لِتَتَجَسَّدَ في الحَياة” (PL 26).  فَالمَسيحُ لا يَستَشهِدُ بِالنُّبُوءَةِ، بَلْ يُجَسِّدُها. وَمِن جِهَةٍ أُخرى، تُظهِرُ الآيَةُ عِلمَ يَسوعَ السَّابِقَ بِالأَحداثِ، إِذْ يَتَحَرَّكُ بِوَعيٍ كامِلٍ نَحوَ تَحقيقِ مَشيئَةِ الآب. فَهُوَ لا يَقَعُ في مَصيرِهِ، بَلْ يَسيرُ إِلَيْهِ بِحُرِّيَّةٍ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ القِدِّيسُ كيرلُّس الإِسْكَنْدَريّ قائِلًا: “المَسيحُ لَم يَكُنْ خاضِعًا لِحَوادِثَ عَمْياء، بَلْ هُوَ الَّذي يَقودُ الأَحداثَ لِتَتِمَّ فِيهِ مَشيئَةُ الله”. وَهٰكَذا تَتَجاوَزُ هٰذِهِ الآيَةُ مُجرَّدَ التَّعليقِ السَّرديِّ، لِتُقَدِّمَ مِفتاحًا لاهوتيًّا لِقِراءَةِ الإِنْجيلِ كُلِّهِ:

  • فَيَسوعُ هُوَ إِتْمامُ النُّبُوءَات،
  • وَالتَّاريخُ هُوَ مَسارُ وَعْدٍ وَإِتمام،
  • وَالخَلاصُ هُوَ تَحقيقُ مَشيئَةِ الله في الزَّمان.

وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ لا يُفهَمُ إِلَّا في ضَوءِ هٰذا الإِتْمام: إِنَّهُ المَلِكُ الَّذي وُعِدَ بِهِ، وَالمُخَلِّصُ الَّذي أُعلِنَ عَنهُ، وَالرَّبُّ الَّذي يَجْمَعُ في شَخصِهِ كُلَّ تَدبيرِ اللهِ لِخَلاصِ الإِنسان.

تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ مِفتاحًا تَفْسيريًّا أَساسِيًّا لِمَشهَدِ دُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ، إِذْ يَضَعُ الإِنجيليُّ مَتّى الحَدَثَ كُلَّهُ في إِطارِ إِتْمامِ النُّبُوءَاتِ.  فَلَيسَ ما يَجري مُجرَّدَ وَقائِعَ تاريخيَّةٍ عَرَضِيَّةٍ، بَلْ تَحقيقٌ واعٍ لِتَدبيرِ اللهِ المُعلَنِ مُسْبَقًا في الكِتابِ المُقَدَّسِ.

5 ” قُولوا لِبِنْتِ صِهْيون: هُوَذا مَلِكُكِ آتِيًا إِلَيْكِ وَديعًا، راكِبًا على أَتانٍ وَعَلى جَحْشٍ ابْنِ دابَّة”

تُشيرُ عِبارَةُ “بِنْتِ صِهْيون” في الأصل اليوناني θυγάτηρ Σιών إِلى أَحَدِ أَسماءِ أُورَشَليمَ الشِّعريَّةِ–النُّبُوِيَّةِ، وَهِيَ تَرجِعُ إِلى التَّعبيرِ العِبريِّ בַּת־צִיּוֹן، الَّذي يَدلُّ لا عَلى مَدينَةٍ جُغْرافيَّةٍ فَحَسْب، بَلْ عَلى شَعبِ اللهِ في عَلاقَتِهِ العَهْديَّةِ مَعَ الرَّبّ.  فَصِهْيونُ، وَهِيَ الجَبَلُ الجَنوبيُّ مِن جِبالِ أُورَشَليمَ، أَصبَحَت رَمْزًا لِحُضورِ اللهِ وَسُكناهُ بَيْنَ شَعبِهِ. وَيَرِدُ هٰذا التَّعبيرُ في سِياقِ دَعوةٍ إِلى الفَرَحِ الخَلاصيِّ: “قولوا لِابْنَةِ صِهْيون: هُوَذا خَلاصُكِ آتٍ” (إشعيا 62: 11).  وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ مَتّى يُظهِرُ أَنَّ أُورَشَليمَ، بِصِفَتِها “ابْنَةً”، مَدعوَّةٌ أَنْ تَستَقبِلَ مَلِكَها لا بِالخَوْفِ، بَلْ بِالفَرَحِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذِهِ العِبارَةَ رُوحيًّا، إِذْ يَرى أَنَّ “صِهْيونَ الحَقيقيَّةَ هِيَ جَماعَةُ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَسكُنُ اللهُ في وُسْطِهِم” (PL 37)، فَتَتَحَوَّلُ “بِنْتُ صِهْيون” مِن مَدينةٍ إِلى الكَنيسَةِ الحَيَّةِ، بَلْ إِلى النَّفسِ الَّتي تَستَقبِلُ المَسيحَ.

تُعلِنُ عِبارَةُ “هُوَذا مَلِكُكِ” في الأصل اليوناني ὁ βασιλεύς σου هُوِيَّةَ يَسوعَ المَسيحانيَّةَ بِوُضوحٍ. فَالكَلِمَةُ اليونانيَّةُ βασιλεύς تُحيلُ إِلى الرَّجاءِ الداوُديِّ، إِذْ كانَ الشَّعبُ يَنتَظِرُ مَلِكًا يُعيدُ المَجدَ وَيُقيمُ العَدلَ. لٰكِنَّ الإِنجيليَّ يُعيدُ تَعريفَ هٰذا المُلْكِ: فَالمَلِكُ الآتي لَيْسَ فاتِحًا عَسكريًّا، بَلْ مَلِكُ الخَلاصِ. وَيُشيرُ النَّصُّ إِلى أَنَّ هٰذا المَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذي تَكلَّمَ عَنهُ الأَنْبِياءُ:”مَنْ لا يَخْشاكَ يا مَلِكَ الأُمَم؟” (إرميا 10: 7). فَيَجتَمِعُ في شَخصِ يَسوعَ بُعدانِ: مَلِكُ إِسرائيلَ وَمَلِكُ كُلِّ الأُمَم. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائلًا: “لَم يَأتِ لِيُرْعِبَ بِعَظَمَتِهِ، بَلْ لِيَجذِبَ بِوَداعَتِهِ”، فَيُظهِرُ أَنَّ سُلطانَ المَسيحِ لا يَقومُ عَلى الخَوفِ، بَلْ عَلى المَحَبَّةِ”.

تَحمِلُ الكَلِمَةُ ” وَديعًا” في اليونانيَّةُ πραΰς مَعنى القُوَّةِ المُنضَبِطَةِ، لا الضَّعفِ. فَالوَداعةُ في اللُّغَةِ الكِتابيَّةِ هِيَ قُدْرَةٌ تَرفُضُ العُنفَ، وَتَختارُ طَريقَ المَحَبَّةِ. وَبِهٰذا، يَتَحَقَّقُ التَّناقُضُ الظَّاهِريُّ: مَلِكٌ لٰكِن وَديع، سُلطانٌ لٰكِن بِلا عُنف. وَيَرى القِدِّيسُ غريغوريوس النِّيسيّ أَنَّ الوَداعةَ هِيَ “انْتِصارُ الإِنسانِ على غَضَبِهِ”، أَي أَنَّها قُوَّةٌ داخِلِيَّةٌ لا ضَعفٌ خارِجيّ. وَهٰكَذا يَكشِفُ المَسيحُ أَنَّ مُلكَهُ يَقومُ عَلى تَحويلِ القُوَّةِ إِلى مَحَبَّةٍ.

تُعَدُّ إ عِبارَةَ “هُوَذا مَلِكُكِ آتِيًا إِلَيْكِ وَديعًا” مِن أَجْمَلِ الإِعلاناتِ الإِنجيليَّةِ، لأَنَّها تَجمَعُ بَيْنَ: المَجدِ “مَلِكُكِ”، وَالتَّواضُعِ “وَديعًا” وَالخَلاصِ “آتِيًا إِلَيْكِ”. فَالمَسيحُ لا يَأتي مِن بَعيدٍ، بَلْ إِلَيْكِ؛ لا يَفرِضُ نَفسَهُ، بَلْ يَدخُلُ بِوَداعة؛ لا يَطلُبُ عَرشًا أَرضِيًّا، بَلْ قَلبَ الإِنسان. وَهٰكَذا يَبقى أُحَدُ الشَّعانينِ دَعوةً دَائِمَةً: أَن تُصبِحَ النَّفسُ بِنْتَ صِهْيون الَّتي تَستَقبِلُ مَلِكَها، لا بِالسُّعفِ فَحَسْب، بَلْ بِالإِيمانِ وَالمَحَبَّةِ.

عِبَارة ” راكِبًا على أَتانٍ وَعَلى جَحْشٍ ابْنِ دابَّة” في النَّصُّ اليونانيُّ: ἐπὶ ὄνον καὶ ἐπὶ πῶλον υἱὸν ὑποζυγίου يُشيرُ إِلى: ὄνος : الأَتان . πῶλος الجَحْش (حَيَوان لَم يُروَّض بَعْدُ) وَهٰذا التَّفصيلُ لَيْسَ عَرَضيًّا، بَلْ لاهوتيٌّ: إِتْمامُ النُّبُوءَة (زكريا 9: 9) ، ورَفْضُ الصُّورَةِ العَسكريَّة (الفَرَسِ الحَربيّ) والإِعلانُ عَن مَلِكِ السَّلام. وَقَد أَشارَ سِفرُ التَّكوين (49: 11) إِلى رَمزِيَّةِ الجَحْشِ في سِياقِ بَرَكَةِ يَهوذا، مِمّا يُعزِّزُ البُعدَ المَسيحانيّ. وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائلًا: “لَم يَجلِسْ عَلى مَركَبَةٍ ذَهَبيَّةٍ وَلا عَلى فَرَسٍ ناريّ، بَلْ عَلى أَتانٍ، لِيُظهِرَ أَنَّهُ صَديقُ السَّلام”.  يَكشِفُ هذا النَّصُّ عَن إِعادةِ تَعريفٍ جِذريَّةٍ لِمَفهومِ المُلكِ:

  • لَيْسَ مُلكًا سِياسيًّا بَلْ خَلاصِيّ
  • لَيْسَ بِالقُوَّة بَلْ بِالوَداعة
  • لَيْسَ لِلهَيْمَنَة بَلْ لِلخِدمَة

فَيَسوعُ لا يَأتي لِيُسقِطَ رُوما، بَلْ لِيُحَرِّرَ الإِنسانَ مِن مَملَكَةِ الخَطيئَةِ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ إيريناؤس، إِذْ يَرى أَنَّ المَسيحَ “مَلَكَ مِن فَوقِ الصَّليب”، فَيُصبِحُ الصَّليبُ هُوَ عَرشُهُ الحَقيقيّ. تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ ذِرْوَةَ الإِعلانِ النُّبُوِيِّ في مَشهَدِ دُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ، إِذْ يَجْمَعُ الإِنجيليُّ مَتّى بَيْنَ نَصَّيْنِ نُبُوِيَّيْنِ (إِشَعْياء 62: 11؛ زكريا 9: 9)، لِيُظهِرَ أَنَّ ما يَجري هُوَ إِتْمامٌ كامِلٌ لِرَجاءِ إِسرائيلَ المَسيحانيّ.

6 “فَذَهَبَ التِّلميذانِ وَفَعَلا كَما أَمَرَهُما يَسوع”

العِبارَةُ “فَعَلا كَما أَمَرَهُما” لا تُعبِّرُ فَقَط عَن تَنفيذِ تَعليماتٍ عَمليَّةٍ، بَلْ تَحْمِلُ بُعدًا لاهوتيًّا يَتَجَلّى في أَنَّ طاعَةَ التِّلميذِ لِلمَسيحِ هِيَ الشَّرطُ الأَساسِيُّ لِلمُشارَكَةِ في تَحقيقِ تَدبيرِ الخَلاص. وَيُلاحظُ الإِنجيليُّ مَتّى أَنَّهُ لا يَذكُرُ تَفاصيلَ الحِوارِ الَّذي جَرى مَعَ أَصحابِ الأَتانِ وَالجَحْشِ، مُكْتَفِيًا بِالتَّركيزِ عَلى الطاعَةِ وَالتَّنفيذ. أَمّا الإِنجيليّانِ مرقس (11: 3–6) وَلوقا (19: 33–34)، فَيُضيفانِ بُعدًا سَرديًّا أَكثرَ تَفصيلًا، إِذْ يَذكُرانِ أَنَّ أَصحابَ الدَّابَّةِ اعترضوا التِّلميذَيْنِ في البِدايةِ، فَأَجاباهُم بِالعِبارَةِ الَّتي أَوصاهُما بِها يَسوع: “الرَّبُّ مُحتاجٌ إِلَيْهِ”، فَتَحقَّقَ الإِذْنُ وَتَمَّتِ المُهِمَّةُ. وَيَكشِفُ هذا التَّناغُمُ بَيْنَ الأَناجيلِ عَن بُعْدَيْنِ مُتَكامِلَيْنِ:

  • بُعدٍ تاريخيٍّ واقِعيٍّ: وُجودُ اعتراضٍ وَجَوابٍ مُقنِعٍ
  • وَبُعدٍ لاهوتيٍّ إِيمانيٍّ: قُوَّةُ كَلِمَةِ الرَّبِّ الَّتي تَفتَحُ القُلوبَ وَتُيَسِّرُ الطَّريق

فَكَلِمَةُ يَسوع لَيْسَت مُجرَّدَ تَعليماتٍ، بَلْ كَلِمَةٌ فاعِلَةٌ تُحَقِّقُ ما تَقُولُهُ. وَفي هذا السِّياقِ، يَرى القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم أَنَّ “التِّلميذَيْنِ لَم يَتَرَدَّدا، بَلْ أَطاعا بِثِقَةٍ، لأَنَّهُما تَعَلَّما أَنَّ أَوامِرَ الرَّبِّ تَحمِلُ في ذاتِها قُوَّةَ تَحقيقِها”  (PG 58). وَمِن جِهَةٍ أُخرى، تُشيرُ هٰذِهِ الطاعَةُ إِلى نَمَطٍ كتابيٍّ مَعروفٍ، حَيْثُ تَرتَبِطُ الطاعَةُ بِالإِيمانِ. فَكَمَا أَطاعَ إِبراهيمُ دَعوةَ اللهِ (تكوين 12: 4)، وَمُوسى أَوامِرَهُ (خروج 40: 16)، هٰكَذا يَسيرُ التِّلميذانِ في خَطِّ الطاعَةِ، لِيُصبِحا شَريكينِ في تَحقيقِ مَشيئَةِ اللهِ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ القِدِّيسُ أوغسطينوس بِقَولِهِ: “الإِيمانُ الحَقيقيُّ يَظهَرُ في الطاعَة، لأَنَّ مَن يُؤمِنُ يَعمَلُ” (PL 37).  وَتَحمِلُ العِبارَةُ أَيضًا بُعدًا كَنَسيًّا، إِذْ تُجَسِّدُ دَورَ الرُّسُلِ كَوُسَطاءَ يَتَلَقَّونَ الكَلِمَةَ وَيُنَفِّذونَها. فَالكَنيسَةُ، عَبْرَ التَّاريخِ، مَدعوَّةٌ أَن تَفْعَلَ “كَما أَمَرَها يَسوع”، أَي أَن تَعيشَ في طاعَةٍ حَيَّةٍ لِوَصاياهُ، لا كَطاعَةٍ شَكليَّةٍ، بَلْ كَاستِجابةٍ إِيمانيَّةٍ تُساهِمُ في إِتمامِ الخَلاصِ. وَيُضيفُ القِدِّيسُ كيرلُّس الإِسْكَنْدَريّ بُعدًا رَمزيًّا، إِذْ يَرى أَنَّ التِّلميذَيْنِ يُمثِّلانِ الكَنيسَةَ المُرسَلةَ إِلى العالَم، الَّتي تَعمَلُ بِسُلطانِ المَسيحِ، وَتُحَقِّقُ مَشيئَتَهُ بِالطاعَةِ. فَلا يَكفي أَن نَسمَعَ كَلِمَةَ الرَّبِّ، بَلْ يَجِبُ أَن نُتَرجِمَها إِلى عَمَلٍ. وَهٰكَذا تَكشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الطاعَةَ البَسيطَةَ لِكَلِمَةِ المَسيحِ تُصبِحُ جُزءًا مِن تَدبيرِ اللهِ العَظيمِ. فَمِن خِلالِ طاعَةِ التِّلميذَيْنِ، تَتَحَقَّقُ النُّبُوءَةُ، وَيُمهَّدُ الطَّريقُ لِدُخولِ المَلِكِ إِلى أُورَشَليمَ. إِنَّ عِبارَةَ “فَعَلا كَما أَمَرَهُما يَسوع تُلَخِّصُ رِسالَةَ التَّلمَذَةِ كُلِّها: فَالإِيمانُ الحَقيقيُّ لَيْسَ مَعْرِفَةً فَحَسْب، بَلْ طاعَةٌ؛ وَالطاعَةُ لَيْسَت خُضوعًا أَعْمَى، بَلْ ثِقَةٌ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ؛ وَمِن خِلالِ هٰذِهِ الطاعَةِ، يَصيرُ الإِنسانُ أَدَاةً في يَدِ اللهِ لِتَحقيقِ مَشيئَتِهِ في التَّاريخ. تُظهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ بُعدًا جوهريًّا في السَّردِ الإِنجيليّ، إِذْ تُؤَكِّدُ طاعَةَ التِّلميذَيْنِ الفَوريَّةَ وَالكامِلَةَ لِكَلِمَةِ يَسوع.

