Edit Content
Click on the Edit Content button to edit/add the content.

الأحَد الخَامِس من زَمَن السَّنة: هَويَّة المَسيحيّين: مِلْح وَنُورُ

الأحَد الخَامِس من زَمَن السَّنة: هَويَّة المَسيحيّين: مِلْح وَنُورُ (متى 5: 13-16)

 أ. د. لويس حزبون

 النَّصُّ الإنْجيلي: (متى 5: 13-16)

13((أَنتُم مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ المِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس. 14 ((أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل، 15ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت. 16هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات.

ٱلْمُقَدِّمَةُ

يُعَرِّفُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ تَلامِيذَهُ بِأَنَّهُمْ «مِلْحُ ٱلأَرْضِ وَنُورُ ٱلْعَالَمِ» (مَتَّى 5: 13–16)، مُعْلِنًا بِذَلِكَ إِشْرَاكَهُمْ فِي رِسَالَتِهِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ، وَدَعْوَتَهُمْ إِلَى نَشْرِ نُورِ ٱلْإِنْجِيلِ وَٱلْعِنَايَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ فِي حَيَاةِ ٱلْبَشَرِ. وَلَيْسَ هُنَاكَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا ٱلتَّعْرِيفِ تَوْصِيفًا لِهُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِيِّينَ وَرِسَالَتِهِمْ وَدَوْرِهِمْ فِي ٱلْعَالَمِ.

فَٱلْكَنِيسَةُ ٱلْكَاثُولِيكِيَّةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ هُمْ “نَوَاةُ وَحْدَةٍ وَرَجَاءٍ وَخَلَاصٍ بَالِغِ ٱلْفَعَّالِيَّةِ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا” (ٱلتَّعْلِيمُ ٱلْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ ٱلْكَاثُولِيكِيَّةِ، رَقْم 782). وَفِي ٱلسِّيَاقِ عَيْنِهِ، يُشَدِّدُ ٱلْبَابَا فَرَنْسِيسُ قَائِلًا: “إِنَّ عَالَمَ ٱلْيَوْمِ يَحْتَاجُ إِلَى أَشْخَاصٍ يَكُونُونَ حَقًّا مِلْحَ ٱلْأَرْضِ وَنُورَ ٱلْعَالَمِ” (عِظَة 16/5/2018).

وَيُفَسِّرُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ هَذِهِ ٱلدَّعْوَةَ ٱلْإِنْجِيلِيَّةَ قَائِلًا: “لَيْسَ ٱلْمَسِيحِيُّ نُورًا مِنْ ذَاتِهِ، بَلْ يَسْتَنِيرُ بِنُورِ ٱلْمَسِيحِ؛ فَإِنْ حُجِبَ ٱلْمَصْدَرُ عَادَ إِلَى ظُلْمَتِهِ” (PL 34, 1230)، فَٱلْمُؤْمِنُ، فِي رُؤْيَةِ ٱلْآبَاءِ، لَا يَمْتَلِكُ ٱلنُّورَ بَلْ يَحْمِلُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ فِي ٱلْعَالَمِ. أَمَّا ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ، فَيَرَى أَنَّ تَشْبِيهَ ٱلْمَسِيحِيِّ بِٱلْمِلْحِ يَدُلُّ عَلَى دَعْوَتِهِ إِلَى حِفْظِ ٱلْعَالَمِ مِنَ ٱلْفَسَادِ، إِذْ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ ٱلْمِلْحَ يَمْنَعُ ٱلتَّعَفُّنَ، كَذَلِكَ حَيَاةُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلصَّالِحَةُ تَحْمِي ٱلْعَالَمَ مِنَ ٱلْإِنْحِلَالِ وَٱلْمَوْتِ ٱلرُّوحِيِّ” (PG 57, 229–231.). وَيُكْمِلُ ٱلْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ ٱلْإِسْكَنْدَرِيُّ ٱلْبُعْدَ ٱلرُّوحِيَّ لِهَذِهِ ٱلدَّعْوَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ نُورَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُودَعَ فِي ٱلْمُؤْمِنِينَ لَا يُعْطَى لِلْإِخْتِبَاءِ بَلْ لِلشَّهَادَةِ، إِذْ يَقُولُ: “مَنْ قَبِلَ ٱلنُّورَ بِٱلْإِيمَانِ، صَارَ مَدْعُوًّا أَنْ يُشْرِقَ بِهِ عَلَى ٱلْآخَرِينَ، لِئَلَّا يَبْقَى ٱلنُّورُ عَقِيمًا فِي دَاخِلِهِ” (PG 72, 216–217.).

مِنْ هُنَا تَتَجَلَّى دَعْوَةُ ٱلْمَسِيحِيِّينَ إِلَى أَنْ يَكُونُوا مِلْحَ ٱلْأَرْضِ وَنُورَ ٱلْعَالَمِ لَيْسَتْ تَعْبِيرًا بَلَاغِيًّا أَوْ مَفْهُومًا رُوحِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ إِنْجِيلِيَّةٌ حَيَّةٌ، تَتَطَلَّبُ قِرَاءَةَ ٱلنَّصِّ ٱلْكِتَابِيِّ فِي عُمْقِهِ ٱللَّاهُوتِيِّ وَٱلرُّوحِيِّ، وَتَحْوِيلَهُ إِلَى شَهَادَةٍ وَمُمَارَسَةٍ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ وَٱلْكَنَسِيَّةِ وَٱلْإِجْتِمَاعِيَّةِ، فِي عَالَمٍ يَتَخَبَّطُ فِي ٱلظُّلْمَةِ وَيَتَعَطَّشُ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلرَّجَاءِ. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

أوَّلاً: وَقَائِع النَّصِّ الإنْجِيلي (متى 5: 13-16)

13 أَنتُم مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ المِلْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس

تُشيرُ عِبَارَةُ “أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ” إِلَى تَلَامِيذِ ٱلْمَسِيحِ عُمُومًا، أَيْ إِلَى كُلِّ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْلُكُونَ فِي أَثَرِهِ. إِنَّ تَشْبِيهَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱلْمِلْحِ يَكْشِفُ عَنْ عِلَاقَةٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ ٱلْمِلْحِ وَٱلأَرْضِ: فَٱلْمِلْحُ بِحَاجَةٍ إِلَى ٱلأَرْضِ لِيُؤَدِّيَ مَفْعُولَهُ، وَٱلأَرْضُ بِحَاجَةٍ إِلَى ٱلْمِلْحِ لِتُحْفَظَ مِنَ ٱلْفَسَادِ. وَهَكَذَا يُرِيدُ ٱلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ تَلَامِيذُهُ فِي ٱلْعَالَمِ: ذَاتَ تَأْثِيرٍ خَفِيٍّ وَلَكِنَّهُ جَذْرِيٌّ. فَٱلْمِلْحُ يُطَيِّبُ ٱلطَّعَامَ وَيَحْفَظُهُ مِنَ ٱلْفَسَادِ، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا كَعَامِلٍ مُعَقِّمٍ وَمُطَهِّرٍ لِلْجُرُوحِ. وَهَكَذَا يُدْعَى تَلَامِيذُ ٱلْمَسِيحِ أَنْ يُطَيِّبُوا حَيَاةَ ٱلنَّاسِ، وَأَنْ يَحْمُوهُمْ مِنَ ٱلْفَسَادِ ٱلرُّوحِيِّ وَٱلْأَخْلَاقِيِّ، مِنْ خِلَالِ عَهْدِهِمُ ٱلْأَبَدِيِّ مَعَ ٱللَّهِ. وَيَرْبِطُ ٱلْكِتَابُ ٱلْمُقَدَّسُ ٱلْمِلْحَ بِفِكْرَةِ ٱلْعَهْدِ، إِذْ يَرِدُ تَعْبِيرُ “عَهْدِ ٱلْمِلْحِ” (عَدَد 18: 19) دَلَالَةً عَلَى ٱلْمِيثَاقِ ٱلْأَبَدِيِّ (2 أَخْبَار 13: 5). وَكَانَ ٱلْمِلْحُ يُضَافُ إِلَى ٱلذَّبَائِحِ عَلامَةً لِثَبَاتِ ٱلْعَلَاقَةِ بَيْنَ ٱللَّهِ وَشَعْبِهِ. كَمَا يُشِيرُ ٱلْكِتَابُ إِلَى دَوْرِ ٱلْمِلْحِ فِي إِعْطَاءِ ٱلطَّعَامِ مَذَاقَهُ (أَيُّوب 6: 6)، وَفِي حِفْظِهِ مِنَ ٱلْفَسَادِ (بَارُوخ 6: 27). وَيُرْمَزُ بِٱلْمِلْحِ أَيْضًا إِلَى ٱلْحِكْمَةِ، لِمَا لَهُ مِنْ تَأْثِيرٍ عَمِيقٍ حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ كَمِّيَّتُهُ ضَئِيلَةً. فَٱلْمَسِيحِيُّ ٱلْحَقِيقِيُّ هُوَ ٱلَّذِي يُعْطِي لِحَيَاةِ ٱلْبَشَرِ مَذَاقَهَا وَمَعْنَاهَا. وَمَعَ أَنَّهُ قَدْ يَبْدُو قَلِيلَ ٱلْعَدَدِ، إِلَّا أَنَّ تَأْثِيرَهُ يَشْمَلُ كَثِيرِينَ، شَرْطَ أَنْ يَمْتَزِجَ بِٱلْعَالَمِ دُونَ أَنْ يَذُوبَ فِيهِ. وَيُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ أَنَّ قَوْلَ ٱلْمَسِيحِ “أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ” يَعْنِي أَنَّ ٱلطَّبِيعَةَ ٱلْبَشَرِيَّةَ قَدْ فَقَدَتْ نَكْهَتَهَا بِسَبَبِ ٱلْخَطِيئَةِ، وَأَنَّ ٱلْمَسِيحَ يُرِيدُ مِنْ تَلَامِيذِهِ فَضَائِلَ ضَرُورِيَّةً لِلْعِنَايَةِ بِٱلْجَمِيعِ، مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِلْحًا مِنْ ذَوَاتِهِمْ، بَلْ بِقُوَّةِ ٱلْمَسِيحِ ٱلْعَامِلَةِ فِيهِمْ. وَيَرْمُزُ ٱلْمِلْحُ أَيْضًا إِلَى ٱلزُّهْدِ وَٱلتَّجَرُّدِ ٱلدَّاخِلِيِّ، وَهُمَا شَرْطَانِ لِأَصَالَةِ ٱلتِّلْمِيذِ. فَكَمَا يَتَغَيَّرُ ٱلطَّعَامُ عِنْدَمَا يُوضَعُ فِيهِ ٱلْمِلْحُ، كَذَلِكَ يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّ أَنْ يَتَبَدَّلَ لِيُصْبِحَ هِبَةً لِلْآخَرِينَ.

أَمَّا تَحْذِيرُ يَسُوعَ: “فَإِذَا فَسَدَ ٱلْمِلْحُ“، فَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ وَرَدَتِ الْعِبَارَةُ: ἐὰν δὲ τὸ ἅλας μωρανθῇ،
وَالْفِعْلُ μωρανθῇ لَا يَدُلُّ فَقَطْ عَلَى الْفَسَادِ الْمَادِّيِّ، بَلْ يَحْمِلُ مَعْنَى التَّصَرُّفِ بِالْغَبَاوَةِ، وَفَقْدَانِ الْحِكْمَةِ، وَالِانْحِرَافِ عَنِ الْمَنْطِقِ الإِلَهِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْفِعْلُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: هُنَا فِي قَوْلِ يَسُوعَ (مَتَّى 5: 13)، وَفِي مُوَازَاتِهِ عِنْدَ لُوقَا (14: 34)، ثُمَّ فِي مُطْلَعِ الرِّسَالَةِ إِلَى أَهْلِ رُومَةَ (1: 22)، وَفِي مُطْلَعِ الرِّسَالَةِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ قورنتس (1: 20). وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، يُسْتَخْدَمُ الْفِعْلُ لِيَصِفَ الإِنْسَانَ الَّذِي يَدَّعِي الْحِكْمَةَ فِي نَظَرِ ذَاتِهِ، بَيْنَمَا هُوَ فِي مَنْطِقِ اللهِ أَحْمَقُ. إِنَّهُ إِنْسَانٌ يَخْدَعُ نَفْسَهُ، إِذْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلَاصِ ذَاتِهِ بِذَاتِهِ، بَعِيدًا عَنْ نِعْمَةِ اللهِ، وَهٰذَا بِعَيْنِهِ هُوَ جَوْهَرُ الْحَمَاقَةِ الرُّوحِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَحْذِيرَ يَسُوعَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى صُورَةٍ بَلَاغِيَّةٍ، بَلْ يَكْشِفُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا: خَطَرَ أَنْ يَفْقِدَ الْمُؤْمِنُ هُوِيَّتَهُ وَدَوْرَهُ وَرِسَالَتَهُ. فَكَمَا أَنَّ الْمِلْحَ إِذَا “تَغَابَى”وَفَقَدَ طَبِيعَتَهُ، لَا يَعُودُ صَالِحًا لِشَيْءٍ، كَذٰلِكَ الْمُؤْمِنُ إِذَا انْحَرَفَ عَنْ حِكْمَةِ الإِنْجِيلِ، وَفَقَدَ جَذْرِيَّةَ الإِيمَانِ وَالِاتِّكَالَ عَلَى اللهِ، يُصْبِحُ عَاجِزًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِلْحًا لِلْأَرْضِ وَنُورًا لِلْعَالَمِ. فَحَسَبَ مَتَّى ٱلْإِنْجِيلِيِّ، إِذَا لَمْ يَحْفَظِ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْعَالَمَ وَلَمْ يُعْطِهِ مَذَاقَهُ مِنْ خِلَالِ عَهْدِهِ مَعَ ٱللَّهِ، أَصْبَحَ عَدِيمَ ٱلْجَدْوَى، فَيُطْرَحُ خَارِجًا (لُوقَا 14: 35)، كَٱلْمَدْعُوِّ ٱلَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ حُلَّةُ ٱلْعُرْسِ (مَتَّى 22: 12)، أَوْ ٱلْعَبْدِ ٱلَّذِي دَفَنَ وَزْنَةَ سَيِّدِهِ (مَتَّى 25: 30). وَيُحَذِّرُ ٱلْقِدِّيسُ هِيلَارِيُونُ قَائِلًا: “مَنْ فَقَدَ طَعْمَ ٱلْمِلْحِ، صَارَ بِلَا نَفْعٍ لِنَفْسِهِ وَلِلْآخَرِينَ”. فَإِنْ فَسَدَ ٱلْمُؤْمِنُونَ، لَا يَهْلِكُونَ فَقَطْ، بَلْ يُهْلِكُونَ مَعَهُمْ آخَرِينَ. وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: “كُلُّ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ تُثْمِرُ ثِمَارًا طَيِّبَةً” (مَتَّى 7: 17). وَيُضِيفُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ أَنَّ ٱلْمَسِيحِيَّ سَيُحَاسَبُ لَيْسَ عَنْ حَيَاتِهِ فَقَطْ، بَلْ عَنْ ٱلْعَالَمِ كُلِّهِ. وَإِذَا تَوَقَّفَ ٱلْمَسِيحِيُّونَ عَنْ كَوْنِهِمْ هِبَةً لِلْآخَرِينَ وَعَاشُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّفُونَ عَنِ ٱلْخِدْمَةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَمُوتُونَ رُوحِيًّا. وَفِي هَذَا ٱلسِّيَاقِ، يُنَبِّهُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ إِلَى خَطَرِ ٱلشَّهَادَةِ ٱلزَّائِفَةِ: “يُجَدَّفُ بِٱسْمِ ٱللَّهِ بَيْنَ ٱلْوَثَنِيِّينَ وَأَنْتُمُ ٱلسَّبَبُ” (رُومَة 2: 24). وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ قَائِلًا: “إِنْ سَقَطَ ٱلْمُعَلِّمُ، فَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ يُصْبِحُ سُقُوطًا لِكَثِيرِينَ”.

