الأَحَدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: يَسُوعُ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَدْعُو إِلَى الإِيمَانِ وَالثِّقَة

الأَحَدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: يَسُوعُ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَدْعُو إِلَى الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ (مَتَّى 14: 22-33)

ا. د. لويس حزبون

النَّص الإنْجيلي (متى 14: 22-33)

22وأَجبَرَ التَّلاميذَ لِوَقتِه أَن يَركَبوا السَّفينَةَ وَيَتَقَدَّموهُ إِلى الشَّاطِئِ المُقابِل حتَّى يَصرِفَ الجُموع. 23ولمَّا صرَفَهم صَعِدَ الجَبَلَ لِيُصَلِّيَ في العُزلَة. وكانَ في المساءِ وَحدَه هُناك. 24وأَمَّا السَّفينَةُ فَقَدِ ابتَعَدَت عِدَّةَ غَلَواتٍ مِنَ البَرّ، وكانتِ الأَمواجُ تَلطِمُها، لأَنَّ الرِّيحَ كانت مُخالِفَةً لَها. 25فعِندَ آخِرِ اللَّيل، جاءَ إِليهِم ماشِياً على البَحْر. 26فلَمَّا رآه التَّلاميذُ ماشِياً على البَحْر، اِضطَرَبوا وقالوا: ((هذا خَيَال!)) ومِن خَوفِهم صَرَخوا. 27فبادَرهم يسوعُ بِقَولِه: ((ثِقوا. أَنا هو، لا تَخافوا!)) 28فأَجابَه بُطرس: ((يا رَبِّ، إِن كُنتَ إِيَّاه، فمُرني أَن آتِيَ إِلَيكَ على الماء)). 29فقالَ لَه: ((تَعالَ!)) فنَزَلَ بُطرُسُ مِنَ السَّفينَةِ ومَشى على الماءِ آتِياً إِلى يسوع. 30ولكِنَّه خافَ عندَما رأَى شِدَّةَ الرِّيح، فَأَخَذَ يَغرَق، فصَرَخ: ((يا رَبّ، نَجِّني!)) 31فمَدَّ يسوعُ يَدَه لِوَقْتِه وأَمسكَه وهُو يقولُ له: ((يا قَليلَ الإِيمان، لِماذا شَكَكْتَ؟)) 32ولمَّا رَكِبا السَّفينةَ، سَكَنَتِ الرِّيح، 33فسجَدَ لَه الَّذينَ في السَّفينةِ وقالوا: ((أَنتَ ابنُ اللهِ حَقّاً!)).

مُقَدِّمَةٌ

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هٰذَا الأَحَدِ الأَضْوَاءَ عَلَى حَادِثَةِ مَشْيِ يَسُوعَ عَلَى الْمَاءِ (مَتَّى 14: 22-33)، حَيْثُ جَاءَ إِلَى تَلَامِيذِهِ وَهُمْ يُصَارِعُونَ أَمْوَاجَ الْبَحْرِ وَعُنْفَ الْعَاصِفَةِ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ خَوْفِهِمْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمُ الثِّقَةَ بِحُضُورِهِ، وَشَدَّدَ إِيمَانَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا إِيمَانَ بُطْرُسَ الَّذِي اسْتَغَاثَ بِهِ لَمَّا أَخَذَ يَغْرَقُ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُسَكِّنِ الْعَاصِفَةَ مُبَاشَرَةً، بَلْ سَمَحَ بِاشْتِدَادِهَا، لِكَيْ يُرَبِّي تَلَامِيذَهُ عَلَى الثِّقَةِ بِهِ وَيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْخَلَاصَ يَأْتِي فِي وَقْتِ اللهِ الْمُنَاسِبِ، قَائِلًا: “إِنَّهُ سَمَحَ لِلْخَطَرِ أَنْ يَبْلُغَ ذُرْوَتَهُ، لِكَيْ يَجْعَلَ الْخَلَاصَ أَعْظَمَ وَالإِيمَانَ أَقْوَى” (PG 58, 500).

وَتُؤَكِّدُ هٰذِهِ الْحَادِثَةُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ وَالرَّبُّ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى قُوَى الطَّبِيعَةِ، وَأَنَّهُ حَاضِرٌ دَائِمًا مَعَ كَنِيسَتِهِ فِي وَسَطِ عَوَاصِفِ الْحَيَاةِ، يَقُودُهَا بِأَمَانٍ نَحْوَ مَلَكُوتِهِ السَّمَاوِيِّ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس الْقَارِبَ بِأَنَّهُ رَمْزٌ لِلْكَنِيسَةِ، أَمَّا الْبَحْرُ فَهُوَ الْعَالَمُ الْمُضْطَرِبُ، وَالْعَاصِفَةُ هِيَ التَّجَارِبُ وَالاضْطِهَادَاتُ، وَالْمَسِيحُ لَا يَتْرُكُ كَنِيسَتَهُ، بَلْ يَأْتِي إِلَيْهَا فِي أَشَدِّ لَحَظَاتِ الْخَطَرِ، وَإِنْ بَدَا كَأَنَّهُ غَائِبٌ (PL 38, 475).

وَكَانَ هَدَفُ الْمَسِيحِ أَنْ يُثَبِّتَ إِيمَانَ بُطْرُسَ وَسَائِرِ التَّلَامِيذِ، وَيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الثِّقَةَ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْخَوْفِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ الصَّادِقَ يَنْتَصِرُ عَلَى تَجَارِبِ الْعَالَمِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ الأَسْقُفُ الْبُواتِيِيرِيُّ بِأَنَّ بُطْرُسَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ مَا دَامَتْ عَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى الْمَسِيحِ، فَلَمَّا الْتَفَتَ إِلَى قُوَّةِ الرِّيحِ ضَعُفَ إِيمَانُهُ وَأَخَذَ يَغْرَقُ، وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ الإِيمَانَ يَنْتَصِرُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ، أَمَّا الشَّكُّ فَيُفْقِدُ الإِنْسَانَ ثَبَاتَهُ (PL 9, 1003-1004). وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ اسْتِغَاثَةَ بُطْرُسَ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (مَتَّى 14: 30)، هِيَ صَلَاةُ الْكَنِيسَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَالْمَسِيحُ لَا يُبَادِرُ فَقَطْ إِلَى إِنْقَاذِ مَنْ يَدْعُوهُ بِإِيمَانٍ، بَلْ يَمُدُّ يَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ لِيُقِيمَهُ مِنْ سُقُوطِهِ، كَمَا مَدَّ يَدَهُ لِبُطْرُسَ (PG 72, 425).

وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا الْبَحْثِ، الَّذِي يَتَنَاوَلُ وَقَائِعَ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلَهَا، ثُمَّ يَسْتَخْلِصُ أَبْعَادَهَا اللاَّهُوتِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ وَالرَّعَوِيَّةَ، وَيُبَيِّنُ تَطْبِيقَاتِهَا الْعَمَلِيَّةَ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ وَمَسِيرَةِ الْكَنِيسَةِ نَحْوَ الْمَلَكُوتِ السَّمَاوِيِّ. وَيَخْتِمُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ تَأَمُّلَهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ الْمَسِيحَ يَظْهَرُ لِلْمُؤْمِنِ فِي وَسَطِ الْعَاصِفَةِ، لَا لِيُبْعِدَ التَّجْرِبَةَ دَائِمًا، بَلْ لِيَمْنَحَهُ الْقُوَّةَ لِيَعْبُرَهَا بِالإِيمَانِ (PL 15, 1687).

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 14: 22-33)

  1. “وَأَجْبَرَ التَّلَامِيذَ لِلْوَقْتِ أَنْ يَرْكَبُوا السَّفِينَةَ وَيَتَقَدَّمُوهُ إِلَى الشَّاطِئِ الْمُقَابِلِ، حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “أَجْبَرَ التَّلَامِيذَ” (ἠνάγκασεν) إِلَى أَنَّ يَسُوعَ أَلْزَمَ تَلَامِيذَهُ بِالرُّكُوبِ فِي السَّفِينَةِ عَلَى غَيْرِ رَغْبَتِهِمْ. فَلَمْ يَكُنْ هٰذَا الأَمْرُ مُجَرَّدَ تَنْظِيمٍ لِلرِّحْلَةِ، بَلْ كَانَ خُطْوَةً تَرْبَوِيَّةً وَرُوحِيَّةً، يُعِدُّهُمْ مِنْ خِلَالِهَا لِخَوْضِ تَجَارِبِ الرِّسَالَةِ، وَلِاخْتِبَارِ إِيمَانِهِمْ، وَلِلتَّعَرُّفِ إِلَى شَخْصِهِ الإِلَهِيِّ عَلَى نَحْوٍ أَعْمَقَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ “لَمْ يَدَعْهُمْ يَدْخُلُونَ التَّجْرِبَةَ صُدْفَةً، بَلْ قَادَهُمْ إِلَيْهَا لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَبْدُو غَائِبًا يَظَلُّ سَاهِرًا عَلَى خَلَاصِهِمْ” (499-500 , PG 58،). وَأَرَادَ يَسُوعُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ مَسَافَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَلَامِيذِهِ، لِكَيْ يَتَعَلَّمُوا الاِعْتِمَادَ عَلَيْهِ بِالإِيمَانِ وَلَيْسَ عَلَى حُضُورِهِ الْمَحْسُوسِ. فَالْمُعَلِّمُ الإِلَهِيُّ يُرَبِّي تَلَامِيذَهُ عَلَى الثِّقَةِ بِهِ حَتَّى فِي اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَبْدُو فِيهَا غَائِبًا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَضَعَ حَدًّا لِحَمَاسِ الْجُمُوعِ الَّذِينَ أَرَادُوا تَنْصِيبَهُ مَلِكًا بَعْدَ مُعْجِزَةِ تَكْثِيرِ الْخُبْزِ، كَمَا يَرْوِي الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا: “عَلِمَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ يَهُمُّونَ بِاخْتِطَافِهِ لِيُقِيمُوهُ مَلِكًا، فَانْصَرَفَ وَعَادَ وَحْدَهُ إِلَى الْجَبَلِ” (يُوحَنَّا 6: 15). فَقَدْ كَانَ التَّلَامِيذُ أَنْفُسُهُمْ يَتَأَثَّرُونَ بِهٰذَا الْفِكْرِ، إِذْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَمْلَكَةً مَسِيحَانِيَّةً أَرْضِيَّةً يَشْغَلُونَ فِيهَا الْمَرَاتِبَ الأُولَى، بَيْنَمَا كَانَ يَسُوعُ يُعْلِنُ مَلَكُوتَ اللهِ، لَا مَمْلَكَةً سِيَاسِيَّةً. لِذٰلِكَ صَرَفَ الْجُمُوعَ، وَأَرْسَلَ تَلَامِيذَهُ، وَانْفَرَدَ هُوَ لِلصَّلَاةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ رِسَالَتَهُ تُسْتَمَدُّ مِنْ مَشِيئَةِ الآبِ، لَا مِنْ رَغَبَاتِ النَّاسِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه عَلَى هٰذِهِ الْحَادِثَةِ قَائِلًا: “إِنَّهُ يُجْبِرُهُمْ عَلَى الرُّكُوبِ فِي السَّفِينَةِ، أَيْ أَنْ يَدْخُلُوا الْكَنِيسَةَ، وَيُبْحِرُوا فِي وَسَطِ بَحْرِ هٰذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يَأْتِيَ هُوَ فِي مَجِيئِهِ بِالْمَجْدِ وَيُكَمِّلَ خَلَاصَ بَقِيَّةِ إِسْرَائِيلَ” (1002، PL 9).

أَمَّا عِبَارَةُ لِلْوَقْتِ“، فَتَرْجِمَةٌ لِلَّفْظِ الْيُونَانِيِّ εὐθέως، وَتَعْنِي: “فِي الْحَالِ” أَوْ “عَلَى الْفَوْرِ”، وَتُشِيرُ إِلَى السُّرْعَةِ الَّتِي تَصَرَّفَ بِهَا يَسُوعُ بَعْدَ مُعْجِزَةِ تَكْثِيرِ الْخُبْزِ وَالسَّمَكِ (مَتَّى 14: 13-21)، لِكَيْ يَمْنَعَ أَيَّ تَطَوُّرٍ سِيَاسِيٍّ لِلْحَدَثِ.

أَمَّا “السَّفِينَةُ“، فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ πλοῖον، فَتَدُلُّ، فِي مَعْنَاهَا الْحَرْفِيِّ، عَلَى مَرْكَبٍ يُسْتَعْمَلُ لِلنَّقْلِ وَالصَّيْدِ فِي الْبِحَارِ وَالْبُحَيْرَاتِ. وَفِي السِّيَاقِ الْمَتَّاوِيِّ، تَحْمِلُ السَّفِينَةُ بُعْدًا كَنَسِيًّا، إِذْ تَجْمَعُ التَّلَامِيذَ فِي مَسِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَطَ الْبَحْرِ وَالرِّيَاحِ الْمُعَاكِسَةِ، فَتُصْبِحُ صُورَةً مُلَائِمَةً لِلْجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنَةِ الَّتِي تُوَاصِلُ مَسِيرَتَهَا وَسَطَ تَجَارِبِ الْعَالَمِ، مُتَّكِلَةً عَلَى حُضُورِ الْمَسِيحِ. وَقَدْ طَوَّرَ التَّقْلِيدُ الآبَائِيُّ هٰذِهِ الرَّمْزِيَّةَ، فَرَأَى فِي السَّفِينَةِ صُورَةً لِلْكَنِيسَةِ، وَفِي الْبَحْرِ صُورَةً لِلْعَالَمِ، وَفِي الأَمْوَاجِ وَالرِّيَاحِ صُورَةً لِلتَّجَارِبِ وَالاضْطِهَادَاتِ. وَيَسْتَعْمِلُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذِهِ الصُّورَةَ فِي شَرْحِهِ الإِنْجِيلِيِّ، قائلا: “السَّفِينَةُ هِيَ الْكَنِيسَةُ، وَالْبَحْرُ هُوَ الْعَالَمُ، وَالأَمْوَاجُ هِيَ الاضْطِهَادَاتُ وَالتَّجَارِبُ، وَالْمَسِيحُ لَا يَتْرُكُ سَفِينَتَهُ وَلَوْ بَدَا غَائِبًا” (475، PL 38). وَهٰكَذَا لا تَعْنِي رَمْزِيَّةُ السَّفِينَةِ أَنَّ الْكَنِيسَةَ لَنْ تَعْرِفَ الْعَوَاصِفَ، بَلْ أَنَّهَا لَنْ تَعْبُرَهَا وَحْدَهَا؛ فَالْمَسِيحُ يَأْتِي إِلَيْهَا وَسَطَ الرِّيَاحِ الْمُعَاكِسَةِ، وَحُضُورُهُ هُوَ ضَمَانُ وُصُولِهَا إِلَى الشَّاطِئِ.