7 “وَأَتَيا بِالأَتانِ وَالجَحْش، ثُمَّ وَضَعا عَلَيْهِما رِداءَيْهِما، فَرَكِبَ يَسوع”

تُشيرُ عِبارَةُ “وَضَعوا عَلَيْهِما رِداءَيْهِما” إِلى عُرفٍ شَرقيٍّ قَديمٍ يُعبِّرُ عَن تَكريمِ المَلِكِ وَالخُضوعِ لَهُ، حَيْثُ كانَ النّاسُ يَفرِشونَ ثِيابَهُم تَحتَ الراكِبِ أَو عَلى الدَّابَّةِ الَّتي يَمتَطيها، إِعلانًا لِسَيادَتِهِ. وَيَجِدُ هٰذا التَّقليدُ جُذورَهُ في العَهْدِ القَديمِ، كَما في تَتويجِ ياهو مَلِكًا: “أَسْرَعوا وَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ رِداءَهُ وَجَعَلوهُ تَحتَهُ… وَقالوا: قَد مَلَكَ ياهو” (2 ملوك 9: 13). وَكَذٰلِكَ يَدُلُّ تَسليمُ الثَّوبِ في بَعضِ النُّصوصِ النُّبُوِيَّةِ (إشعيا 3: 6) عَلى مَنْحِ السُّلطانِ وَالقيادَة. وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ وَضْعَ الرِّداءِ في مَشهَدِ الشَّعانينِ لَيْسَ تَفصيلًا ثانويًّا، بَلْ إِشارةٌ واضِحَةٌ إِلى الاِعتِرافِ الضِّمنيِّ بِمُلكِ يَسوع. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم أَنَّ التِّلاميذَ “لَم يَكُنْ لَدَيْهِم عَرشٌ يُقَدِّمونهُ، فَقَدَّموا ثِيابَهُم، وَهٰذا يُظهِرُ أَنَّ المَسيحَ يَملِكُ لا بِالذَّهَبِ بَلْ بِمَحبَّةِ القُلوب” (PG 58).

تشير عبارة “فَرَكِبَ يَسوع” في النَّصِّ اليونانيّ: ἐπεκάθισεν ἐπάνω αὐτῶν يَعني حَرفيًّا: “جَلَسَ عَلَيْهِما”. وَقَد أَثارَ هذا التَّعبيرُ نِقاشًا تَفسيريًّا، لِأَنَّ النَّصَّ يُوحي ظاهِريًّا بِأَنَّ يَسوعَ رَكِبَ كِلا الحَيَوانَيْنِ. إِلّا أَنَّ المُقارَنَةَ مَعَ مرقس (11: 7) وَلوقا (19: 35) تُوضِّحُ أَنَّهُ رَكِبَ الجَحْشَ وَحدَهُ، بَيْنَما تُشيرُ صِيغَةُ الجَمْعِ في مَتّى إِلى الرِّداءَيْنِ أَو إِلى ذِكْرِ الحَيَوانَيْنِ في إِطارِ إِتْمامِ النُّبُوءَةِ. وَهٰذا يُؤَكِّدُ أَنَّ مَتّى يَهدِفُ إِلى تَشديدِ البُعدِ النُّبُوِيِّ (زكريا 9: 9)، أَكثرَ مِن وَصفٍ تَفصيليٍّ حَرفيٍّ لِلحَدَثِ. يُشيرُ إِنجيلُ مَرقُس إِلى أَنَّ الجَحْشَ “لَم يَجلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَطّ” (مرقس 11: 2)، وَهٰذا يَحمِلُ بُعدًا لاهوتيًّا عَميقًا، إِذْ يَرتَبِطُ بِمَفهومِ التَّكريسِ في العَهْدِ القَديمِ، حَيْثُ كانَتِ الأَشياءُ المُخصَّصَةُ لِلهِ يَجِبُ أَن تَكونَ غَيرَ مُستَعمَلةٍ قَبلًا (عدد 19: 2). وَمِن ثَمَّ، فَالجَحْشُ يُصبِحُ رَمزًا: لِما هُوَ مُكرَّسٌ لِله، لِبِدايةِ عَهدٍ جَديدٍ، ولِشَعبٍ لَم يُستَعمَل بَعدُ (الأُمَم) وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرلُّس الإِسْكَنْدَريّ إِلى أَنَّ الجَحْشَ “يُمثِّلُ الأُمَمَ الَّتي لَم تَخضَعْ بَعدُ، وَلٰكِنَّها سَتُصبِحُ مَركَبَةً لِلمَسيح”. إِنَّ رُكوبَ يَسوعَ الجَحْشَ يُثبِتُ في آنٍ واحِدٍ: أَنَّهُ المَسيحُ المَلِك (إِتمامُ زكريا 9: 9)، وَأَنَّهُ المَلِكُ الوَديع. فَهُوَ لا يَختارُ فَرَسًا حَربيًّا، بَلْ دابَّةً مُتواضِعَةً، مُعلِنًا أَنَّ مُلكَهُ لَيْسَ مِن نَوعِ مُلوكِ العالَم. وَهٰذا ما يَتَوافَقُ مَعَ قَولِهِ: “إِنِّي وَديعٌ وَمُتواضِعُ القَلْب” (متى 11: 29). وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس أَنَّ المَسيحَ “أَظهَرَ نَوعَ مُلكِهِ لا بِالعَظَمَةِ الظّاهِرَةِ، بَلْ بِالتَّواضُعِ الَّذي يُخلِّصُ” (PG 7). يُقدِّمُ القِدِّيسُ رِميجيوس تَفسيرًا رَمزيًّا عَميقًا، إِذْ يَرى أَنَّ “المَسيحَ الراكِبَ وَالمُتَّجِهَ نَحوَ المَدينةِ المُقَدَّسَةِ يُشبهُ المَلِكَ الَّذي يَقودُ الكَنيسَةَ وَكُلَّ نَفسٍ مُؤمِنَةٍ، نَحوَ الوَطَنِ السَّماويّ”. فَيَتَحَوَّلُ المَشهَدُ مِن حَدَثٍ تاريخيٍّ إِلى مَسيرَةٍ كَنَسيَّةٍ وَرِحلةٍ رُوحيَّةٍ وَدَعوةٍ شَخصيَّةٍ لِكُلِّ مُؤمِن. فَالمَسيحُ لا يَركَبُ الجَحْشَ فَقَط، بَلْ يَشتاقُ أَن يَركَبَ قَلبَ الإِنسانِ، وَيَقودَهُ نَحوَ أُورَشَليمَ السَّماويَّة. تَكشِفُ ألآية عَن سِرٍّ عَميقٍ: فَالمَسيحُ مَلِكٌ، لٰكِنَّهُ يَملِكُ عَلى القُلوبِ؛ وَهُوَ عَظيمٌ، لٰكِنَّهُ يَختارُ طَريقَ التَّواضُع؛ وَيَدخُلُ أُورَشَليمَ، لا لِيَجلِسَ عَلى عَرشٍ أَرضيّ، بَلْ لِيَرتَفِعَ عَلى عَرشِ الصَّليب. وَهٰكَذا يَبقى المَشهَدُ دَعوةً دائِمَةً: أَن نَفرِشَ “رِداءَ” قُلوبِنا لِلمَسيح، لِيَجلِسَ فيها مَلِكًا، وَيَقودَنا نَحوَ مَجدِ القِيامة. تُواصِلُ هٰذِهِ الآيَةُ بَيانَ الطَّابِعِ المَلوكيِّ لِدُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ، مُبرِزَةً بُعْدَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ: البُعدَ الطَّقسيَّ–المَلَكيَّ وَالبُعدَ اللاهوتيَّ–الخَلاصيَّ.

8 “وَكانَ مِنَ النّاسِ جَمْعٌ كَثير، فَبَسَطوا أَردِيَتَهُم على الطَّريق، وَقَطَعَ غَيْرُهُم أَغصانَ الشَّجَر، فَفَرَشوا بِها الطَّريق”.

يَرِدُ التَّعبيرُ “جَمْعٌ كَثير” في الأصل اليونانيُّ πλεῖστος ὄχλος، أَي “الجَمْعُ الأَكثَر”، وَهُوَ صِيغَةُ تَفضيلٍ تُشيرُ إِلى أَنَّ الغالِبيَّةَ مِنَ الجُموعِ كانَت تُشارِكُ في هذا الاِستِقبالِ. وَتَتَألَّفُ هٰذِهِ الجُموعُ مِن فِئاتٍ مُتَنوِّعَةٍ:

  • الَّذينَ رافَقوا يَسوعَ مِن أَريحا
  • الَّذينَ خَرَجوا مِن بَيْتِ عَنْيا
  • الَّذينَ أَتَوا مِن أُورَشَليمَ لاِستِقبالِهِ

وَهٰذا ما يُشيرُ إِلى طابِعٍ جَماهيريٍّ وَاسِعٍ، يَحْمِلُ في طَيّاتِهِ تَوَتُّرًا داخليًّا، إِذْ لَيْسَ كُلُّ الحاضِرينَ مُتَّفِقينَ، فَبَعضُ الفِرِّيسيّينَ يَعترِضونَ (لوقا 19: 39). وَيُلاحَظُ أَنَّ مَتّى يُركِّزُ على الجُموع، في حينِ يُركِّزُ لوقا على التَّلاميذ، مِمّا يُظهِرُ تَكامُلَ الزَّوايا السَّرديَّةِ بَيْنَ الأَناجيل. وَيَرى القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم أَنَّ “كَثرَةَ الجُموعِ تُظهِرُ قُوَّةَ الشَّهادةِ، لٰكِنَّها لا تَضمَنُ ثَباتَ الإِيمان”، في إِشارةٍ إِلى أَنَّ نَفسَ الجُموعِ الَّتي هَتَفَت قَد تَتَغَيَّرُ لاحِقًا.

تُشيرُ عِبارَةُ “بَسَطوا أَردِيَتَهُم” إِلى عُرفٍ مَلوكيٍّ قَديمٍ، حَيْثُ كانَ فَرْشُ الثِّيابِ تَحتَ أَقدامِ المَلِكِ أَو مَركَبِهِ عَلامَةَ اِحترامٍ وَخُضوعٍ وَاعتِرافٍ بِسُلطانِهِ. وَيَعودُ هذا التَّقليدُ إِلى نُصوصٍ كِتابيَّةٍ مِثل: 2 ملوك 9: 13، حَيْثُ فَرَشَ الشَّعبُ ثِيابَهُ لِياهو عِندَ تَتويجِهِ. وَبِهٰذا الفِعلِ، لا تَكتَفي الجُموعُ بِالتَّرحيبِ، بَلْ تُعلِنُ – وَلَو ضِمنِيًّا – مُلكَ يَسوعَ. وَيُفسِّرُ القِدِّيسُ إيرونيموس هٰذا التَّصرُّفَ رَمزيًّا، قائِلًا إِنَّ الجُموعَ “وَضَعوا ثِيابَهُم لِئَلّا تَتَعَثَّرَ خُطى المَخلِّص، فَكَأَنَّهُم يُمَهِّدونَ لَهُ الطَّريقَ بِأَعمالِهِم” (PL 26). فَتُصبِحُ الثِّيابُ هُنا رَمزًا لِأَعمالِ الإِنسانِ الَّتي يَضَعُها خِدمَةً لِلمَسيح.

يَذكُرُ مَتّى “أَغصانَ الشَّجَر” بِصِفَةٍ عامَّةٍ، في حينِ يُحَدِّدُ إِنجيلُ يُوحنّا أَنَّها سَعَفُ النَّخل (يوحنا 12: 13)، وَهُوَ رَمزٌ مَعروفٌ في التَّقليدِ اليَهُوديِّ: رَمزُ الفَرَحِ وَالاِحتِفالِ (لاويين 23: 40)، ورَمزُ النَّصرِ وَالغَلَبَة. وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ قَطعَ الأَغصانِ وَفَرْشَها يَحْمِلُ طابِعًا لِيتورجيًّا وَاحتِفاليًّا، يُعبِّرُ عَن الاِعتِقادِ بِأَنَّ المَسيحَ هُوَ المَلِكُ المُنتَصِرُ وَبِدايةُ الأَزْمِنَةِ المَسيحانيَّةِ. وَيُضيفُ القِدِّيسُ إيرونيموس بُعدًا رَمزيًّا آخَر، إِذْ يَرى أَنَّ الأَغصانَ “المُثمِرَةَ” تُشيرُ إِلى الأَعمالِ الصّالِحَةِ الَّتي تَليقُ بِاستِقبالِ المَسيح، فَلا يَكفي الهُتافُ، بَلْ يَجِبُ أَن تُرافِقَهُ ثِمارٌ حَقيقيَّةٌ.

عبارة “فَرَشوا بِها الطَّريق” تشير إِلى تَهيِئَةِ الطَّريقِ لِمُلكِ الله واِستِقبالِ المَسيحِ في التَّاريخ وتَمهيدِ مَسارِ الخَلاص. وَهٰذا يَرتَبِطُ بِالفِكرِ النُّبُوِيِّ: “أَعِدّوا طَريقَ الرَّبّ” (إشعيا 40: 3). فَالجُموعُ، وَإِن لَم تَعِ ذٰلِكَ كامِلًا، تَقومُ بِفِعلٍ نُبُوِيٍّ يُمهِّدُ لِدُخولِ المَلِكِ الإِلٰهيّ. تَكشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَن تَفاعُلٍ عَميقٍ بَيْنَ: الجُموعِ الَّتي تُعلِنُ الإِيمانَ بِالاحتِفال وَالمَسيحِ الَّذي يَتَّجِهُ إِلى الصَّليب. فَالجُموعُ تَفرِشُ الطَّريقَ بِالسَّعَفِ، وَالمَسيحُ يَعرِفُ أَنَّ الطَّريقَ سَيَنتهي بِالجُلجُلَة. وَهٰكَذا يَتَكشَّفُ سِرُّ الشَّعانينِ: فَرَحٌ حَقيقيٌّ، لٰكِنَّهُ فَرَحٌ يَحمِلُ في داخِلِهِ بُذورَ الآلام؛ مُلْكٌ مَعلَنٌ، لٰكِنَّهُ سَيَتَحقَّقُ عَلى الصَّليب. وَمِن هُنا، تَبقى الدَّعوةُ قائِمَةً: أَن لا نَفرِشَ الطَّريقَ لِلمَسيحِ بِالأَغصانِ فَقَط، بَلْ بِحَياةٍ مُثمِرَةٍ، تَليقُ بِمَلِكِ المَجدِ. تُظهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ البُعدَ الشَّعبيَّ وَاللِّيتورجيَّ لِدُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ، حَيْثُ يَتَحوَّلُ الطَّريقُ نَفسُهُ إِلى مَسْرَحٍ لِلاِستِقبالِ المَسيحانيِّ.