أَمَّا عِبَارَةُ “فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُمَلِّحُهُ؟” فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْمِلْحِ ٱلَّذِي يَفْقِدُ خَوَاصَّهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ ٱلزَّمَنِ، فَيُصْبِحُ بِلَا مُلُوحَةٍ، وَيُطْرَحُ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ. وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ بِقَوْلِ يَسُوعَ:”ٱلْمِلْحُ شَيْءٌ جَيِّدٌ، فَإِذَا صَارَ ٱلْمِلْحُ بِلَا مُلُوحَةٍ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُمَلِّحُونَهُ؟” (مَرْقُس 9: 50). وَفِي هَذَا ٱلتَّحْذِيرِ بُعْدٌ رَعَوِيٌّ خَطِيرٌ، لِأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ خَاصَّةً إِلَى مُعَلِّمِي ٱلشَّعْبِ وَمُرْشِدِيهِ: فَإِذَا سَارَ ٱلْمُرْشِدُونَ عَلَى طَرِيقِ ٱلضَّلَالِ، فَمَنْ يَهْدِي ٱلشَّعْبَ؟ وَفِي هَذَا ٱلسِّيَاقِ، يُشَدِّدُ صَاحِبُ ٱلرِّسَالَةِ إِلَى ٱلْعِبْرَانِيِّينَ عَلَى خُطُورَةِ ٱلِٱرْتِدَادِ بَعْدَ ٱلْمَعْرِفَةِ، قَائِلًا: “ٱلَّذِينَ تَلَقَّوُا ٱلنُّورَ مَرَّةً، وَذَاقُوا ٱلْهِبَةَ ٱلسَّمَاوِيَّةَ، وَصَارُوا مُشَارِكِينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَةَ ٱللَّهِ ٱلطَّيِّبَةَ وَقُوَّاتِ ٱلْعَالَمِ ٱلْمُقْبِلِ، ثُمَّ سَقَطُوا، فَيَسْتَحِيلُ تَجْدِيدُهُمْ وَإِعَادَتُهُمْ إِلَى ٱلتَّوْبَةِ، لِأَنَّهُمْ يَصْلِبُونَ ٱبْنَ ٱللَّهِ ثَانِيَةً لِخُسْرَانِهِمْ وَيُشَهِّرُونَ بِهِ” (عِبْرَانِيِّينَ 6: 4–6). وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ إيرونيموس عَلَى هَذَا ٱلنَّصِّ قَائِلًا: “إِنْ سَقَطَ ٱلْآخَرُونَ، فَرُبَّمَا يَنَالُونَ ٱلْعَفْوَ، أَمَّا إِذَا سَقَطَ ٱلْمُعَلِّمُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِلَا عُذْرٍ، وَيَجُرُّ ٱلْكَثِيرِينَ مَعَهُ إِلَى ٱلْهَلَاكِ”

أَمَّا عِبَارَةُ إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَعْدَ ذَلِكَ” فَتُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلْمِلْحَ، إِذَا فَقَدَ مُلُوحَتَهُ، لَمْ يَعُدْ مِلْحًا، وَهَكَذَا ٱلْمَسِيحِيُّ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يُشِعَّ ٱلْمَسِيحَ وَإِنْجِيلَهُ، يَفْقِدُ قِيمَتَهُ وَهُوِيَّتَهُ ٱلرُّوحِيَّةَ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “يُطْرَحُ خَارِجَ ٱلدَّارِ” إِلَى ٱلتَّلَامِيذِ ٱلَّذِينَ يَتَوَقَّفُونَ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَدَاةَ ٱلتَّأْثِيرِ ٱلْخَلَاصِيِّ ٱلَّذِي أَرَادَهُ ٱللَّهُ مِنْ وُجُودِهِمْ، فَلَا يُصْبِحُونَ عَدِيمِي ٱلنَّفْعِ فَحَسْبُ، بَلْ يَغْدُونَ أَيْضًا مَوْضِعَ ٱزْدِرَاءِ ٱلنَّاسِ. إِنَّ ٱلْفَسَادَ خَطَرٌ جَسِيمٌ يُهَدِّدُ مُجْتَمَعَنَا ٱلْيَوْمَ، وَنَحْنُ، بِحَسَبِ دَعْوَتِنَا ٱلْإِنْجِيلِيَّةِ، بِمِثَابَةِ ٱلْمِلْحِ. فَإِذَا فَسَدْنَا، لَمْ نُفْسِدْ حَيَاتِنَا فَحَسْبُ، بَلْ حَيَاةَ مَنْ حَوْلَنَا أَيْضًا. وَهُنَا يَبْقَى تَحْذِيرُ يَسُوعَ قَائِمًا فِي كُلِّ زَمَانٍ، كَسُؤَالٍ ضِمِيرِيٍّ مُلِحٍّ، كَمَا يُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: “لَيْسَ ٱلْمَسِيحِيُّ مَنْ يَحْمِلُ ٱسْمَ ٱلْمَسِيحِ فَحَسْبُ، بَلْ مَنْ يُعْطِي نَكْهَةَ ٱلْحَيَاةِ بِسُلُوكِهِ. فَإِذَا فَقَدَ ٱلْمَسِيحِيُّ مَعْنَاهُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُمَلِّحُ ٱلْعَالَمَ؟” وَهَكَذَا يَتَحَوَّلُ ٱلسُّؤَالُ ٱلْإِنْجِيلِيُّ إِلَى ٱمْتِحَانِ ضَمِيرٍ دَائِمٍ: فَإِذَا فَسَدَ ٱلْمِلْحُ، فَمَنْ يُصْلِحُ ٱلْعَالَمَ؟

عِبَارَةُ “فَيَدُوسَهُ ٱلنَّاسُ” تَرِدُ فِي خِتَامِ تَحْذِيرِ يَسُوعَ حَوْلَ فَسَادِ ٱلْمِلْحِ ، وَهِيَ عِبَارَةٌ قَوِيَّةُ ٱلدَّلَالَةِ لَاهُوتيًّا وَرَعَوِيًّا.

الدَّوْسُ فِي ٱللُّغَةِ ٱلْكِتَابِيَّةِ لَيْسَ عَمَلًا عَرَضِيًّا، بَلْ عَلَامَةُ ٱلاِزْدِرَاءِ وَفَقْدَانِ ٱلْقِيمَةِ. مَا لَا نَفْعَ لَهُ يُطْرَحُ فِي ٱلطَّرِيقِ، وَيُدَاسُ دُونَ ٱكْتِرَاث.  واما البُعد اللاهوتي فلَا يَتَكَلَّمُ يَسُوعُ عَنْ اضْطِهَادٍ، بَلْ عَنْ نَتِيجَةٍ طَبِيعِيَّةٍ لِفَقْدَانِ ٱلشَّهَادَةِ. ٱلتِّلْمِيذُ ٱلَّذِي يَفْقِدُ مَلُوحَتَهُ (هُوِيَّتَهُ وَصِدْقَ حُضُورِهِ) لَا يُرْفَضُ فَقَطْ، بَلْ يُصْبِحُ غَيْرَ ذِي مَعْنًى فِي أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ.  ورعويا “فَيَدُوسَهُ ٱلنَّاسُ” هُوَ تَحْذِيرٌ مِنْ أَنْ تَفْقِدَ ٱلْكَنِيسَةُ، أَوِ ٱلْمُؤْمِنُ، مَصْدَاقِيَّةَ ٱلرِّسَالَةِ عِنْدَمَا يَنْفَصِلُ ٱلْكَلَامُ عَنِ ٱلْحَيَاةِ.  لَيْسَ ٱلْخَطَرُ فِي رَفْضِ ٱلْعَالَمِ لَنَا، بَلْ فِي أَنْ نُفْرِغَ رِسَالَتَنَا مِنْ قُوَّتِهَا. مَنْ يَفْقِدُ مَلُوحَتَهُ لَا يُضِيءُ، وَمَنْ لَا يُضِيءُ يُدَاسُ. لِذٰلِكَ فَٱلْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مَوْقِفًا عَدَائِيًّا مِنَ ٱلنَّاسِ، بَلْ حُكْمُ ٱلْوَاقِعِ عَلَى شَهَادَةٍ فَارِغَةٍ.

14 أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل

تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ” إِلَى عِلَاقَةٍ مُتَبَادَلَةٍ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلْعَالَمِ: فَٱلنُّورُ لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ إِلَّا إِذَا أَضَاءَ فِي ٱلْعَالَمِ، وَٱلْعَالَمُ لَا يَحْيَا إِلَّا بِٱلنُّورِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ ٱلتَّلَامِيذِ وَٱرْتِبَاطِهِمْ بِٱلنَّاسِ وَمِنْ أَجْلِهِمْ. فَإِذَا فُقِدَتْ هَذِهِ ٱلْعَلَاقَةُ، فَقَدَ ٱلتَّلَامِيذُ مَعْنَى رِسَالَتِهِمْ وَمَبْرِّرَ وُجُودِهِمْ. وَيُرِيدُ يَسُوعُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ دَوْرَ ٱلْمَسِيحِيِّينَ هُوَ أَنْ يَعْكِسُوا نُورَ ٱلْمَسِيحِ لِلْعَالَمِ. فَإِذَا كَانَ ٱلْمِلْحُ يُؤَثِّرُ فِي ٱلدَّاخِلِ، فَإِنَّ ٱلنُّورَ يُؤَثِّرُ فِي ٱلْخَارِجِ. وَٱلْمُؤْمِنُونَ هُمْ نُورُ ٱلْمَسِيحِ لِأَنَّهُمْ يُنِيرُونَ ٱلْعَالَمَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْقَدَاسَةِ وَٱلْمَعْرِفَةِ، وَيُنَقُّونَهُ مِنَ ٱلضَّلَالِ، لَا مِنْ ذَوَاتِهِمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ يَسْتَمِدُّونَ نُورَهُمْ مِنَ ٱلْمَسِيحِ، إِذْ “كُنْتُمْ ظُلْمَةً، وَأَمَّا ٱلْآنَ فَنُورٌ فِي ٱلرَّبِّ” (أَفَسُس 5: 8). وَٱلْمَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ “نُورٌ مِنْ نُورٍ”، وَهُوَ “نُورُ ٱلْعَالَمِ” (يُوحَنَّا 8: 12)، ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ. لِذَلِكَ يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ أَنْ يَرَوْا ٱلنُّورَ ٱلْمُؤَدِّيَ إِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ ٱلْآبِ ٱلسَّمَاوِيِّ فِي شَخْصِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي دَخَلَ بِٱلصَّلِيبِ إِلَى مَجْدِ ٱلْآبِ، وَأَنْ يُرْسِلُوا هَذَا ٱلنُّورَ إِلَى ٱلْعَالَمِ بِتَعَالِيمِهِمْ وَقُدْوَتِهِمْ. وَهُنَا يَبْرُزُ ٱلسُّؤَالُ ٱلْوُجُودِيُّ: هَلْ نُدْرِكُ حَقًّا مَعْنَى أَنْ نَكُونَ نُورًا لِلْآخَرِينَ؟

أَمَّا عِبَارَةُ “ٱلْعَالَمِ” فِي ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيّ ِ κόσμος، فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْكَوْنِ بِمَجْمُوعِ مَوْجُودَاتِهِ ٱلْمُرْتَبِطَةِ بِٱلزَّمَانِ وَٱلْمَكَانِ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هَذِهِ ٱلدَّعْوَةِ قَائِلًا: “لَا أُرْسِلُكُمْ إِلَى مَدِينَتَيْنِ أَوْ عَشْرِ مُدُنٍ أَوْ عِشْرِينَ، وَلَا إِلَى أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا أُرْسِلَ ٱلْأَنْبِيَاءُ، بَلْ إِلَى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَٱلْعَالَمِ كُلِّهِ، ٱلَّذِي صَارَ فِي حَالَةٍ شِرِّيرَةٍ”.