أَمَّا عِبَارَةُ إِلَى الشَّاطِئِ الْمُقَابِلِ، فَتَرْجِمَةٌ لِلْفَظِ الْيُونَانِيِّ πέραν، وَتَعْنِي: “إِلَى الْجِهَةِ الأُخْرَى”. وَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا إِشَارَةً رَمْزِيَّةً إِلَى انْتِقَالِ الرِّسَالَةِ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الأُمَمِ، فَالْمَسِيحُ الَّذِي أَشْبَعَ الْيَهُودَ مِنَ الْخُبْزِ (مَتَّى 14: 13-21)، سَيُشْبِعُ أَيْضًا الأُمَمَ بِخُبْزِ الْحَيَاةِ (مَتَّى 15: 32-39). وَيُحَدِّدُ الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ الْجِهَةَ الْمَقْصُودَةَ بِـ بَيْتِ صَيْدَا (مَرْقُسَ 6: 45)، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْوَاقِعَةُ عِنْدَ الْمُصَبِّ الشِّمَالِيِّ لِنَهْرِ الأُرْدُنِّ فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، بَيْنَمَا يُشِيرُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا إِلَى أَنَّهُمْ وَاصَلُوا إِبْحَارَهُمْ حَتَّى أَرْضِ كَفْرَنَاحُومَ (يُوحَنَّا 6: 17). وَيُعَلِّقُ الْعَلَّامَةُ أُورِيجَانُوسُ عَلَى هٰذِهِ الْعِبَارَةِ قَائِلًا: “هٰذَا هُوَ عَمَلُ تَلَامِيذِ يَسُوعَ: أَنْ يَعْبُرُوا إِلَى الضِّفَّةِ الأُخْرَى، أَيْ أَنْ يَتَجَاوَزُوا الأَشْيَاءَ الْمَنْظُورَةَ وَالزَّمَنِيَّةَ، وَيَنْطَلِقُوا نَحْوَ الأَبَدِيَّاتِ غَيْرِ الْمَنْظُورَةِ” (948، PG 13).

أَمَّا عِبَارَةُ حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ، فَتُظْهِرُ رَفْضَ يَسُوعَ أَنْ يَدَعَ الْجُمُوعَ يُحَدِّدُونَ مُهِمَّتَهُ وَمَصِيرَهُ. فَبَعْدَ أَنْ رَأَوْا مُعْجِزَةَ تَكْثِيرِ الْخُبْزِ، أَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوهُ مَلِكًا، مُعْتَبِرِينَ أَنَّهُ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ عَلَى مِثَالِ مُوسَى (تَثْنِيَةُ الاشْتِرَاعِ 18: 18؛ يُوحَنَّا 6: 14). غَيْرَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَفَضَ هٰذَا الْمُلْكِ الدُّنْيَوِيَّ، وَأَعْلَنَ أَمَامَ بِيلاَطُسَ: “لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هٰذَا الْعَالَمِ” (يُوحَنَّا 18: 36). فَمَلَكُوتُهُ لَيْسَ قَائِمًا عَلَى السُّلْطَانِ السِّيَاسِيِّ، بَلْ عَلَى الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ وَالْخَلَاصِ.

وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ لَفْظَةَ “الْجُمُوعِ” (ὄχλοι) تَرِدُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَهُوَ مَا يُبْرِزُ اهْتِمَامَ الإِنْجِيلِ بِإِظْهَارِ الْمَسِيحِ مُعَلِّمًا وَرَاعِيًا لِلشَّعْبِ، وَفِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ رَافِضًا أَنْ يَسْتَغِلَّ حَمَاسَ الْجُمُوعِ لِتَحْقِيقِ مَجْدٍ أَرْضِيٍّ.

  1. “وَلَمَّا صَرَفَهُمْ، صَعِدَ الْجَبَلَ لِيُصَلِّيَ فِي الْعُزْلَةِ، وَكَانَ فِي الْمَسَاءِ وَحْدَهُ هُنَاكَ”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “صَعِدَ الْجَبَلَ لِيُصَلِّيَ فِي الْعُزْلَةِ” إِلَى الْعَلَاقَةِ الْفَرِيدَةِ الَّتِي تَرْبِطُ يَسُوعَ بِالآبِ السَّمَاوِيِّ. فَالصَّلَاةُ تُمَثِّلُ مِحْوَرَ حَيَاتِهِ وَمَصْدَرَ رِسَالَتِهِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَنْفَرِدُ بِهَا قَبْلَ الأَحْدَاثِ الْمُهِمَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، كَمَا فِي صَلَاتِهِ فِي بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي (مَتَّى 26: 36-46)، أَوْ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي عَلَّمَهَا لِتَلَامِيذِهِ، أَيْ “الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ” (مَتَّى 6: 9-13). فَكَانَتْ خِدْمَتُهُ تَنْبُعُ دَائِمًا مِنْ شَرِكَةٍ عَمِيقَةٍ مَعَ الآبِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَنْفَرِدُ لِلصَّلَاةِ، لَا لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الصَّلَاةِ كَالْبَشَرِ، بَلْ لِيُعَلِّمَ تَلَامِيذَهُ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَخْدِمَ اللهَ حَقًّا يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالصَّلَاةِ، فَيَقُولُ: “إِنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْخَلَاءِ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ الْهُدُوءَ أُمُّ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْمُخَالَطَةَ الدَّائِمَةَ لَا تَدَعُ النَّفْسَ تَرْتَقِي إِلَى اللهِ” (501, PG 58). وَلَا تَعْنِي صَلَاةُ يَسُوعَ فِي الْعُزْلَةِ هُرُوبًا مِنَ الْخِدْمَةِ، بَلْ هِيَ مَصْدَرُهَا وَقُوَّتُهَا. فَاللِّقَاءُ الْوَدِيُّ مَعَ الآبِ السَّمَاوِيِّ هُوَ الَّذِي يُجَدِّدُ قُوَّتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ وَيُهَيِّئُهُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى الْجُمُوعِ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ: “إِنَّ الْخَادِمَ الْحَقِيقِيَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ مِرَارًا إِلَى الْخَلْوَةِ، لِئَلَّا يُفْقِدَهُ انْشِغَالُهُ بِالْجُمُوعِ حَيَاتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ مِنْ تَأَمُّلِهِ لِيَخْدِمَ إِخْوَتَهُ بِمَحَبَّةٍ أَعْمَقَ” (30-31؛ PL 77). وَيَذْكُرُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا سَبَبًا آخَرَ لِانْفِرَادِ يَسُوعَ، وَهُوَ رَفْضُهُ أَنْ يُنَصِّبَهُ الشَّعْبُ مَلِكًا أَرْضِيًّا، إِذْ “عَلِمَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ يَهُمُّونَ بِاخْتِطَافِهِ لِيُقِيمُوهُ مَلِكًا، فَانْصَرَفَ وَعَادَ وَحْدَهُ إِلَى الْجَبَلِ” (يُوحَنَّا 6: 15). فَكَانَ انْفِرَادُهُ إِعْلَانًا وَاضِحًا أَنَّ رِسَالَتَهُ لَيْسَتْ سِيَاسِيَّةً، بَلْ خَلَاصِيَّةٌ.

أَمَّا عِبَارَةُ “الْجَبَلُ“، فَلَا تَدُلُّ فَقَطْ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ الْمُجَاوِرِ لِبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، بَلْ تَحْمِلُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً، إِذْ يُعَدُّ الْجَبَلُ مَكَانَ اللِّقَاءِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ، وَمَوْضِعَ الإِعْلَانِ الإِلَهِيِّ؛ فَعَلَيْهِ أُلْقِيَتْ عِظَةُ الْجَبَلِ (مَتَّى 5-7)، وَعَلَيْهِ تَجَلَّى الْمَسِيحُ (مَتَّى 17: 1-8)، وَمِنْهُ أَرْسَلَ تَلَامِيذَهُ إِلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ (مَتَّى 28: 16-20).

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ “فِي الْعُزْلَةِ” إِلَى ذَهَابِ يَسُوعَ إِلَى مَكَانٍ خَالٍ، لَيْسَ هَرَبًا مِنَ النَّاسِ، بَلْ اسْتِعْدَادًا لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهِمْ. فَبَعْدَ أَنْ يَلْتَقِيَ بِالآبِ، يَنْزِلُ إِلَى تَلَامِيذِهِ الَّذِينَ يُوَاجِهُونَ الْعَاصِفَةَ، لِيُشَجِّعَهُمْ بِحُضُورِهِ وَيُعْلِنَ لَهُمْ هُوِيَّتَهُ الإِلَهِيَّةَ. وَمِنْ أَجْمَلِ مَا قَالَهُ الْقِدِّيسُ بْرُونُو، مُؤَسِّسُ الرَّهْبَنِيَّةِ الْكَرْتُوزِيَّةِ: “اُهْرُبْ يَا أَخِي مِنْ ضَجِيجِ الْعَالَمِ، وَاعْبُرْ مِنْ عَاصِفَتِهِ إِلَى هُدُوءِ الْمِرْفَإِ الَّذِي لَا يَضْطَرِبُ، فَهُنَاكَ يَنْتَظِرُكَ اللهُ” (Epistola ad Radulfum، 4). وَيَدْعُونَا هٰذَا الْمَشْهَدُ إِلَى التَّسَاؤُلِ: هَلْ نَشْعُرُ بِحَاجَتِنَا الْمُلِحَّةِ إِلَى الصَّلَاةِ، لَا مِنْ أَجْلِ أَنْفُسِنَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الْكَنِيسَةِ وَالْعَالَمِ؟ فَيَسُوعُ الَّذِي كَانَ يَقْضِي نَهَارَهُ فِي التَّعْلِيمِ، وَالشِّفَاءِ، وَخِدْمَةِ الْجُمُوعِ، كَانَ يَعُودُ دَائِمًا إِلَى الصَّمْتِ وَالصَّلَاةِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ النَّشَاطَ الرَّسُولِيَّ يَفْقِدُ خُصُوبَتَهُ إِنْ لَمْ يَنْبُعْ مِنَ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “وَكَانَ فِي الْمَسَاءِ وَحْدَهُ هُنَاكَ“، فَتُشِيرُ إِلَى الْمَسَاءِ الثَّانِي، بَعْدَ الْمَسَاءِ الأَوَّلِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا (مَتَّى 14: 15). وَكَانَ الْيَهُودُ يُطْلِقُونَ اسْمَ “الْمَسَاءِ” عَلَى فَتْرَتَيْنِ: الأُولَى مِنْ بَعْدِ الظُّهْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ غُرُوبِهَا فَصَاعِدًا (خُرُوج 12: 6؛ عَدَد 9: 3). وَيُقَدِّمُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه تَفْسِيرًا رَمْزِيًّا لِهٰذِهِ الْعِبَارَةِ، فَيَقُولُ: “إِنَّ كَوْنَهُ وَحْدَهُ فِي الْمَسَاءِ يُشِيرُ إِلَى وَحْدَتِهِ فِي سَاعَةِ الآلَامِ، عِنْدَمَا شَتَّتَ الْخَوْفُ جَمِيعَ تَلَامِيذِهِ” (1003؛ PL 9).  وَهٰكَذَا يَرْبِطُ هِيلَارِيُوسُ بَيْنَ وَحْدَةِ الْمَسِيحِ عَلَى الْجَبَلِ وَوَحْدَتِهِ عَلَى الصَّلِيبِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ مَنْ يَنْفَرِدُ مَعَ الآبِ فِي الصَّلَاةِ سَيَكُونُ قَادِرًا عَلَى احْتِمَالِ وَحْدَةِ الآلَامِ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ الْعَالَمِ.

24.”وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَقَدِ ابْتَعَدَتْ عِدَّةَ غَلَوَاتٍ مِنَ الْبَرِّ، وَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَلْطِمُهَا، لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهَا”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “ابْتَعَدَتْ عِدَّةَ غَلَوَاتٍ مِنَ الْبَرِّ”، إِلَى أَنَّ السَّفِينَةَ بَلَغَتْ وَسَطَ الْبُحَيْرَةِ، كَمَا يُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا: “بَعْدَ مَا جَذَّفُوا نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ غَلْوَةً” (يُوحَنَّا 6: 19)، أَيْ مَا يُقَارِبُ خَمْسَ كِيلُومِتْرَاتٍ، فِي حِينِ أَنَّ عَرْضَ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ يَبْلُغُ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ كِيلُومِتْرًا. وَهُنَا يَبْلُغُ التَّلَامِيذُ نُقْطَةً لَا يَقْدِرُونَ فِيهَا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْبَرِّ، وَلَا عَلَى مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ بِقُوَّتِهِمْ وَحْدَهَا، فَيَتَعَلَّمُونَ أَنَّ الْخَلَاصَ لَا يَأْتِي إِلَّا مِنَ الْمَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “لَمْ يَسْمَحِ الْمَسِيحُ بِالْعَاصِفَةِ مِنْ أَجْلِ هَلَاكِهِمْ، بَلْ لِكَيْ يُثَبِّتَ إِيمَانَهُمْ، فَكُلَّمَا اشْتَدَّ الْخَطَرُ ازْدَادَ مَجْدُ الْخَلَاصِ” (501، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ “الْغَلْوَةِ”، وَهِيَ تَرْجَمَةُ اللَّفْظِ الْيُونَانِيِّ σταδίον، فَتُشِيرُ إِلَى وَحْدَةِ قِيَاسٍ يُونَانِيَّةٍ تُعَادِلُ نَحْوَ 185 مِتْرًا. وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ هٰذِهِ الْوَحْدَةُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ فِي أَرْبَعِ مَوَاضِعَ: فَرَأَى التَّلَامِيذُ يَسُوعَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ جَذَّفُوا نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ غَلْوَةً (يُوحَنَّا 6: 19)، وَكَانَتْ عِمَّاوُسُ تَبْعُدُ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً (لُوقَا 24: 13)، وَبَيْتُ عَنْيَا خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً (يُوحَنَّا 11: 18)، أَمَّا سِفْرُ الرُّؤْيَا فَيَذْكُرُ مَسَافَةَ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ غَلْوَةٍ (رُؤْيَا 14: 20).