9 “وَكانَتِ الجُموعُ الَّتي تَتَقَدَّمُهُ وَالَّتي تَتْبَعُهُ تَهْتِفُ: هُوشَعْنا لابنِ داود! تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!”

تُصوِّرُ َالعِبارَةُ “الجُموعُ الَّتي تَتَقَدَّمُهُ وَالَّتي تَتْبَعُهُ” يَسوعَ في وَسَطِ شَعبِهِ، كَمَركَزِ التَّاريخِ وَنُقطَةِ التِقاءِ ما كانَ قَبلَهُ وَما يَأتي بَعدَهُ. وَقَد رَأى بَعضُ الآباءِ في الَّذينَ يَتَقَدَّمونَهُ رَمزًا لِلأَنْبِياءِ وَالأَبْرارِ الَّذينَ سَبَقوا مَجيئَهُ وَهَيَّأوا لَهُ الطَّريقَ، وَفي الَّذينَ يَتْبَعُونَهُ رَمزًا لِلَّذينَ آمَنوا بِهِ بَعدَ ظُهورِهِ، وَبِذٰلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ المَسيحَ هُوَ مَخَلِّصُ الجَميعِ، وَأَنَّ الخَلاصَ الَّذي جاءَ بِهِ يَشْمَلُ الأَزْمِنَةَ كُلَّها. وَفي هذا السِّياقِ يُعَلِّقُ العَلّامَةُ أوريجانوس قائِلًا: “أَعلَنَ الجَميعُ الشَّيءَ نَفسَهُ، مُتَّحِدينَ بِصَوتٍ واحِدٍ، أَنَّ المُخَلِّصَ قَد تَأَنَّس”، فَالوَحدَةُ في الهُتافِ تُعبِّرُ عَن وَحدَةِ الإِيمانِ بِالمَسيحِ الآتي لِلخَلاص.

وَأَمَّا عِبارَةُ “تَهْتِفُ” فَتُشيرُ إِلى الهُتافِ العَلَنيِّ الحارِّ الَّذي يَصدُرُ عَن جَمعٍ مُتحَمِّسٍ يَستَقبِلُ المَلِكَ. وَلَيْسَ الهُتافُ هُنا مُجرَّدَ صَوتٍ جَماعِيٍّ، بَلْ فِعلُ إِيمانٍ وَشَهادَةٍ وَاعتِرافٍ. فَالجُموعُ لا تَستَقبِلُ يَسوعَ كَمُجَرَّدِ مُعَلِّمٍ أَو صانِعِ عَجائِبَ، بَلْ كَمَلِكٍ وَمُخَلِّصٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أمبروسيوس قائلًا: “طوبى لِلَّذينَ استَقبَلوا المَسيحَ المُنتَصِرَ في أَعماقِ قُلوبِهِم! طوبى لِلَّذينَ يُرَدِّدونَ الكَلِماتِ السَّماويَّةَ وَالهِتافاتِ السَّيِّديَّةَ!”، فَيَنتَقِلُ المَشهَدُ مِنَ الطَّريقِ الخارِجيِّ إِلى القَلبِ الَّذي يَصيرُ مَوضِعَ استِقبالِ المَسيحِ.

أَمَّا صِيحَةُ “هُوشَعْنا“، فَهِيَ في الأَصلِ اليونانيِّ ὡσαννά، وَهِيَ نَقلٌ صَوتيٌّ لِلتَّعبيرِ العِبريِّ הוֹשִׁיעָה נָּא، أَي: “خَلِّصْنا، نَرجوكَ” (مزمور 118: 25). وَقَد كانَ هذا التَّعبيرُ يُستَعمَلُ في اللِّيتورجيا اليَهُوديَّةِ، خُصوصًا في سِياقِ مَزاميرِ الهَلِّيلِ، وَلا سِيَّما في عِيدِ المَظالّ، حِينَ كانَ الشَّعبُ يَهُزُّ الأَغصانَ وَيَرفَعُ صَوتَهُ بِالاِبتِهالِ وَالتَّسبيحِ. وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ “هُوشَعْنا” في سِياقِ دُخولِ يَسوعَ تَحمِلُ مَعْنَيَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ: الاِستِغاثَةَ بِطَلَبِ الخَلاصِ وَالتَّسبيحَ لِحضُورِ الخَلاصِ. فَالجُموعُ لا تَقولُ فَقَط: “خَلِّصْنا”، بَلْ تُعلِنُ أَيضًا أَنَّ الخَلاصَ صارَ حاضِرًا في شَخصِ المَسيحِ. وَإِنْ كانَ القِدِّيسُ أوغسطينوس يَرى في “هُوشَعْنا” أَداةَ هُتافٍ وَتَعَجُّبٍ تُعبِّرُ عَن حالَةِ النَّفسِ أَكثرَ مِمَّا تُحدِّدُ مَعنًى لُغويًّا صارِمًا، فَإِنَّ أَغلَبَ الآباءِ وَالشُّرّاحِ يَرَونَ فيها بُعدَ الطَّلَبِ وَالخَلاصِ، وَهُوَ ما يَنسَجِمُ مَعَ السِّياقِ المزاميرِ وَالمَسيحانيَّة

وَأَمَّا عِبارَةُ “هُوشَعْنا لابنِ داود” فَتُشكِّلُ اعتِرافًا مَسيحانيًّا صَريحًا. فَلَقَبُ “ابنِ داود” يَرتَبِطُ بِالوُعودِ الَّتي قَطَعَها اللهُ لِداود: ” أُقيمُ مَن يَخلُفُكَ مِن نَسلِكَ… وَأُثَبِّتُ عَرشَ مُلكِهِ لِلأَبَد” (2 صموئيل 7: 12–13). وَبِهٰذا اللَّقَبِ تُعلِنُ الجُموعُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ المَوعودُ، الوارِثُ الشَّرعيُّ لِرَجاءِ إِسرائيلَ. لٰكِنَّ متى الإِنجيليَّ يَتركُ أَمامَ القارِئِ مُفارَقَةً لاهوتيَّةً عَميقَةً: فَهٰذا “ابنُ داود” لا يَدخُلُ كَقائِدٍ سِياسيٍّ يُعيدُ المَجدَ القَوميَّ بِالسَّيفِ، بَلْ كَمَلِكٍ وَديعٍ يَتَّجِهُ نَحوَ الصَّليبِ. وَهُنا يَظهَرُ الفَرقُ بَيْنَ الفَهمِ البَشَريِّ لِلمَسيحِ وَحَقيقَةِ رِسالَتِهِ. فَبَعضُ المُعاصِرينَ لِيَسوعَ، وَحَتّى بَعضُ تَلاميذِهِ، كانُوا يَنتَظِرونَ اِفتِداءً سِياسيًّا، كَما يَظهَرُ في قَولِ تِلميذَي عِمَّاوس: “كُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّهُ هُوَ الَّذي سَيَفتَدي إِسرائيل” (لوقا 24: 21). أَمَّا يَسوعُ، فَقَد قَبِلَ لَقَبَ “ابنِ داود”، لٰكِنَّهُ نَقّاهُ مِن كُلِّ سُوءِ فَهمٍ زَمنيٍّ وَقَوميٍّ، لِيُظهِرَ أَنَّ مُلكَهُ يَتَحَقَّقُ بِكَسرِ قُوَّةِ الخَطيئَةِ لا بِكَسرِ قُوَّةِ رُوما.

وَأَمَّا عِبارَةُ “تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ” فَهِيَ مُقتَبَسَةٌ مِن مزمور 118: 26، وَهِيَ مِن صُلبِ اللِّيتورجيا الحَجِّيَّةِ في إِسرائيلَ، حَيْثُ كانَ الكَهَنَةُ أَو الشَّعبُ يَستَقبِلونَ القادِمينَ إِلى الهَيْكَلِ بِهٰذا الهُتافِ. وَفي سِياقِ دُخولِ يَسوعَ، يَكتَسِبُ القَولُ دَلالَةً أَعظَمَ: فَالمَسيحُ هُوَ الآتي مِن عِندِ اللهِ وَبِاسمِهِ، أَي المُرسَلُ الحامِلُ سُلطانَ الآبِ وَمَشيئَتَهُ. وَلا يَقتَصِرُ الأَمرُ عَلى التَّرحيبِ بِشَخصٍ صالِحٍ، بَلْ يَصيرُ اعتِرافًا بِأَنَّ اللهَ يَفتَقِدُ شَعبَهُ في هذا الآتي. وَيُلمِّحُ مَتّى هُنا أَيضًا إِلى ما سَيَعودُ إِلَيْهِ لاحِقًا في سِياقِ الحَديثِ عَن رَفضِ الحَجَرِ الَّذي صارَ رَأسَ الزّاويَةِ (متى 21: 42)، فَالَّذي تُبارِكُهُ الجُموعُ اليَومَ هُوَ نَفسُهُ الَّذي سَيَرفُضُهُ البَعضُ غَدًا.

وَأَمَّا عِبارَةُ “هُوشَعْنا في العُلى” فَتَرفَعُ الهُتافَ مِن مُستَوى الأَرضِ إِلى مُستَوى السَّماءِ. فَلَيسَ التَّسبيحُ أَرضيًّا فَقَط، بَلْ سَماويٌّ أَيضًا؛ وَكَأَنَّ الجُموعَ تَطلُبُ أَن يَتَجاوَبَ الأَرضُ وَالسَّماءُ مَعًا في تَمجيدِ المَسيحِ. وَتُشيرُ هٰذِهِ العِبارَةُ أَيضًا إِلى أَنَّ يَسوعَ الآتي مِن فَوقُ قَد نَزَلَ إِلَيْنا لِيَرفَعَنا إِلَيْهِ. فَهُوَ الَّذي خَرَجَ مِن عِندِ الآبِ وَأَتى إِلى العالَمِ، لِيُدخِلَ الإِنسانَ في شَرِكَةِ الحَياةِ السَّماويَّةِ. وَهٰكَذا يَصيرُ الهُتافُ اِعتِرافًا بِبُعدِ المَسيحِ السَّماويِّ وَبِعَمَلِهِ الرَّفْعيِّ، لا بِمَجْدِهِ الأَرضيِّ وَحدَهُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَحمِلُ النَّصُّ في داخِلِهِ بُعدًا نَقْديًّا وَرَعَوِيًّا عَميقًا. فَهٰذِهِ الجُموعُ الَّتي هَتَفَت لِيَسوعَ، وَتَحَمَّسَت لَهُ بِسَبَبِ مُعجِزاتِهِ، خُصوصًا بَعدَ آيَةِ إِقامَةِ لِعازَر، لَم يَثبُتْ كَثيرونَ مِنها مَعَهُ إِلى النِّهايَةِ. فَعِندَما اِنكَشَفَ أَنَّ يَسوعَ لَنْ يُحَقِّقَ أَحْلامًا قَومِيَّةً أَو سِياسيَّةً، اِنقَلَبَ كَثيرونَ عَلَيْهِ أَو تَراجَعوا عَن مَسيرَتِهِ. وَهٰنا يَنهَضُ السُّؤالُ الرُّوحيُّ الجَوْهَريُّ: هَل نَكتَفي بِالهُتافِ لِلمَسيحِ عِندَ المَعجِزاتِ، أَم نَبقَى أُمَناءَ لَهُ عِندَ الجُلجُلَةِ؟ فَاتِّباعُ المَسيحِ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ السُّعوفِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلى الصَّليبِ، كَما قالَ هُوَ نَفسُهُ: “مَن أَرادَ أَن يَتْبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفسِهِ وَيَحمِلْ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ وَيَتْبَعْني” (لوقا 9: 23). وَفي هٰذا السِّياقِ تَبقى كَلِماتُ كِتابِ الاِقتِداءِ بِالمَسيح ذاتَ وَقْعٍ رُوحيٍّ عَميقٍ: “إِنَّ لِيَسوعَ تَبَعًا كَثيرينَ يَرغَبونَ في مَلَكوتِهِ السَّماويِّ، أَمّا حامِلو صَليبِهِ فَقَليلونَ… كَثيرونَ يُسَبِّحونَهُ وَيُبارِكونَهُ ما داموا يَحصُلونَ عَلى بَعضِ تَعزياتِهِ، وَلٰكِنْ إِذا تَوارى يَسوعُ وَتَرَكَهُم قَليلًا، سَقَطوا في التَّذَمُّرِ أَو في فَشَلٍ مُفرِط”. وَهٰكَذا يَدعونا النَّصُّ أَلّا نَكتَفي بِهُتافِ الشَّعانينِ، بَلْ أَن نَتَبَعَ المَسيحَ في طَريقِ الآلامِ أَيضًا، لِأَنَّهُ بِالصَّليبِ نَشتَرِكُ في فِداءِ العالَمِ وَنَسيرُ في دَربِ القَداسَةِ وَالكَمال. إِنَّ هُتافَ الجُموعِ: “هُوشَعْنا لابنِ داود! تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!” يَجمَعُ في كَلِماتٍ قَليلةٍ كُلَّ سِرِّ الشَّعانينِ: فِيهِ طَلَبُ الخَلاصِ، وَفِيهِ الاِعتِرافُ بِالمَسيحِ المَلِكِ، وَفِيهِ التَّسبيحُ السَّماويُّ، لٰكِنَّهُ يَضَعُنا أَيضًا أَمامَ تَحَدِّي الثَّباتِ فَلَيْسَ المُهِمُّ أَنْ نَهتِفَ لِلمَسيحِ يَومًا واحِدًا، بَلْ أَنْ نَسيرَ مَعَهُ مِن أُورَشَليمَ إِلى الجُلجُلَةِ، وَمِن الجُلجُلَةِ إِلى القِيامَة. وَعِندَئِذٍ فَقَط يَصيرُ هُتافُنا صادِقًا، وَتُصبِحُ “هُوشَعْنا” لا مُجرَّدَ كَلِمَةِ اِحتِفالٍ، بَلْ اِعتِرافًا حَيًّا بِالمَسيحِ الَّذي خَلَّصَنا وَيُخَلِّصُنا. تُشكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ ذِرْوَةَ المَشهَدِ الشَّعبيِّ والليتورجيا في دُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ، إِذْ تَجتَمِعُ فيها الحَرَكَةُ وَالصَّوتُ وَالإِيمانُ وَالتَّرقُّبُ المَسيحانيّ.

10 “وَلَمَّا دَخَلَ أُورَشَليمَ ضَجَّتِ المَدينةُ كُلُّها وَسَأَلَتْ: مَنْ هذا”

عِبارَةُ “وَلَمَّا دَخَلَ أُورَشَليمَ” لا تُشيرُ فَقَط إِلى اجتيازِ يَسوعَ أَبوابَ المَدينةِ، بَلْ إِلى دُخولِهِ إِلى عاصِمَةِ داودَ، مَركَزِ العِبادةِ وَالسُّلطةِ وَالرَّجاءِ المَسيحانيِّ. وَهِيَ المَدينةُ الَّتي كانَ يَسوعُ قَد أَعلَنَ لِتَلاميذِهِ مُسْبَقًا أَنَّهُ سَيَذهَبُ إِلَيْها لِيُسلَّمَ وَيَتَأَلَّمَ وَيَموتَ ثُمَّ يَقومَ (متى 20: 18-19). فَدُخولُهُ إِذًا لَم يَكُنْ دُخولًا عَفْويًّا أَو غَيْرَ واعٍ، بَلْ مَسيرَةً حُرَّةً نَحوَ ساعَةِ الفِصحِ، حَيْثُ يَبلُغُ الحُبُّ أَقصى حُدودِهِ في بَذلِ الذّاتِ حتّى المَوتِ على الصَّليب. وَهٰذا ما يَنسَجِمُ مَعَ تَعْليمِ الرَّسولِ بولُسَ: “إِنَّ لُغَةَ الصَّليبِ حَماقَةٌ عِندَ الَّذينَ يَسلُكونَ سَبيلَ الهَلاك، وَأَمَّا عِندَ الَّذينَ يَسلُكونَ سَبيلَ الخَلاص، أَي عِندَنا، فَهِيَ قُدْرَةُ الله” (1 قورنتس 1: 18). فَالمَسيحُ يَدخُلُ المَدينةَ المُقَدَّسَةَ لا لِيَستَولِيَ عَلَيْها بِقُوَّةٍ أَرضِيَّةٍ، بَلْ لِيَفتَحَها بِقُوَّةِ الحُبِّ الفِدائيِّ.