وَتُفَسِّرُ عِبَارَةُ “لَا تَخْفَى” حَقِيقَةَ ٱلنُّورِ ٱلظَّاهِرِ ٱلَّذِي لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ. فَعَلَى ٱلْمَسِيحِيِّينَ أَنْ يَظْهَرُوا بِتَأْثِيرِهِمْ وَقُدْوَتِهِمْ أَمَامَ ٱلْعَالَمِ، وَإِلَّا فَلَا نَفْعَ لِنُورِهِمْ. وَيُؤَكِّدُ ٱلذَّهَبِيُّ ٱلْفَمِ أَنَّ ٱلِٱضْطِهَادَاتِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْفِيَ ٱلْحَقَّ وَلَا أَنْ تُبْطِلَ عَمَلَ ٱللَّهِ، قَائِلًا: “أَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِمَدِينَةٍ كَهَذِهِ أَنْ تُخْفَى؛ وَهَكَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْتَهِيَ مَا يَكْرِزُونَ بِهِ إِلَى ٱلسُّكُونِ وَٱلِٱخْتِفَاءِ”.

وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ “مَدِينَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى جَبَلٍ” بُعْدًا رَمْزِيًّا عَمِيقًا، إِذْ تُشِيرُ إِلَى أُورُشَلِيمَ ٱلْمَبْنِيَّةِ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ (رُؤْيَا 21: 10). وَأُورُشَلِيمُ هُنَا رَمْزٌ لِلْكَنِيسَةِ وَلِلنَّفْسِ ٱلْبَشَرِيَّةِ ٱلْمُؤَسَّسَةِ عَلَى صَخْرَةِ ٱلدُّهُورِ. وَلِذَلِكَ تُدْعَى ٱلْكَنِيسَةُ “مِنَارَةً” فِي ٱلْعَالَمِ (رُؤْيَا 1–3)، لِأَنَّهَا فِي مَسِيرَةِ ٱلتَّارِيخِ مَدِينَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى جَبَلٍ، وَمَنْبَعُ نُورٍ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ إيرونيموس عَلَى رَمْزِ “ٱلْمَدِينَةِ عَلَى ٱلْجَبَلِ” مُبَيِّنًا أَنَّ ٱلْمَدْحَ لَا يَكْمُنُ فِي ٱلْمَكَانِ بَلْ فِي ٱلْقَدَاسَةِ، فَـ”ٱلْمَدِينَةُ ٱلْمُقَدَّسَةُ” هِيَ ٱلَّتِي لَا تُخْفَى (مَتَّى 5: 14)، وَهِيَ “أُمٌّ لِلْقِدِّيسِينَ” (غَلَاطِيَة 4: 26)، وَإِلَيْهَا تَتَّجِهُ مُوَاطَنَةُ ٱلْمُؤْمِنِينَ (فِيلِبِّي 3: 20). فَمَنْ تَشَكَّلَتْ حَيَاتُهُ بِٱلتَّطْوِيبَاتِ يَصِيرُ حَقًّا نُورًا لِلْعَالَمِ وَمِلْحًا لِلْأَرْضِ وَمُوَاطِنًا لِأُورُشَلِيمَ ٱلسَّمَاوِيَّةِ.

15 ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت

تُشِيرُ عِبَارَةُ “سِرَاج” إِلَى وِعَاءٍ كَانَ يُصْنَعُ مِنَ ٱلْفَخَّارِ أَوِ ٱلنُّحَاسِ، وَيُوضَعُ فِيهِ سَائِلٌ قَابِلٌ لِلِٱشْتِعَالِ، كَٱلزَّيْتِ أَوِ ٱلنَّفْطِ أَوِ ٱلْقِطْرَانِ، ثُمَّ يُوضَعُ فِيهِ فَتِيلٌ يُشْعَلُ عِنْدَ حُلُولِ ٱلظَّلَامِ. وَهَكَذَا يُصَوِّرُ يَسُوعُ دَوْرَ ٱلْمَسِيحِيِّينَ: فَهُمْ يُوقَدُونَ بِزَيْتِ ٱلنِّعْمَةِ وَيَحْتَرِقُونَ، أَيْ يُقَدِّمُونَ ذَوَاتِهِمْ ذَبَائِحَ حَيَّةً لِلَّهِ. وَيُعَبِّرُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هَذِهِ ٱلْحَقِيقَةِ قَائِلًا: “إِنِّي أُنَاشِدُكُمْ إِذًا، أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، بِحَنَانِ ٱللَّهِ، أَنْ تُقَرِّبُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللَّهِ، فَهَذِهِ هِيَ عِبَادَتُكُمُ ٱلرُّوحِيَّةُ” (رُومَة 12: 1). فَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ هُوَ ٱلَّذِي يُشْعِلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ، وَيَجْعَلُهُمْ نُورًا يَعْكِسُ نُورَ ٱلْمَسِيحِ ٱلسَّاكِنَ فِيهِمْ. وَيَرْمُزُ ٱلسِّرَاجُ أَيْضًا إِلَى ٱلْهِدَايَةِ، كَمَا يُرَنِّمُ صَاحِبُ ٱلْمَزَامِيرِ: “كَلِمَتُكَ مِصْبَاحٌ لِقَدَمَيَّ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مَزْمُور 119: 105). فَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي يُضِيءُ طَرِيقَ ٱلْمُؤْمِنِ وَيَقُودُ خُطُوَاتِهِ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى قَوْلِ ٱلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ قَائِلًا: “أَنَا ٱلَّذِي أُوقِدُ ٱلنُّورَ، أَمَّا ٱسْتِمْرَارُ إِضَاءَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ مِنْ خِلَالِ جِهَادِكُمْ أَنْتُمْ. فَلَا تَسْتَطِيعُ ٱلْمِحَنُ أَنْ تُعَطِّلَ بَهَاءَكُمْ، إِذَا سَلَكْتُمْ حَيَاةً تَلِيقُ بِنِعْمَتِهِ، فَتُصْبِحُونَ سَبَبًا لِتَغْيِيرِ ٱلْعَالَمِ كُلِّهِ”.

أَمَّا عِبَارَةُ “يُوضَعُ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ” فَتُحِيلُ إِلَى عَادَةٍ قَدِيمَةٍ، إِذْ كَانَ ٱلنَّاسُ يَحْمِلُونَ مَحْصُولَهُمْ لَيْلًا، وَيَضَعُونَ ٱلسِّرَاجَ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ ٱلْمُسْتَعْمَلِ لِكَيْلِ ٱلْحُبُوبِ، فَيَخْتَفِي ٱلنُّورُ وَلَا يَرَى ٱلْآخَرُونَ مَا لَدَيْهِمْ.

“وَٱلْمِكْيَالُ” هُوَ وِعَاءٌ ذُو سِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، يُسْتَعْمَلُ لِكَيْلِ ٱلسَّوَائِلِ وَٱلْمَوَادِّ ٱلْجَافَّةِ. وَرَمْزِيًّا، يَدُلُّ “ٱلْمِكْيَالُ “عَلَى ٱلْحِسَابَاتِ ٱلْبَشَرِيَّةِ ٱلْمَادِّيَّةِ ٱلَّتِي كَثِيرًا مَا تَقِفُ عَائِقًا أَمَامَ ٱلْإِيمَانِ وَتَمْنَعُ ٱنْطِلَاقَ ٱلنُّورِ، كَمَا نَرَى فِي حِوَارِ يَسُوعَ مَعَ تَلَامِيذِهِ قُبَيْلَ تَكْثِيرِ ٱلْأَرْغِفَةِ (يُوحَنَّا 6: 5–7). وَلِهَذَا، عِنْدَمَا أَرْسَلَ ٱلسَّيِّدُ تَلَامِيذَهُ لِلْكِرَازَةِ، نَزَعَ عَنْهُمْ كُلَّ ٱلْضَّمَانَاتِ ٱلْمَادِّيَّةِ: “لَا تَقْتَنُوا نُقُودًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا مِنْ فِضَّةٍ وَلَا مِنْ نُحَاسٍ فِي مَنَاطِقِكُمْ”(مَتَّى 10: 9)،
لِيَكُونَ ٱلرَّبُّ نَفْسُهُ غِنَاهُمْ وَقُوتَهُمْ وَحِمَايَتَهُمْ. وَيَرْمُزُ ٱلْمِكْيَالُ أَيْضًا إِلَى ٱلْخَطِيئَةِ ٱلَّتِي تَحْجُبُ ٱلنُّورَ ٱلرُّوحِيَّ، إِذْ يُغَلِّفُ ٱلْإِنْسَانُ رُوحَهُ بِلَذَّاتِ ٱلْعَالَمِ فَيَحْبِسُ ٱلرُّوحَ، وَيَتَحَوَّلُ ٱلْجَسَدُ إِلَى عَائِقٍ أَمَامَ ٱلنِّعْمَةِ. وَهُوَ يَرْمُزُ أَيْضًا إِلَى ٱلْإِنْحِرَافَاتِ ٱلسُّلُوكِيَّةِ وَٱلدِّينِيَّةِ، وَإِلَى إِخْفَاءِ صَوْتِ ٱلْخَيْرِ وَٱلْحَقِّ، وَغَالِبًا مَا يَكُونُ ذَلِكَ نَتِيجَةَ ٱلْكِبْرِيَاءِ وَٱلتَّمَرْكُزِ حَوْلَ ٱلذَّاتِ. وَكَمْ مِنْ “مِكْيَالٍ” حَاوَلَ وَيُحَاوِلُ بَعْضُ ٱلسَّاسَةِ وَٱلْمُلْحِدِينَ وَٱلنَّاقِمِينَ أَنْ يُخْفُوا بِهِ نُورَ ٱلْمَسِيحِ وَنُورَ ٱلْكَنِيسَةِ وَنُورَ ٱلْقِدِّيسِينَ؟

أَمَّا عِبَارَةُ “ٱلْمِنَارَةِ” (المِنُورَة) في الأصلِ اليونانيِّ λυχνία، فَمَعْنَاهَا: آلَةٌ وَظِيفَتُهَا ٱلْإِظْهَارُ وَٱلْهِدَايَةُ، وَيَقْتَرِنُ دَلَالِيًّا بِٱلْعُلُوِّ وَٱلْوُضُوحِ. وَهِيَ فِي خَيْمَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِ وَفِي ٱلْهَيْكَلِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَدَاةِ إِضَاءَةٍ، بَلْ عَلامَةَ حُضُورِ ٱللهِ وَسَطَ شَعْبِهِ، وَنُورًا لَا يَنْطَفِئُ، مُرْتَبِطًا بِٱلْقَدَاسَةِ وَٱلتَّرْتِيبِ ٱلْإِلَهِيِّ. وَأَمَّا فِي ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ، فَتُشِيرُ ٱلْمِنَارَةُ إِلَى ٱلتَّلَامِيذِ ٱلَّذِينَ هُمْ بِمَثَابَةِ مَنَارَاتٍ يَحْمِلُونَ نُورَ ٱلْمَسِيحِ وَيَضَعُونَهُ فِي مَوْضِعٍ ظَاهِرٍ. وَٱلْكَنِيسَةُ أَيْضًا هِيَ مَنَارَةٌ فِي سفر الرؤيا، إِذْ تَرْمِزُ ٱلْمَنَارَاتُ إِلَى ٱلْكَنَائِسِ ٱلْحَامِلَةِ شَهَادَةَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱلْعَالَمِ (رؤ 1). إِنَّ ٱلْمِنَارَةَ وِعَاءٌ وَرِسَالَةٌ: فَهِيَ لَيْسَتِ ٱلنُّورَ بِذَاتِهَا، بَلْ مَوْضِعَ ظُهُورِهِ. وَإِنْ خَفَتَ ٱلنُّورُ، فَٱلْعِلَّةُ لَيْسَتْ فِي ٱلْمِنَارَةِ، بَلْ فِي ٱنْقِطَاعِهَا عَنِ ٱلْمَصْدَرِ. هَكَذَا ٱلْمُؤْمِنُ وَٱلْكَنِيسَةُ: شَهَادَةٌ مَرْئِيَّةٌ لِنُورِ ٱلْمَسِيحِ فِي عَالَمٍ مُعْتِمٍ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا:”لَا يُمْكِنُ لِسِرَاجٍ مَوْضُوعٍ عَلَى ٱلْمِنَارَةِ أَنْ يُخْفَى؛ وَهَكَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْتَهِيَ مَا يَكْرِزُونَ بِهِ إِلَى ٱلسُّكُونِ وَٱلِٱخْتِفَاءِ”.  فَٱلْمِنَارَةُ رَمْزُ ٱلشَّهَادَةِ ٱلظَّاهِرَةِ لِنُورِ ٱللهِ: ٱلْمَسِيحُ هُوَ ٱلنُّورُ، وَٱلْكَنِيسَةُ—وَٱلْمُؤْمِنُ—مِنَارَتُهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: “فَيُضِيءَ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْبَيْتِ” فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحِيِّينَ، إِذَا عَاشُوا لِلْمَسِيحِ وَشَهِدُوا لَهُ بِسِيرَتِهِمُ ٱلصَّالِحَةِ، صَارَتْ حَيَاتُهُمْ نُورًا يُضِيءُ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْكَنِيسَةِ وَفِي ٱلْعَالَمِ. وَيَرَى ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ “ٱلْبَيْتَ” هُنَا يَعْنِي مَسْكَنَ ٱلْبَشَرِ، أَيْ ٱلْعَالَمَ، كَمَا يُشِيرُ فِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ إِلَى ٱلْكَنِيسَةِ. وَيُرَكِّزُ يَسُوعُ فِي هَذِهِ ٱلْآيَةِ عَلَى قُوَّةِ ٱلنُّورِ وَحِدَّتِهِ: فَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَهُ أَوْ مُقَاوَمَةَ إِشْعَاعِهِ. وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِتَلَامِيذِ ٱلْمَسِيحِ أَنْ يُخْفُوا مَا قَبِلُوهُ مِنْ رَبِّهِمْ، لِأَنَّ ٱللَّهَ أَرَادَهُمْ وَسَائِطَ لِنَشْرِ نُورِ ٱلْإِنْجِيلِ فِي ٱلْعَالَمِ كُلِّهِ.