أَمَّا عِبَارَةُ “وَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَلْطِمُهَا“، فَتُصَوِّرُ شِدَّةَ الْعَاصِفَةِ الَّتِي كَانَتْ تَضْرِبُ السَّفِينَةَ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، حَتَّى بَدَتِ الأَمْوَاجُ كَأَنَّهَا قُوَّةٌ حَيَّةٌ تُهَاجِمُهَا. وَفِي الْفِكْرِ الْكِتَابِيِّ كَثِيرًا مَا يَرْمُزُ الْبَحْرُ الْهَائِجُ إِلَى قُوَى الشَّرِّ وَالْفَوْضَى (مَزْمُور 69: 2-3؛ إِشَعْيَاء 57: 20). وَاللَّفْظُ الْيُونَانِيُّ βασανιζόμενον، الْمُتَرْجَمُ بِـ “تَلْطِمُهَا”، يَعْنِي حَرْفِيًّا: “تُعَذِّبُهَا” أَوْ “تُنْهِكُهَا”، وَهُوَ يُصَوِّرُ السَّفِينَةَ كَأَنَّهَا تُعَانِي مِنْ قُوَّةِ الْعَاصِفَةِ. وَيُشِيرُ هٰذَا التَّعْبِيرُ إِلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ لَنْ تَخْلُوَ فِي مَسِيرَتِهَا مِنَ الضِّيقَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ.

أَمَّا “الأَمْوَاجُ”، فَلَا تَدُلُّ فَقَطْ عَلَى الظَّاهِرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، بَلْ تَرْمُزُ أَيْضًا إِلَى قُوَى الشَّرِّ وَالتَّجَارِبِ الَّتِي تُحَاوِلُ ابْتِلَاعَ الْكَنِيسَةِ وَإِضْعَافَ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس الْبَحْرَ الْهَائِجَ بِأَنَّهُ “هٰذَا الْعَالَمُ الْمُمْتَلِئُ بِالتَّجَارِبِ، أَمَّا السَّفِينَةُ فَهِيَ الْكَنِيسَةُ، وَالأَمْوَاجُ هِيَ الاضْطِهَادَاتُ وَالتَّجَارِبُ الَّتِي لَا تَقْوَى عَلَى إِغْرَاقِهَا مَا دَامَ الْمَسِيحُ مَعَهَا” (475، PL 38).

أَمَّا “الرِّيحُ”، فَتُشِيرُ إِلَى الرِّيَاحِ الْعَنِيفَةِ الَّتِي تَهُبُّ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ وَمِنْ مُنْحَدَرَاتِ هَضْبَةِ الْجَوْلَانِ، وَيُسَاعِدُ عَلَى ذٰلِكَ انْخِفَاضُ الْبُحَيْرَةِ نَحْوَ 209 أَمْتَارٍ تَحْتَ مُسْتَوَى سَطْحِ الْبَحْرِ، وَإِحَاطَتُهَا بِالْجِبَالِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَكَوُّنِ عَوَاصِفَ مُفَاجِئَةٍ وَعَنِيفَةٍ. وَتَحْمِلُ الرِّيحُ فِي الْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ دَلَالَةَ الضِّيقِ وَالاضْطِهَادِ وَالتَّجَارِبِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْكَنِيسَةَ. وَلِلْوَهْلَةِ الأُولَى يَبْدُو يَسُوعُ غَائِبًا عَنْ تَلَامِيذِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَاقِعِ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِمْ عَلَى الْجَبَلِ. وَهٰكَذَا يُرِيدُ الإِنْجِيلُ أَنْ يُعَلِّمَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَخَافُوا مِنْ أَمْوَاجِ الشَّرِّ وَرِيَاحِ الاضْطِهَادِ، لأَنَّ الْمَسِيحَ وَإِنْ بَدَا غَائِبًا، فَهُوَ حَاضِرٌ بِشَفَاعَتِهِ وَعِنَايَتِهِ (مَتَّى 8: 23-27). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه أَنَّ سَفِينَةَ بُطْرُسَ” تُمَثِّلُ الْكَنِيسَةَ السَّائِرَةَ فِي بَحْرِ الْعَالَمِ، وَأَنَّ الرِّيَاحَ الْمُخَالِفَةَ هِيَ الاضْطِهَادَاتُ وَالْبِدَعُ وَالتَّجَارِبُ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ عَنْ مُحَارَبَتِهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَتْرُكُهَا بَلْ يَأْتِي إِلَيْهَا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ (1003، ؛ PL 9).

أَمَّا عِبَارَةُ “الرِّيحُ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهَا”، فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ تُعَاكِسُ اتِّجَاهَ السَّفِينَةِ، فَتُبْطِئُ تَقَدُّمَهَا وَتَزِيدُ مِنْ شِدَّةِ الأَمْوَاجِ. وَيَذْكُرُ الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ أَنَّ التَّلَامِيذَ “كَانُوا يُعَانُونَ فِي التَّجْدِيفِ، لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهُمْ” (مَرْقُسَ 6: 48)، بَيْنَمَا يَقُولُ مَتَّى: “الرِّيحُ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهَا”، أَيْ لِلسَّفِينَةِ. وَالتَّعْبِيرَانِ مُتَكَامِلَانِ، فَالرِّيحُ كَانَتْ تُعَاكِسُ السَّفِينَةَ وَمَنْ فِيهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَتُمَثِّلُ هٰذِهِ الْحَادِثَةُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي يُوَاجِهُ فِيهَا التَّلَامِيذُ عَاصِفَةً أَثْنَاءَ عُبُورِهِمْ بُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ، بَعْدَ الْعَاصِفَةِ الأُولَى الَّتِي هَدَّأَهَا الْمَسِيحُ بِكَلِمَتِهِ (مَتَّى 8: 23-27). وَفِي الْحَادِثَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا يُعْلِنُ الإِنْجِيلُ الْحَقِيقَةَ ذَاتَهَا: إِنَّ الْكَنِيسَةَ قَدْ تَتَعَرَّضُ لِلْعَوَاصِفِ، لَكِنَّهَا لَنْ تَهْلِكَ، لأَنَّ رَبَّهَا هُوَ سَيِّدُ الْبَحْرِ وَالتَّارِيخِ.

  1. “فَعِنْدَ آخِرِ اللَّيْلِ، جَاءَ إِلَيْهِمْ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “عِنْدَ آخِرِ اللَّيْلِ”، وَهِيَ تَرْجَمَةُ اللَّفْظِ الْيُونَانِيِّ τετάρτῃ δὲ φυλακῇ، إِلَى الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ مَا بَيْنَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ وَالسَّادِسَةِ صَبَاحًا، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفْقَ التَّقْسِيمِ الرُّومَانِيِّ لِلَّيْلِ (رَاجِعْ مَتَّى 28: 1). وَكَانَ الْيَهُودُ قَدِيمًا يُقَسِّمُونَ اللَّيْلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَهْزِعَةٍ (قُضَاة 7: 19)، أَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ الرُّومَانِيِّ، فَأَصْبَحَ يُقَسَّمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَهْزِعَةٍ: الْمَسَاءُ، وَمُنْتَصَفُ اللَّيْلِ، وَصِيَاحُ الدِّيكِ، وَالصَّبَاحُ (مَرْقُسَ 13: 35). وَيُظْهِرُ ذِكْرُ الْهَزِيعِ الرَّابِعِ أَنَّ التَّلَامِيذَ بَقُوا يُصَارِعُونَ الْعَاصِفَةَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يَتَدَخَّلَ الْمَسِيحُ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ فِي بَدَايَةِ الْعَاصِفَةِ، بَلْ بَعْدَ أَنْ بَلَغُوا غَايَةَ الإِعْيَاءِ وَالْخَوْفِ، لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْعَوْنَ الإِلَهِيَّ يَأْتِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُثَبِّتُ الإِيمَانَ وَيُظْهِرُ مَجْدَ اللهِ، فَيَقُولُ: “إِنَّهُ لَمْ يُسْرِعْ إِلَيْهِمْ، بَلْ انْتَظَرَ حَتَّى اشْتَدَّ الْخَطَرُ، لِكَيْ يَجْعَلَ الْمُعْجِزَةَ أَعْظَمَ وَالإِيمَانَ أَثْبَتَ” (501، PG 58). وَمِنْ هٰذَا الْمَنْطَلَقِ، يَحْمِلُ “آخِرُ اللَّيْلِ” أَيْضًا بُعْدًا رَمْزِيًّا، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى مَجِيءِ الْمَسِيحِ الْمَجِيدِ فِي آخِرِ الأَزْمِنَةِ، بَعْدَ أَنْ تَعْبُرَ الْكَنِيسَةُ عَوَاصِفَ الاضْطِهَادِ وَالتَّجَارِبِ، وَيَتَحَقَّقُ مَا أَعْلَنَهُ النَّبِيُّ دَانِيالُ: “وَإِذَا مَعَ غَمَامِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ آتٍ” (دَانِيال 7: 13).

أَمَّا عِبَارَةُ “اللَّيْلِ” φυλακῇ، فَتُشِيرُ حَرْفِيًّا إِلَى الْفَتْرَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَشُرُوقِهَا، أَمَّا رَمْزِيًّا فَتَدُلُّ عَلَى زَمَنِ الظُّلْمَةِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَعَلَى الشُّعُورِ بِغِيَابِ الْمَسِيحِ، كَمَا ظَهَرَ فِي حَادِثَةِ الصَّيْدِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ (يُوحَنَّا 21: 3)، وَفِي لَيْلَةِ آلَامِهِ فِي جَبَلِ الزَّيْتُونِ (مَتَّى 26: 36-46). غَيْرَ أَنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ لَا تَمْنَعُ نُورَ الْمَسِيحِ مِنَ الظُّهُورِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “جَاءَ إِلَيْهِمْ”، فَتُؤَكِّدُ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَتْرُكُ تَلَامِيذَهُ فِي وَسَطِ الضِّيقِ، بَلْ يَحْضُرُ إِلَيْهِمْ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَبْلُغُ فِيهَا الْيَأْسُ ذِرْوَتَهُ. وَإِنْ كَانَ قَدْ بَدَا غَائِبًا عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِمْ عَلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ جَاءَ لِيُعْلِنَ لَهُمْ حُضُورَهُ الْمُخَلِّصَ.

أَمَّا عِبَارَةُ “مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ”، فَهِيَ مِنْ أَوْضَحِ آيَاتِ لَاهُوتِ الْمَسِيحِ فِي الإِنْجِيلِ، لأَنَّ السَّيْرَ عَلَى الْمِيَاهِ مِنْ خَصَائِصِ اللهِ وَحْدَهُ. فَيَقُولُ سِفْرُ أَيُّوبَ عَنِ الرَّبِّ: “السَّائِرُ عَلَى مُتُونِ الْبَحْرِ” (أَيُّوب 9: 8)، وَيُرَنِّمُ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ: “الْبَحْرُ طَرِيقُكَ، وَفِي الْمِيَاهِ الْغَزِيرَةِ سُبُلُكَ” (مَزْمُور 77: 20)، وَأَيْضًا: “أَنْتَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ، عِنْدَمَا تَرْتَفِعُ أَمْوَاجُهُ أَنْتَ تُهَدِّئُهَا” (مَزْمُور 89: 10). وَبِهٰذَا يُعْلِنُ مَتَّى أَنَّ يَسُوعَ يَشْتَرِكُ فِي سُلْطَانِ اللهِ عَلَى الْخَلِيقَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ قَائِلًا: “لَمْ يَمْشِ الْمَسِيحُ عَلَى الْبَحْرِ لِيُظْهِرَ قُدْرَتَهُ فَقَطْ، بَلْ لِيُعْلِنَ أَنَّهُ رَبُّ الْخَلِيقَةِ، وَأَنَّ الْعَنَاصِرَ تَخْضَعُ لِخَالِقِهَا” (424، PG 72). وَكَانَ التَّلَامِيذُ يَعْرِفُونَ يَسُوعَ وَيَعْرِفُونَ هَيْئَتَهُ وَصَوْتَهُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَصَوَّرُوا أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ، لِذٰلِكَ ظَنُّوا أَنَّهُ خَيَالٌ (مَتَّى 14: 26). وَهُنَا يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ إِلَى الإِيمَانِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ يَحْضُرُ أَيْضًا فِي أَشَدِّ اللَّحَظَاتِ ظُلْمَةً، وَأَنَّ صُعُوبَةَ الظُّرُوفِ لَا تَمْنَعُهُ مِنَ الاقْتِرَابِ مِنْ أَوْلَادِهِ. فَإِذَا كَانَتْ مَصَائِبُنَا كَأَمْوَاجِ الْبَحْرِ الْهَائِجِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى إِلَهَ الْمُسْتَحِيلِ، الْقَادِرَ عَلَى تَحْوِيلِ الْخَوْفِ إِلَى ثِقَةٍ، وَالضِّيقِ إِلَى رَجَاءٍ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه هٰذَا الْمَشْهَدَ تَفْسِيرًا إِسْخَاتُولُوجِيًّا، فَيَقُولُ: “سَيَأْتِي الرَّبُّ فِي أَوْجِ الْقَلَقِ وَالاضْطِرَابِ… وَسَيَرْتَعِبُ الرُّسُلُ حَتَّى مِنْ مَجِيئِهِ، لأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ سَيُشَوِّهُ صُورَةَ الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّ الرَّبَّ سَيَقُولُ لَهُمْ: “هٰذَا أَنَا”، فَيُبَدِّدُ خَوْفَهُمْ بِالإِيمَانِ بِحُضُورِهِ” (1004-1003، PL 9).

أَمَّا “الْبَحْرُ”، فَهُوَ يَدُلُّ حَرْفِيًّا عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وَلَكِنَّهُ يَرْمُزُ لَاهُوتِيًّا إِلَى عَالَمِ الشَّرِّ وَالْخَطِيئَةِ وَقُوَى الْفَوْضَى الَّتِي تُحَاوِلُ إِعَاقَةَ مَسِيرَةِ الْكَنِيسَةِ.

وَمَعَ أَنَّ الْبَحْرَ يَظَلُّ عَائِقًا أَمَامَ التَّلَامِيذِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ يَسِيرُ فَوْقَهُ، مُعْلِنًا أَنَّهُ السَّيِّدُ الْمُطْلَقُ عَلَى كُلِّ قُوَى الطَّبِيعَةِ وَالشَّرِّ. وَهٰكَذَا تُثْبِتُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ لَاهُوتَ الْمَسِيحِ وَسُلْطَانَهُ عَلَى الْبَحْرِ وَالرِّيحِ، وَتُشَكِّلُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ دَرْسًا تَرْبَوِيًّا لِلتَّلَامِيذِ وَشِفَاءً لإِيمَانِهِمُ الضَّعِيفِ، لِيُدْرِكُوا أَنَّ مَنْ يَسِيرُ عَلَى الْبَحْرِ هُوَ نَفْسُهُ الرَّبُّ الَّذِي يَقُودُ كَنِيسَتَهُ بِأَمَانٍ نَحْوَ شَاطِئِ الْمَلَكُوتِ.