أَمَّا عِبارَةُ “ضَجَّتِ المَدينةُ كُلُّها”، فَفي أَصلِها اليونانيِّ ἐσείσθη، وَهُوَ فِعلٌ يَعني حَرْفِيًّا: اهْتَزَّتْ، ارْتَجَّتْ، تَزَلْزَلَتْ. وَالفِعلُ نَفْسُهُ يَرِدُ في مَواضِعَ أُخرى مِن إِنجيلِ مَتّى لِلدَّلالَةِ عَلى الزِّلزالِ أَو الاضطِرابِ العَنيفِ (متى 27: 51؛ 28: 4). وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ الإِنجيليَّ يَستَخدِمُ تَعبيرًا قَوِيًّا لِيُظهِرَ أَنَّ دُخولَ يَسوعَ لَم يَكُنْ حادِثًا هامِشيًّا، بَلْ وَقْعًا هَزَّ المَدينةَ بِأَسرِها. وَهٰذَا الاضطِرابُ يُذَكِّرُنا بِمَا حَدَثَ عِندَ بُلُوغِ خَبَرِ وِلادَةِ يَسوعَ، حِينَ “اضطَرَبَ هيرودُسُ المَلِكُ وَمَعَهُ أُورَشَليمُ كُلُّها” (متى 2: 3). فَكَما اْضطَرَبَتِ المَدينةُ عِندَ مَجيئِهِ إِلى العالَمِ، هٰكَذا تَضطَرِبُ عِندَ دُخولِهِ إِلَيْها مَلِكًا وَديعًا. وَيُفهَمُ مِن هٰذا أَنَّ شَخْصَ يَسوعَ لا يَترُكُ الأَشياءَ على حالِها، بَلْ يُحدِثُ هِزَّةً في التّاريخِ وَفي الضَّميرِ وَفي بُنيَةِ الاِنتِظارِ الدِّينيِّ نَفْسِهِ. وَلا يَعودُ هذا الاضطِرابُ فَقَط إِلى كَثرَةِ الجُموعِ وَهُتافِها وَالمَظهَرِ الاِحتِفاليِّ، بَلْ أَيضًا إِلى طَبيعَةِ الادِّعاءِ الضِّمنيِّ الكامِنِ في الحَدَثِ: فَهٰذا الَّذي يَدخُلُ أُورَشَليمَ عَلى وَقْعِ الهُتافِ وَالاِعتِرافِ بِأَنَّهُ “ابنُ داود” يُجَبِرُ المَدينةَ عَلى مُواجَهَةِ السُّؤالِ الأَساسيِّ: مَنْ هُوَ يَسوعُ؟ إِنَّ عِبارَةَ ضَجَّتِ المَدينةُ كُلُّها وَسَأَلَتْ: مَنْ هذا؟” تَكشِفُ أَنَّ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ لَم يَكُنْ مَشهَدًا اِحتِفاليًّا عابِرًا، بَلْ حَدَثًا هَزَّ المَدينةَ وَطَرَحَ السُّؤالَ الحاسِمَ عَنْ هُوِيَّتِهِ.  فَيَسوعُ لا يَدخُلُ التَّاريخَ لِيَمرَّ فِيهِ بِهُدوءٍ، بَلْ لِيُحرِّكَ القُلوبَ وَيَدعوها إِلى الإِيمانِ أَو الرَّفضِ.

وَهٰذا ما يَتَجَلّى في عِبارَةِ “وَسَأَلَتْ: مَنْ هذا؟“.  إِنَّهُ سُؤالٌ يَبدو في ظاهِرِهِ استِفهامًا بَسيطًا، لٰكِنَّهُ في عُمقِهِ سُؤالٌ مَسيحانيٌّ وَلاهوتيٌّ بامتياز. فَهُوَ لَيْسَ مُجرَّدَ سُؤالِ مَعرِفَةٍ، بَلْ سُؤالُ تَمييزٍ وَقَرارٍ: مَنْ هٰذا الَّذي يَستَقبِلُهُ الشَّعبُ بِهٰذِهِ الحَماسةِ؟ مَنْ هٰذا الَّذي يُدعَى “ابنَ داود” وَ”الآتي بِاسمِ الرَّبّ”؟ وَهٰذا السُّؤالُ سَيَعودُ فِي أَشكالٍ مُختَلِفَةٍ طَوالَ الرِّوايَةِ الإِنجيليَّةِ، سَواءٌ عَلى أَلسِنَةِ الشَّعبِ أَم عَلى أَلسِنَةِ أَعْضاءِ السُّلطةِ الدِّينيَّةِ. فَعَظماءُ الكَهَنَةِ وَشُيوخُ الشَّعبِ سَيَسأَلونَهُ لاحِقًا: “بِأَيِّ سُلطانٍ تَعمَلُ هٰذِهِ الأَعمال؟ وَمَنْ أَولاكَ هٰذا السُّلطان؟» (متى 21: 23). فَالسُّؤالُ عَنْ شَخْصِ يَسوعَ يَقودُ دائِمًا إِلى السُّؤالِ عَنْ سُلطانِهِ وَهُوِيَّتِهِ وَمَصدَرِ رِسالَتِهِ.

وَقَد يَدُلُّ سُؤالُ “مَنْ هذا؟” أَيضًا عَلى سُكّانِ أُورَشَليمَ الَّذينَ لَم يَكُونوا يَعرِفونَ يَسوعَ مَعرِفَةً مُباشِرَةً، أَو عَلى الحُجّاجِ وَالغُرَباءِ الَّذينَ جاؤوا لِلفِصحِ وَفُوجِئوا بِهٰذا المَشهَدِ الاِحتِفاليِّ. وَفِي كِلتا الحالتَيْنِ، يَحمِلُ السُّؤالُ نَبرَةَ دَهْشَةٍ وَتَعَجُّبٍ: مَنْ هٰذا الَّذي يُستَقبَلُ بِهٰذَا الحَفْلِ الشَّعبيِّ  َبِهٰذِهِ الأَلْقابِ المَسيحانيَّةِ؟ وَيَرى القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم أَنَّ اِضطِرابَ المَدينةِ لَم يَكُنْ بِسَبَبِ الزِّحامِ فَحَسْب، بَلْ لِأَنَّ دُخولَ المَسيحِ يَحمِلُ مَعَهُ دَينونَةً لِلضَّمائِر، فَحُضورُهُ يَكشِفُ القُلوبَ وَيَدعو إِلى اتِّخاذِ مَوقِفٍ. وَيَتَّضِحُ هُنا أَنَّ يَسوعَ كانَ قَد تَجَنَّبَ سابِقًا أَن يُظهِرَ لِلعامَّةِ عَلَنًا أَنَّهُ المَسيحُ بِالشَّكلِ الَّذي قَد يُسيءَ النّاسُ فَهمَهُ فَهمًا سِياسيًّا أَو قَوميًّا. فَكَثيرًا ما أَوصى بِعَدَمِ إِذاعَةِ هُوِيَّتِهِ المَسيحانيَّةِ قَبْلَ الأَوانِ، لِئَلّا يَنحَرِفَ مَعنى رِسالَتِهِ إِلى تَصَوُّراتٍ أَرضيَّةٍ. أَمَّا الآنَ، فَقَد حانَ الوَقتُ الَّذي يَدخُلُ فيهِ أُورَشَليمَ في مَوكِبٍ عَلَنيٍّ، لٰكِنْ بِالصُّورَةِ الَّتي يَختارُها هُوَ: لا مَلِكًا حَربيًّا، بَلْ مَلِكًا وَديعًا؛ لا زَعيمًا قَوميًّا، بَلْ مَسيحًا رُوحيًّا؛ لا فاتِحًا لِلمُدُنِ، بَلْ فاتِحًا لِلقُلوبِ. فَهُوَ يَكشِفُ هُوِيَّتَهُ، لٰكِنْ يَكشِفُها عَبْرَ رُموزِ النُّبُوَّةِ وَالوَداعةِ وَالصَّليبِ، لا عَبْرَ لُغَةِ السِّلاحِ وَالثَّورَةِ.

وَمِن هُنا، يَتَحَوَّلُ سُؤالُ “مَنْ هذا؟” إِلى سُؤالٍ دائِمٍ يَتَجَدَّدُ في كُلِّ جيلٍ. فَهُوَ لَيْسَ سُؤالَ أَهلِ أُورَشَليمَ وَحْدَهُم، بَلْ سُؤالَ كُلِّ إِنسانٍ يَلتَقي بِالمَسيحِ. هَل هُوَ لَنا مُجرَّدُ نَبِيٍّ؟ أَم مُعلِّمٌ أَخلاقيٌّ؟ أَم صانِعُ مُعجِزاتٍ؟ أَم هُوَ حَقًّا الاِبنُ المَسيحانيُّ، الرَّبُّ، وَمُخَلِّصُ العالَمِ؟ وَفِي هٰذا المَعنى يَقولُ العلاَّمة أوريجانوس: “إِنَّ السُّؤالَ عَنْ يَسوعَ لا يَجِبُ أَنْ يَبقى سُؤالًا خارِجيًّا، بَلْ يَنبَغي أَنْ يَصيرَ بَحثًا داخِلِيًّا في القَلبِ، لِأَنَّ المَعرِفَةَ الحَقيقيَّةَ بِالمَسيحِ لا تَتحَقَّقُ بِالسَّماعِ عَنهُ فَقَط، بَلْ بِاتِّباعِهِ”. وَهٰكَذا يَبقى سُؤالُ أُورَشَليمَ قائِمًا أَمامَ كُلِّ مُؤمِن: مَنْ هُوَ يَسوعُ بِالنِّسبَةِ إِلَيَّ؟ وَعَلى قَدْرِ صِدْقِ الجَوابِ يَتَحَدَّدُ مَسارُنا: هَل نَستَقبِلُهُ مَلِكًا عَلى قُلوبِنا، أَم نَكتَفي بِالتَّساؤلِ عَنهُ مِن بَعيد؟  تُمثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ نُقْطَةَ تَحوُّلٍ حاسِمَةً في مَشهَدِ دُخولِ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ، إِذْ يَنتَقِلُ السَّردُ مِن فَرَحِ الجُموعِ وَهِتافِها إِلى وَقْعِ هذا الدُّخولِ على المَدينةِ كُلِّها.

11 “فَأَجابَتِ الجُموعُ: هٰذا النَّبِيُّ يَسوعُ مِن ناصِرَةِ الجَليل”.

عِبارَةُ “الجُموعُ” تُشيرُ إِلى أُولئِكَ الَّذينَ سَمِعوا يَسوعَ، وَشاهَدوا أَعمالَهُ، وَاختَبَروا قُدرَتَهُ في التَّعليمِ وَالشِّفاءِ وَصُنْعِ العَجائِبِ. وَيَبدو أَنَّ غالِبِيَّةَ هٰؤُلاءِ كانوا مِنَ الجَليلِ، مِن حَيثُ انطَلَقَت خِدمَتُهُ العَلَنيَّةُ، وَحَيثُ عَرَفَهُ الشَّعبُ عَن قُربٍ في كَرازَتِهِ وَمُعجِزاتِهِ. وَمِن ثَمَّ، فَهُم أَقدَرُ مِن غَيرِهِم عَلى الجَوابِ عَن سُؤالِ أَهلِ أُورَشَليمَ وَحُجّاجِ الفِصحِ الَّذينَ لَم يَعرِفوا يَسوعَ مَعرِفَةً مُباشِرَةً. وَهٰكَذا يَظهَرُ التَّبايُنُ بَيْنَ جُموعِ الجَليلِ الَّذينَ اخْتَبَروا يَسوعَ، وَسُكّانِ أُورَشَليمَ الَّذينَ ما زالوا يَطرَحونَ السُّؤالَ عَنْ هُوِيَّتِهِ.

أَمَّا عِبارَةُ “هٰذا النَّبِيُّ يَسوع” فَتُعَبِّرُ عَنِ اعتِرافِ الجُموعِ بِأَنَّ يَسوعَ نَبِيٌّ، وَهُوَ لَقَبٌ لَهُ جُذورُهُ الواضِحَةُ في التَّقليدِ الإِنجيليِّ، إِذْ نَجِدُ النّاسَ يَقولونَ عَنهُ في مَواضِعَ أُخرى: إِنَّهُ نَبِيٌّ (متى 16: 14؛ مرقس 6: 15؛ لوقا 7: 16). وَالنَّبِيُّ في المَفهومِ الكِتابيِّ لَيْسَ مُجرَّدَ مُخْبِرٍ عَنِ المُستَقبَلِ، بَلْ هُوَ أَساسًا مَن يَتَكَلَّمُ بِاسمِ اللهِ وَبِسُلطانِهِ، وَيُعلِنُ مَشيئَتَهُ لِلشَّعبِ. لِذٰلِكَ كانَتِ الصِّيغَةُ النُّبُوِيَّةُ المَألوفَةُ: هٰكَذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ” (حزقيال 6: 3؛ 7: 2). وَمِن هُنا، فَإِنَّ وَصْفَ يَسوعَ بِأَنَّهُ “النَّبِيُّ” يَحمِلُ قِيمَةً حَقيقيَّةً، لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ وَيَعمَلُ فِيهِ. غَيْرَ أَنَّ الإِيمانَ المَسيحيَّ الأَوَّلَ لَم يَقِفْ عِندَ هٰذا الحَدِّ، بَلْ رَأى في يَسوعَ النَّبِيَّ الأَخيرَ وَالنَّهائِيَّ الَّذي أَعلَنَ اللهَ لا كَكَلِمَةٍ مَوحًى بِها فَقَط، بَلْ بِشَخصِهِ نَفْسِهِ. فَقَد رَبَطَتِ الجَماعَةُ الرَّسوليَّةُ بَيْنَ يَسوعَ وَالوَعدِ الَّذي أُعطِيَ لِموسى: “سَيُقيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُم مِن بَينِ إِخوَتِكُم نَبِيًّا مِثلي، فَإِلَيْهِ أَصغوا” (أعمال الرُّسُل 3: 22-23؛ تثنية 18: 15، 18). وَبِهٰذا المَعنى، لا يَكونُ يَسوعُ نَبِيًّا كسائِرِ الأَنْبِياءِ فَحَسْب، بَلْ نِهايَةَ الخَطِّ النُّبُوِيِّ وَاكْتِمالَهُ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أوريجانوس إِلى هٰذا المَعنى حِينَ “يَرى أَنَّ يَسوعَ لا يُعلِنُ كَلامَ اللهِ فَقَط، بَلْ هُوَ الكَلِمَةُ نَفسُها الَّتي صارت مَسموعَةً وَمَرئيَّةً بَينَ النّاس”.