16 هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات

تُشِيرُ عِبَارَةُ “فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ” إِلَى نُورِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلسَّاكِنِ فِي ٱلْمُؤْمِنِينَ، ذٰلِكَ ٱلرُّوحُ ٱلَّذِي يُحْيِي ٱلْإِنْسَانَ وَيُجَدِّدُهُ، كَمَا يُؤَكِّدُ ٱلرَّسُولُ بولس الرسول: “إِنْ كَانَ رُوحُ ٱلَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ…” (رِسَالَةُ رُومِيَة 8: 11).فَلَيْسَ هٰذَا ٱلنُّورُ نَابِعًا مِنَ ٱلْإِنْسَانِ ذَاتِهِ، وَلَا ثَمَرَةَ جُهْدٍ أَخْلَاقِيٍّ بَحْتٍ، بَلْ هُوَ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ تُسْكَبُ فِي ٱلْقُلُوبِ، لِتَجْعَلَ ٱلْمُؤْمِنَ شَاهِدًا لِلْمَسِيحِ فِي ٱلْعَالَمِ. فَٱلنُّورُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ لَيْسَ فِكْرَةً مُجَرَّدَةً وَلَا حَالَةً صُوفِيَّةً دَاخِلِيَّةً، بَلْ حُضُورُ ٱللَّهِ ٱلْحَيِّ ٱلْمُتَجَسِّدُ فِي عَدَالَةِ ٱلْإِنْسَانِ وَرَحْمَتِهِ وَسُلُوكِهِ ٱلْمُلْمُوسِ. وَهٰذَا ٱلتَّرَابُطُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلْعَمَلِ هُوَ صَدًى وَاضِحٌ لِمَا وَرَدَ فِي نُبُوءَةِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ، حَيْثُ لَا يُقَدَّمُ ٱلنُّورُ كَحَالَةٍ رُوحِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَنَتِيجَةٍ مُبَاشِرَةٍ لِأَعْمَالٍ مَلْمُوسَةٍ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَٱلْعَدَالَةِ: “أَلَيْسَ أَنْ تُقَاسِمَ ٱلْجَائِعَ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ ٱلْمَسَاكِينَ ٱلتَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ … فَحِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ نُورُكَ كَٱلصُّبْحِ” (إشعيا 58: 7–8). مَا كَانَ فِي أَشَعْيَا شَرْطًا لِظُهُورِ ٱلنُّورِ، صَارَ فِي مَتَّى هُوِيَّةً وَمَسْؤُولِيَّةً لِلتِّلْمِيذِ. فَٱلنُّورُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ لَا يُعْطَى لِلزِّينَةِ، بَلْ لِلشَّهَادَةِ؛ وَلَا يُحْفَظُ فِي ٱلْهَيْكَلِ، بَلْ يُزْرَعُ فِي قَلْبِ ٱلْعَالَمِ.  فَٱلنُّورُ لَا يُقَالُ فَقَطْ، بَلْ يُعَاشُ وَيُرَى.

أَمَّا عِبَارَةُ “لِلنَّاسِ” فِي ٱلْأَصْلِ  ٱلْيُونَانِيِّ ἔμπροσθεν τῶν ἀνθρώπων، فَمَعْنَاهَا “أَمَامَ ٱلنَّاسِ” أَوْ “قُدَّامَ عُيُونِهِمْ”، أَيْ إِنَّ شَهَادَةَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَا تَكُونُ خَفِيَّةً أَوْ مَنْعَزِلَةً، بَلْ ظَاهِرَةً وَمَلْمُوسَةً فِي وَسَطِ ٱلْمُجْتَمَعِ. وَمِنْ هُنَا تَتَأَكَّدُ ضَرُورَةُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ ٱلتَّلَامِيذِ ٱلصَّالِحَةُ مَرْئِيَّةً، لَا بُغْيَةَ ٱلٱسْتِعْرَاضِ، بَلْ كَشَهَادَةٍ لِلْحَقِّ.

وَتُوَضِّحُ عِبَارَةُ “لِيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلصَّالِحَةَ” أَنَّ ٱلْمَقْصُودَ لَيْسَ أَفْكَارًا نَظَرِيَّةً أَوْ تَعَالِيمَ مُجَرَّدَةً، بَلْ أَعْمَالًا مَلْمُوسَةً، هِيَ ثِمَارُ عِيشِ ٱلتَّطْوِيبَاتِ: فَقْرُ ٱلرُّوحِ وَٱلِٱعْتِمَادُ عَلَى ٱللَّهِ، وَٱلرَّحْمَةُ وَٱلْوَدَاعَةُ، وَٱلْعَدَالَةُ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، وَطَهَارَةُ ٱلْقَلْبِ، وَٱسْتِقَامَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ. وَلِذَلِكَ يَحُثُّ ٱلرَّسُولُ بُطْرُسُ ٱلْمُؤْمِنِينَ قَائِلًا: “سِيرُوا سِيرَةً حَسَنَةً بَيْنَ ٱلْوَثَنِيِّينَ، حَتَّى إِذَا ٱفْتَرَوْا عَلَيْكُمْ كَأَنَّكُمْ فَاعِلُو شَرٍّ، شَاهَدُوا أَعْمَالَكُمُ ٱلصَّالِحَةَ فَمَجَّدُوا ٱللَّهَ يَوْمَ ٱلِٱفْتِقَادِ” (1 بُطْرُس 2: 12). فَإِذَا أَطْفَأَ ٱلْمَسِيحِيُّونَ هَذَا ٱلنُّورَ، فَقَدَتْ حَيَاتُهُمْ مَعْنَاهَا ٱلشَّهَادِة، وَتَحَوَّلُوا إِلَى مَسِيحِيِّينَ بِٱلِٱسْمِ فَقَطْ، بِلَا أَثَرٍ أَوْ رِسَالَةٍ.

أَمَّا غَايَةُ هَذِهِ ٱلشَّهَادَةِ فَتُعَبِّرُ عَنْهَا عِبَارَةُ: “فَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ”. فَٱلْمَسِيحِيُّ لَا يَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلصَّالِحَةَ لِتَمْجِيدِ ذَاتِهِ أَوْ لِنَيْلِ مَدْحِ ٱلنَّاسِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ، بَلْ لِمَجْدِ ٱللَّهِ وَحْدَهُ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “لَمْ يَقُلِ ٱلسَّيِّدُ: لِيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلصَّالِحَةَ فَقَطْ، بَلْ أَضَافَ: فَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. فَٱلْإِنْسَانُ يَصْنَعُ ٱلْخَيْرَ أَمَامَ ٱلنَّاسِ، لَا لِيُمَجِّدَ نَفْسَهُ، بَلْ لِيُقَودَ ٱلنَّاسَ إِلَى تَمْجِيدِ ٱللَّهِ”. وَهَذَا مَا أَظْهَرَهُ ٱلرَّبُّ عِنْدَ شِفَاءِ ٱلْمَفْلُوجِ، إِذْ يَرْوِي مَتَّى ٱلْإِنْجِيلِيُّ أَنَّ ٱلْجُمُوعَ “مَجَّدُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِي أَوْلَى ٱلنَّاسَ مِثْلَ هَذَا ٱلسُّلْطَانِ” (مَتَّى 9: 8). وَهَكَذَا يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ أَنْ يَحْمِلُوا نُورَ ٱلْحَقِّ فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ ٱلْمُظْلِمِ، كَمَا يُوضَعُ ٱلسِّرَاجُ فِي ٱلْبَيْتِ لِيُضِيءَ لِلْجَمِيعِ. فَفِي ٱلْبَيْتِ ٱلْمُنِيرِ لَا يَكُونُ ٱلْمَجْدُ لِلضَّوْءِ بَلْ لِصَاحِبِ ٱلْبَيْتِ، وَفِي ٱلْمَدِينَةِ ٱلْعَامِرَةِ لَا يَكُونُ ٱلْمَجْدُ لِلْبِنَاءِ بَلْ لِلْبَانِي. وَكَذَلِكَ فِي حَيَاةِ ٱلْمُؤْمِنِينَ: كُلُّ نُورٍ حَقِيقِيٍّ يَقُودُ فِي ٱلنِّهَايَةِ إِلَى تَمْجِيدِ ٱللَّهِ وَحْدَهُ.

ثانيًا: تطْبيقَات ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ وتَحْليله (متى 5: 13-16)

بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 5: 13–16)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ هُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِيِّينَ وَدَوْرِهِمْ فِي ٱلْعَالَمِ: فَهُمْ “مِلْحُ ٱلأَرْضِ” وَ”نُورُ ٱلْعَالَمِ”. وَحِينَ يَدْعُو يَسُوعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِلْحًا وَنُورًا، فَإِنَّهُ يُؤَكِّدُ دَوْرَهُمُ ٱلضَّرُورِيَّ فِي ٱلْمُجْتَمَعِ، شَرْطَ أَنْ يَبْقَوْا مِلْحًا حَقِيقِيًّا لَمْ يَفْقِدْ طَعْمَهُ، وَنُورًا مَوْضُوعًا عَلَى ٱلْمِنَارَةِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ فِي ٱلظُّلْمَةِ.

  • أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ (مَتَّى 5: 13)

ٱلْمِلْحُ مُرَكَّبٌ كِيمْيَائِيًّا مِنْ عُنْصُرَيْنِ: ٱلصُّودْيُومِ، وَهُوَ عُنْصُرٌ مَعْدِنِيٌّ فَعَّالٌ، وَٱلْكُلُورِ، وَهُوَ غَازٌ سَامٌّ؛ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَّحِدُ هَذَانِ ٱلْعُنْصُرَانِ لِيُشَكِّلَا مَادَّةً نَافِعَةً وَضَرُورِيَّةً لِحَيَاةِ ٱلْإِنْسَانِ. وَفِي هَذَا ٱلتَّرْكِيبِ ٱلْبَسِيطِ نَرَى تَدْبِيرًا خَلَّاقًا عَجِيبًا لِخَيْرِ ٱلْجِنْسِ ٱلْبَشَرِيِّ، كَمَا يَتَرَنَّمُ صَاحِبُ ٱلْمَزَامِيرِ: “مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَهَا، فَٱمْتَلَأَتِ ٱلأَرْضُ مِنْ خَيْرَاتِكَ”(مَزْمُور 104: 24).

وَفِي ٱللُّغَةِ ٱللَّاتِينِيَّةِ يُسَمَّى ٱلْمِلْحُ Sal، وَفِي أَيَّامِ ٱلإِمْبِرَاطُورِيَّةِ ٱلرُّومَانِيَّةِ كَانَ ٱلْجُنُودُ يَتَلَقَّوْنَ جُزْءًا مِنْ رَاتِبِهِمْ مِلْحًا (Salarium)، دَلَالَةً عَلَى قِيمَتِهِ ٱلْحَيَوِيَّةِ. وَعِنْدَمَا كَانَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ عَلَى ٱلْأَرْضِ، كَانَ ٱلْمِلْحُ مُتَوَفِّرًا بِكَثْرَةٍ، وَخَاصَّةً مِنْ مِيَاهِ ٱلْبَحْرِ ٱلْمَيِّتِ، ٱلَّتِي كَانَتْ مَصْدَرًا غَنِيًّا لِلْمِلْحِ (تَكْوِين 19: 26).

وَٱللَّافِتُ أَنَّ ٱلْمِلْحَ لَا يَخْدِمُ ذَاتَهُ: فَهُوَ لَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ، وَلَا يَصْلُحُ لِلِٱسْتِعْمَالِ إِلَّا إِذَا ٱمْتَزَجَ بِٱلطَّعَامِ. إِنَّهُ وُجِدَ لِيَخْدِمَ ٱلْأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا. وَهَكَذَا ٱلْمَسِيحِيُّ أَيْضًا: لَا يُدْعَى لِيَعِيشَ لِذَاتِهِ، بَلْ لِيَكُونَ فِي خِدْمَةِ ٱلْعَالَمِ. وَلَا يَسْتَطِيعُ ٱلْإِنْسَانُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنِ ٱلْمِلْحِ، فَهُوَ يُسْتَعْمَلُ لِحِفْظِ ٱلطَّعَامِ وَلِإِعْطَائِهِ نَكْهَتَهُ. وَلِذَلِكَ يَرِدُ ٱلْمِلْحُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ فِي سِيَاقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُبَيِّنُ هُوِيَّةَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَدَوْرَهُمْ. فَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ ٱلْمَوَادِّ ٱلْغِذَائِيَّةِ ضَرُورَةً لِلْإِنْسَانِ، كَمَا يَقُولُ سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ: “رَأْسُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَيَاةُ ٱلْإِنْسَانِ: ٱلْمَاءُ وَٱلنَّارُ وَٱلْحَدِيدُ وَٱلْمِلْحُ” (سِيرَاخ 39: 26). وَيُعَبِّرُ أَيُّوبُ عَنْ هَذِهِ ٱلْحَقِيقَةِ بِسُؤَالٍ بَلَاغِيٍّ قَائِلًا:”أَيُؤْكَلُ ٱلتَّافِهُ بِغَيْرِ مِلْحٍ؟” (أَيُّوب 6: 6). وَهَكَذَا، كَمَا يَحْتَاجُ ٱلطَّعَامُ إِلَى ٱلْمِلْحِ لِيَكُونَ ذَا مَذَاقٍ وَقِيمَةٍ، يَحْتَاجُ ٱلْعَالَمُ إِلَى ٱلْمَسِيحِيِّينَ لِيَحْفَظُوهُ مِنَ ٱلْفَسَادِ وَيُعْطُوهُ مَعْنَاهُ ٱلْإِنْسَانِيَّ وَٱلرُّوحِيَّ.