  1. “فَلَمَّا رَآهُ التَّلَامِيذُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ، اضْطَرَبُوا وَقَالُوا: هٰذَا خَيَالٌ! وَمِنْ خَوْفِهِمْ صَرَخُوا”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “رَآهُ التَّلَامِيذُ” إِلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّلَامِيذِ كَانُوا شُهُودَ عِيَانٍ لِهٰذِهِ الْحَادِثَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَا رَأَوْهُ وَهْمًا أَوْ هَلْوَسَةً نَاتِجَةً عَنْ الْخَوْفِ أَوِ الإِرْهَاقِ، بَلْ حَدَثًا وَاقِعِيًّا عَايَنُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ بُعْدًا آخَرَ لِلْمَشْهَدِ، إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يُرَاقِبُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِمْ، فَيَقُولُ: “وَرَآهُمْ يَجْهَدُونَ فِي التَّجْدِيفِ، لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهُمْ” (مَرْقُسَ 6: 48). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ الإِنْجِيلُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَغِيبُ عَنْ تَلَامِيذِهِ، بَلْ يُرَاقِبُهُمْ وَيَعْرِفُ ضِيقَهُمْ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُدْرِكُونَ حُضُورَهُ. وَلَمْ يَشَاهِدِ الْجُمُوعُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةَ، بَلِ التَّلَامِيذُ وَحْدَهُمْ، لِكَيْ يَكُونُوا شُهُودًا عَلَى هُوِيَّةِ يَسُوعَ الإِلَهِيَّةِ، وَيُعْلِنُوا اسْمَهُ فِي الْعَالَمِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ”، فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى وَصْفِ مُعْجِزَةٍ، بَلْ تُعْلِنُ انْتِصَارَ الْمَسِيحِ عَلَى قُوَى الشَّرِّ وَالْمَوْتِ وَالْفَوْضَى الَّتِي يُمَثِّلُهَا الْبَحْرُ فِي الرَّمْزِيَّةِ الْكِتَابِيَّةِ. فَهُوَ لَا يُلْغِي الْبَحْرَ وَلاَ الْعَاصِفَةَ، بَلْ يَسِيرُ فَوْقَهُمَا، مُعْلِنًا سُلْطَانَهُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْخَلِيقَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ قَائِلًا: “إِنَّ الَّذِي يَسِيرُ عَلَى الْبَحْرِ لَيْسَ إِنْسَانًا عَادِيًّا، بَلْ هُوَ رَبُّ الْخَلِيقَةِ الَّذِي تَخْضَعُ لَهُ الْعَنَاصِرُ، وَتُطِيعُهُ الطَّبِيعَةُ الَّتِي خَلَقَهَا” (424، PG 72).

أَمَّا “الاضْطِرَابُ”، فَيُشِيرُ إِلَى الْخَوْفِ النَّاتِجِ عَنْ مُوَاجَهَةِ أَمْرٍ يَفُوقُ قُدْرَةَ الإِنْسَانِ عَلَى الإِدْرَاكِ. وَهٰذَا الاضْطِرَابُ يُذَكِّرُ بِالْعَاصِفَةِ الأُولَى، حِينَ خَافَ التَّلَامِيذُ وَأَيْقَظُوا يَسُوعَ (مَتَّى 8: 23-27)، وَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ كَانَ الْمُعَلِّمُ يَقُودُهُمْ تَدْرِيجِيًّا إِلَى الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ بِهِ.

أَمَّا قَوْلُ التَّلَامِيذِ: “هٰذَا خَيَالٌ!“، فَهُوَ تَرْجَمَةُ اللَّفْظِ الْيُونَانِيِّ φάντασμα، وَيَعْنِي: شَبَحًا، أَوْ ظِلًّا، أَوْ ظُهُورًا غَيْرَ مَادِّيٍّ. وَالْكَلِمَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفِعْلِ φαίνω، أَيْ: “يَظْهَرُ” أَوْ “يَبْدُو”. فَالْمَقْصُودُ لَيْسَ “الْخَيَالَ” بِمَعْنَى التَّصَوُّرِ الذِّهْنِيِّ أَوِ الْوَهْمِ النَّفْسِيِّ، بَلْ ظُهُورُ شَخْصٍ يُظَنُّ أَنَّهُ رُوحٌ أَوْ شَبَحٌ. وَكَانَ الْيَهُودُ وَغَيْرُهُمْ فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الأَرْوَاحَ أَوِ الأَشْبَاحَ قَدْ تَظْهَرُ لِلأَحْيَاءِ، وَخُصُوصًا فِي اللَّيْلِ وَفِي الْبِحَارِ وَالأَمَاكِنِ الْمَوْحِشَةِ. وَلِذٰلِكَ، عِنْدَمَا رَأَى التَّلَامِيذُ شَخْصًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ، لَمْ يَتَوَقَّعُوا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُعَلِّمُهُمْ، بَلْ فَسَّرُوا الْمَنْظَرَ وَفْقًا لِلْمُعْتَقَدَاتِ الشَّائِعَةِ، فَصَرَخُوا مِنَ الْخَوْفِ: “هٰذَا شَبَحٌ!”. وَلا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ الإِنْجِيلَ يُقِرُّ بِصِحَّةِ هٰذِهِ الْمُعْتَقَدَاتِ، بَلْ يَصِفُ رَدَّةَ فِعْلِ التَّلَامِيذِ النَّفْسِيَّةَ فِي لَحْظَةِ الْخَوْفِ. فَالْخَوْفُ شَوَّهَ رُؤْيَتَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ يُفَسِّرُونَ حُضُورَ الْمَسِيحِ تَفْسِيرًا خَاطِئًا. وَمَا إِنْ سَمِعُوا صَوْتَهُ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا” (متى 14: 27)، حَتَّى زَالَ وَهْمُهُمْ، وَانْكَشَفَتْ لَهُمْ حَقِيقَةُ هُوِيَّتِهِ. وَيَتَكَرَّرُ الْمَوْقِفُ بَعْدَ الْقِيَامَةِ، حِينَ ظَنَّ التَّلَامِيذُ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رُوحًا (لوقا 24: 37)، فَبَادَرَهُمْ يَسُوعُ بِإِزَالَةِ هٰذَا الظَّنِّ، قَائِلًا: “اُنظُرُوا إِلَى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ… جُسُّونِي وَانظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لوقا 24: 39). وَبِهٰذَا أَثْبَتَ أَنَّ جَسَدَهُ الْمُمَجَّدَ هُوَ جَسَدٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَيْسَ شَبَحًا أَوْ خَيَالًا. وَمِنْ هُنَا اسْتَنَدَ آبَاءُ الْكَنِيسَةِ إِلَى هٰذِهِ النُّصُوصِ لِلرَّدِّ عَلَى الدُّوكِيتِيِّينَ (Docetists)، الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا، بَلْ مَجَرَّدَ مَظْهَرٍ خَارِجِيٍّ. فَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ إِيرِينِيئُوسُ أَنَّ الَّذِي تَجَسَّدَ وَتَأَلَّمَ وَقَامَ هُوَ الْكَلِمَةُ الْمُتَجَسِّدُ بِجَسَدٍ حَقِيقِيٍّ، لأَنَّ الْخَلَاصَ يَقُومُ عَلَى وَاقِعِ التَّجَسُّدِ، لا عَلَى مَظْهَرٍ وَهْمِيٍّ (PG 7: 885-888). وَيُظْهِرُ النَّصُّ أَنَّ حُضُورَ يَسُوعَ زَادَ خَوْفَهُمْ فِي الْبِدَايَةِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّفُوا عَلَيْهِ. وَكَثِيرًا مَا يَحْدُثُ ذٰلِكَ فِي الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ، فَاللهُ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَّا، لَكِنَّ ضِيقَنَا أَوْ خَوْفَنَا يَحْجُبُ عَنَّا رُؤْيَةَ حُضُورِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ وَمِنْ خَوْفِهِمْ صَرَخُوا، فَتُصَوِّرُ رَدَّةَ فِعْلٍ عَفْوِيَّةً نَابِعَةً مِنْ خَوْفٍ شَدِيدٍ، وَتُظْهِرُ أَنَّ إِيمَانَ التَّلَامِيذِ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَ بَعْدُ النُّضْجَ الْكَامِلَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَلُمْهُمْ عَلَى خَوْفِهِمْ، بَلْ سَمَحَ بِهِ لِيَقُودَهُمْ تَدْرِيجِيًّا مِنَ الْخَوْفِ إِلَى الإِيمَانِ، وَمِنَ الضَّعْفِ إِلَى الثِّقَةِ” (502، PG 58). وَهٰكَذَا يَرْسُمُ الإِنْجِيلُ صُورَةَ الإِنْسَانِ الْبَعِيدِ عَنِ الْمَسِيحِ، فَهُوَ يَعِيشُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَيُحَاصِرُهُ الْخَوْفُ وَالشَّكُّ، وَقَدْ يُخْطِئُ حَتَّى فِي تَمْيِيزِ عَلامَاتِ حُضُورِ اللهِ. أَمَّا الإِيمَانُ، فَيَفْتَحُ الْعَيْنَيْنِ لِيُدْرِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ حَاضِرٌ فِي وَسَطِ الْعَاصِفَةِ، وَلَيْسَ خَيَالًا، بَلْ الرَّبُّ الْحَيُّ الَّذِي يَأْتِي لِيُخَلِّصَ شَعْبَهُ. وَرُوحِيًّا، يَكْشِفُ هٰذَا الْمَشْهَدُ أَنَّ الْخَوْفَ قَدْ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَرَى حُضُورَ اللهِ كَأَنَّهُ غِيَابٌ، أَوْ يَفْسِّرُ عَمَلَهُ تَفْسِيرًا خَاطِئًا. فَاللهُ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَّا، وَيَأْتِي لِيُخَلِّصَنَا، لَكِنَّ الْقَلْقَ وَالاضْطِرَابَ يَحْجُبَانِ عَنَّا رُؤْيَةَ حُضُورِهِ، إِلَى أَنْ نَسْمَعَ صَوْتَهُ: “أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا“.

27 “فَبَادَرَهُمْ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا!

تُشِيرُ عِبَارَةُ “فَبَادَرَهُمْ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ”، وَهِيَ تَرْجَمَةُ اللَّفْظِ الْيُونَانِيِّ εὐθὺς δὲ ἐλάλησεν αὐτοῖς، إِلَى أَنَّ يَسُوعَ “كَلَّمَهُمْ لِلْوَقْتِ”، أَيْ بِدُونِ تَرَدُّدٍ أَوْ تَأْخِيرٍ. وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّعْبِيرُ سُرْعَةَ الْمُبَادَرَةِ الإِلَهِيَّةِ، فَالرَّبُّ لَا يَتْرُكُ أَوْلَادَهُ طَوِيلًا فِي الْخَوْفِ، بَلْ يَتَدَخَّلُ فِي اللَّحْظَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِيُبَدِّدَ رُعْبَهُمْ. وَمَا إِنْ سَمِعَ التَّلَامِيذُ صَوْتَهُ الْمَأْلُوفَ، حَتَّى بَدَأَ الْخَوْفُ يَتَحَوَّلُ إِلَى طُمَأْنِينَةٍ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “قَبْلَ أَنْ يُسَكِّنَ الْبَحْرَ، سَكَّنَ اضْطِرَابَ نُفُوسِهِمْ، لأَنَّ هُدُوءَ الْقَلْبِ هُوَ بِدَايَةُ كُلِّ خَلَاصٍ” (502، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ “ثِقُوا”، فَهِيَ تَرْجَمَةُ الْفِعْلِ الْيُونَانِيِّ Θαρσεῖτε، وَمَعْنَاهُ: “تَشَجَّعُوا” أَوْ “تَحَلَّوْا بِالثِّقَةِ”. وَهِيَ دَعْوَةٌ إِلَى الثَّبَاتِ وَالرَّجَاءِ أَمَامَ الْمَخَاطِرِ وَالتَّجَارِبِ، لأَنَّ الْخَوْفَ يُشِلُّ الإِنْسَانَ، أَمَّا الثِّقَةُ بِاللهِ فَتُحَرِّرُهُ وَتُثَبِّتُهُ. وَكَثِيرًا مَا اسْتَعْمَلَ يَسُوعُ هٰذَا الْفِعْلَ لِيَرْفَعَ قُلُوبَ الْمُتَأَلِّمِينَ وَالْخَائِفِينَ (مَتَّى 9: 2، 22؛ يُوحَنَّا 16: 33).

أَمَّا عِبَارَةُ “أَنَا هُوَ“، فَهِيَ ذِرْوَةُ هٰذَا الْمَشْهَدِ الإِنْجِيلِيِّ، لأَنَّهَا لَا تَقْتَصِرُ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالنَّفْسِ، بَلْ تَحْمِلُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا. فَالنَّصُّ الْيُونَانِيُّ يَرِدُ بِالصِّيغَةِ ἐγώ εἰμι، وَهِيَ الصِّيغَةُ الَّتِي تُذَكِّرُ بِإِعْلَانِ اللهِ لِمُوسَى عِنْدَ الْعُلَّيْقَةِ: “أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ” أَوْ “أَنَا هُوَ مَنْ هُوَ” (خُرُوج 3: 14، التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: Ἐγώ εἰμι ὁ ὤν وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ يَسُوعَ لَا يُعْلِنُ حُضُورَهُ فَقَطْ، بَلْ يُعْلِنُ هُوِيَّتَهُ الإِلَهِيَّةَ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّهُ الرَّبُّ الْحَاضِرُ وَالْفَاعِلُ فِي تَارِيخِ خَلَاصِ شَعْبِهِ. وَقَدْ بَلَغَ هٰذَا الإِعْلَانُ ذُرْوَتَهُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حَيْثُ يَقُولُ يَسُوعُ: “قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، أَنَا كَائِنٌ” (يُوحَنَّا 8: 58)، وَفِي بُسْتَانِ الْجِسْمَانِيَّةِ، مَا إِنْ قَالَ لِلْجُنُودِ: “أَنَا هُوَ”، حَتَّى “رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ” (يُوحَنَّا 18: 6)، فَكَشَفَ بِذٰلِكَ مَجْدَهُ الإِلَهِيَّ الْمُسْتَتِرَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه قَائِلًا: “إِنَّ قَوْلَهُ: “أَنَا هُوَ” لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَعْرِيفٍ بِشَخْصِهِ، بَلْ إِعْلَانًا لِقُدْرَتِهِ الإِلَهِيَّةِ، لأَنَّ حُضُورَهُ وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا لِطَرْدِ الْخَوْفِ” (1004، PL 9). وَيَرَى الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ عِبَارَةَ “أَنَا هُوَ” تُعْلِنُ أَنَّ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَ التَّلَامِيذِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ أَوْ نَبِيٍّ، بَلْ هُوَ ابْنُ اللهِ الْمُتَجَسِّدُ، الَّذِي يَحْمِلُ الاِسْمَ الإِلَهِيَّ وَيَمْلِكُ السُّلْطَانَ عَلَى الْخَلِيقَةِ (425، PG 72).