وَأَمَّا عِبارَةُ “مِن ناصِرَةِ الجَليل” فَتُشيرُ إِلى أَصلِ يَسوعَ الجَليليِّ، كَما يَرِدُ أَيضًا في إِنجيلِ يُوحنّا (يوحنا 7: 52). وَهِيَ عِبارَةٌ تَحمِلُ وَجهَيْنِ: فَمِن جِهَةٍ، تُؤَكِّدُ تَجَسُّدَ يَسوعَ التَّاريخيَّ وَانْتِماءَهُ المَلموسَ إِلى بِيئَةٍ وَمَكانٍ وَشَعبٍ؛ وَمِن جِهَةٍ أُخرى، تُظهِرُ كيفَ أَنَّ بَعضَ النّاسِ كانوا ما يَزالونَ يَنظُرونَ إِلَيْهِ مِن مَنظورٍ أَرضيٍّ مَحدودٍ: إِنَّهُ يَسوعُ النّاصِريُّ، نَبِيٌّ مِنَ الجَليل. وَهٰذَا الاِعتِرافُ، وَإِنْ كانَ صَحيحًا جُزئيًّا، إِلَّا أَنَّهُ لا يَستَنفِدُ سِرَّ شَخصِهِ. فَهُوَ لَيْسَ مِن ناصِرَةَ فَحَسْب، بَلْ مِن عِندِ الآب؛ وَلَيْسَ نَبِيًّا فَقَط، بَلْ المَسيحُ وَالاِبنُ وَالرَّبُّ. وَهُنا تَظهَرُ المَسافَةُ بَيْنَ المَعرِفَةِ التّاريخيَّةِ وَالإِيمانِ الكامِلِ. وَيَكشِفُ النَّصُّ أَيضًا عَنِ الاِنقِسامِ العَميقِ الَّذي أَحدَثَهُ حُضورُ يَسوعَ. فَالفِئَةُ الَّتي رَحَّبَت بِهِ نالَت مِن زِيارَتِهِ الفَرَحَ وَالسَّلامَ وَرَجاءَ الخَلاصِ، أَمَّا رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وَشُيوخُ اليَهودِ فَقَدِ استَشاطوا غَيْظًا أَمامَ حَماسِ الجُموعِ وَوَحدَتِها، لا سِيَّما بَعدَ آيَةِ إِقامَةِ لِعازَر، الَّتي زادَت شُهرَةَ يَسوعَ وَجاذِبِيَّتَهُ. وَقَد عَبَّروا عَن ضِيقِهِم بِقَولِهِم: “تَرَونَ أَنَّكُم لا تَستَفيدونَ شَيئًا، هُوَذا العالَمُ قَد تَبِعَهُ” (يوحنا 12: 19). وَهٰكَذا وَاجَهوا وَحدَةَ الشَّعبِ المُلتَفِّ حَولَ المَسيحِ بِرُوحِ رَفضٍ وَخَوفٍ عَلى نُفوذِهِم وَمَصالِحِهِم. وَلٰكِنَّ الأَمرَ لَم يَقِفْ عِندَ الرَّفضِ الدّاخِليِّ، بَلْ بَلَغَ ذِروَتَهُ في الآلامِ، حِينَ سَعَوا إِلى اِنتِزاعِ مَلَكيَّتِهِ بِالسُّخرِيَّةِ وَالتَّجرِيدِ وَالإِهانَةِ. فَعَرَّوهُ مِن ثِيابِهِ، وَثَقَبوا جَسَدَهُ بِالمَساميرِ، وَهُم يَظُنّونَ أَنَّهُم يُلغونَ مُلكَهُ، بَيْنَما كانُوا في الحَقيقَةِ يُظهِرونَ – مِن غَيرِ أَن يَدْروا – أَنَّ مَلكوتَهُ لَيْسَ قائِمًا عَلى الثِّيابِ وَالمَظاهِرِ، بَلْ عَلى البَذلِ وَالمَحَبَّةِ. وَمِن هُنا فَإِنَّ رَفضَهُم لِلمَسيحِ لَم يَجْلِبْ عَلَيْهِم اِنتِصارًا، بَلْ حِرْمانًا مِن نِعَمِهِ وَدُخولًا في مَسارِ الدَّيْنونَةِ. وَفي هٰذا السِّياقِ يَجْمُلُ تَعليقُ القِدِّيسِ أَنطونيوس البادَوانيّ: “هٰوَذا إِذًا مَلِكُك، الَّذي يَأتي إِلَيك، لِأَجلِ سَعادتِك. يَأتي في العُذوبَةِ كَي يَكونَ مَحبوبًا، وَلَيسَ بِالقُوَّةِ كَي يَكونَ مَرْهوبًا… إِنَّ الفَضائِلَ الخاصَّةَ بِالمُلوكِ هِيَ العَدالَةُ وَالطِّيبَةُ”. ثُمَّ يَربِطُ ذٰلِكَ بِعَدالَةِ المَسيحِ الَّذي يُجازي يومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ عَلى قَدْرِ أَعمالِهِ (متى 16: 27). فَيَسوعُ إِذًا نَبِيٌّ يُعلِنُ كَلامَ الله، وَمَلِكٌ يَدخُلُ بِالوَداعةِ، وَدَيَّانٌ عادلٌ يَأتي لا لِيُهلِكَ بَلْ لِيُخَلِّصَ، لٰكِنَّهُ لا يُبقي الإِنسانَ في حَيادِهِ أَمامَهُ.

إِنَّ جَوابَ الجُموعِ: “هٰذا النَّبِيُّ يَسوعُ مِن ناصِرَةِ الجَليل” هُوَ جَوابٌ صَحيحٌ، لٰكِنَّهُ غَيرُ كامِل. فَهُوَ يَعترِفُ بِأَنَّ يَسوعَ نَبِيٌّ حَقًّا، وَأَنَّهُ شَخصِيَّةٌ تاريخيَّةٌ مَلموسَةٌ آتِيَةٌ مِن ناصِرَةِ الجَليلِ؛ إِلَّا أَنَّ سِرَّ يَسوعَ أَعْظَمُ مِن ذٰلِكَ. فَهُوَ النَّبِيُّ، نَعَم، لٰكِنَّهُ أَيضًا المَسيحُ المَلِكُ، وَكَلمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدُ، وَمُخَلِّصُ العالَم.  وَمِن هُنا يَدعونا النَّصُّ أَلّا نَكتَفي بِمَعرِفَةٍ جُزئيَّةٍ لِيَسوعَ، بَلْ أَنْ نَنتَقِلَ مِن وَصفِهِ إِلى الإِيمانِ بِهِ، وَمِن الإِعجابِ بِأَعمالِهِ إِلى اتِّباعِهِ، وَمِن الاِعتِرافِ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ إِلى السُّجودِ لَهُ رَبًّا وَمَلِكًا. تُشكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ الجَوابَ المُباشِرَ عَنِ السُّؤالِ الَّذي أَثارَهُ دُخولُ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ: “مَنْ هٰذا؟” (متى 21: 10). فَتَجيبُ الجُموعُ بِإِعلانٍ يَحمِلُ في آنٍ واحِدٍ بُعدًا تَعريفيًّا، وَبُعدًا إِيمانيًّا، وَبُعدًا مَحدودًا أَيضًا، لِأَنَّهُ يَكشِفُ شَيئًا حَقيقيًّا عَن يَسوعَ، لٰكِنَّهُ لا يَبلُغُ بَعدُ مِلءَ الاِعتِرافِ بِهُوِيَّتِهِ المَسيحانيَّةِ وَالإِلٰهيَّةِ.

ثانِيًا: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجيليِّ (متى 21: 1-11)

بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجيليِّ (متى 21: 1-11)، يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ يَتمَحْوَرُ حَولَ دُخولِ يَسوعَ الظّافِرِ إِلى أُورَشَليمَ في الأُسْبوعِ الأَخيرِ مِن حَياتِهِ على الأَرضِ، حَيْثُ تَتَكَشَّفُ هُوِيَّتُهُ بِوَصفِهِ المَسيحَ المَلِكَ المُنتَظَرَ وَالنَّبِيَّ الأَخيرَ.  وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، يُمكِنُ استِخلاصُ جُملَةٍ مِنَ التَّطبيقاتِ اللاهوتيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ.

  • يَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا (متى 21: 5)

قَصَدَ يَسوعُ أَن يُقَدِّمَ نَفسَهُ في أُورَشَليمَ، العاصِمَةِ الدِّينيَّةِ، بِوَصفِهِ المَسيحَ المُنتَظَرَ وَالمَوعودَ بِهِ، وَذلِكَ مِن خِلالِ مَوكِبٍ شَعبيٍّ ذي طابَعٍ نُبُوِيٍّ وَمَلوكيٍّ. فَتَفاصيلُ الحَدَثِ كُلُّها تُؤَكِّدُ الهَيْبَةَ الَّتي أَرادَ يَسوعُ أَن يُضْفيَها على هذا الدُّخولِ، إِذْ إِنَّ إِرسالَهُ التِّلميذَيْنِ لِإِحضارِ الأَتانِ وَالجَحْشِ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً على خُطَّةٍ مَقصودَةٍ وَمُدَبَّرَةٍ. فَلَم يَكُنِ الأَمرُ حَرَكَةً عَفوِيَّةً، بَلْ عَمَلًا نُبُوِيًّا وَاعِيًا، كانَ يَسوعُ يَستَعِدُّ مِن خِلالِهِ لِدُخولِ المَدينةِ بِالطَّريقَةِ الَّتي أَعلَنَها النَّبِيُّ زَكَرِيّا قَبْلَ قُرون: “هُوَذا مَلِكُكِ آتِيًا إِلَيْكِ بارًّا مُخَلِّصًا، وَديعًا راكِبًا على حِمارٍ وَعَلى جَحْشِ ابنِ أَتان” (زكريا 9: 9).

يَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَليمَ مَلِكًا

وَهٰكَذا دَخَلَ الرَّبُّ يَسوعُ أُورَشَليمَ كَمَلِكٍ، وَلكِن لا وَفقَ التَّصَوُّرِ السِّياسيِّ الدَّارِجِ، بَلْ وَفقَ النُّبُوءَاتِ الَّتي تُعلِنُ أَنَّهُ يَملِكُ بِصِفَتِهِ ابنَ داود. فَمَملكَةُ داودَ في التَّقليدِ الكِتابيِّ كانَت رَمزًا لِمَملكَةِ المَسيحِ. وَقَدِ استَقبَلَهُ الجَمعُ الغَفيرُ الآتي إِلى عِيدِ الفِصحِ استِقبالًا مَلوكيًّا يَحمِلُ أَبعادًا نُبُوِيَّةً واضِحَةً، لا سِيَّما أَنَّ صِيتَهُ كانَ قَد ذاعَ بِسَبَبِ آيَةِ إِقامَةِ لِعازَرَ مِنَ المَوتِ.

غَيْرَ أَنَّ تَوَقُّعاتِ كَثيرينَ مِنَ اليَهودِ كانَت تَتَّجِهُ إِلى أَن يَدخُلَ المَسيحُ أُورَشَليمَ كَمَلِكٍ أَرضيٍّ سِياسيٍّ يُعيدُ المَجدَ القَوميَّ، أَمّا يَسوعُ فَكانَ يُؤَسِّسُ مَملكَةً مِن نَوعٍ آخَر، كَما صَرَّحَ أَمامَ بِيلاطُسَ البُنطيِّ: “لَيْسَت مَمْلَكَتي مِن هذا العالَم” (يوحنا 18: 36). وهٰكَذا أَظهَرَ يَسوعُ أَنَّ مُلْكَهُ لَيْسَ كَمُلُوكِ هٰذَا العالَم:

  • فَمُلْكُهُ لَيْسَ قَهْرًا، بَلْ حُبًّا
  • وَلَيْسَ تَسَلُّطًا، بَلْ خِدْمَةً وَبَذْلًا.
  • وَلَيْسَ عَرْشًا يُرْفَعُ عَلَى الأَرْضِ، بَلْ صَلِيبًا يُقِيمُ الخَلاصَ لِلعالَم.

وَمِن هُنا يَظهَرُ المَعنى اللاهوتيُّ العَميقُ لِدُخولِهِ “وَديعًا راكِبًا على حِمارٍ وَعَلى جَحْشِ ابنِ أَتان” (زكريا 9: 9): فَهُوَ لا يَدخُلُ كَفاتِحٍ عَسكريٍّ يَمتَطي جَوادًا حَربيًّا، وَلا كَثائِرٍ سِياسيٍّ يَهدِفُ إِلى إِسقاطِ رُوما، بَلْ كَمَسيحٍ يُحَطِّمُ قُوَّةَ الخَطيئَةِ وَيُؤَسِّسُ مُلكًا رُوحيًّا يَبلُغُ القُلوبَ وَيُجَدِّدُ الإِنسانَ مِنَ الدّاخِل.

وَلِهٰذا السَّببِ بالذّاتِ جَمَعَ مَتّى بَيْنَ نُبُوءَةِ زكريا وَكَلامِ إِشَعْيا” “قُولوا لِابْنَةِ صِهْيون: هُوَذا خَلاصُكِ آتٍ” (إشعيا 62: 11)، لِيُظهِرَ أَنَّ المَسيحَ الَّذي يَدخُلُ أُورَشَليمَ هُوَ نَفْسُهُ الخَلاصُ الآتي مِن عِندِ الله. فَيَسوعُ لَم يُرِدْ فيما مَضى أَن يُعلَنَ مَسيحًا أَو يُنادَى بِهِ مَلِكًا قَبْلَ الأَوانِ، لِئَلّا يُساءَ فَهْمُ رِسالَتِهِ، أَمَّا الآنَ، وَقَد حانَتِ السّاعَةُ، فَهُوَ يُظهِرُ نَفْسَهُ عَلانيَةً أَنَّهُ المَسيحُ المَلِكُ المُنتَظَر، لٰكِن بِالصُّورَةِ الَّتي يُريدُها الله، لا بِالصُّورَةِ الَّتي يَتَخيَّلُها النّاس.

يَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَليمَ مَسيحًا

إِنَّ لَفظَةَ “مَسي”، أَي المَشيحַ بالعِبريَّة، وَΜεσσίας أَو Χριστός بِاليونانيَّة، تَعني “المَمْسوحَ”، مَسْحَة رسَاليَّة خَلاصيَّة.  وَقَد أَصبَحَت هٰذِهِ التَّسمِيَةُ في زَمَنِ الرُّسُلِ اسمًا عَلَمًا لِيَسوع. وَالمَسحَةُ الَّتي قَبِلَها يَسوعُ وَأَعلَنَها لِنَفسِهِ لَيْسَت مَسحَةً زَمَنيَّةً مَلكيَّةً بِالمَعنى البَشَريِّ، بَلْ مَسحَةُ الرُّوحِ القُدُسِ، كَما أَعلَنَ في مَجْمَعِ النّاصِرَةِ: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَني” (لوقا 4: 18)، وَكَما شَهِدَ بُطرُسُ الرَّسولُ لاحِقًا: “إِنَّ اللهَ مَسَحَهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالقُدْرَة” (أعمال الرسل 10: 38). وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ مَسيحانِيَّةَ يَسوعَ تَرتَبِطُ عَميقًا بِالرُّوحِ وَالرِّسالَةِ الخَلاصيَّةِ، لا بِالسُّلطانِ السِّياسيِّ وَلا بِالقُوَّةِ العَسكريَّةِ.

وَمِن جِهَةٍ أُخرى، تَكشِفُ هٰذِهِ التَّسمِيَةُ عَنِ الرِّباطِ العَميقِ بَيْنَ شَخصِ المَسيحِ وَرَجاءِ الشَّعبِ اليَهوديِّ القَديمِ، خُصوصًا في انتِظارِ ابنِ داود.  فَقَد دُهِشَ النّاسُ بِقَداسَةِ يَسوعَ وَسُلطانِهِ وَقُدْرَتِهِ، لا سِيَّما بَعدَ آيَةِ إِحياءِ لِعازَر، وَأَخذوا يَتَساءَلونَ: “مَنْ هُوَ؟”، “أَلَعَلَّهُ المَسيح؟” (يوحنا 4: 29؛ 7: 40-42)، أَو: “أَلَيْسَ هٰذا ابنَ داود؟” (متى 12: 23). بَلْ إِنَّهُم أَلَحُّوا عَلَيْهِ أَن يُصرِّحَ عَن نَفسِهِ: “حَتَّامَ تُدخِلُ الحَيْرَةَ في نُفوسِنا؟ إِن كُنتَ أَنتَ المَسيحَ، فَقُلْ لَنا صَراحَةً” (يوحنا 10: 24).