(ب) ٱلْمَسِيحِيّونَ مِلْحُ ٱلأَرْضِ بِٱلْأَعْمَالِ ٱلصَّالِحَةِ

كَمَا أَنَّ ٱلْمِلْحَ هُوَ رَمْزُ عَهْدِ ٱللَّهِ مَعَ ٱلْبَشَرِ، إِذْ يَرِدُ فِي ٱلشَّرِيعَةِ: “لَا تَدَعْ مِلْحَ عَهْدِ إِلَهِكَ يَنْقُصُ عَنْ تَقْدِمَتِكَ” (ٱلأَحْبَار 2: 13)، وَكَانَ يُشْتَرَطُ أَنْ تُكَوَّنَ كُلُّ ٱلتَّقْدِمَاتِ مُـمَلَّحَةً لِتَثْبِيتِ ٱلْعَهْدِ، كَذَلِكَ يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى أَنْ يَكُونُوا شَهَادَةً حَيَّةً تُذَكِّرُ ٱلْعَالَمَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ مَعَ شَعْبِهِ، وَإِلَى ٱلْأَمَانَةِ لِهَذَا ٱلْعَهْدِ وَٱلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ.

وَكَمَا أَنَّ ٱلْمِلْحَ كَانَ يُوضَعُ عَلَى ٱلْمُحْرَقَاتِ ٱلْمُقَرَّبَةِ لِلَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ حِزْقِيَالَ: “قَرِّبْهُمَا أَمَامَ ٱلرَّبِّ، وَلْيُلْقِ ٱلْكَهَنَةُ عَلَيْهِمَا مِلْحًا، وَيُصْعِدُوهُمَا مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ» (حِزْقِيَالَ 43: 24)، وَذَلِكَ لِإِعْطَاءِ “خُبْزِ ٱلْإِلَهِ” مَذَاقَهُ (ٱلأَحْبَار 21: 6)، لِأَنَّ ٱلْمِلْحَ يُعْطِي ٱلطَّعَامَ نَكْهَتَهُ (أَيُّوب 6: 6)، كَذَلِكَ يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى أَنْ يُؤَثِّرُوا فِي ٱلشَّعْبِ بِأَعْمَالِ ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلرَّحْمَةِ وَٱلْخِدْمَةِ، فَيُعْطُوا ٱلْحَيَاةَ نَكْهَتَهَا ٱلْإِنْجِيلِيَّةَ (مَتَّى 5: 13).

وَكَمَا أَنَّ لِلْمِلْحِ خَاصِّيَّةَ حِفْظِ ٱلطَّعَامِ مِنَ ٱلْفَسَادِ (بَارُوخ 6: 27)، وَيُشِيرُ إِلَى دَوَامِ ٱلتَّعَاقُدِ فِي “عَهْدِ ٱلْمِلْحِ” (عَدَد 18: 19)، ٱلَّذِي هُوَ مِيثَاقٌ دَائِمٌ، كَٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي قَطَعَهُ ٱللَّهُ مَعَ دَاوُدَ ٱلنَّبِيِّ (2 أَخْبَار 13: 5)، كَذَلِكَ يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى حَيَاةِ ٱلْفَضِيلَةِ: ٱلْوَدَاعَةِ، وَٱلرَّحْمَةِ، وَطَهَارَةِ ٱلْقَلْبِ، وَٱلسَّلَامِ، لِيَحْفَظُوا أَنْفُسَهُمْ وَٱلْمُجْتَمَعَ مِنْ فَسَادِ ٱلْخَطِيئَةِ بِٱلصَّوْمِ وَٱلصَّلَاةِ وَٱلْإِمَاتَاتِ. وَيَكْفِي وُجُودُ بَارٍّ وَاحِدٍ لِمَنْعِ دِينَةٍ كَامِلَةٍ، كَمَا قَالَ ٱللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ:
“إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ عَشَرَةً مِنَ ٱلْأَبْرَارِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ ٱلْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ” (تَكْوِين 18: 32). وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا: “كَمَا يَحْفَظُ ٱلْمِلْحُ ٱللَّحْمَ مِنَ ٱلْفَسَادِ، هَكَذَا ٱلْمَسِيحِيُّونَ يُصْبِحُونَ مِلْحًا يَحْفَظُ ٱلْعَالَمَ مِنَ ٱلْخَطَايَا”. وَفِي ٱلسِّيَاقِ نَفْسِهِ يَقُولُ يَعْقُوبُ ٱلرَّسُولُ: “مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ طَرِيقِ ضَلَالِهِ، خَلَّصَ نَفْسَهُ مِنَ ٱلْمَوْتِ وَسَتَرَ كَثِيرًا مِنَ ٱلْخَطَايَا” (يَعْقُوب 5: 20).

وَلِلْمِلْحِ وَظِيفَةُ ٱلتَّطْهِيرِ، كَمَا نَرَى فِي شِفَاءِ ٱلنَّبِيِّ أَلِيشَعَ لِلْمَاءِ ٱلرَّدِيءِ (2 مُلُوك 2: 19–22)، وَفِي طَرْدِ ٱلشِّرِّ (حِزْقِيَالَ 16: 4). وَهَكَذَا يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى مُشَارَكَةِ ٱلْمَسِيحِ فِي عَمَلِ ٱلشِّفَاءِ وَٱلتَّحْرِيرِ، كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ: “ٱشْفُوا ٱلْمَرْضَى، وَٱطْرُدُوا ٱلشَّيَاطِينَ” (مَتَّى 10: 8).

وَيَرْمُزُ ٱلْمِلْحُ فِي شَرْقِ ٱلْمُتَوَسِّطِ إِلَى ٱلضِّيَافَةِ وَٱلشَّرِكَةِ فِي “ٱلْخُبْزِ وَٱلْمِلْحِ”. وَهَكَذَا يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى ٱلذَّوَبَانِ فِي ٱلْآخَرِينَ خِدْمَةً وَمَحَبَّةً، لِيُعْطُوا ٱلْعَلَاقَاتِ ٱلْبَشَرِيَّةَ نَكْهَتَهَا بِٱلصِّدْقِ وَٱلْأَمَانَةِ وَٱلْوَدَاعَةِ. وَيُوَضِّحُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ هَذَا ٱلْمَعْنَى قَائِلًا:”لِيَكُنْ كَلَامُكُمْ دَائِمًا لَطِيفًا، مُتَبِّلًا بِمِلْحٍ، لِتَعْرِفُوا كَيْفَ تُجِيبُونَ كُلَّ إِنْسَانٍ” (قُولُسِّي 4: 6)، حَيْثُ إِنَّ كَلِمَة “مِلْحٍ” فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ ἅλατι..

وَكَمَا أَنَّ ٱلْمِلْحَ أَيْضًا أَدَاةُ إِنْذَارٍ وَعِقَابٍ عِنْدَ خِيَانَةِ ٱلْعَهْدِ، كَمَا حَدَثَ مَعَ ٱمْرَأَةِ لُوطٍ ٱلَّتِي صَارَتْ نُصْبَ مِلْحٍ (تَكْوِين 19: 26)، وَكَمَا كَانَ يُبْذَرُ ٱلْمِلْحُ عَلَى ٱلْمُدُنِ ٱلْمَهْزُومَةِ (قُضَاة 9: 45)، كَذَلِكَ إِذَا فَسَدَ ٱلْمَسِيحِيُّونَ فَقَدُوا دَوْرَهُمْ وَٱسْتِحْقَاقَهُمْ، كَمَا يُحَذِّرُ ٱلرَّبُّ: “إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا فَيَدُوسَهُ ٱلنَّاسُ”(مَتَّى 5: 13).وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: “أَنْتُمْ سَتُحَاسَبُونَ، لَا عَنْ حَيَاتِكُمْ فَقَطْ، بَلْ عَنْ ٱلْعَالَمِ كُلِّهِ”.

وَكَمَا أَنَّ ٱلْمِلْحَ يَذُوبُ وَيَخْتَفِي فِي ٱلطَّعَامِ، وَلَكِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْثِيرًا قَوِيًّا، كَذَلِكَ يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى بَذْلِ حَيَاتِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱلْمَسِيحِ، كَمَا قَالَ ٱلرَّبُّ: “مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضَيِّعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مَتَّى 10: 39).

وَأَخِيرًا، كَمَا يُسْتَعْمَلُ ٱلْمِلْحُ لِإِيقَافِ نَزِيفِ ٱلْجُرُوحِ وَحِفْظِ ٱلْحَيَاةِ، يُدْعَى ٱلْمَسِيحِيُّونَ إِلَى إِعَادَةِ ٱلْحَيَاةِ لِعَالَمٍ جَرِيحٍ بِٱلْخَطِيئَةِ، شُرَكَاءَ لِلْمَسِيحِ ٱلَّذِي هُوَ “ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ” (يُوحَنَّا 14: 6).

(ج) تحذيرات:

لَمْ يَكْتَفِ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: “أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ”، بَلْ أَتْبَعَهُ بِتَحْذِيرٍ خَطِيرٍ: “إِذَا فَسَدَ ٱلْمِلْحُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُمَلَّحُ؟” (مَتّى 5: 13). فَالخَطَرُ لَيْسَ فِي فَقْدَانِ ٱلْمِلْحِ وُجُودَهُ، بَلْ فِي فَقْدَانِهِ فَاعِلِيَّتَهُ؛ وَلَيْسَ فِي غِيَابِ ٱلنُّورِ، بَلْ فِي اخْتِيَارِهِ أَنْ يَبْقَى مَخْفِيًّا. إِنَّ دَعْوَةَ ٱلتِّلْمِيذِ أَنْ يَكُونَ مِلْحًا وَنُورًا لَا تُفْهَمُ كَوَاجِبٍ يُفْرَضُ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ، بَلْ كَهُوِيَّةٍ تَنْبُعُ مِنْ دَاخِلِهِ وَتُعَاشُ؛ لَيْسَتْ أَدَاءَ مُهِمَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ نَمَطَ حُضُورٍ دَائِمٍ فِي ٱلْعَالَمِ، وَطَرِيقَةَ عَلاقَةٍ مَعَ ٱلآخَرِينَ. فَٱلتِّلْمِيذُ لَا “يَسْتَعْمِلُ” ٱلْمِلْحَ وَٱلنُّورَ، بَلْ “يَكُونُهُمَا”، وَبِقَدْرِ مَا يَفْقِدُ صِلَتَهُ بِٱلْمَصْدَرِ—بِٱلْمَسِيحِ نَفْسِهِ—يَفْقِدُ طَعْمَهُ وَبَرِيقَهُ، وَيَتَحَوَّلُ حُضُورُهُ إِلَى شَكْلٍ بِلَا قُوَّةٍ وَشَهَادَةٍ بِلَا حَيَاةٍ.

وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: “يَشْفَعُ ٱلْكَاهِنُ مِنْ أَجْلِ ٱلشَّعْبِ، وَلَكِنْ مَنْ يَشْفَعُ فِي ٱلْكَاهِنِ إِذَا فَسَدَ؟”. وَيُضِيفُ إيرونيموس: “إِنْ سَقَطَ ٱلْمُعَلِّمُ، سَقَطَ بِلَا عُذْرٍ، وَجَرَّ كَثِيرِينَ مَعَهُ”. لِذَلِكَ، قَبْلَ ٱلسَّعْيِ إِلَى خَلَاصِ ٱلْآخَرِينَ، يَنْبَغِي لِلْمَسِيحِيِّ أَنْ يَعْتَنِيَ بِخَلَاصِ نَفْسِهِ، عَلَى خُطَى بُولُسَ ٱلرَّسُولِ: “أَقْمَعُ جَسَدِي وَأُسْتَعْبِدُهُ، لِئَلَّا أَصِيرَ مَرْفُوضًا بَعْدَ أَنْ كَرَزْتُ لِلْآخَرِينَ» (1 قُورِنْتُس 9: 27).

يَحْتَاجُ ٱلْعَالَمُ إِلَى ٱلْمَسِيحِيِّينَ كَمِلْحٍ، لِأَنَّهُمْ: يَحْفَظُونَ ٱلْعَالَمَ مِنَ ٱلْفَسَادِ ٱلرُّوحِيِّ وَٱلْأَخْلَاقِيِّ ، يُعْطُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلْبَشَرِيَّةَ مَذَاقَهَا وَمَعْنَاهَا،  يُشَكِّلُونَ عُنْصُرَ تَوَازُنٍ فِي ٱلْمُجْتَمَعِ، كَمَا يَفْعَلُ ٱلْمِلْحُ فِي ٱلطَّعَامِ،  ويَخْدِمُونَ ٱلْآخَرِينَ دُونَ أَنْ يَطْلُبُوا مَجْدًا لِذَوَاتِهِمْ.