أَمَّا عِبَارَةُ: لا تَخَافُوا”، فَهِيَ الثَّمَرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِحُضُورِ الْمَسِيحِ. فَالْخَوْفُ، فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ نَفْسِيٍّ، بَلْ هُوَ طَرِيقَةٌ فِي رُؤْيَةِ الْوَاقِعِ وَتَفْسِيرِهِ. فَهُوَ لا يُعَبِّرُ فَقَطْ عَمَّا يَشْعُرُ بِهِ الإِنْسَانُ، بَلْ أَيْضًا عَنْ كَيْفِيَّةِ نَظَرِهِ إِلَى اللهِ وَإِلَى الْعَالَمِ وَإِلَى الْمُسْتَقْبَلِ. فَعِنْدَمَا يَسُودُ الْخَوْفُ، يَرَى الإِنْسَانُ الْمَوْجَ أَكْبَرَ مِنْ حُضُورِ اللهِ؛ أَمَّا الإِيمَانُ، فَيَجْعَلُهُ يَرَى اللهَ أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ عَاصِفَةٍ. وَقَدْ اخْتَبَرَ بُطْرُسُ هٰذَا الصِّرَاعَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالإِيمَانِ. فَلَمْ يَكُنْ مَدْعُوًّا إِلَى إِنْكَارِ وَاقِعِ الْعَاصِفَةِ، بَلْ إِلَى أَلَّا يَدَعَهَا تُحَدِّدُ مَسَارَ حَيَاتِهِ. وَعِنْدَمَا ثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، سَارَ عَلَى الْمَاءِ؛ وَلَمَّا أَصْغَى إِلَى صَوْتِ الرِّيحِ أَكْثَرَ مِنْ صَوْتِ الرَّبِّ، دَبَّ الْخَوْفُ إِلَى قَلْبِهِ وَأَخَذَ يَغْرَقُ. وَهٰكَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْتَصِرُ عَلَى الْخَوْفِ بِإِنْكَارِ الْخَطَرِ، بَلْ بِالثِّقَةِ بِحُضُورِ اللهِ فِي وَسَطِهِ. فَحَيْثُ يَحْضُرُ الْمَسِيحُ، يَزُولُ الْخَوْفُ، وَتَنْهَزِمُ قُوَى الشَّرِّ، وَيَحِلُّ السَّلَامُ. وَلِذٰلِكَ تَتَكَرَّرُ عِبَارَةُ “لا تَخَفْ” كَأَحَدِ أَكْثَرِ التَّعَابِيرِ تَوَاتُرًا فِي تَارِيخِ الْخَلَاصِ، عِنْدَ ظُهُورِ اللهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ، كَمَا فِي (إِشَعْيَاء 41: 10)، وَ(لُوقَا 1: 30)، وَ(لُوقَا 2: 10)، وَتَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا بَعْدَ الْقِيَامَةِ، حِينَ وَقَفَ الْمَسِيحُ فِي وَسَطِ تَلَامِيذِهِ وَقَالَ: “السَّلَامُ لَكُمْ” (يُوحَنَّا 20: 19). وَيُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ حُضُورَ الْمَسِيحِ يَمْلَأُ الْقَلْبَ سَلَامًا، وَأَنَّ مَحَبَّتَهُ تَطْرَدُ الْخَوْفَ، انْسِجَامًا مَعَ قَوْلِ الرَّسُولِ يُوحَنَّا: “الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى الْخَارِجِ” (1 يوحنا 4: 18) (راجع، PL 35). وَهٰكَذَا تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الْمَسِيحَ لا يَبْدَأُ بِإِسْكَاتِ الْعَاصِفَةِ، بَلْ بِإِسْكَاتِ الْخَوْفِ فِي قُلُوبِ تَلَامِيذِهِ. فَتَحْرِيرُ الإِنْسَانِ مِنْ خَوْفِهِ الدَّاخِلِيِّ هُوَ بَدَايَةُ الْخَلَاصِ، وَالإِيمَانُ يَبْدَأُ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤْمِنُ صَوْتَ الرَّبِّ الْقَائِلِ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا” (متى 14: 27). وَيَرْتَبِطُ ظُهُورُ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ عَلَى الْمِيَاهِ ارْتِبَاطًا لَاهُوتِيًّا بِظُهُورِ اللهِ لإِيلِيَّا عَلَى جَبَلِ حُورِيبَ (1 ملوك 19: 11-13). فَكِلَا الْحَدَثَيْنِ يَحْمِلُ سِمَاتِ الظُّهُورِ الإِلَهِيِّ (Theophany)، وَيَكْشِفُ عَنْ إِلَهٍ يُبَادِرُ إِلَى لِقَاءِ الإِنْسَانِ فِي وَسَطِ خَوْفِهِ وَضِيقِهِ. فَكَمَا كَشَفَ اللهُ حُضُورَهُ لإِيلِيَّا فِي “صَوْتِ نَسِيمٍ لَطِيفٍ”، يَكْشِفُ يَسُوعُ هُوِيَّتَهُ لِتَلَامِيذِهِ وَسَطَ الْبَحْرِ الْهَائِجِ بِقَوْلِهِ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا” (متى 14: 27). وَهٰكَذَا لا يَكْشِفُ الْحَدَثُ عَنْ قُدْرَةِ يَسُوعَ عَلَى الطَّبِيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا إِعْلَانًا عَنْ هُوِيَّتِهِ الإِلَهِيَّةِ وَحُضُورِهِ الْمُخَلِّصِ.

  1. “فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ: يَا رَبُّ، إِنْ كُنْتَ إِيَّاهُ، فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “يَا رَبُّ، إِنْ كُنْتَ إِيَّاهُ” إِلَى رَغْبَةِ بُطْرُسَ فِي التَّأَكُّدِ مِنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ، لَا بِدَافِعِ الشَّكِّ الْمُطْلَقِ، بَلْ بِدَافِعِ الرَّغْبَةِ فِي أَنْ يَبْنِيَ تَصَرُّفَهُ عَلَى يَقِينٍ. فَبُطْرُسُ لَمْ يَطْلُبْ بُرْهَانًا لِيُجَرِّبَ الرَّبَّ، بَلْ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعَهُ هُوَ صَوْتُ مُعَلِّمِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الإِنْجِيلَ يُؤَكِّدُ أَنَّ الإِيمَانَ فِي جَوْهَرِهِ لَيْسَ قَائِمًا عَلَى الْبَرَاهِينِ الْمَحْضَةِ، بَلْ عَلَى الثِّقَةِ بِشَخْصِ الْمَسِيحِ. فَالإِيمَانُ هُوَ اسْتِسْلَامٌ لِكَلِمَةِ اللهِ وَاتِّكَالٌ عَلَى وَعْدِهِ، حَتَّى إِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْعَقْلِ إِدْرَاكُ كُلِّ شَيْءٍ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “لَمْ يَقُلْ بُطْرُسُ: إِنْ كُنْتَ إِيَّاهُ فَاهْدِئِ الْبَحْرَ، بَلْ: مُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ؛ فَقَدْ كَانَتْ مَحَبَّتُهُ لِلْمَسِيحِ أَقْوَى مِنْ خَوْفِهِ مِنَ الْبَحْرِ” (503، PG 58).  فَالَّذِي جَذَبَ بُطْرُسَ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْرَاضُ الْمُعْجِزَةِ، بَلْ الرَّغْبَةُ فِي الاِقْتِرَابِ مِنْ رَبِّهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ”، فَتُظْهِرُ اسْتِعْدَادَ بُطْرُسَ لِمُخَاطَرَةِ الإِيمَانِ. فَهُوَ لَا يَطْلُبُ أن ينجو من العاصفة بل ولا يطلب أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ بِكَلِمَةٍ صَادِرَةٍ مِنَ الْمَسِيحِ.  وَهُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَنْبُعُ مِنَ الإِنْسَانِ، بَلْ مِنْ طَاعَتِهِ لِكَلِمَةِ الرَّبِّ. فَكَانَ بُطْرُسُ يُدْرِكُ أَنَّ أَمْرَ الْمَسِيحِ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الْقُدْرَةَ عَلَى تَحْقِيقِ مَا يَأْمُرُ بِهِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه طَلَبَ بُطْرُسَ بِأَنَّهُ تَعْبِيرٌ عَنْ إِيمَانٍ يَتُوقُ إِلَى الاِتِّحَادِ بِالْمَسِيحِ، فَيَقُولُ: “إِنَّ بُطْرُسَ لَمْ يَطْلُبْ الْمَشْيَ عَلَى الْمَاءِ طَلَبًا لِلْمَجْدِ، بَلْ رَغْبَةً فِي الْوُصُولِ إِلَى الرَّبِّ الَّذِي كَانَ يَرَاهُ أَمَامَهُ” (1004، PL9). وَيُشِيرُ هٰذَا الْمَوْقِفُ أَيْضًا إِلَى طَبْعِ بُطْرُسَ الْمُنْدَفِعِ، فَهُوَ سَرِيعُ الْمُبَادَرَةِ، جَرِيءٌ فِي الْقَرَارِ، وَهٰذِهِ السِّمَةُ تَظْهَرُ فِي مَوَاقِفَ أُخْرَى مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى. فَهُوَ الَّذِي أَعْلَنَ إِيمَانَهُ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ “الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ” (مَتَّى 16: 16)، وَهُوَ الَّذِي تَلَقَّى وَعْدَ الْمَفَاتِيحِ (مَتَّى 16: 13-20)، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي ظَهَرَ مَعَ يَسُوعَ فِي حَادِثَةِ دَفْعِ جِزْيَةِ الْهَيْكَلِ (مَتَّى 17: 24-27). وَيَنْفَرِدُ الْقِدِّيسُ مَتَّى بِرِوَايَةِ هٰذَا الْحَدَثِ، مِمَّا يُبْرِزُ دَوْرَ بُطْرُسَ فِي الْجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ، وَيُقَدِّمُهُ نَمُوذَجًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ قُوَّةِ الإِيمَانِ وَضَعْفِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ بُطْرُسَ يُمَثِّلُ فِي هٰذَا الْمَشْهَدِ الْكَنِيسَةَ كُلَّهَا، فَمَا دَامَتْ تُثَبِّتُ نَظَرَهَا عَلَى الْمَسِيحِ، تَسِيرُ فَوْقَ أَمْوَاجِ الْعَالَمِ، وَإِذَا الْتَفَتَتْ إِلَى قُوَّةِ الرِّيحِ وَالأَمْوَاجِ، بَدَأَتْ تَضْعُفُ وَتَغْرَقُ (479، PL 38). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا الْعَدَدُ أَنَّ الإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكْتَفِي بِالاعْتِرَافِ بِالْمَسِيحِ، بَلْ يَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ “سَفِينَةِ” ضَمَانَاتِهِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالسَّيْرِ وَرَاءَ الرَّبِّ بِثِقَةٍ كَامِلَةٍ، مُعْتَمِدًا عَلَى كَلِمَتِهِ الَّتِي تَهَبُ الْقُوَّةَ لِتَحْقِيقِ مَا يَبْدُو مُسْتَحِيلًا.

  1. “فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ! فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ، وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ آتِيًا إِلَى يَسُوعَ”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “تَعَالَ! إِلَى دَعْوَةِ الرَّبِّ لِبُطْرُسَ لِيُشَارِكَهُ فِي مَا يَبْدُو مُسْتَحِيلًا. فَلَمْ يَجْرُؤْ بُطْرُسُ عَلَى النُّزُولِ مِنَ السَّفِينَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الإِيمَانِ؛ فَهِيَ لَا تَقُومُ عَلَى جُرْأَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ عَلَى الطَّاعَةِ لِكَلِمَةِ اللهِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الْمَشْهَدُ بِالصَّيْدِ الْعَجِيبِ، حِينَ أَلْقَى بُطْرُسُ الشِّبَاكَ “بِنَاءً عَلَى كَلِمَتِكَ” (لُوقَا 5: 5)، فَكَانَتِ الطَّاعَةُ سَبَبَ الْمُعْجِزَةِ. وَعِنْدَمَا يَدْعُو اللهُ الإِنْسَانَ، فَإِنَّ الاسْتِجَابَةَ هِيَ الْمَوْقِفُ الْوَحِيدُ الْمُنَاسِبُ. وَيُعَبِّرُ عَنْ هٰذَا الْمَعْنَى إِسْرَائِيل زُولِّي (Israel Zolli)، الْحَاخَامُ الأَكْبَرُ لِرُومَا الَّذِي اعْتَنَقَ الْمَسِيحِيَّةَ بَعْدَ أَنْ اخْتَبَرَ دَعْوَةَ الْمَسِيحِ، بِقَوْلِهِ: “لَا يَخْتَارُ الإِنْسَانُ لَحْظَةَ اهْتِدَائِهِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ عِنْدَمَا يَتَلَقَّى دَعْوَةَ اللهِ. وَلَيْسَ أَمَامَهُ إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ: الطَّاعَةُ. فَالاهْتِدَاءُ خُطْوَةٌ تَنْبَعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَتَقُودُ إِلَى مَصْدَرِ الْمَحَبَّةِ اللَّامُتَنَاهِيَةِ” (Before the Dawn، 1954).