وَقَد بَلَغَ الأَمرُ بِالسُّلطاتِ اليَهوديَّةِ أَنِ اتَّفَقَت عَلى طَردِ كُلِّ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّهُ هُوَ المَسيحُ (يوحنا 9: 22). وَمَعَ ذٰلِكَ، لَم يَنقَطِعِ الاِعتِرافُ بِهِ مِن أَفواهِ المُحتاجينَ إِلَيْهِ وَالمُلْتَجِئينَ إِلى رَحمَتِهِ، فَالأَعمَيانِ صَرَخا: “اِرحَمْنا يا ابنَ داود” (متى 9: 27)، وَالمَرأَةُ الكَنعانِيَّةُ نادَتْهُ: “يا رَبُّ، يا ابنَ داود” (متى 15: 22). كَما اعتَرَفَ بِهِ صَراحَةً أَوَّلُ التَّلاميذِ: فَأَندَراوُسُ قالَ لِسِمعانَ: “وَجَدْنا المَشيحَ” (يوحنا 1: 41)، وَفيلِبُّسُ قالَ لِنَتَنائيلَ: “الَّذي كَتَبَ في شَأنِهِ موسى في الشَّريعَةِ وَذَكَرَهُ الأَنْبِياءُ، وَجَدْناهُ” (يوحنا 1: 45)، وَمَرثا اعْتَرَفَت أَمامَ يَسوعَ: “نَعَم، يا رَبّ، إِنِّي أُومِنُ بِأَنَّكَ أَنتَ المَسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم” (يوحنا 11: 27)، وَبُطرُسُ خَتَمَ هذا الإِيمانَ بِقَولِهِ: “أَنتَ المَسيح” (مرقس 8: 29).

Bottom of Form

وَبَعدَ اعتِرافِ بُطرُسَ، “أَوصى يَسوعُ تَلاميذَهُ بِأَلّا يُخبِروا أَحَدًا بِأَنَّهُ المَسيح” (متى 16: 20). وَمُنذُ ذٰلِكَ الوَقتِ شَرَعَ في تَنْقِيَةِ مَفهومِ المَسيح في أَذهانِ تَلاميذِهِ، لأَنَّ صُورَةَ المَسيحِ في ذِهنِ كَثيرينَ كانَت لا تَزالُ مَشُوبَةً بِتوقعاتٍ سِياسيَّةٍ وَزَمَنيَّةٍ. لِذٰلِكَ أَعلَنَ يَسوعُ تَدريجيًّا أَنَّهُ ابنُ الإِنسانِ وَالعَبدُ المُتَأَلِّمُ الَّذي تَكَلَّمَ عَنهُ إِشَعْيا النَّبيّ، وَأَنَّهُ سَيَدخُلُ إِلى مَجدِهِ عَن طَريقِ بَذلِ حَياتِهِ ذَبيحَةً، كَما يَقولُ الإِنجيليُّ: “وبَدَأَ يُعَلِّمُهُم أَنَّ ابنَ الإِنسانِ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يُعانيَ آلامًا شَديدة، وَأَن يَرفُضَهُ الشُّيوخُ وَعُظَماءُ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَة، وَأَن يُقتَلَ، وَأَن يَقومَ بَعدَ ثَلاثَةِ أَيّام” (مرقس 8: 31). وَقَد وَضَعَ هذا التَّعليمُ التَّلاميذَ وَاليَهودَ في حَيرَةٍ، لِأَنَّهُم كانوا يَصعُبُ عَلَيهِم أَن يَجمَعوا بَيْنَ لَقَبِ المَسيحِ وَطَريقِ الآلامِ، حَتّى إِنَّ الجَمعَ قالَ لَهُ: “نَحنُ عَرَفْنا مِنَ الشَّريعَةِ أَنَّ المَسيحَ يَبْقى لِلأَبَد، فَكَيْفَ تَقولُ أَنتَ: إِنَّهُ لا بُدَّ لابنِ الإِنسانِ أَن يُرفَع؟ فَمَنِ ابنُ الإِنسانِ هذا؟”(يوحنا 12: 34).

لَقَبُ المَسيح في أَثناءِ الآلامِ

لِذٰلِكَ سَيُصبِحُ لَقَبُهُ المَسيحانيُّ مَوضِعَ سُخرِيَّةٍ في أَثناءِ الآلامِ. فَبَعضُهُم قالوا لَهُ مُستَهزِئينَ: “تَنَبَّأْ لَنا أَيُّها المَسيحُ، مَن ضَرَبَكَ؟” (متى 26: 68). وَقالَ آخَرونَ عِندَ الصَّليبِ: “فَلْيَنزِلِ الآنَ المَسيحُ مَلِكُ إِسرائيلَ عَنِ الصَّليبِ، لِنَرى وَنُؤمِن” (مرقس 15: 32). وَهَزِئَ بِهِ الرُّؤَساءُ قائلينَ: “خَلَّصَ غَيرَهُ، فَلْيُخَلِّصْ نَفسَهُ، إِن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختارَ” (لوقا 23: 35). وَالجُنودُ أَيضًا سَخِروا مِنهُ وَلَقَّبوهُ مَلِكًا، قائلينَ: “إِن كُنتَ مَلِكَ اليَهودِ، فَخَلِّصْ نَفسَكَ”، وَكانَت فَوقَهُ الكِتابَةُ: “هٰذا مَلِكُ اليَهود”. غَيْرَ أَنَّ صاحِبَ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّينَ يَنظُرُ إِلى هذه الآلامِ نَفسِها بوَصفِها طَريقَ التَّمجيدِ، فيَقولُ: “نُشاهِدُهُ مُكَلَّلًا بِالمَجدِ وَالكَرامَةِ لأَنَّهُ عانى المَوتَ” (عبرانيين 2: 9).

لَقَبُ المَسيح في بَعدَ القِيامَةِ

لٰكِنْ بَعدَ القِيامَةِ فَقَط، اِستَطاعَ التَّلاميذُ أَن يَفهَموا الفَهمَ الكامِلَ ما يَنطَوي عَلَيهِ لَقَبُ المَسيحِ.  فَقَد قالَ يَسوعُ لِتِلميذَي عِمَّاوسَ: “أَما كانَ يَجِبُ عَلَى المَسيحِ أَن يُعانيَ هٰذِهِ الآلامَ فَيَدخُلَ في مَجدِهِ؟” (لوقا 24: 26). وَمِن هُنا لَم يَعُدْ هُناكَ مَجالٌ لِفَهمِ المَسيحِ كَمَلِكٍ زَمَنيٍّ أَو سِياسيٍّ يُعيدُ المُلْكَ إِلى إِسرائيلَ بِالمَعنَى القَوميِّ الضَّيِّقِ (أعمال الرسل 1: 6)، بَلْ صارَ واضِحًا، بِحَسَبِ الكُتُبِ، أَنَّهُ “كانَ لا بُدَّ أَن يَتَأَلَّمَ المَسيحُ، وَيَقومَ مِن بَينِ الأَمواتِ في اليَومِ الثّالِثِ، وَأَن تُعلَنَ بِاسمِهِ التَّوبَةُ وَغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم” (لوقا 24: 46-47).

وَعَلى ضَوءِ الفِصحِ وَقِيامَةِ يَسوعَ مِن بَيْنِ الأَمواتِ، أَعلَنَتِ الكَنيسَةُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ، أَي المَشيحُ / Χριστός، وَظَهَرَ هٰكَذا بِاعتِبارِهِ ابنَ داودَ الحَقيقيَّ، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: “وُلِدَ مِن نَسلِ داودَ بِحَسَبِ الجَسَد” (رومة 1: 3). فَهُوَ الوارِثُ الشَّرعيُّ لِعَرشِ داودَ، كَما أَعلَنَ المَلاكُ جِبرائيلُ لِمَريَمَ العَذراءِ: “سَيَكونُ عَظيمًا، وَابنَ العَلِيِّ يُدعَى، وَيُوليهِ الرَّبُّ الإِلهُ عَرشَ أَبيهِ داود”(لوقا 1: 32). وَبِهٰذا يَقودُ إِلى غايَتِهِ تَاريخَ إِسرائيلَ، لا بِإِعادةِ تَأسيسِ مُلكٍ أَرضيٍّ، بَلْ بِتَأسيسِ مَلَكوتِ اللهِ.

وَمِن جِهَةٍ أُخرى، نَصَّبَتْهُ القِيامَةُ في مَجدِهِ المَلوكيِّ رَبًّا وَمَسيحًا، كَما يُعلِنُ بُطرُسُ في أَوَّلِ عِظاتِهِ: “فَليَعلَمْ يَقينًا بَيتُ إِسرائيلَ أَجمَعُ أَنَّ يَسوعَ هذا الَّذي صَلَبتُموهُ أَنتُم، قَد جَعَلَهُ اللهُ رَبًّا وَمَسيحًا” (أعمال الرسل 2: 36). وَكَذٰلِكَ صارَت بِشارَةُ بولُسَ بِمثابَةِ إِعلانٍ دائِمٍ عَن المَسيحِ المَصلوبِ، إِذْ يَقولُ: “فَإِنَّنا نُبَشِّرُ بِمَسيحٍ مَصلوبٍ، عِثارًا لِليَهودِ وَحَماقَةً لِلوَثَنِيّين” (1 قورنتس 1: 23)، وَيَقولُ أَيضًا: “فَإِنِّي لَم أَشَأْ أَن أَعرِفَ شَيئًا وَأَنا بَينَكُم غَيرَ يَسوعَ المَسيحِ، بَلْ يَسوعَ المَسيحَ المَصلوبَ” (1 قورنتس 2: 2).

وَهٰكَذا يَتَبَيَّنُ أَنَّ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ لَم يَكُنْ مُجرَّدَ مَشهَدٍ اِحتِفاليٍّ، بَلْ إِعلانًا مَسيحانيًّا حاسِمًا. فَالمَسيحُ الَّذي كَتَمَ هُوِيَّتَهُ نِسبيًّا في مَراحِلَ سابِقَةٍ مِن خِدمَتِهِ، أَعلَنَها الآنَ عَلانيَةً، لٰكِنْ بِأُسلوبٍ نُبُوِيٍّ وَديعٍ، لِيُفهَمَ أَنَّ مُلكَهُ لا يَقومُ عَلى الاِستيلاءِ، بَلْ عَلى البَذلِ؛ وَلا عَلى القَهرِ، بَلْ عَلى الخَلاصِ.

يَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَليمَ كابنَ داود (متى 21: 9)

وَأَخيرًا تَرَكَ يَسوعُ النّاسَ يَهتِفونَ لَهُ في يَومِ الشَّعانينِ، مُعلِنينَ إِيّاهُ ابنَ داود، قائِلينَ: “هُوشَعْنا لابنِ داود! تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!” (متى 21: 9). وَكانوا يَحمِلونَ أَغصانَ النَّخلِ وَالزَّيتونِ دَلالَةً عَلى أَنَّ يَسوعَ هُوَ مَلِكُ الأَزمِنَةِ الجَديدَةِ، وَمَلِكُ الاِنتِصارِ عَلى الشَّرِّ، وَمَلِكُ السَّلام؛ لٰكِنْ سَلامُهُ لَيْسَ سَلامَ الأَقوِياءِ المَفروضَ عَلى الضُّعَفاءِ، وَلا سَلامَ الاِستِسلامِ تَحتَ وَطأَةِ الظُّلمِ وَالاِستِضعافِ، بَلْ هُوَ سَلامُ المَصالَحَةِ وَالحَقِّ وَالخَلاصِ.

ثُمَّ إِنَّ يَسوعَ نَفسَهُ، في مِجادَلاتِهِ مَعَ الفَرّيسيّينَ، أَلَحَّ عَلى أَنَّ ابنَ داودَ يَفوقُ كُلَّ سَلَفِهِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مُجرَّدَ ابنٍ لِداودَ حَسَبَ الجَسَدِ، بَلْ هُوَ رَبُّهُ أَيضًا. لِذٰلِكَ سَأَلَ اليَهودَ: “ما رَأْيُكُم في المَسيح؟ ابنُ مَن هُوَ؟” فقالوا لَهُ: «ابنُ داود”. فقالَ لَهُم: “فَكَيفَ يَدعوهُ داودُ رَبًّا بِوَحيٍ مِنَ الرُّوح؟” (متى 22: 42-43). فَيَسوعُ هُوَ ابنُ داودَ، نَعَم، لٰكِنَّهُ أَيضًا أَعظَمُ مِن داودَ، لأَنَّهُ المَسيحُ الرَّبُّ.

وَفي مَحاكَمَتِهِ الدِّينيَّةِ، عِندَما استَحلَفَهُ قَيَّافا عَظيمُ الكَهَنَةِ أَن يُصَرِّحَ هَل هُوَ المَسيحُ، لَم يُنْكِرْ هذا اللَّقَبَ، بَلْ أَعطاهُ مَعنىً مُتَسامِيًا وَنِهائيًّا، حينَ رَبَطَهُ بِلقَبِ ابنِ الإِنسانِ الجالِسِ عَن يَمينِ اللهِ، قائِلًا: “أَستَحلِفُكَ بِاللهِ الحَيِّ لَتَقولَنَّ لَنا: هَل أَنتَ المَسيحُ ابنُ الله؟” فقالَ لَهُ يَسوعُ: “أَنتَ قُلتَ. وَأَنا أَقولُ لَكُم: سَتَرَونَ بَعدَ اليَومِ ابنَ الإِنسانِ جالِسًا عَن يَمينِ القَدير، وَآتِيًا عَلى غَمامِ السَّماءِ” (متى 26: 63-64). وَفي الواقِعِ، كانَ هذا الاِعتِرافُ هُوَ الَّذي صارَ سَبَبًا مُباشِرًا لِلحُكمِ عَلَيهِ، إِذْ “شَقَّ عَظيمُ الكَهَنَةِ ثِيابَهُ وَقالَ: لَقَد جَدَّفَ” (متى 26: 65).

إِذا كانَ يَسوعُ قَد دَخَلَ أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا، فَإِنَّ الدَّعوةَ المَوجَّهَةَ إِلَيْنا اليَومَ هِيَ أَن نَستَقبِلَهُ نَحنُ أَيضًا مَلِكًا، لا عَلى المَظاهِرِ وَالاِحتِفالاتِ فَحَسْب، بَلْ في أَعماقِ القُلوبِ. فَمَلكوتُهُ لا يَطلُبُ عَروشًا أَرضيَّةً، بَلْ نُفوسًا تُسلِّمُ ذواتَها لَهُ. وَالإِيمانُ الحَقيقيُّ بِمَسيحانِيَّةِ يَسوعَ لا يَقفُ عِندَ الإِعجابِ بِمُعجِزاتِهِ، بَلْ يَبلُغُ كَمالَهُ في قَبولِ مَلكوتِهِ الرُّوحيِّ، وَالسَّيرِ مَعَهُ في طَريقِ الصَّليبِ، لِأَنَّهُ هُوَ المَلِكُ الَّذي يُخَلِّصُ لا بِالسَّيفِ، بَلْ بِالمَحَبَّةِ الباذِلَةِ.

2- يَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَليمَ نَبِيًّا (متى 21: 11)

لَم يَكشِفْ دُخولُ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ أَنَّهُ المَسيحُ المَلِكُ المُنتَظَرُ فَحَسْب، بَلْ كَشَفَ أَيضًا أَنَّهُ النَّبِيُّ. فَعِندَما دَخَلَ أُورَشَليمَ “ضَجَّتِ المَدينةُ كُلُّها وَسَأَلَتْ: مَنْ هٰذا؟ فَأَجابَتِ الجُموعُ: هٰذا النَّبِيُّ يَسوعُ مِن ناصِرَةِ الجَليل” (متى 21: 10-11). وَهٰذا اللَّقَبُ لا يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ وَصفٍ شَعبيٍّ عابِرٍ، بَلْ يَرتَبِطُ بِتَقليدٍ كِتابيٍّ عَميقٍ يَجِدُ جِذورَهُ في وَعدِ اللهِ لِموسى: “يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتِكَ، فَلَهُ تَسمَعون” (تثنية الاشتراع 18: 15). فَيَسوعُ هُوَ النَّبِيُّ الأَخيرُ الَّذي لا يَنقُلُ كَلِمَةَ اللهِ فَقَط، بَلْ يُجَسِّدُها في شَخصِهِ وَرِسالَتِهِ.