وخُلَاصَةُ ٱلْقَوْلِ: إِنَّ “مِلْحَ ٱلأَرْضِ” هُوَ إِنْسَانُ ٱلتَّطْوِيبَاتِ: ٱلْفَقِيرُ بِٱلرُّوحِ، ٱلْوَدِيعُ، ٱلطَّاهِرُ، ٱلْمُضْطَهَدُ مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ، ٱلسَّاعِي إِلَى ٱلسَّلَامِ. هُوَ قَلِيلٌ فِي ٱلْعَدَدِ، وَلَكِنَّهُ عَمِيقُ ٱلتَّأْثِيرِ. فَالسُّؤَالُ ٱلْأَخِيرُ يَبْقَى مَفْتُوحًا: كَيْفَ نَكُونُ نَحْنُ مِلْحًا يُعْطِي ٱلْحَيَاةَ مَذَاقَهَا وَمَعْنَاهَا؟

أَنْتُمْ نُورُ العالَم (مَتَّى 5: 14)

ٱلنُّورُ أَوِ ٱلضَّوْءُ طَاقَةٌ مُضِيئَةٌ، وَيَتَجَلَّى—فِي ٱلْغَالِبِ—فِي شَكْلِ شُعَاعٍ كَهْرُومَغْنَاطِيسِيٍّ تَسْتَطِيعُ ٱلْعَيْنُ ٱلْبَشَرِيَّةُ أَنْ تَتَلَقَّاهُ وَتُدْرِكَهُ، وَهُوَ ٱلْمَسْؤُولُ عَنْ حَاسَّةِ ٱلْإِبْصَارِ؛ فَبِدُونِهِ لَا يَقْدِرُ ٱلْإِنْسَانُ أَنْ يَرَى مَا حَوْلَهُ. وَٱلنُّورُ، فِي حَقِيقَتِهِ، لَا يَخْدِمُ ذَاتَهُ، بَلْ يُسْتَعْمَلُ لِإِظْهَارِ ٱلْأَشْيَاءِ ٱلَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا. وَمِنْ دُونِ نُورٍ لَا لَوْنَ وَلَا بَهَاءَ وَلَا حَيَاةَ. لِذَلِكَ يَبْدُو ٱلْعَالَمُ بِحَاجَةٍ إِلَى نُورِ ٱللَّهِ، وَنُورِ ٱلْمَسِيحِ، وَنُورِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْمَسِيحَ فِيهِمْ.

(أ) نُورُ ٱللَّهِ

يَحْتَلُّ ٱلنُّورُ مَكَانًا بَارِزًا بَيْنَ ٱلرُّمُوزِ ٱلدِّينِيَّةِ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ. فَأَوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ ٱلْخَالِقُ هُوَ ٱلْفَصْلُ بَيْنَ ٱلنُّورِ وَٱلظُّلْمَةِ (تَكْوِين 1: 3–4). وَفِي خِتَامِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ يَتَجَلَّى ٱللَّهُ نُورَ ٱلْخَلِيقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ: “ٱلْمَدِينَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ٱلشَّمْسِ وَلَا إِلَى ٱلْقَمَرِ لِيُضِيئَا لَهَا، لِأَنَّ مَجْدَ ٱللَّهِ أَضَاءَهَا، وَسِرَاجُهَا هُوَ ٱلْحَمَلُ” (رُؤْيَا 21: 23).

وَٱلنُّورُ هُنَا رَمْزٌ لِلَّهِ، كَمَا فِي نُبُوءَةِ أَشْعِيَاءَ: “قُومِي ٱسْتَنِيرِي، فَإِنَّ نُورَكِ قَدْ جَاءَ، وَمَجْدَ ٱلرَّبِّ قَدْ أَشْرَقَ عَلَيْكِ” (أَشْعِيَاء 60: 1). وَهُوَ عَلامَةٌ تَكْشِفُ بِطَرِيقَةٍ مَلْمُوسَةٍ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ ٱللَّهِ: فَهُوَ أَشْبَهُ بِٱنْعِكَاسٍ لِمَجْدِهِ، كَمَا يَتَرَنَّمُ صَاحِبُ ٱلْمَزَامِيرِ: “أَنْتَ ٱلْمُلْتَحِفُ بِٱلنُّورِ كَرِدَاءٍ” (مَزْمُور 104: 2). وَيَعْكِسُ ٱلنُّورُ أَيْضًا حِكْمَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي هِيَ فَيْضُ مَجْدِهِ: “لِأَنَّ ٱلْحِكْمَةَ ٱنْعِكَاسٌ لِلنُّورِ ٱلْأَزَلِيِّ، وَمِرْآةٌ صَافِيَةٌ لِعَمَلِ ٱللَّهِ، وَصُورَةٌ لِصَلَاحِهِ” (حِكْمَة 7: 26).

وَفِي ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ يَصِيرُ ٱلنُّورُ أَفْضَلَ رَمْزٍ لِطَبِيعَةِ ٱللَّهِ، كَمَا يُعَلِّمُ يُوحَنَّا ٱلرَّسُولُ: “إِنَّ ٱللَّهَ نُورٌ، وَلَا ظَلَامَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ” (1 يُوحَنَّا 1: 5). وَهَذَا ٱلنُّورُ يَحْمِلُ حُضُورَ ٱللَّهِ ٱلَّذِي يَقْتَرِبُ مِنْ شَعْبِهِ (خُرُوج 24: 10–11)، وَيُعْطِي ٱلِٱطْمِئْنَانَ: “أَنِرْ بِوَجْهِكَ عَلَى عَبْدِكَ وَخَلِّصْنِي بِرَحْمَتِكَ” (مَزْمُور 31: 17). وَيُضْفِي طَابِعَ ٱلْحِمَايَةِ وَٱلْهِدَايَةِ: “كَلِمَتُكَ مِصْبَاحٌ لِقَدَمِيَّ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مَزْمُور 119: 105)، وَيُنِيرُ عَيْنَيِ ٱلْمُؤْمِنِ لِيُنْقَذَ مِنَ ٱلْخَطَرِ: “أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلَّا أَنَامَ نَوْمَةَ ٱلْمَوْتِ” (مَزْمُور 13: 4). وَهُوَ يَقُودُ ٱلْإِنْسَانَ إِلَى فَرَحٍ مُنِيرٍ: “لِأَنَّ يَنْبُوعَ ٱلْحَيَاةِ عِنْدَكَ، وَبِنُورِكَ نُعَايِنُ ٱلنُّورَ” (مَزْمُور 36: 10)، حَتَّى يَصِيرَ ٱلنُّورُ رَمْزًا لِلسَّعَادَةِ وَٱلْخَلَاصِ: “ٱلرَّبُّ نُورِي وَخَلَاصِي” (مَزْمُور 27: 1).

(ب) نُورُ ٱلْمَسِيحِ

ٱلْمَسِيحُ، بِصِفَتِهِ ٱبْنَ ٱللَّهِ، هُوَ أَيْضًا نُورٌ: “نُورٌ مِنْ نُورٍ” كَمَا نُعْلِنُ فِي قَانُونِ ٱلْإِيمَانِ. إِنَّهُ ٱلنُّورُ ٱلْأَزَلِيُّ ٱلَّذِي لَا زَمَنَ لَهُ، ٱلَّذِي ظَهَرَ فِي ٱلزَّمَنِ، وَتَجَسَّدَ فِي ٱلْجَسَدِ، وَأَضَاءَ طَرِيقَ ٱلْبَشَرِ كُلِّهِمْ. وَهُوَ “ٱلنُّورُ ٱلْحَقُّ ٱلَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى ٱلْعَالَمِ” (يُوحَنَّا 1: 9).

وَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ نَفْسَهُ نُورًا، خُصُوصًا بِأَعْمَالِهِ وَكَلَامِهِ: “مَا دُمْتُ فِي ٱلْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ ٱلْعَالَمِ” (يُوحَنَّا 9: 5). وَيَقُولُ أَيْضًا: “مَنْ يَتْبَعْنِي لَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ” (يُوحَنَّا 8: 12)، وَ”جِئْتُ أَنَا إِلَى ٱلْعَالَمِ نُورًا، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِي لَا يَبْقَى فِي ٱلظُّلْمَةِ” (يُوحَنَّا 12: 46). فَهُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ لِأَنَّهُ يَمْنَحُ نُورَ ٱلْإِيمَانِ لِمَنْ كَانُوا يَجْهَلُونَ ٱللَّهَ وَحَقَّهُ (2 قُورِنْتُس 4: 6).

وَقَدْ ظَلَّ هَذَا ٱلنُّورُ ٱلْإِلَهِيُّ مُسْتَتِرًا وَرَاءَ تَوَاضُعِ ٱلْجَسَدِ، وَلَكِنَّهُ ٱنْكَشَفَ بِوُضُوحٍ فِي ٱلتَّجَلِّي: “تَلَأْلَأَ وَجْهُهُ كَٱلشَّمْسِ… وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَٱلنُّورِ” (مَتَّى 17: 2)، كَإِشَارَةٍ مُسْبَقَةٍ إِلَى مَجْدِ ٱلْقِيَامَةِ. وَظَهَرَ نُورُ ٱلْمَسِيحِ أَيْضًا لِبُولُسَ ٱلرَّسُولِ فِي نُورٍ سَاطِعٍ عِنْدَ ٱهْتِدَائِهِ: “إِذَا نُورٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ قَدْ سَطَعَ حَوْلَهُ”(أَعْمَال 9: 3).

وَهَذَا ٱلنُّورُ هُوَ فِي ٱلْحَقِيقَةِ نُورُ مَجْدِ ٱللَّهِ ٱلْمُنْعَكِسِ عَلَى وَجْهِ ٱلْمَسِيحِ: “لِأَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي قَالَ: لِيُشْرِقْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ نُورٌ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا لِيُشِعَّ نُورُ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللَّهِ فِي وَجْهِ ٱلْمَسِيحِ” (2 قُورِنْتُس 4: 6). وَلِذَلِكَ يَقُولُ ٱلرَّسُولُ عَنْ ٱلِٱبْنِ: “هُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ” (عِبْرَانِيِّينَ 1: 3).

وَإِذْ يَسْتَنِيرُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنُورِ ٱلْمَسِيحِ، يَدْعُوهُمُ ٱلْكِتَابُ إِلَى ٱلسُّلُوكِ كَأَبْنَاءِ ٱلنُّورِ: “تَنَبَّهْ أَيُّهَا ٱلنَّائِمُ، وَقُمْ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَمْوَاتِ، فَيُضِيءَ لَكَ ٱلْمَسِيحُ” (أَفَسُس 5: 14)، وَ”بِٱلْأَمْسِ كُنْتُمْ ظُلْمَةً، وَأَمَّا ٱلْآنَ فَأَنْتُمْ نُورٌ فِي ٱلرَّبِّ، فَسِيرُوا سِيرَةَ أَبْنَاءِ ٱلنُّورِ” (أَفَسُس 5: 8). وَهَكَذَا، فَكَمَا يَكْشِفُ ٱلنُّورُ ٱلْأَشْيَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، يَكْشِفُ نُورُ ٱلْمَسِيحِ حَقِيقَةَ ٱلْإِنْسَانِ وَطَرِيقَ خَلَاصِهِ بِوَاسِطَةِ تَعَالِيمِهِ وَبِشَارَةِ رُسُلِهِ.

وَلِذَلِكَ، يَطْلُبُ ٱلْمَسِيحُ مِنْ أَتْبَاعِهِ أَنْ يَصِيرُوا عَلامَةً لِمَحَبَّتِهِ وَسَلَامِهِ وَمُصَالَحَتِهِ وَفَرَحِهِ وَعَمَلِهِ فِي ٱلْعَالَمِ. فَٱلْمَسِيحِيُّونَ مَدْعُوُّونَ لِلْعَيْشِ كَأَبْنَاءِ ٱلنُّورِ: “أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ” (مَتَّى 5: 14). وَإِذَا كَانُوا—بِمَفْعُولِهِمْ كَمِلْحٍ—يَعْمَلُونَ فِي خَفَاءٍ وَيَكُونُ ٱلْمَسِيحُ ظَاهِرًا فِيهِمْ، فَإِنَّهُمْ—فِي كَوْنِهِمْ نُورًا—يُصْبِحُونَ ظَاهِرِينَ لِلنَّاسِ لِيَشْهَدُوا لِلْمَسِيحِ بِوُضُوحٍ وَجُرْأَةٍ.

(ج) نُورُ ٱلْمَسِيحِيِّينَ

ٱلْمَسِيحِيُّونَ—ٱلْمُعَمَّدُونَ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي هُوَ “نُورُ ٱلْعَالَمِ” (يُوحَنَّا 8: 12) —يُدْعَوْنَ هُمْ أَيْضًا “نُورَ ٱلْعَالَمِ” (مَتَّى 5: 14).لَا يَقُولُ يسوع “سَتَصِيرُونَ نُورًا”، بَلْ “َنْتُمْ نُورٌ”،  فَلَيْسَ لِلْمَسِيحِيِّ نُورٌ آخَرُ غَيْرَ نُورِ ٱلْمَسِيحِ؛ إِنَّهُ أَشْبَهُ بِٱلْقَمَرِ ٱلَّذِي يَسْتَمِدُّ كُلَّ نُورِهِ مِنَ ٱلشَّمْسِ. وَإِذْ يَصِيرُ ٱلْمُؤْمِنُونَ “شُرَكَاءَ” فِي شَرِكَةِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي هُوَ نُورٌ (1 يُوحَنَّا 1: 5–7)، يَتَحَقَّقُ فِيهِمْ قَوْلُ ٱلسَّيِّدِ: “أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ” (مَتَّى 5: 14). وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ يُجِيبُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: “لِأَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي قَالَ: لِيُشْرِقْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ نُورٌ، هُوَ ٱلَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا لِيُشِعَّ نُورُ مَعْرِفَةِ مَجْدِ ٱللَّهِ فِي وَجْهِ ٱلْمَسِيحِ” (2 قُورِنْتُس 4: 6).