أَمَّا عِبَارَةُ “فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ“، فَتُجَسِّدُ اسْتِجَابَةَ الإِيمَانِ لِدَعْوَةِ الْمَسِيحِ. فَمَا إِنْ عَرَفَ بُطْرُسُ صَوْتَ مُعَلِّمِهِ، حَتَّى جَمَعَ كُلَّ إِيمَانِهِ وَثِقَتِهِ وَتَرَكَ أَمَانَ السَّفِينَةِ لِيُطِيعَ الرَّبَّ. وَاللاَّفِتُ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يُهَدِّئِ الأَمْوَاجَ قَبْلَ نُزُولِ بُطْرُسَ، بَلْ تَرَكَهَا عَلَى حَالِهَا، لِيُظْهِرَ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُلْغِي التَّجْرِبَةَ، بَلْ يَمْنَحُ الْقُدْرَةَ عَلَى السَّيْرِ فِي وَسَطِهَا.  وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “إِنَّ بُطْرُسَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الْبَحْرِ، بَلْ إِلَى كَلِمَةِ الْمَسِيحِ؛ وَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ أَقْوَى مِنْ طَبِيعَةِ الْمِيَاهِ” (503، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ “وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ آتِيًا إِلَى يَسُوعَ”، فَتُظْهِرُ أَنَّ بُطْرُسَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَسِيرَ عَلَى الْمَاءِ، لَا بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ بِفَضْلِ طَاعَتِهِ وَإِيمَانِهِ بِكَلِمَةِ الْمَسِيحِ. فَلَمْ يَكْتَفِ يَسُوعُ بِالسَّيْرِ عَلَى الْمَاءِ، بَلْ أَشْرَكَ رَسُولَهُ فِي هٰذِهِ الْمُعْجِزَةِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ، إِذَا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، يَصِيرُ شَرِيكًا فِي عَمَلِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الأُورُشَلِيمِيُّ هٰذَا الْمَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: “قَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: تَعَالَ. فَآمَنَ وَسَارَ عَلَى الْمِيَاهِ، وَكَانَ إِيمَانُهُ أَقْوَى مِنْ ثِقَلِ جَسَدِهِ، فَحَمَلَتْهُ الْمِيَاهُ بِقُوَّةِ إِيمَانِهِ” (518، PG 33).  وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ بُطْرُسَ يُمَثِّلُ فِي هٰذَا الْمَوْقِفِ الْكَنِيسَةَ كُلَّهَا، فَيَقُولُ: “مَا دَامَ نَظَرُهُ مُثَبَّتًا عَلَى الْمَسِيحِ، كَانَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ؛ لأَنَّ الْمَحَبَّةَ كَانَتْ تَرْفَعُهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتِ الْمِيَاهُ تَحْمِلُهُ” (479، PL 38). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ الإِنْجِيلُ أَنَّ الإِيمَانَ يُمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنَ السَّيْرِ فَوْقَ “مِيَاهِ” الصِّعَابِ وَالتَّجَارِبِ، بَيْنَمَا يُؤَدِّي الشَّكُّ إِلَى الْغَرَقِ. وَقَدْ قَدَّمَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ صُورَةً مُشَابِهَةً فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، حِينَ عَبَرَ مُوسَى وَشَعْبُ إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ بِالإِيمَانِ، فِي حِينِ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وَجَيْشُهُ (خُرُوج 14: 21-31). وَهٰكَذَا يَظَلُّ الإِيمَانُ هُوَ الْجِسْرَ الَّذِي يَعْبُرُ بِالإِنْسَانِ مِنَ الْخَوْفِ إِلَى الثِّقَةِ، وَمِنَ الْعَجْزِ إِلَى قُوَّةِ اللهِ.

30 “وَلٰكِنَّهُ خَافَ عِنْدَمَا رَأَى شِدَّةَ الرِّيحِ، فَأَخَذَ يَغْرَقُ، فَصَرَخَ: يَا رَبُّ، نَجِّنِي!

تُشِيرُ عِبَارَةُ “وَلٰكِنَّهُ خَافَ” إِلَى اللَّحْظَةِ الَّتِي تَسَلَّلَ فِيهَا الشَّكُّ إِلَى قَلْبِ بُطْرُسَ، فَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُ. فَالْخَوْفُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ رَدَّةِ فِعْلٍ نَفْسِيَّةٍ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ تَحَوُّلِ نَظَرِ بُطْرُسَ عَنِ الْمَسِيحِ إِلَى شِدَّةِ الرِّيحِ وَعُنْفِ الأَمْوَاجِ. فَمَا دَامَتْ عَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى الرَّبِّ، سَارَ عَلَى الْمَاءِ، وَمَا إِنِ انْشَغَلَ بِالظُّرُوفِ الْمُحِيطَةِ بِهِ، حَتَّى ضَعُفَ إِيمَانُهُ وَتَسَلَّلَ الْخَوْفُ إِلَى قَلْبِهِ. وَهٰكَذَا يُظْهِرُ الإِنْجِيلُ أَنَّ الْخَوْفَ هُوَ نَقِيضُ الثِّقَةِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ الْحَيَّ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْغَرَقِ فِي وَسَطِ التَّجَارِبِ وَالاضْطِهَادَاتِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “مَا دَامَ بُطْرُسُ يَنْظُرُ إِلَى الْمُعَلِّمِ، كَانَ أَقْوَى مِنَ الأَمْوَاجِ، وَلَكِنْ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الْعَاصِفَةِ، غَلَبَهُ الْخَوْفُ؛ فَلَمْ يَكُنِ الْبَحْرُ هُوَ الَّذِي أَغْرَقَهُ، بَلْ ضَعْفُ إِيمَانِهِ” (503، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ “فَأَخَذَ يَغْرَقُ”، فَتُشِيرُ إِلَى النَّتِيجَةِ الْمُبَاشِرَةِ لِضَعْفِ إِيمَانِ بُطْرُسَ. فَلَمْ يَغْرَقْ فَجْأَةً، بَلْ “أَخَذَ يَغْرَقُ”، أَيْ بَدَأَ الْغَرَقُ تَدْرِيجِيًّا، وَهٰذَا يُصَوِّرُ بِدِقَّةٍ الْمَسِيرَةَ الرُّوحِيَّةَ؛ فَالإِنْسَانُ لَا يَسْقُطُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَبْدَأُ السُّقُوطُ عِنْدَمَا يَتْرُكُ الاِتِّكَالَ عَلَى اللهِ وَيُعَوِّلُ عَلَى قُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ. وَلَمْ تُفِدْ بُطْرُسَ مَهَارَتُهُ فِي السِّبَاحَةِ، بَلْ كَشَفَتْ هٰذِهِ اللَّحْظَةُ أَنَّ الْخَلَاصَ لَا يَأْتِي مِنَ الْقُدْرَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ مِنَ الثِّقَةِ بِالرَّبِّ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس: “لَمْ يَغْرَقْ بُطْرُسُ بِسَبَبِ الْمَاءِ، بَلْ بِسَبَبِ الشَّكِّ. فَالْمِيَاهُ كَانَتْ تَحْمِلُهُ مَا دَامَ الإِيمَانُ يَحْمِلُ قَلْبَهُ” (479، PL 38).

وَيُعَبِّرُ قَوْلُ الإِنْجِيلِ “فَصَرَخَ” عَنْ صَرْخَةِ إِيمَانٍ نَابِعَةٍ مِنْ أَعْمَاقِ الضِّيقِ. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ بُطْرُسَ كَانَ يُجِيدُ السِّبَاحَةَ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ رِوَايَةِ يُوحَنَّا (21: 7)، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى قُوَّتِهِ الْجَسَدِيَّةِ، بَلْ وَجَّهَ نَظَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى نَحْوَ الرَّبِّ، وَاسْتَعْمَلَ آخِرَ قُوَّتِهِ لِيَطْلُبَ الْخَلَاصَ مِنْهُ.

أَمَّا صَلَاتُهُ: ” يَا رَبُّ، نَجِّنِي!”، فَهِيَ مِنْ أَقْصَرِ الصَّلَوَاتِ فِي الإِنْجِيلِ، وَلٰكِنَّهَا مِنْ أَعْمَقِهَا. فَهِيَ تُعَبِّرُ عَنْ الاِعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ الْكَامِلِ، وَعَنِ الثِّقَةِ الْمُطْلَقَةِ بِقُدْرَةِ الْمَسِيحِ عَلَى الْخَلَاصِ. وَهُنَا يَصْدُقُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ: “الْحَاجَةُ تُعَلِّمُ الصَّلَاةَ”، فَفِي اللَّحْظَاتِ الَّتِي تَنْهَارُ فِيهَا الضَّمَانَاتُ الْبَشَرِيَّةُ، يَتَعَلَّمُ الإِنْسَانُ أَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى اللهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الأُورُشَلِيمِيُّ عَلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ بِالْمَعْنَى الرُّوحِيِّ قَائِلًا: “إِنَّ الَّذِي يُغْرِقُ الإِنْسَانَ هُوَ ضَعْفُ الإِيمَانِ؛ فَقَدْ مَشَى بُطْرُسُ عَلَى الْمِيَاهِ مُطْمَئِنًّا، وَلَكِنْ لَمَّا شَكَّ، بَدَأَ يَغْرَقُ، لأَنَّ إِيمَانَهُ بَدَأَ يَضْعُفُ” (انظرPG 33). وَتُصْبِحُ صَلَاةُ بُطْرُسَ هُنَا صَلَاةَ الْكَنِيسَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ. فَالْمُؤْمِنُ، مَهْمَا بَلَغَ إِيمَانُهُ، يَبْقَى مُعَرَّضًا لِلضَّعْفِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَا دَامَ يَصْرُخُ إِلَى الْمَسِيحِ. وَهٰكَذَا يَصِيرُ بُطْرُسُ مِثَالًا لِلتِّلْمِيذِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ جُرْأَةِ الإِيمَانِ وَضَعْفِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ قَائِلًا: “لَمْ يَخْجَلْ بُطْرُسُ مِنَ الاعْتِرَافِ بِضَعْفِهِ، فَكَانَ اعْتِرَافُهُ سَبَبَ خَلَاصِهِ؛ لأَنَّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِعَجْزِهِ يَفْتَحُ قَلْبَهُ لِعَمَلِ نِعْمَةِ اللهِ” (1688، PL 15). وَلِذٰلِكَ تَدْعُونَا هٰذِهِ الْحَادِثَةُ إِلَى أَنْ نَصْرُخَ نَحْنُ أَيْضًا مَعَ بُطْرُسَ كُلَّمَا أَحَاطَتْ بِنَا تَجَارِبُ الْحَيَاةِ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!”، وَاثِقِينَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ مُعَاوَنَةِ مَنْ يَدْعُوهُ بِإِيمَانٍ. وَهُنَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ مَا يُعَلِّمُهُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ بِذَاكَ الَّذِي يُقَوِّينِي” (فِيلِبِّي 4: 13). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ بُطْرُسَ، الَّذِي بَدَا فِي بَدَايَةِ دَعْوَتِهِ قَلِيلَ الثَّبَاتِ وَسَرِيعَ الاِنْدِفَاعِ، أَصْبَحَ بِنِعْمَةِ الرَّبِّ “الصَّخْرَةَ” الَّتِي أُقِيمَتْ عَلَيْهَا الْكَنِيسَةُ (مَتَّى 16: 18)، وَهُوَ مَا يَمْنَحُ كُلَّ مُؤْمِنٍ رَجَاءً بِأَنَّ الضَّعْفَ الْبَشَرِيَّ، إِذَا انْفَتَحَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ، يَتَحَوَّلُ إِلَى قُوَّةٍ وَثَبَاتٍ فِي الإِيمَانِ.

  1. “فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ لِلْوَقْتِ، وَأَمْسَكَهُ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ لِلْوَقْتِ” إِلَى سُرْعَةِ اسْتِجَابَةِ الْمَسِيحِ لِصُرَاخِ بُطْرُسَ. فَاللَّفْظُ الْيُونَانِيُّ εὐθέως، وَمَعْنَاهُ “لِلْوَقْتِ” أَوْ “فِي الْحَالِ”، يَرِدُ هُنَا لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي هٰذَا الْمَشْهَدِ (مَتَّى 14: 27، 31)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الْخَلَاصَ الإِلَهِيَّ يَأْتِي فَوْرَ الْتِجَاءِ الإِنْسَانِ إِلَى اللهِ بِإِيمَانٍ وَاتِّكَالٍ. فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو الرَّبَّ بِصِدْقٍ إِلَّا وَيَجِدُ يَدَهُ مَمْدُودَةً لِلإِنْقَاذِ. وَتُذَكِّرُنَا «”يَدُ يَسُوعَ الْمَمْدُودَةُ” بِيَدِ اللهِ الْخَلَّاصِيَّةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، الَّتِي تَنْتَشِلُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْهَلَاكِ. فَيُرَنِّمُ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ: “يُرْسِلُ مِنْ عَلْيَائِهِ فَيَأْخُذُنِي، وَمِنَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ يَنْتَشِلُنِي” (مَزْمُور 18: 16). وَهُنَا يُعْلِنُ الإِنْجِيلُ أَنَّ مَا كَانَ يُنْسَبُ إِلَى اللهِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، يَقُومُ بِهِ يَسُوعُ نَفْسُهُ، فَهُوَ الرَّبُّ الْمُخَلِّصُ الَّذِي يَنْتَشِلُ الْإِنْسَانَ مِنْ غَرَقِ الْخَطِيئَةِ وَالضِّيقِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “لَمْ يَتْرُكِ الْمَسِيحُ بُطْرُسَ يَغْرَقُ، بَلْ مَا إِنْ صَرَخَ، حَتَّى مَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَهُ، لِيُظْهِرَ أَنَّ النِّعْمَةَ تَسْبِقُ هَلَاكَ الإِنْسَانِ، وَأَنَّ الرَّبَّ لَا يَرْفُضُ مَنْ يَلْتَجِئُ إِلَيْهِ” (503، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ “وَأَمْسَكَهُ”، فَتُؤَكِّدُ أَنَّ الْخَلَاصَ لَا يَنْبُعُ مِنْ قُدْرَةِ الإِنْسَانِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِاللهِ، بَلْ مِنْ مُبَادَرَةِ اللهِ إِلَى الإِمْسَاكِ بِالإِنْسَانِ. فَلَمْ يَقُلِ الإِنْجِيلُ إِنَّ بُطْرُسَ أَمْسَكَ بِيَدِ يَسُوعَ، بَلْ إِنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي “أَمْسَكَهُ”.  وَهٰذَا يُجَسِّدُ أَوْلَوِيَّةَ النِّعْمَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي عَمَلِ الْخَلَاصِ، فَاللهُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ وَيُكَمِّلُ مَسِيرَةَ الإِنْقَاذِ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس: “كَانَ إِيمَانُ بُطْرُسَ يَضْعُفُ، أَمَّا يَدُ الْمَسِيحِ فَلَمْ تَضْعُفْ. وَإِذْ خَذَلَتْهُ قَدَمَاهُ، حَمَلَتْهُ يَدُ الرَّبِّ” (479، PL 38).

أَمَّا عِبَارَةُ “وَهُوَ يَقُولُ لَهُ”، فَتُظْهِرُ أَنَّ الْمَسِيحَ جَمَعَ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالتَّرْبِيَةِ. فَقَبْلَ أَنْ يُوَبِّخَ بُطْرُسَ، خَلَّصَهُ مِنَ الْغَرَقِ. هٰذِهِ هِيَ طَرِيقَةُ اللهِ فِي التَّرْبِيَةِ؛ فَهُوَ يُقِيمُ الإِنْسَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُرْشِدُهُ لِكَيْ لَا يَسْقُطَ مَرَّةً أُخْرَى.