المَفهومِ الكِتابيِّ للنَّبِيَّ

إِنَّ النَّبِيَّ، في المَفهومِ الكِتابيِّ، هُوَ مَن يَتَكَلَّمُ أَو يَكتُبُ بِقُوَّةِ اللهِ وَوَحيِهِ، كَما يَقولُ عاموسُ النَّبيُّ: “إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لا يَصنَعُ أَمرًا إِلَّا وَهُوَ يَكشِفُ سِرَّهُ لِعَبيدِهِ الأَنبِياءِ” (عاموس 3: 7). لٰكِنَّ يَسوعَ يَتَجاوَزُ هٰذا المَعنى التَّقليديَّ، لأَنَّهُ لا يَكشِفُ فَقَط مَشيئَةَ اللهِ، بَلْ يُظهِرُ أَنَّ مَوضوعَ الرِّسالَةِ النُّبُوِيَّةِ نَفسَهُ هُوَ الخَلاصُ الَّذي سَيُتِمُّهُ هُوَ. وَهٰذا ما يُعلِنُهُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّينَ: “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءِ مَرّاتٍ كَثيرَةً وَبِوُجوهٍ كَثيرَة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيّامِ هٰذِهِ بِابنٍ، جَعَلَهُ وارِثًا لِكُلِّ شَيء، وَبِهِ أَنشَأَ العالَمين” (عبرانيين 1: 1-2). فَهٰنا لا يَعودُ الاِبنُ مُجرَّدَ نَبِيٍّ بَيْنَ أَنبِياء، بَلْ كَمالَ الكَلامِ الإِلٰهيِّ وَخاتِمَتَهُ.

دَعوةُ النَّبِيِّ

وَإِذا كانَت دَعوةُ النَّبِيِّ هِيَ أَداءَ رِسالَةِ اللهِ وَالنُّطقَ بِكَلِمَتِهِ، فَإِنَّ رِسالَةَ النَّبِيِّ لا تَقِفُ عِندَ حَدِّ الإِنباءِ عَنِ المُستَقبَلِ فَقَط، بَلْ تَمتَدُّ إِلى البِناءِ وَالوَعظِ وَالتَّعزِيَةِ وَالدَّعوةِ إِلى التَّوبةِ.  وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ بولُسُ الرَّسولُ: “أَمَّا الَّذي يَتَنَبَّأُ فَهُوَ يُكَلِّمُ النّاسَ بِكَلامٍ يَبني وَيَحُثُّ وَيُشَدِّد” (1 قورنتس 14: 3). وَعَلَيْهِ، فَيَسوعُ لَيْسَ نَبِيًّا لِأَنَّهُ يَرى المُستَقبَلَ فَقَط، بَلْ لِأَنَّهُ يُفَسِّرُ التّاريخَ عَلى أَنَّهُ عَمَلُ اللهِ لِخَلاصِ العالَمِ، وَيُعلِنُ هٰذا الخَلاصَ مُسبَقًا بِسُلطانٍ فَريدٍ.

المَلامِحُ النُّبُوِيَّةُ

المَلامِحُ النُّبُوِيَّةُ في شَخصِ يَسوعَ كَثيرَةٌ. فَقَد تَنَبَّأَ عَن عَلاماتِ الأَزمِنَةِ (متى 16: 2-3)، وَأَعلَنَ ما سَيَؤولُ إِلَيْهِ مَصيرُ أُورَشَليمَ وَالهَيْكَلِ (متى 24: 1-25). وَكَما فَعَلَ الأَنبِياءُ مِن قَبلُ، وَجَّهَ نَقْدًا صارِمًا لِلرِّياءِ الدِّينيِّ، قائِلًا: “أَيُّها المُراؤُون، أَحسَنَ أَشَعْيا في نُبُوءَتِهِ عَنكُم إِذ قال: هٰذا الشَّعبُ يُكرِمُني بِشَفَتَيه، وَأَمَّا قَلبُهُ فَبَعيدٌ مِنِّي” (متى 15: 7-8؛ راجع إشعيا 29: 13). كَما دَخَلَ الهَيْكَلَ وَطَهَّرَهُ بِرُوحٍ نُبُوِيَّةٍ، مُستَحضِرًا كَلامَ إِشَعْيا وَإِرميا: “أَلَم يُكتَب: بَيْتي بَيْتَ صَلاةٍ يُدعى لِجَميعِ الأُمَم، وَأَنتُم جَعَلتُموهُ مَغارَةَ لُصوص” (مرقس 11: 15-17؛ إشعيا 56: 7؛ إرميا 7: 11). بَلْ إِنَّهُ ذَهَبَ أَبعَدَ مِن ذٰلِكَ، حِينَ أَعلَنَ أَنَّ العِبادَةَ الحَقيقيَّةَ سَتُقامُ في هَيْكَلِ جَسَدِهِ، قائِلًا: “اُنقُضوا هٰذا الهَيْكَلَ، وَفي ثَلاثَةِ أَيّامٍ أُقيمُهُ… أَمَّا هُوَ فَكانَ يَعني هَيْكَلَ جَسَدِهِ”(يوحنا 2: 19-21).

وَقَد رَفَضَ كَثيرونَ مِنَ اليَهودِ رِسالَةَ يَسوعَ النُّبُوِيَّةَ، كما حدث مع الأنبياء، إذ كَما صَرَّحَ هُوَ نَفسُهُ: “إِنَّما أُكَلِّمُهُم بِالأَمثالِ، لأَنَّهُم يَنظُرونَ وَلا يُبصِرون، وَلأَنَّهُم يَسمَعونَ وَلا يَسمَعونَ وَلا يَفهَمون. وَفيهِم تَتِمُّ نُبُوءَةُ أَشَعْيا…» (متى 13: 13-15). وَهٰذا الرَّفضُ نَفسُهُ يُؤَكِّدُ طابِعَهُ النُّبُوِيَّ، لِأَنَّ مَصيرَ الأَنبِياءِ كانَ غالِبًا مَصيرَ الرَّفضِ وَالاِضطِهادِ. وَمِن هُنا يَفْهَمُ يَسوعُ أُورَشَليمَ عَلى ضَوءِ تاريخِها مَعَ الأَنبِياءِ، فيَهتِفُ: “أُورَشَليمُ، أُورَشَليمُ، يا قاتِلَةَ الأَنبِياءِ وَراجِمَةَ المُرسَلينَ إِلَيْها، كَم مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَن أَجمَعَ أَبناءَكِ… فَلَم تُريدوا! هُوَذا بَيْتُكُم يُترَكُ لَكُم قَفرًا» (متى 23: 37-38). فَنُبُوءَتُهُ عَن خَرابِ أُورَشَليمَ وَالهَيْكَلِ لا تَصدُرُ عَن نَظَرَةٍ سِياسيَّةٍ، بَلْ عَن بَصيرَةٍ نُبُوِيَّةٍ تَرى أَنَّ رَفضَ نِعْمَةِ اللهِ يَستَجلِبُ الدَّينونَةَ.

وَأَخيرًا، يَتَنَبَّأُ يَسوعُ عَن نَفسِهِ، مُبَيِّنًا أَنَّهُ لا يَزالُ سَيِّدًا لِمَصيرِهِ، وَأَنَّهُ يَسيرُ إِلى الآلامِ بِحُرِّيَّةٍ كامِلَةٍ وَطاعَةٍ لِلآبِ. فَهُوَ يَقولُ: “ما مِن أَحَدٍ يَنتَزِعُها مِنِّي، بَلْ إِنِّي أَبذِلُها بِرِضايَ. لِي أَن أَبذِلَها وَلي أَن أَنالَها ثانِيَةً، وَهٰذا الأَمرُ تَلَقَّيتُهُ مِن أَبي” (يوحنا 10: 18). فَيَسوعُ لا يَقَعُ ضَحِيَّةَ الأَحداثِ، بَلْ يَدخُلُ فِيهَا عَن وَعيٍ وَقَصدٍ، لِيُتِمَّ ما تَكَلَّمَت عَنهُ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ. لِذٰلِكَ لا عَجَبَ أَن تُلَقِّبَهُ الجُموعُ تِلقائيًّا بِلَقَبِ “النَّبِيّ”، وَأَن يَقولَ بَعضُهُم: “هٰذا هُوَ النَّبِيُّ حَقًّا، الآتي إِلى العالَم” (يوحنا 6: 14)، وَأَن يَقولَ آخَرونَ: “هٰذا هُوَ النَّبِيُّ حَقًّا!” (يوحنا 7: 40).

نبي فَوقَ جَميعِ الأَنبِياءِ،

غَيْرَ أَنَّ يَسوعَ، مَع أَنَّهُ قَبِلَ أَن يُنظَرَ إِلَيْهِ كَنَبِيٍّ، لَم يَحصُرْ هُوِيَّتَهُ في هٰذا اللَّقَبِ. فَهُوَ لا يَستَعمِلُهُ لِنَفسِهِ إِلَّا عَرَضًا، كَما في قَولِهِ:” لا يُزْدَرى نَبِيٌّ إِلَّا في وَطَنِهِ وَفي بَيْتِهِ” (متى 13: 57)، لِأَنَّ شَخصِيَّتَهُ تَتَجاوَزُ كُلَّ الوجوهِ النُّبُوِيَّةِ التَّقليديَّةِ. فَهُوَ لَيسَ نَبِيًّا فَحَسْب، بَلْ أَيضًا المَسيحُ، وَابنُ الإِنسانِ، وَكَلِمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدُ، تَمَام النُّبوَة وكَمال الوَحي، وَسُلطانُهُ يَجعَلُهُ فَوقَ جَميعِ الأَنبِياءِ، لأَنَّهُ، كَما يَقولُ صاحِبُ رِسالَةِ العِبرانيّينَ: “هُوَ شُعاعُ مَجدِهِ وَصُورَةُ جَوهَرِهِ، يَحفَظُ كُلَّ شَيءٍ بِقُوَّةِ كَلِمَتِهِ. وَبَعدَما قَامَ بِالتَّطْهيرِ مِنَ الخَطايا، جَلَسَ عَن يَمينِ ذي الجَلالِ في العُلى” (عبرانيين 1: 3). وَهٰذا ما يُعلِنُهُ إِنجيلُ يُوحنّا بِأَقصى وَضوحٍ: “وَالكَلِمَةُ صارَ بَشَرًا»”(يوحنا 1: 14). فَبَينَما كانَ الأَنبِياءُ يَرُدِّدونَ: “هٰكَذا قالَ الرَّبّ”، يَقولُ يَسوعُ بِسُلطانٍ فَريدٍ: “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم”.  وَمِن هُنا، فَإِنَّ رِسالَتَهُ وَشَخصَهُ لا يَقِفانِ عِندَ المُستَوى النُّبُوِيِّ المَألوفِ، بَلْ يَتَجاوَزانِهِ إِلى المُستَوى الاِبنِيِّ وَالإِلٰهيِّ.

وَنَستَنتِجُ مِمّا سَبَقَ أَنَّ أَهْلَ أُورَشَليمَ رَأَوا في يَسوعَ نَبِيًّا، وَلٰكِنَّ هٰذا النَّبِيَّ أَخبَرَهُم أَيضًا أَنَّ مَدينَتَهُم خاضِعَةٌ لِدَيْنونَةِ اللهِ الوَشيكَةِ. وَأَرادوا المَسيحَ المُنتَظَرَ، غَيْرَ أَنَّ الَّذي جاءَ هُوَ مَن سَيَجعَلُ عَرشَهُ عَلى صَليبٍ رُومانيٍّ. وَأَرادوا خَلاصًا مِنَ الشَّرِّ وَالاِضطِهادِ، لٰكِنَّ يَسوعَ جاءَ لِيُخَلِّصَهُم مِن الشِّرِّيرِ وَمِن سُلطانِ الخَطيئَةِ وَالمَوتِ، لا مِن شَرِّ الاِحتِلالِ وَاستِغلالِ الأَغنِياءِ فَحَسْب. وَمِن هُنا، فَإِنَّ إِيمانَنا بِيَسوعَ لا يَرتَبِطُ بِضَماناتٍ آنيَّةٍ وَحُلولٍ فَورِيَّةٍ لِكُلِّ المُشْكِلاتِ، بَلْ يَرتَكِزُ عَلى الثِّقَةِ بِأَنَّهُ لا يَترُكُنا وَحدَنا، وَأَنَّهُ يَقودُنا، عَبْرَ الصَّليبِ، إِلى حَقيقَةِ الحَياةِ وَالخَلاص.

          3- 3 33 ما مَوقِفُنا تُجاهَ يَسوعَ الَّذي يَدخُلُ إِلى أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا وَنَبِيًّا؟

في هٰذا الأُسْبوعِ المُقَدَّسِ، الَّذي يَفْتَتِحُهُ أَحَدُ الشَّعانينِ، نَحنُ مَدعوُّونَ أَلّا نَقتَديَ بِالجُموعِ في المَظاهِرِ الخارِجِيَّةِ فَحَسْب، بِحَمْلِ أَغصانِ الزَّيتونِ أَو سَعَفِ النَّخلِ، وَلا بِفَرْشِ الثِّيابِ أَمامَهُ عَلَى الطَّريقِ وَحْدَهُ، بَلْ أَنْ نَستَقبِلَهُ فِي أَعماقِ كِيانِنا، وَأَنْ نَسجُدَ لَهُ بِأَنْفُسِنا كُلِّها، وَبِكُلِّ قُوانا وَإِرادَتِنا، فَنَفتَحَ لَهُ قُلوبَنا بِرُوحٍ مُنسَحِقَةٍ، وَنِيَّةٍ مُستَقِيمَةٍ، وَعَزمٍ ثابِتٍ. فَالشَّعانينُ لا يَدعونا إِلى اِحتِفالٍ عابِرٍ، بَلْ إِلى اِعتِرافٍ حَيٍّ بِالمَسيحِ مَلِكًا عَلى حَياتِنا. وَلِذٰلِكَ يَنبَغي أَنْ نُرَدِّدَ مَعَ هِتافِ الجَماهِيرِ، لا بِالشِّفاهِ فَقَط، بَلْ بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ: “مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبّ”، تَمجيدًا لِلمَسيحِ المَلِكِ الَّذي خَلَّصَنا في الماضي وَيُخَلِّصُنا اليَومَ أَيضًا.

لِنَدْعُ يَسوعَ في هٰذا اليَومِ أَنْ يَدخُلَ بُيوتَنا، وَيَمْلِكَ عَلى قُلوبِنا، وَعَلى عائِلاتِنا، وَكَنيسَتِنا، وَأَرضِنا، مُعتَرِفينَ بِهِ مَسيحًا وَمَلِكًا، وَهاتِفينَ: “هُوشَعْنا لابنِ داود! تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!” (متى 21: 9). لِنَطلُبْ مِنهُ أَنْ يُخَلِّصَنا مِنَ الشَّرِّ وَمِنَ الشِّرِّيرِ، وَأَنْ يَشفيَ أَمراضَنا، وَيَرحَمَ مَوتانا، وَيَعضُدَ الضُّعَفاءَ وَالمُتَأَلِّمينَ، وَيَمنَحَ العالَمَ سَلامَهُ الَّذي لا يُعطيهِ العالَم. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يَدعونا البابا فَرَنسيس إِلى الثِّقَةِ وَالرَّجاءِ، حِينَ يُشَدِّدُ عَلى ضَرورَةِ أَنْ يَفتَحَ الإِنسانُ قَلبَهُ لِمَحبَّةِ اللهِ، فَفيها يَجِدُ القُوَّةَ وَالعَزاءَ في المِحَنِ.