وَقَدْ أَحْسَنَ أَحَدُ ٱلْكُتَّابِ إِذْ قَالَ: “إِنَّ يَسُوعَ يُسَمِّي ٱلْمَسِيحِيِّينَ نُورَ ٱلْعَالَمِ، لِأَنَّهُمْ بِٱسْتِنَارَتِهِمْ بِٱلنُّورِ ٱلْحَقِّ ٱلْأَبَدِيِّ، يُصْبِحُونَ نُورًا فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَبِإِظْهَارِ نُورِ ٱلْحَقِّ يُبَدِّدُونَ ظَلَامَ ٱلضَّلَالِ مِنْ قُلُوبِ ٱلنَّاسِ”. وَفِي هَذَا ٱلسِّيَاقِ يَقُولُ يَعْقُوبُ ٱلرَّسُولُ: “مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ طَرِيقِ ضَلَالِهِ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِنَ ٱلْمَوْتِ وَسَتَرَ كَثِيرًا مِنَ ٱلْخَطَايَا” (يَعْقُوب 5: 20).

وَإِذْ يَكُونُ ٱلْمَسِيحِيُّونَ شُرَكَاءَ فِي نُورِ ٱلْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ يُضِيئُونَ نُورَهُ لِلنَّاسِ، “لِيَرَوْا أَعْمَالَهُمُ ٱلصَّالِحَةَ فَيُمَجِّدُوا أَبَاهُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ” (إِنْجِيلُ مَتَّى (متى5: 16). وَيَرْبِطُ يَسُوعُ ٱلنُّورَ رَبْطًا مُبَاشِرًا بِٱلْأَعْمَالِ ٱلصَّالِحَةِ، فَلَا يَقْدِمُهُ كَحَالَةٍ رُوحِيَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَشَهَادَةٍ ظَاهِرَةٍ تَتَجَسَّدُ فِي ٱلسُّلُوكِ وَٱلْفِعْلِ. فَٱلنَّاسُ—فِي ٱلْغَالِبِ—يَنْتَظِرُونَ ٱلْعَمَلَ لِيُصَدِّقُوا ٱلتَّعْلِيمَ؛ لِذَلِكَ فَإِنَّ ٱلْمَسِيحِيَّ يَكُونُ نُورًا لِلْعَالَمِ فِي شَخْصِهِ وَسُلُوكِهِ قَبْلَ كَلِمَاتِهِ، عَلَى خُطَى ٱلْمُعَلِّمِ ٱلْإِلَهِيِّ ٱلَّذِي تَطَابَقَتْ أَقْوَالُهُ مَعَ أَفْعَالِهِ. وَمِنْ هُنَا يَسْتَمِدُّ ٱلْمُؤْمِنُونَ نُورَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ لِلرِّسَالَةِ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَشَرِكَتِهِمْ مَعَ ٱللَّهِ بِٱلْمَسِيحِ وَبِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. وَفِي هَذَا ٱلْمَعْنَى يَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ إغناطيوس دي لويولا: “نُورُ نَظْرَةِ يَسُوعَ يُضِيءُ عُيُونَ قُلُوبِنَا، وَيُعَلِّمُنَا أَنْ نَرَى كُلَّ شَيْءٍ فِي نُورِ حَقِيقَتِهِ وَإِشْفَاقِهِ عَلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ” (ٱلتَّمَارِينُ ٱلرُّوحِيَّةُ، 104).

(د) نُورُ ٱلْمَسِيحِيِّينَ بِٱلْأَعْمَالِ ٱلصَّالِحَةِ

قَالَ يَسُوعُ: “أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ… فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ أَمَامَ ٱلنَّاسِ، لِيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلصَّالِحَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (مَتَّى 5: 14-15). فَيَسُوعُ لَا يَقُولُ: “تَصِيرُونَ نُورًا”، بَلْ يُؤَكِّدُ هُوِيَّةً قَائِمَةً” “أَنْتُمْ نُورٌ”. وَهٰذَا ٱلنُّورُ لَا يُقَدَّمُ كَحَالَةٍ دَاخِلِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَشَهَادَةٍ ظَاهِرَةٍ، يَرْبِطُهَا يَسُوعُ رَبْطًا مُبَاشِرًا بِٱلْأَعْمَالِ ٱلصَّالِحَةِ ٱلَّتِي يَرَاهَا ٱلنَّاسُ، فَتَقُودُهُمْ لَا إِلَى تَمْجِيدِ ٱلْمُؤْمِنِ، بَلْ إِلَى تَمْجِيدِ ٱلْآبِ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ.  النور المسيحي هُوِيَّةٌ تُعَاشُ لا وَعْدٌ مُسْتَقْبَلِيّ، وَهُوَ يَظْهَرُ فِي ٱلْفِعْلِ قَبْلَ ٱلْكَلَام، لِأَنَّ ٱلْأَعْمَالَ ٱلصَّالِحَةَ هِيَ ٱللُّغَةُ ٱلَّتِي يَقْرَأُ فِيهَا ٱلْعَالَمُ نُورَ ٱللَّهِ.

وعليه إنَّ ٱلْمَسِيحِيِّينَ يَصِيرُونَ نُورًا لِلْعَالَمِ بِٱلْخُصُوصِ مِنْ خِلَالِ أَعْمَالِهِمُ ٱلصَّالِحَةِ، أَيْ بِشَهَادَةِ ٱلْمَحَبَّةِ وَعَيْشِ رُوحِ ٱلتَّطْوِيبَاتِ، وَبِقَدْرِ ٱنْتِمَائِهِمْ ٱلْحَيِّ لِلْمَسِيحِ. وَلِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُنْجَزَ ٱلْأَعْمَالُ ٱلصَّالِحَةُ إِلَّا بِعَمَلِيَّةٍ مُزْدَوَجَةٍ: خَلْعُ أَعْمَالِ ٱلظُّلْمَةِ، وَلُبْسُ ثَوْبِ ٱلنُّورِ. فَكُلُّ مَنْ “يَعْمَلُ ٱلسَّيِّئَاتِ يُبْغِضُ ٱلنُّورَ… وَأَمَّا ٱلَّذِي يَعْمَلُ لِلْحَقِّ فَيُقْبِلُ إِلَى ٱلنُّورِ” (يُوحَنَّا 3: 20–21). وَيَطْلُبُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ: “لِنَخْلَعْ أَعْمَالَ ٱلظُّلْمَةِ وَلْنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ ٱلنُّورِ… وَلْنَلْبَسِ ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ” (رُومَة 13: 12، 14).

وَأَمَّا أَعْمَالُ ٱلظُّلْمَةِ فَتَتَضَمَّنُ أَشْكَالَ ٱلْخَطِيئَةِ كُلَّهَا؛ وَيَذْكُرُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ بَعْضَهَا قَائِلًا: “لَا بِقَصْفٍ وَلَا بِسُكْرٍ، وَلَا بِمَضَاجِعَةٍ وَلَا بِفُجُورٍ، وَلَا بِخِصَامٍ وَلَا بِحَسَدٍ” (رُومَة 13: 13). وَيَذْكُرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ “أَعْمَالَ ٱلْجَسَدِ” مِنْ زِنًى وَفُجُورٍ وَعِبَادَةِ ٱلْأَوْثَانِ وَعَدَاوَاتٍ وَخِصَامٍ وَحَسَدٍ وَسُكْرٍ وَقَصْفٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (غَلَاطِيَة 5: 19–21)، مُنَبِّهًا أَنَّ ٱلسُّلُوكَ فِي ٱلنُّورِ يَقْتَضِي قَطْعَ هَذِهِ ٱلْمَسَالِكِ عَنِ ٱلْحَيَاةِ.

أَمَّا ٱلْأَعْمَالُ ٱلصَّالِحَةُ ٱلَّتِي يَنْشُدُهَا ٱلْمَسِيحُ فَهِيَ مُلَخَّصَةٌ فِي عِظَةِ ٱلتَّطْوِيبَاتِ (مَتَّى 5: 1–12): فَقْرُ ٱلرُّوحِ وَٱلْوَدَاعَةُ، وَٱلرَّحْمَةُ، وَنَقَاءُ ٱلْقَلْبِ، وَصُنْعُ ٱلسَّلَامِ، وَٱلْفَرَحُ فِي ٱلِٱضْطِهَادِ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسِيحِ، وَعَمَلُ كُلِّ مَا هُوَ صَالِحٌ وَبِرٌّ وَحَقٌّ. وَيُعَلِّقُ ٱلْبَابَا فرنسيس قَائِلًا: “كَانَ ٱلتَّلَامِيذُ صَيَّادِي سَمَكٍ وَأُنَاسًا بُسَطَاءَ، وَلَكِنَّ يَسُوعَ نَظَرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنَيِ ٱللَّهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كُنْتُمْ فُقَرَاءَ بِٱلرُّوحِ، وَوُدَعَاءَ، وَأَنْقِيَاءَ ٱلْقُلُوبِ وَرُحَمَاءَ… سَتُصْبِحُونَ مِلْحَ ٱلْأَرْضِ وَنُورَ ٱلْعَالَمِ”.

وَيُعَدِّدُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ ثَمَرَ ٱلسُّلُوكِ فِي ٱلنُّورِ، وَهُوَ ثَمَرُ ٱلرُّوحِ: “ٱلْمَحَبَّةُ وَٱلْفَرَحُ وَٱلسَّلَامُ وَٱلصَّبْرُ وَٱللُّطْفُ وَكَرَمُ ٱلْأَخْلَاقِ وَٱلْإِيمَانُ وَٱلْوَدَاعَةُ وَٱلْعَفَافُ” (غَلَاطِيَة 5: 22). وَهَذِهِ ٱلتَّطْوِيبَاتُ طَرِيقٌ إِلَى ٱلْحُرِّيَّةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ مِنَ ٱلْجَشَعِ وَٱلْقَسَاوَةِ وَٱلْعُنْفِ وَٱلْكِبْرِيَاءِ وَٱلدَّنَسِ وَٱلْبُغْضَاءِ.

وَتَشْهَدُ ٱلتَّجَارِبُ ٱلْبَشَرِيَّةُ أَيْضًا لِقُوَّةِ هَذَا ٱلنُّورِ فِي ٱلتَّارِيخِ. فَقَدْ نُقِلَ عَنْ غَانْدِي أَنَّهُ رَأَى فِي “ٱلْمَوْعِظَةِ عَلَى ٱلْجَبَلِ” جَوْهَرَ ٱلْمَسِيحِيَّةِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْيَا حَيَاةً مَسِيحِيَّةً حَقِيقِيَّةً. وَتَرْوِي ٱلْوَاقِعَةُ أَيْضًا شَهَادَةَ صَبِيَّةٍ إِفْرِيقِيَّةٍ أَمَامَ جُثْمَانِ كَاهِنِ رَعِيَّتِهَا قَائِلَةً: “كُلُّ ٱلْفُقَرَاءِ كَانُوا عَائِلَتَهُ، وَكُلُّ ٱلْبَشَرِ إِخْوَتَهُ…”؛ فَهِيَ شَهَادَةٌ تُعِيدُ إِلَى ٱلذِّهْنِ نُبُوءَةَ أَشْعِيَاءَ: «أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ… حِينَئِذٍ يَبْزُغُ كَٱلْفَجْرِ نُورُكَ… وَمَجْدُ ٱلرَّبِّ يَجْمَعُ شَمْلَكَ” (أَشْعِيَاء 58: 7–8).

وَغَايَةُ ٱلْمَسِيحِيِّينَ فِي ٱلْقِيَامِ بِٱلْأَعْمَالِ ٱلصَّالِحَةِ هِيَ تَمْجِيدُ ٱللَّهِ لَا تَمْجِيدُ ٱلذَّاتِ. فَٱلنَّاسُ يَرَوْنَ ٱلْأَعْمَالَ، لَكِنَّهُمْ لَا يُمَجِّدُونَ ٱلْعَامِلَ بَلْ “أَبَاهُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 5: 16). وَكَمَا أَنَّ ٱلسِّرَاجَ لَا يُوقَدُ لِيَنْظُرَ ٱلنَّاسُ إِلَيْهِ، بَلْ لِيَنْظُرُوا بِنُورِهِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ أَهَمَّ، هَكَذَا هِيَ أَعْمَالُ ٱلْمُؤْمِنِينَ: لَا قِيمَةَ لِلْمِلْحِ فِي ذَاتِهِ بَلْ فِي فِعْلِهِ، وَلَا قِيمَةَ لِلسِّرَاجِ إِلَّا فِي نُورِهِ. وَفِي هَذَا يَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس: “مِنْ أَجْلِ تَمْجِيدِ ٱللَّهِ يَجِبُ أَنْ نَسْمَحَ لِأَعْمَالِنَا أَنْ تُعْرَفَ”.

وَيُشَدِّدُ ٱلرَّسُولُ بُطْرُسُ عَلَى ٱلْغَايَةِ نَفْسِهَا: “سِيرُوا سِيرَةً حَسَنَةً بَيْنَ ٱلْوَثَنِيِّينَ… فَيُمَجِّدُوا ٱللَّهَ يَوْمَ ٱلِٱفْتِقَادِ” (1 بُطْرُس 2: 12). وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: “ٱلْحَيَاةُ ٱلَّتِي نُقَدِّمُهَا أَمَامَهُمْ أَكْثَرُ بَهَاءً مِنَ ٱلشَّمْسِ؛ فَإِنْ تَكَلَّمَ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِشَرٍّ لَا نَحْزَنْ كَمَنْ شُوِّهَتْ صُورَتُهُ، بَلْ نَحْزَنْ إِنْ شُوِّهَتْ بِعَدْلٍ”.