أَمَّا قَوْلُهُ: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ”، فَلَا يَحْمِلُ إِدَانَةً، بَلْ عِتَابًا مَمْزُوجًا بِالْمَحَبَّةِ. وَهٰذَا اللَّقَبُ يَرِدُ خَاصَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى لِيُوَجَّهَ إِلَى التَّلَامِيذِ (مَتَّى 6: 30؛ 8: 26؛ 16: 8)، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ إِيمَانَهُمْ حَقِيقِيٌّ، وَلَكِنَّهُ مَا زَالَ يَحْتَاجُ إِلَى النُّضْجِ وَالثَّبَاتِ. فَبُطْرُسُ لَمْ يَكُنْ عَدِيمَ الإِيمَانِ، وَإِلَّا لَمَا نَزَلَ مِنَ السَّفِينَةِ، بَلْ كَانَ قَلِيلَ الإِيمَانِ، لأَنَّهُ سَمَحَ لِلْخَوْفِ أَنْ يُضْعِفَ ثِقَتَهُ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه هٰذَا الْعِتَابَ قَائِلًا: “لَمْ يُوَبِّخِ الرَّبُّ بُطْرُسَ عَلَى جُرْأَتِهِ فِي النُّزُولِ مِنَ السَّفِينَةِ، بَلْ عَلَى تَرَدُّدِهِ بَعْدَ أَنْ أَطَاعَ الدَّعْوَةَ” (1005، PL 9).

أَمَّا عِبَارَةُ «“لِمَاذَا شَكَكْتَ؟”، فَالْفِعْلُ الْيُونَانِيُّ ἐδίστασας لَا يَعْنِي رَفْضَ الإِيمَانِ، بَلْ التَّرَدُّدَ وَالانْقِسَامَ الدَّاخِلِيَّ بَيْنَ الثِّقَةِ وَالْخَوْفِ. وَهُوَ الْفِعْلُ نَفْسُهُ الَّذِي يَرِدُ فِي خِتَامِ إِنْجِيلِ مَتَّى عِنْدَمَا “شَكَّ بَعْضُهُمْ” وَهُمْ يُعَايِنُونَ الْمَسِيحَ الْقَائِمَ (مَتَّى 28: 17). فَالسُّؤَالُ لَيْسَ لِإِدَانَةِ بُطْرُسَ، بَلْ لِدَعْوَتِهِ إِلَى إِدْرَاكِ أَنَّ مَصْدَرَ الضَّعْفِ لَمْ يَكُنِ الْبَحْرَ وَلاَ الرِّيحَ، بَلْ تَرَدُّدَ الْقَلْبِ. وَيُمْكِنُ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ بُطْرُسَ وَتُومَا الرَّسُولِ؛ فَكِلَاهُمَا اخْتَبَرَا ضَعْفًا فِي الإِيمَانِ، غَيْرَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَرْفُضْ أَحَدًا مِنْهُمَا، بَلْ قَادَهُمَا إِلَى إِيمَانٍ أَعْمَقَ (يُوحَنَّا 20: 24-29). وَهٰكَذَا يَبْقَى الشَّكُّ، إِذَا انْفَتَحَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ، مَدْخَلًا لِنُمُوِّ الإِيمَانِ، لَا نِهَايَتَهُ. وَيَدْعُونَا هٰذَا الْمَشْهَدُ إِلَى فَحْصِ حَيَاتِنَا الرُّوحِيَّةِ: هَلْ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا نَحْوَ الْمَسِيحِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَنَصْرُخُ مَعَ بُطْرُسَ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي”؟ وَهَلْ نُدْرِكُ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ مَا زَالَتْ مَمْدُودَةً إِلَيْنَا، تُقِيمُنَا كُلَّمَا تَعَثَّرْنَا، وَتَقُودُنَا إِلَى إِيمَانٍ أَكْثَرَ ثَبَاتًا وَنُضْجًا؟

  1. “وَلَمَّا رَكِبَا السَّفِينَةَ، سَكَنَتِ الرِّيحُ”

تُشِيرُ عِبَارَةُ “وَلَمَّا رَكِبَا السَّفِينَةَ” إِلَى دُخُولِ يَسُوعَ وَبُطْرُسَ مَعًا إِلَى السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْمَعُ التَّلَامِيذَ. وَتُمَثِّلُ السَّفِينَةُ، فِي التَّقْلِيدِ الْكَنَسِيِّ، الْكَنِيسَةَ الَّتِي تُبْحِرُ فِي بَحْرِ هٰذَا الْعَالَمِ، مُحَاطَةً بِالْمَخَاطِرِ وَالاضْطِهَادَاتِ، غَيْرَ أَنَّ حُضُورَ الْمَسِيحِ فِي وَسَطِهَا يَضْمَنُ وُصُولَهَا إِلَى شَاطِئِ الْخَلَاصِ بِأَمَانٍ. فَبِدُخُولِ يَسُوعَ إِلَى السَّفِينَةِ، يَعُودُ السَّلَامُ بَعْدَ الْخَوْفِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ بَعْدَ الاضْطِرَابِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه قَائِلًا: “السَّفِينَةُ هِيَ صُورَةُ الْكَنِيسَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمَسِيحُ فِيهَا، فَإِنَّ عَوَاصِفَ الْعَالَمِ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُغْرِقَهَا” (1005، PL 9). وَهٰكَذَا تَبْقَى الْكَنِيسَةُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا يُحِيطُ بِهَا مِنْ تَجَارِبَ، مَحْفُوظَةً بِحُضُورِ رَبِّهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ “سَكَنَتِ الرِّيحُ”، فَتُشِيرُ إِلَى سُلْطَانِ الْمَسِيحِ الْمُطْلَقِ عَلَى قُوَى الطَّبِيعَةِ. فَبِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، انْتَهَتِ الْعَاصِفَةُ وَعَادَ الْهُدُوءُ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّيحَ وَالأَمْوَاجَ تَخْضَعُ لِسُلْطَانِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ، بَلْ رَبُّ الْخَلِيقَةِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الْمَشْهَدُ بِتَرْنِيمَةِ الْمَزْمُورِ: “يَا رَبُّ إِلٰهَ الْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ؟ أَنْتَ قَوِيٌّ يَا رَبُّ… أَنْتَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى طُغْيَانِ الْبِحَارِ، وَعِنْدَمَا تَرْتَفِعُ أَمْوَاجُهَا أَنْتَ تُسَكِّنُهَا” (مَزْمُور 89: 8-9). وَبِذٰلِكَ يُظْهِرُ مَتَّى أَنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى اللهِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، يَقُومُ بِهِ يَسُوعُ، مُعْلِنًا لَاهُوتَهُ وَسُلْطَانَهُ الإِلَهِيَّ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُظْهِرْ سُلْطَانَهُ عَلَى بُطْرُسَ فَقَطْ، بَلْ عَلَى الْبَحْرِ أَيْضًا، فَبِحُضُورِهِ سَكَتَتِ الرِّيحُ وَهَدَأَتِ الأَمْوَاجُ، لِيَعْلَمَ التَّلَامِيذُ أَنَّ الَّذِي خَلَّصَهُمْ هُوَ سَيِّدُ الطَّبِيعَةِ كُلِّهَا” (504، PG 58). وَلَا يَذْكُرُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ أَنَّ يَسُوعَ أَمَرَ الرِّيحَ بِالسُّكُونِ، كَمَا فِي الْعَاصِفَةِ الأُولَى (مَتَّى 8: 26)، بَلْ يَرْبِطُ سُكُونَهَا بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْمَسِيحِ إِلَى السَّفِينَةِ. وَهٰذَا التَّرْكِيزُ اللَّاهُوتِيُّ يُظْهِرُ أَنَّ حُضُورَ الْمَسِيحِ نَفْسَهُ هُوَ مَصْدَرُ السَّلَامِ؛ فَحَيْثُ يَحْضُرُ الرَّبُّ، يَنْتَهِي الاضْطِرَابُ، وَتَخْضَعُ قُوَى الشَّرِّ، وَتَحِلُّ الطُّمَأْنِينَةُ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ الرِّيحَ تَرْمُزُ إِلَى التَّجَارِبِ وَالاضْطِرَابَاتِ الَّتِي تُثِيرُهَا قُوَى الشَّرِّ، أَمَّا دُخُولُ الْمَسِيحِ السَّفِينَةَ فَيُرْمِزُ إِلَى حُضُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَفِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ، فَحِينَ يَمْلِكُ الْمَسِيحُ عَلَى الْقَلْبِ، تَسْكُنُ “رِيَاحُ” الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ، وَيَحِلُّ سَلَامُهُ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ (475؛ PL 38). وَهٰكَذَا يُعْلِنُ هٰذَا الْعَدَدُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ سَيِّدُ الرِّيحِ وَالْبَحْرِ، وَأَنَّ الْكَنِيسَةَ، وَإِنْ اجْتَازَتْ عَوَاصِفَ التَّارِيخِ، فَإِنَّهَا تَبْقَى آمِنَةً مَا دَامَ رَبُّهَا فِي وَسَطِهَا، لأَنَّ حُضُورَهُ هُوَ ضَمَانُ السَّلَامِ وَالْخَلَاصِ.

  1. “فَسَجَدَ لَهُ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ، وَقَالُوا: «أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا!

تُشِيرُ عِبَارَةُ ” فَسَجَدَ لَهُ “، إِلَى خُضُوعِ التَّلَامِيذِ لِيَسُوعَ وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ رَبًّا وَإِلَهًا، صَاحِبِ السُّلْطَانِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْبَحْرِ وَالرِّيَاحِ وَقُوَى الطَّبِيعَةِ. وَالْفِعْلُ الْيُونَانِيُّ προσεκύνησαν يَدُلُّ عَلَى السُّجُودِ التَّعَبُّدِيِّ، لا عَلَى مُجَرَّدِ التَّكْرِيمِ أَوِ الاحْتِرَامِ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّلَامِيذَ بَدَأُوا يُدْرِكُونَ الْهُوِيَّةَ الإِلَهِيَّةَ لِيَسُوعَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ قَائِلًا: “بَعْدَ أَنْ رَأَوْا الْبَحْرَ يُطِيعُهُ، لَمْ يَكْتَفُوا بِالْعَجَبِ، بَلْ سَجَدُوا لَهُ، لأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَادَتْهُمْ إِلَى الإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ” (PG 58: 504).

أَمَّا عِبَارَةُ “الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ” فَتُشِيرُ إِلَى التَّلَامِيذِ، وَرُبَّمَا الْمَلَّاحِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ، وَالَّذِينَ انْدَهَشُوا مِنْ سُلْطَانِ يَسُوعَ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الرِّيحِ وَالْبَحْرِ، وَهِيَ قُدْرَةٌ يَخُصُّ بِهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ اللهَ وَحْدَهُ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ: فِي الْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَفِي الْمِيَاهِ الْغَزِيرَةِ سُبُلُكَ، وَلاَ تُعْرَفُ آثَارُكَ” (مزمور 77: 20). وَبِهٰذَا يُظْهِرُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ أَنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى اللهِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ يَتَحَقَّقُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

أَمَّا عِبَارَةُ “أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا!، فَقَدْ وَرَدَتْ فِي اللُّغَةِ الْيُونَانِيَّةِ: ἀληθῶς Θεοῦ Υἱὸς εἶ، وَفِي الآرَامِيَّةِ: בַּר אֱלָהָא אַתְּ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِأُلُوهِيَّةِ يَسُوعَ وَبُنُوَّتِهِ الْفَرِيدَةِ لِلآبِ. وَيُعَدُّ هٰذَا الْهُتَافُ ذَا طَابِعٍ لِيتُورْجِيٍّ، لأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ. فَيَسُوعُ هُوَ ابْنُ اللهِ الَّذِي يَنْتَشِلُ مِنَ الْهَلَاكِ أُولَئِكَ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ، الَّتِي تُمَثِّلُ الْكَنِيسَةَ فِي رَمْزِيَّةِ إِنْجِيلِ مَتَّى (راجع متى 8: 23-27)، وَيُحَقِّقُ مَا تَرَنَّمَ بِهِ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ: “يُرْسِلُ مِنْ عَلْيَائِهِ فَيَأْخُذُنِي، وَمِنَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ يَنْتَشِلُنِي” (مزمور 18: 17). وَيُشَكِّلُ هٰذَا الاِعْتِرَافُ مَرْحَلَةً أَسَاسِيَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، إِذْ يَتَرَدَّدُ لَاحِقًا عَلَى لِسَانِ بُطْرُسَ: “أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ” (متى 16: 16)، وَيُصْبِحُ مِحْوَرَ مُحَاكَمَةِ يَسُوعَ أَمَامَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ (متى 26: 63)، ثُمَّ يَبْلُغُ ذِرْوَتَهُ عِنْدَمَا يَعْتَرِفُ قَائِدُ الْمِئَةِ بَعْدَ الصَّلْبِ قَائِلًا: “حَقًّا كَانَ هٰذَا ابْنَ اللهِ” (متى 27: 54).

وَفِي الْمَفْهُومِ الْيَهُودِيِّ، كَانَ لَقَبُ “ابْنِ اللهِ” يُطْلَقُ عَلَى الْمَلِكِ الْمَسِيحَانِيِّ الَّذِي اخْتَارَهُ اللهُ وَتَبَنَّاهُ، كَمَا يَرِدُ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: “أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” (مزمور 2: 7)، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ: “الآنَ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ يُخَلِّصُ مَسِيحَهُ، يَسْتَجِيبُ لَهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ بِمَآثِرِ يَمِينِهِ الْخَلاَصِيَّةِ” (مزمور 20: 7). أَمَّا فِي الإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، وَخَاصَّةً فِي ضَوْءِ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ أَصْبَحَ هٰذَا اللَّقَبُ يُعَبِّرُ عَنْ الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ، وَهِيَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ بِالطَّبِيعَةِ، الْمُسَاوِي لِلآبِ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلسُّجُودِ وَالْعِبَادَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه قَائِل: “إِنَّهُمْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ ابْنُ اللهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْا فِيهِ الْقُدْرَةَ الإِلَهِيَّةَ الَّتِي لاَ يَمْلِكُهَا إِلَّا اللهُ» (PL 9: 1005).  وَمِنْ هٰذَا الْمُنْطَلَقِ، نَسْتَنْتِجُ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ خَيَالًا كَمَا ظَنَّهُ التَّلَامِيذُ فِي بَدَايَةِ الْحَادِثَةِ، بَلْ هُوَ الْحَقِيقَةُ ذَاتُهَا؛ وَلَيْسَ حَقِيقَةً إِنْسَانِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ حَقِيقَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُتَجَسِّدَةٌ. فَهُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالإِنْسَانُ الْحَقُّ، الَّذِي يَعِيشُ فِي وَسَطِ كَنِيسَتِهِ وَيُرَافِقُهَا عَلَى مَرِّ الأَجْيَالِ، وَفَاءً لِوَعْدِهِ: “هَا أَنَا مَعَكُمْ طَوَالَ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (متى 28: 20). وَهٰذَا هُوَ إِيمَانُ الْكَنِيسَةِ الرَّسُولِيَّةِ، وَإِيمَانُ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبًّا وَابْنَ اللهِ وَمُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ.