وَلِنَدْعُهُ أَيضًا في يَومِ خَميسِ الأَسرارِ، يَومِ العَشاءِ الأَخيرِ وَسِرِّ القُربانِ المُقَدَّسِ، أَنْ يُقَدِّسَ نُفوسَنا وَعائِلاتِنا، وَأَنْ يُوَحِّدَنا في المَحبَّةِ، مُتَذَكِّرينَ وَصِيَّتَهُ الجَديدَةَ: “أُعطيكُم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا. كَما أَحبَبتُكُم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضًا بَعضُكُم بَعضًا” (يوحنا 13: 34). وَنَتَذَكَّرُ أَيضًا كَلِماتِهِ في العَطاءِ وَالبَذلِ: “خُذوا كُلوا، هذا هُوَ جَسَدي… اِشرَبوا مِنها كُلُّكُم، فَهٰذا هُوَ دَمي، دَمُ العَهدِ، يُراقُ مِن أَجلِ جَماعَةِ النّاسِ لِغُفرانِ الخَطايا” (متى 26: 26-28). فَالمَسيحُ الَّذي يَدخُلُ أُورَشَليمَ مَلِكًا، يَدخُلُ أَيضًا العُلِّيَّةَ خادِمًا وَذابِحًا وَطَعامًا لِشَعبِهِ. وَفِي هٰذا المَعنى نَحنُ مَدعوُّونَ أَلّا نَفكِّرَ فَقَط فِي ما يَنقُصُنا، بَلْ فِي الخَيرِ الَّذي يَستَطيعُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا أَنْ يَفعَلَهُ لِأَجلِ الآخَرينَ.

وَلِنَدْعُهُ في يَومِ الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، حِينَ يَموتُ مِن أَجلِنا عَلى الصَّليبِ، أَنْ يَمنَحَنا القُوَّةَ اللّازِمَةَ لِنَحمِلَ صَليبَنا مَعَ صَليبِهِ، بِإِيمانٍ وَثَباتٍ وَرَجاءٍ. فَصَليبُ المَسيحِ لَيْسَ عارًا، بَلْ مَنبَعُ مَحَبَّةٍ وَخَلاصٍ. وَنَحنُ نَتَذَكَّرُ قَولَهُ: “لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظَمُ مِن أَنْ يَبذِلَ نَفسَهُ في سَبيلِ أَحِبّائِهِ” (يوحنا 15: 13)، وَقَولَهُ أَيضًا: “مَن أَرادَ أَنْ يَتبَعَني، فَلْيَزهَدْ في نَفسِهِ وَيَحمِلْ صَليبَهُ وَيَتبَعْني…” (متى 16: 24-26). وَهُنا يَظهَرُ صِدقُ التَّلمَذَةِ: فَلَيسَ كُلُّ مَن هَتَفَ لِيَسوعَ في الشَّعانينِ يَثبُتُ مَعَهُ عِندَ الجُلجُلَةِ. وَلِذٰلِكَ يُذَكِّرُنا كِتابُ الاِقتِداءِ بِالمَسيح بِأَنَّ كَثيرينَ يُحِبُّونَ يَسوعَ ما دامَتِ التَّعزِياتُ حاضِرَةً، أَمّا حامِلو صَليبِهِ فَقَليلونَ. وَهٰذِهِ دَعوةٌ لَنا لِكَي نُحِبَّ المَسيحَ لا في أَوقاتِ الفَرَحِ فَقَط، بَلْ أَيضًا في أَزْمِنَةِ الصَّمتِ وَالأَلَمِ وَالتَّجْرِبَةِ.

وَلِنَدْعُهُ في سَبْتِ النّورِ، مُعلِنينَ أَنَّهُ المَسيحُ مُخَلِّصُنا، وَالنَّبِيُّ الَّذي يَهْدينا وَيُبَدِّدُ ظُلُماتِ العالَمِ، وَيُشرِقُ عَلَينا بِنورِهِ، مُتَذَكِّرينَ كَلِمَتَهُ: “أَنا نورُ العالَم، مَن يَتبَعْني لا يَمشي في الظَّلام، بَلْ يَكونُ لَهُ نورُ الحَياة” (يوحنا 8: 12). فَفي سَبْتِ الصَّمتِ، تَتَعَلَّمُ الكَنيسَةُ أَنْ تَنتَظِرَ بِالإِيمانِ، وَأَنْ تُصَدِّقَ أَنَّ اللهَ يَعمَلُ حَتّى إِذا بَدا كُلُّ شَيءٍ ساكِنًا.

وَأَخيرًا، لِنَدْعُهُ في أَحَدِ القِيامَةِ أَنْ يَضَعَ فينا رَجاءً جَديدًا، وَأَنْ يَفتَحَ أَمامَنا أُفُقَ الحَياةِ المُشرِقَةِ في مَلَكوتِهِ السَّماويِّ، مُتَذَكِّرينَ وَعدَهُ: “أَنا القِيامَةُ وَالحَياة، مَن آمَنَ بي، وَإِن ماتَ، فَسَيَحيا” (يوحنا 11: 25). فَالمَسيحُ الَّذي دَخَلَ أُورَشَليمَ وَديعًا، وَاجْتازَ الآلامَ وَالمَوتَ، هُوَ نَفسُهُ الَّذي يَخرُجُ ظافِرًا مِنَ القَبرِ، لِيَهَبَنا رَجاءً لا يَخيبُ، وَحَياةً لا يَغلِبُها المَوتُ.

وَمِن هُنا، فَإِنَّ مَوقِفَنا تُجاهَ يَسوعَ الَّذي يَدخُلُ إِلى أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا وَنَبِيًّا لا يَجِبُ أَنْ يَبقى مَوقِفًا عاطِفيًّا وَقْتِيًّا، بَلْ أَنْ يَصيرَ مَسيرَةَ إِيمانٍ كامِلَةٍ: نَستَقبِلُهُ في الشَّعانينِ، وَنَتَّحِدُ بِهِ في خَميسِ الأَسرارِ، وَنَثبُتُ مَعَهُ عِندَ الصَّليبِ في الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، وَنَنتَظِرُهُ بِالرَّجاءِ في سَبْتِ النّورِ، وَنَفرَحُ بِهِ قائِمًا في صَباحِ الفِصحِ. فَلا يَكفي أَنْ نَهتِفَ لَهُ: “هُوشَعْنا”، بَلْ يَنبَغي أَنْ نَسيرَ مَعَهُ حَتّى النِّهايَةِ، لِكَي نَشتَرِكَ مَعَهُ أَيضًا في مَجدِ القِيامَةِ.

 الخُلاصَة

في حينِ كانَ يَسوعُ يَتَجَنَّبُ دائِمًا المُحاوَلاتِ الشَّعبيَّةَ لِإِعلانِهِ مَلِكًا بِالمَعنى السِّياسيِّ (يوحنا 6: 15)، نَراهُ في أَحَدِ الشَّعانينِ يَختارُ الزَّمانَ وَيُهَيِّئُ تَفاصيلَ دُخولِهِ إِلى أُورَشَليمَ دُخولًا مَسيحانيًّا مُعلَنًا، مُتَمِّمًا مَواعيدَ اللهِ: “لِيُولِيَهُ الرَّبُّ الإِلهُ عَرشَ أَبيهِ داود” (لوقا 1: 32). وَلٰكِنَّهُ يَدخُلُ لا كَفاتِحٍ مُنتَصِرٍ بِالقُوَّةِ، بَلْ راكِبًا على جَحْشٍ (زكريا 9: 9)، كَاشِفًا طَبيعَةَ مُلكِهِ: إِنَّهُ مُلكُ التَّواضُعِ وَالسَّلامِ.

فَالمَسيحُ لَم يَستَولِ عَلى “ابنَةِ صِهْيون”، أَي الكَنيسَةِ، بِالعُنفِ وَالإِكراهِ، بَلْ جَذَبَها إِلَيْهِ بِالمَحبَّةِ وَالوَداعَةِ، كَما قالَ: “تَعالَوا إِلَيَّ جَميعًا أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وَأَنا أُريحُكُم” (متى 11: 28). وَمُلكُهُ هُوَ أَيضًا مُلكُ الحَقِّ، كَما أَعلَنَ أَمامَ بِيلاطُسَ: “إِنِّي مَلِك… وَلِهذا أَتَيتُ إِلى العالَمِ لأَشهَدَ لِلحَقّ. فَكُلُّ مَن كانَ مِنَ الحَقّ يُصغي إِلى صَوتي” (يوحنا 18: 37). فَهٰوَ مَلِكٌ لا يَفرِضُ سُلطانَهُ، بَلْ يَدعو الإِنسانَ إِلى الحَقِّ وَالحُرِّيَّةِ.

وَمِن هُنا، فَإِنَّ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَليمَ لا يُشَكِّلُ حَدَثًا تَاريخيًّا فَحَسْب، بَلْ يُعلِنُ بِدءَ تَحَقُّقِ المَلكوتِ الإِلٰهيِّ الَّذي سَيُتِمُّهُ المَسيحُ بِفِصحِهِ: بِآلامِهِ وَمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ. فَهٰذا المَلِكُ الَّذي دَخَلَ وَديعًا، هُوَ نَفسُهُ الَّذي سَيُتوَّجُ بِإِكليلِ الشَّوكِ، وَيَرتَفِعُ عَلى الصَّليبِ عَرشًا، وَيَظهَرُ في القِيامَةِ مَلِكًا مُمَجَّدًا. وَعَنهُ تَكَلَّمَ إِرميا النَّبيُّ قائِلًا: “لا نَظيرَ لَكَ يا رَبّ، عَظيمٌ أَنتَ وَعَظيمٌ اسمُكَ في الجَبَروت، مَن لا يَخْشاكَ يا مَلِكَ الأُمَم؟” (إرميا 10: 6-7).

وَبِالاِحتِفالِ بِأَحَدِ الشَّعانينِ، تَفتَتِحُ الكَنيسَةُ ليتورجيا الأُسْبوعِ المُقَدَّسِ، دَاعِيَةً المُؤمِنينَ إِلى أَنْ يَصعَدوا رُوحيًّا مَعَ المَسيحِ مِن جَبَلِ الزَّيتونِ إِلى أُورَشَليمَ، لِلدُّخولِ مَعَهُ في سِرِّ الفِصحِ. فَنَحنُ مَدعوُّونَ أَلّا نَقتَصِرَ عَلى المَظاهِرِ الخارِجِيَّةِ، بَلْ أَنْ نُجَدِّدَ اِستِقبالَنا لَهُ في أَعماقِ حَياتِنا. فَلَيسَ المَطلوبُ أَنْ نَحمِلَ أَغصانَ الزَّيتونِ فَقَط، بَلْ أَنْ نُقَدِّمَ ذَواتِنا؛ وَلَيسَ أَنْ نَفرُشَ الثِّيابَ أَمامَهُ، بَلْ أَنْ نَضَعَ قُلوبَنا عِندَ قَدَمَيْهِ ساجِدينَ.

وَلِنُرَدِّدْ مَعَ الجُموعِ: “مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبّ”، لا كَهِتافٍ عابِرٍ، بَلْ كَإِعلانِ إِيمانٍ حَيٍّ بِالمَسيحِ الَّذي خَلَّصَنا في الماضي وَيُخَلِّصُنا اليَومَ أَيضًا. فَغايَةُ وُجودِ الإِنسانِ هِيَ الخَلاصُ، كَما يُؤَكِّدُ الرَّسولُ: “إِنَّ اللهَ يُريدُ أَن يَخلُصَ جَميعُ النّاسِ وَيَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ” (1 طيموثاوس 2: 4).

وَأَخيرًا، إِنَّ ما نَعيشهُ أَحيانًا مِن غِيابٍ عَنِ الاِحتِفالاتِ اللِّيتورجيَّةِ لا يَحرِمُنا مِن حُضورِ المَسيحِ، بَلْ يَدعونا إِلى اِكتِشافِ حُضورِهِ في بُيوتِنا وَحَياتِنا. فَيَسوعُ الَّذي دَخَلَ أُورَشَليمَ، يَدخُلُ اليَومَ أَيضًا إِلى بُيوتِنا:

  • في الشَّعانينِ، يَملِكُ عَلى قُلوبِنا؛
  • في خَميسِ الأَسرارِ، يُقَدِّسُ عائِلاتِنا وَيُوَحِّدُها في المَحبَّةِ؛
  • في الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، يَحمِلُ آلامَنا وَأَوجاعَ العالَمِ؛
  • في سَبْتِ النّورِ، يُنيرُ ظُلُماتِنا؛
  • وَفي أَحَدِ القِيامَةِ، يَزرَعُ فينا رَجاءً جَديدًا وَيَهَبُنا حَياةً مُشرِقَةً تَتَّجِهُ نَحوَ المَلكوتِ السَّماويِّ.

فَهٰكَذا يَتَحَوَّلُ أُسْبوعُ الآلامِ مِن ذِكرى إِلى مَسيرَةٍ، وَمِن طَقسٍ إِلى حَياةٍ، وَمِن اِحتِفالٍ إِلى لِقاءٍ حَيٍّ مَعَ المَسيحِ المَلِكِ وَالنَّبِيِّ وَالمُخَلِّصِ.

 دُعاء

أَيُّها الآبُ السَّماويُّ، نَشْكُرُكَ لأَنَّكَ أَرْسَلْتَ ابْنَكَ الوَحيدَ إِلى عالَمِنا،
فَدَخَلَ أُورَشَليمَ في مَوْكِبٍ مُهَيْبٍ، لِيُتِمَّ سِرَّ الفِصْحِ بِآلامِهِ وَقِيامَتِهِ.

نَسْأَلُكَ أَنْ تَهَبَنا نِعْمَةً، لِنَسْتَقْبِلَهُ مَلِكًا عَلى قُلوبِنا، وَمَسيحًا مُخَلِّصًا لِحَياتِنا،
وَنَتْبَعَهُ بِإِيمانٍ صادِقٍ في طَريقِ الصَّليبِ.

قَوِّنا لِنَحمِلَ صَليبَنا مَعَهُ، وَاجْعَلْنا نَشْتَرِكُ في نِعْمَةِ فِدائِهِ،
لِنَنالَ شِفاءً لِنُفوسِنا وَأَجْسادِنا، وَسَلامًا لِبِلادِنا وَشَعْبِنا وَالعالَمِ أَجْمَع.

يا رَبُّ، بِقُوَّةِ صَليبِكَ، اِرْفَعْ عَنّا كُلَّ شَرٍّ وَمَرَضٍ،
وَامْلأْ قُلوبَنا رَجاءً وَتَعزِيَةً.

وَبِشَفاعَةِ أُمِّنا مَرْيَمَ العَذْراءِ، أُمِّ الأَوْجاعِ،
اِمْنَحْنا أَنْ نُرافِقَ ابْنَها في آلامِهِ، لِنَشْتَرِكَ أَيضًا في مَجْدِ قِيامَتِهِ، وَنَفوزَ بِالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. آمين.

 تهنئة

بمناسبة عيدُ الشَّعانينِ وأُسْبوعٌ مُقَدَّسٌ مُبارَك،
نَتَمَنّى لَكُم جَميعًا زَمَنًا أَفْضَلَ يَمْلَؤُهُ الرَّجاءُ وَالسَّلام،
حَيْثُ نَختَبِرُ فيهِ تَحرُّرًا حَقيقيًّا مِنَ الشَّرِّ وَمِن كُلِّ وَباءٍ وَأَلَم وحَربٍ

نُصَلّي مِن أَجلِكُم، وَنَرجو أَنْ تَذكُرونا في صَلواتِكُم،
لِنَسيرَ مَعًا مَعَ المَسيحِ في طَريقِ الآلام، وَنَبلُغَ مَعَهُ فَرَحَ القِيامَةِ.

كُلُّ عامٍ وَأَنتُم بِخَيْرٍ ونِعْمَةٍ وَبَرَكَةٍ.

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email