وَهَكَذَا يَسْلُكُ ٱلْمَسِيحِيُّونَ سُلُوكَ ٱلنُّورِ، وَيُنِيرُونَ ٱلْعَالَمَ بِقَدْرِ مَا يَعْكِسُونَ نُورَ ٱلْمَسِيحِ، وَبِقَدْرِ مَا يَخْتَرِقُهُمْ نُورُهُ. وَلِذَلِكَ يُوصِيهِمْ بُولُسُ: «تُضِيئُونَ ضِيَاءَ ٱلنَّيِّرَاتِ فِي ٱلْكَوْنِ» (فِيلِبِّي 2: 15). وَعِنْدَمَا يَصِيرُونَ نُورَ ٱلْعَالَمِ يَغْدُونَ مَشْهُودِينَ لِلْجَمِيعِ، كَٱلْمَدِينَةِ ٱلْقَائِمَةِ عَلَى جَبَلٍ، «مَعْرُوضِينَ لِنَظَرِ ٱلْعَالَمِ وَٱلْمَلَائِكَةِ وَٱلنَّاسِ» (1 قُورِنْتُس 4: 9). وَمِنْ ثَمَّ، لَا يَجُوزُ أَنْ نَقُولَ: “لَيْسَ فِي كَنِيسَتِي حَيَاةٌ”؛ بَلْ: لِنَمْلَأْهَا نَحْنُ بِحَيَاتِنَا. وَلَا أَنْ نَقُولَ: “تَحْتَاجُ كَنِيسَتُنَا إِلَى نَهْضَةٍ رُوحِيَّةٍ”؛ بَلْ: لِنَنْهَضْ بِهَا سَوِيًّا، كُلٌّ بِقَدْرِ ٱسْتِطَاعَتِهِ، لِنَكُونَ حَقًّا مِلْحًا لِلْأَرْضِ وَنُورًا لِلْعَالَمِ.

الخُلاصَة

أَوْكَلَ السَّيِّدُ ٱلْمَسِيحُ إِلَى تَلَامِيذِهِ رِسَالَةً كَبِيرَةً، فَقَالَ: “أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ… أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ» (مَتَّى 5: 13–14). فَٱلْمِلْحُ وَٱلنُّورُ يَحُدَّانِ هُوِيَّةَ تَلَامِيذِ ٱلْمَسِيحِ وَرِسَالَتَهُمْ فِي ٱلْمُجْتَمَعِ. وَإِنَّ رُوحَ ٱلْمَسِيحِ وَحْدَهُ قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَهُمْ فِعْلًا مِلْحًا يُعْطِي ٱلْمَذَاقَ وَيَحْفَظُ مِنَ ٱلْفَسَادِ، وَنُورًا يُنِيرُ ٱلْعَالَمَ، إِذْ يَحْمِلُونَ نُورَ ٱللَّهِ ٱلْحَيَّ إِلَى ٱلَّذِينَ يَجْهَلُونَهُ أَوْ يَرْفُضُونَهُ.

وَٱلْمِلْحُ وَٱلنُّورُ، بِلُغَةِ ٱلْإِنْجِيلِ، لَيْسَا إِلَّا تَعْبِيرًا عَنْ أَعْمَالِ ٱلتَّطْوِيبَاتِ ٱلَّتِي يَدْعُو إِلَيْهَا يَسُوعُ؛ فَٱلتَّطْوِيبَاتُ هِيَ ٱلسِّيرَةُ ٱلْمَسِيحِيَّةُ ٱلزَّكِيَّةُ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ ٱلرَّسُولُ: “لِتَكُونُوا بِلا لَوْمٍ وَلا شَائِبَةٍ، وَأَبْنَاءَ ٱللَّهِ بِلا عَيْبٍ فِي جِيلٍ ضَالٍّ فَاسِدٍ، تُضِيئُونَ ضِيَاءَ ٱلنَّيِّرَاتِ فِي ٱلْكَوْنِ” (فِيلِبِّي 2: 15). فَكُلُّ مَسِيحِيٍّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا لِلْمَسِيحِ، وَكُلُّ تِلْمِيذٍ لِلْمَسِيحِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِلْحًا وَنُورًا لِلْعَالَمِ؛ وَلَكِنَّ ٱلتِّلْمِيذَ لَا يَصِيرُ مِلْحًا وَنُورًا إِلَّا بِعَيْشِ ٱلتَّطْوِيبَاتِ.

وَحَيَاةُ ٱلْمِلْحِ وَٱلنُّورِ هِيَ حَيَاةُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ نَفْسِهِ؛ إِنَّهَا حَيَاةُ ٱلتَّطْوِيبَاتِ. وَمِنْ هُنَا يُشِيرُ مَتَّى ٱلْإِنْجِيلِيُّ إِلَى دَوْرِ ٱلتَّلَامِيذِ ٱلضَّرُورِيِّ فِي ٱلْمُجْتَمَعِ: أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا لِحُضُورِ ٱللَّهِ فِي حَيَاتِهِمْ، بِأَنْ يَكُونُوا مِلْحَ ٱلأَرْضِ وَنُورَ ٱلْعَالَمِ. فَإِنْ لَمْ نَعِشْ حَيَاةَ ٱلتَّطْوِيبَاتِ، فَلَسْنَا نَحْنُ مِلْحًا، وَلَسْنَا نَحْنُ نُورًا. فَلْنَحْذَرْ أَنْ يَفْسُدَ مِلْحُنَا، وَأَنْ يَنْطَفِئَ نُورُنَا.

وَيُؤَكِّدُ ٱلْمَجْمَعُ ٱلْفَاتِيكَانِيُّ ٱلثَّانِي دَوْرَ ٱلْمَسِيحِيِّينَ ٱلْعِلْمَانِيِّينَ قَائِلًا: “إِنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ إِلَى أَنْ يَجْعَلُوا ٱلْكَنِيسَةَ حَاضِرَةً وَفَعَّالَةً فِي تِلْكَ ٱلْأَمَاكِنِ وَٱلظُّرُوفِ ٱلَّتِي لَا يُمْكِنُهَا إِلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ أَنْ تَكُونَ “مِلْحَ ٱلأَرْضِ” (نُورُ ٱلْأُمَم، 33). وَهَكَذَا فَإِنَّ كُلَّ عِلْمَانِيٍّ—بِقُوَّةِ ٱلنِّعَمِ ٱلْمَوْهُوبَةِ لَهُ—هُوَ شَاهِدٌ، وَفِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ أَدَاةٌ حَيَّةٌ لِرِسَالَةِ ٱلْكَنِيسَةِ “عَلَى مِقْدَارِ مَوْهِبَةِ ٱلْمَسِيحِ” (أَفَسُس 4: 7).

وَلِذَلِكَ نَحْنُ مَدْعُوُّونَ أَنْ نَكُونَ كَٱلْقَمَرِ: فَحِينَ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ ضَوْءُ ٱلشَّمْسِ يَصِيرُ مُتَأَلِّقًا فِي ٱلسَّمَاءِ، وَيَمْزِقُ حِجَابَ ٱلظُّلْمَةِ. وَفِي هَذَا يُذَكِّرُنَا بُولُسُ ٱلرَّسُولُ: “لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ ٱلنُّورِ وَأَبْنَاءُ ٱلنَّهَارِ. لَسْنَا نَحْنُ مِنَ ٱللَّيْلِ وَلَا مِنَ ٱلظُّلْمَاتِ” (1 تَسَالُونِيكِي 5: 5). وَنُورُنَا قَوِيٌّ لِأَنَّهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ نُورِ ٱلْقِيَامَةِ ٱلْمُنْبَثِقِ مِنْ قَبْرِ مَسِيحِنَا، حَيْثُ كَانَ ٱنْتِصَارُ ٱلنُّورِ وَٱلْحَيَاةِ، وَنِهَايَةُ ٱلْمَوْتِ وَٱلظُّلْمَةِ.

دُعَاء

“أَطْلِعْ عَلَيْنَا نُورَ وَجْهِكَ، يَا رَبُّ” (مَزْمُور 4: 7)،
فَنُصْبِحُ مِلْحًا صَالِحًا، مُسْتَمَدًّا مِنَ ٱلْمِلْحِ ٱلْأَزَلِيِّ،
وَنُورًا سَاطِعًا، مُسْتَمِدًّا ضَوْءَهُ مِنَ ٱلنُّورِ ٱلْإِلَهِيِّ،
فَنَكُونَ بِلَا لَوْمٍ وَلَا شَائِبَةٍ، وَأَبْنَاءَ ٱللَّهِ بِلَا عَيْبٍ
فِي جِيلٍ ضَالٍّ فَاسِدٍ،
نُضِيءُ ضِيَاءَ ٱلنَّيِّرَاتِ فِي ٱلْكَوْنِ، مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ ٱلْحَيَاةِ (فِيلِبِّي 2: 15–16).

وَٱهَبْنَا أَنْ نَحْيَا بِٱلِتِزَامٍ وَأَمَانَةٍ رِسَالَتَنَا ٱلْمَسِيحِيَّةَ،
فَنُشِعَّ نُورَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱلْعَائِلَاتِ وَٱلْمَدَارِسِ وَٱلْمُؤَسَّسَاتِ
بِأَعْمَالِنَا ٱلصَّالِحَةِ،
وَنُمَجِّدَ ٱسْمَكَ ٱلْقُدُّوسَ. آمِين.

قِصَّة: غَانْدِي وَنُورُ ٱلْمَسِيحِيِّينَ

ٱشْتَهَرَ المهاتما غاندي، ٱلزَّعِيمُ ٱلرُّوحِيُّ لِلْهِنْدِ، بِشِدَّةِ إِعْجَابِهِ بِٱلْمَسِيحِ، إِذْ كَانَ كَثِيرًا مَا يَسْتَشْهِدُ بِأَقْوَالِهِ عَلَنًا، وَلَا سِيَّمَا بِعِظَةِ ٱلتَّطْوِيبَاتِ عَلَى ٱلْجَبَلِ. وَذَاتَ يَوْمٍ، سَأَلَهُ أَحَدُ ٱلأَشْخَاصِ قَائِلًا: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ ٱلْمَسِيحَ بِهَذَا ٱلْمِقْدَارِ، فَلِمَاذَا لَا تُصْبِحُ مَسِيحِيًّا؟ فَأَجَابَ غَانْدِي: “عِنْدَمَا أَعْرِفُ مَسِيحِيًّا يَتْبَعُ ٱلْمَسِيحَ، فَسَأَفْعَلُ أَنَا ذَلِكَ بِٱلطَّبْعِ”.

إِنَّ إِجَابَةَ غَانْدِي—مَعَ أَنَّهَا لَا تُبَرِّرُ عَدَمَ قُبُولِهِ ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ مُخَلِّصًا شَخْصِيًّا لِحَيَاتِهِ—تَبْقَى صَوْتًا نَبَوِيًّا يُوَجِّهُ تَحَدِّيًا حَقِيقِيًّا لِلْمَسِيحِيِّينَ.”.  فَهَذِهِ ٱلْكَلِمَاتُ، وَلَوْ صَدَرَتْ مِنْ خَارِجِ ٱلْإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِيِّ، تَبْقَى شَهَادَةً نَبَوِيَّةً تُعَرِّي ٱلْفَجْوَةَ بَيْنَ ٱلْإِنْجِيلِ ٱلْمُعْلَنِ وَٱلْإِنْجِيلِ ٱلْمَعِيشِ.

وَنَشْكُرُ ٱللَّهَ أَنَّ هُنَاكَ مَلَايِينَ تَبِعُوا ٱلْمَسِيحَ، وَبَذَلُوا حَيَاتِهِمْ حَتَّى ٱلْمَوْتِ فِي سَبِيلِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا قَالَهُ غَانْدِي يَبْقَى مَسْؤُولِيَّةً وَتَحَدِّيًا أَمَامَ كُلِّ مَسِيحِيٍّ مُؤْمِنٍ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي وَصَفَ تَلَامِيذَهُ بِأَنَّهُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ وَمِلْحُ ٱلأَرْضِ.

إِنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَدْعُ تَلَامِيذَهُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا عَنِ ٱلنُّورِ، بَلْ أَنْ يَكُونُوهُ؛ وَلَمْ يَطْلُبْ مِنْهُمْ أَنْ يُشِيرُوا إِلَى ٱلْمِلْحِ، بَلْ أَنْ يَذُوبُوا فِي ٱلْعَالَمِ لِيَحْفَظُوهُ. فَإِذَا فَقَدَ ٱلْمِلْحُ مَلُوحَتَهُ، وَخَفَتَ ٱلنُّورُ، لَا يُسَاءُ إِلَى ٱلْكَلِمَةِ بِلْسَانِ ٱلرَّافِضِينَ، بَلْ يُسَاءُ إِلَيْهَا بِحَيَاةِ ٱلْمُدَّعِينَ ٱلِٱنْتِمَاءَ إِلَيْهَا. هَكَذَا تُفْهَمُ ٱلتَّطْوِيبَاتُ: لَيْسَتْ مِثَالِيَّاتٍ رُوحِيَّةً، بَلْ طَرِيقَ شَهَادَةٍ. وَهَكَذَا يُفْهَمُ ٱلنُّورُ وَٱلْمِلْحُ: لَيْسَا أَلْقَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ مِقْيَاسَ صِدْقِهِمْ فِي ٱلْعَالَمِ.

 

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email