وخلاصة القول: تُظْهِرُ العاصفةُ الأُولى (متى 8: 23-27) سُلْطانَ يَسوعَ عَلَى قُوَى الطَّبيعَةِ، وَتُجيبُ عَنِ السُّؤالِ: “مَنْ تُرى هٰذا، حتّى تُطيعَهُ الرِّياحُ وَالبَحرُ؟” (متى 8: 27). أَمَّا العاصفةُ الثَّانِيَةُ (متى 14: 22-33)، فَتَكْشِفُ سُلْطانَ يَسوعَ الإِلَهِيَّ، وَتُؤَدِّي إِلَى الاعْتِرافِ الصَّريحِ بِهُوِيَّتِهِ، إِذْ يَقُولُ التَّلاميذُ: “أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا” (متى 14: 33). وَهٰكَذا يَنْتَقِلُ التَّلاميذُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى مِنَ الخَوْفِ وَالتَّساؤُلِ فِي العاصفةِ الأُولى، إِلَى الإِيمانِ وَالسُّجودِ فِي العاصفةِ الثَّانِيَةِ، مِمَّا يُبَيِّنُ النُّمُوَّ التَّدْرِيجِيَّ فِي إِيمانِهِمْ، وَيُظْهِرُ أَنَّ يَسوعَ لَيْسَ سَيِّدَ الطَّبيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ابْنُ اللهِ الحَيُّ، الْحاضِرُ دَائِمًا مَعَ كَنِيسَتِهِ فِي وَسَطِ عَواصِفِ الْحَياةِ.

ثانياً: تطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متى 14: 22-33)

بعدَ دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ (متى 14: 22-33)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مَحْوَرَهُ الرَّئِيسَ يَدُورُ حَوْلَ دَعْوَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: الدَّعْوَةِ إِلَى الإِيمَانِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الثِّقَةِ بِاللهِ وَالتَّحَرُّرِ مِنَ الْخَوْفِ. فَالْعَاصِفَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ هِيَ صُورَةٌ لِرِحْلَةِ الْكَنِيسَةِ وَحَيَاةِ كُلِّ مُؤْمِنٍ فِي عَالَمٍ تَكْثُرُ فِيهِ التَّجَارِبُ وَالاضْطِرَابَاتُ.

  1. الدَّعْوَةُ إِلَى الإِيمَانِ

يَهْدِفُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ، مِنْ خِلَالِ رِوَايَةِ مَشْيِ يَسُوعَ عَلَى الْمَاءِ، إِلَى دَعْوَةِ التَّلَامِيذِ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِلَى إِيمَانٍ حَيٍّ وَنَاضِجٍ. وَهٰذَا الإِيمَانُ لا يَنْمُو إِلَّا بِالتَّغَلُّبِ عَلَى قِلَّةِ الإِيمَانِ وَالشَّكِّ، اللَّذَيْنِ يُعِيقَانِ الْمَسِيرَةَ الرُّوحِيَّةَ.

(أ) الإِيمَانُ

إِنَّ الإِيمَانَ الْمَسِيحِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَبُولِ الْحَقَائِقِ الْعَقَدِيَّةِ، كَعَقِيدَةِ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ، وَالتَّجَسُّدِ، وَأُلُوهِيَّةِ الْمَسِيحِ، عَلَى أَهَمِّيَّةِ ذٰلِكَ، بَلْ هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَاقَةٌ حَيَّةٌ بِالْمَسِيحِ، وَتَسْلِيمٌ كَامِلٌ لِلَّهِ، وَمُشَارَكَةٌ فِي حَيَاتِهِ. وَلِذٰلِكَ يُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَنَّ الإِيمَانَ الْحَقَّ يُثْمِرُ ثِمَارَ الرُّوحِ الْقُدُسِ: “أَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ الْمَحَبَّةُ، وَالْفَرَحُ، وَالسَّلَامُ، وَالصَّبْرُ، وَاللُّطْفُ، وَالصَّلَاحُ، وَالأَمَانَةُ، وَالْوَدَاعَةُ، وَالْعَفَافُ” (غلاطية 5: 22-23).

وَيُؤَكِّدُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ: “بِغَيْرِ الإِيمَانِ يَسْتَحِيلُ إِرْضَاءُ اللهِ” (العبرانيين 11: 6). فَالإِيمَانُ لَيْسَ فِكْرًا مُجَرَّدًا، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ بِاللهِ، وَتَوَقُّعٌ لِعَمَلِهِ، وَتَسْلِيمٌ لِعِنَايَتِهِ. وَمَنْ يَعِشْ بِهٰذَا الإِيمَانِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى الْخَوْفِ، لأَنَّ نَظَرَهُ يَبْقَى مُثَبَّتًا عَلَى الْمَسِيحِ، لا عَلَى الأَمْوَاجِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: “الإِيمَانُ هُوَ أَنْ تَرَى بِقَلْبِكَ مَا لا تَرَاهُ بِعَيْنَيْكَ، وَثَوَابُ هٰذَا الإِيمَانِ أَنْ تُعَايِنَ يَوْمًا مَا آمَنْتَ بِهِ” (PL 38: 257).

وَيُبَيِّنُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لا تُنْشِئُ الإِيمَانَ، بَلْ الإِيمَانُ هُوَ الَّذِي يَسْبِقُ الْمُعْجِزَةَ وَيَفْتَحُ الْقَلْبَ لِقَبُولِهَا. فَبُطْرُسُ لَمْ يَمْشِ عَلَى الْمَاءِ لأَنَّهُ رَأَى الْمُعْجِزَةَ، بَلْ لأَنَّهُ آمَنَ بِكَلِمَةِ الْمَسِيحِ: “تَعَالَ” (متى 14: 29). وَعِنْدَمَا حَوَّلَ نَظَرَهُ مِنَ الْمَسِيحِ إِلَى شِدَّةِ الرِّيحِ، ضَعُفَ إِيمَانُهُ، وَأَخَذَ يَغْرَقُ، فَصَرَخَ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (متى 14: 30). فَاسْتَجَابَ لَهُ يَسُوعُ فِي الْحَالِ، وَمَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَهُ، ثُمَّ عَاتَبَهُ قَائِلًا: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟»” (متى 14: 31). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ: “مَا دَامَ بُطْرُسُ يَنْظُرُ إِلَى الْمَسِيحِ، كَانَ يَسِيرُ عَلَى الْمَاءِ؛ وَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الرِّيحِ، غَلَبَهُ الْخَوْفُ” (PG 58: 503).

وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ لا تُلْغِي الإِيمَانَ، بَلْ تُقَوِّيهِ وَتُنَمِّيهِ. فَالْمَسِيحُ مَا زَالَ الْيَوْمَ يَسْتَجِيبُ لِكُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ بِإِيمَانٍ، وَيَمُدُّ يَدَهُ لِمَنْ يَغْرَقُ فِي أَمْوَاجِ الْخَوْفِ وَالْيَأْسِ. وَقَدْ أَثَارَتْ مُعْجِزَةُ السَّيْرِ عَلَى الْمَاءِ السُّؤَالَ الْجَوْهَرِيَّ: “مَنْ هٰذَا؟” (مرقس 4: 41).

وَهُوَ السُّؤَالُ الَّذِي وَاجَهَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانَ (متى 11: 2-3)، وَأَثَارَ رَفْضَ الْفَرِّيسِيِّينَ (متى 12: 22-28)، إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى جَوَابِهِ الْكَامِلِ عَلَى لِسَانِ بُطْرُسَ: “أَنْتَ الْمَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الْحَيِّ” (متى 16: 16).

وَتَبْلُغُ الرِّوَايَةُ ذِرْوَتَهَا بِاعْتِرَافِ الْجَمَاعَةِ كُلِّهَا: “فَسَجَدَ لَهُ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ، وَقَالُوا: أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا” (متى 14: 33). فَبِهٰذَا الإِيمَانِ يَدْخُلُ التَّلَامِيذُ فِي شَرِكَةٍ أَعْمَقَ مَعَ الْمَسِيحِ، وَيُصْبِحُونَ أَهْلًا لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ، وَيَنَالُ بُطْرُسُ سُلْطَانَ الْمَفَاتِيحِ (متى 16: 19).

وَيُؤَكِّدُ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أنَّ “الإِيمَانَ هُوَ اسْتِجَابَةُ الإِنْسَانِ الْحُرَّةُ لِلَّهِ الَّذِي يُعْلِنُ ذَاتَهُ، وَهُوَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ نِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ تُنِيرُ الْعَقْلَ وَتُحَرِّكُ الإِرَادَةَ” (التعليم المسيحي، الفقرات 150-155).وَيُلَخِّصُ البابا بندكتس السادس عشر جَوْهَرَ هٰذَا الإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: “الإِيمَانُ لَيْسَ نَظَرِيَّةً وَلاَ فِلْسَفَةً، بَلْ لِقَاءٌ شَخْصِيٌّ مَعَ الْمَسِيحِ الْحَيِّ، وَهٰذَا اللِّقَاءُ يُغَيِّرُ الْحَيَاةَ بِأَكْمَلِهَا” (Porta Fidei، 10).

وَمِنْ ثَمَّ، يُقَدِّمُ لَنَا إِنْجِيلُ مَتَّى نَمُوذَجًا لِلإِيمَانِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الْكَنِيسَةُ الْيَوْمَ. فَنَحْنُ، وَنَحْنُ نُبْحِرُ فِي “سَفِينَةِ” الْكَنِيسَةِ، مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نُثَبِّتَ أَنْظَارَنَا عَلَى يَسُوعَ، ابْنِ اللهِ الْحَيِّ، وَأَنْ نَعِيشَ مَعَهُ شَرِكَةً حَيَّةً تُبَدِّلُ حَيَاتَنَا. فَالإِيمَانُ الْحَقُّ لَا يَقُودُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ فَقَطْ، بَلْ إِلَى اتِّبَاعِهِ وَالاِتِّحَادِ بِهِ، حَتَّى يُضْفِي نُورُ قِيَامَتِهِ مَعْنًى جَدِيدًا عَلَى كُلِّ مَا نَعِيشُهُ، وَيَقُودَنَا نَحْوَ مَلَكُوتِ اللهِ.

(ب) قِلَّةُ الإِيمَانِ

يَتَبَيَّنُ مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى أَنَّ الإِيمَانَ الَّذِي يَمْدَحُهُ يَسُوعُ غَالِبًا لَيْسَ إِيمَانَ التَّلَامِيذِ، بَلْ إِيمَانَ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ، مِثْلِ الْمَرْأَةِ النَّازِفَةِ الدَّمِ، الَّتِي قَالَ لَهَا: “ثِقِي يَا ابْنَتِي، إِيمَانُكِ خَلَّصَكِ” (متى 9: 20-22)، وَقَائِدِ الْمِئَةِ فِي كَفْرَنَاحُومَ، الَّذِي شَهِدَ لَهُ قَائِلًا: “لَمْ أَجِدْ فِي إِسْرَائِيلَ بِمِقْدَارِ هٰذَا الإِيمَانِ” (متى 8: 5-13)، وَالْمَرْأَةِ الْكَنْعَانِيَّةِ، الَّتِي مَدَحَ يَسُوعُ إِيمَانَهَا قَائِلًا: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ” (متى 15: 21-28). أَمَّا التَّلَامِيذُ، فَيَصِفُهُمْ مَتَّى غَالِبًا بِأَنَّهُمْ قَلِيلُو الإِيمَانِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟” (متى 14: 31).

وَيُظْهِرُ الإِنْجِيلُ أَنَّ ضَعْفَ الإِيمَانِ لَيْسَ دَرَجَةً وَاحِدَةً، بَلْ لَهُ مَظَاهِرُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَدْ ظَهَرَتْ قِلَّةُ إِيمَانِ التَّلَامِيذِ عِنْدَمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ مِنَ الأَمْوَاجِ وَالرِّيَاحِ الْمُخَالِفَةِ (متى 14: 24)، وَعِنْدَمَا رَأَى بُطْرُسُ شِدَّةَ الرِّيحِ فَخَافَ وَأَخَذَ يَغْرَقُ (متى 14: 30-31)، وَكَذَلِكَ فِي الْعَاصِفَةِ الأُولَى، حِينَ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: “لِمَاذَا أَنْتُمْ خَائِفُونَ، يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟” (متى 8: 26). وَيُفْهَمُ مِنْ هٰذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ قِلَّةَ الإِيمَانِ تُظْهِرُ نَفْسَهَا فِي الْخَوْفِ وَالاضْطِرَابِ أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ نَفْسَهَا فِي الإِنْكَارِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ قَائِلًا: “لَمْ يُوَبِّخِ الرَّبُّ بُطْرُسَ لأَنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّفِينَةِ، بَلْ لأَنَّهُ تَرَدَّدَ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ يَسِيرُ. فَقِلَّةُ الإِيمَانِ لَيْسَتْ فِي الْبِدَايَةِ، بَلْ فِي عَدَمِ الثَّبَاتِ” (PG 58: 503).

وَيُمَثِّلُ بُطْرُسُ صُورَةَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ جُرْأَةِ الإِيمَانِ وَضَعْفِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ. فَقَدْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَ أَمَانَ السَّفِينَةِ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ طَاعَةً لِكَلِمَةِ الْمَسِيحِ، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى إِيمَانٍ جَرِيءٍ. لَكِنَّهُ، لَمَّا حَوَّلَ نَظَرَهُ مِنَ الْمَسِيحِ إِلَى الأَمْوَاجِ، انْتَقَلَ مِنَ السُّلُوكِ بِالإِيمَانِ إِلَى السُّلُوكِ بِالْعِيَانِ، فَضَعُفَ إِيمَانُهُ وَأَخَذَ يَغْرَقُ. وَهُنَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ مَا يُعَلِّمُهُ الرَّسُولُ بُولُسُ: “فَإِنَّنَا نَسْلُكُ بِالإِيمَانِ لاَ بِالْعِيَانِ” (2 قورنثس 5: 7).

إِنَّ عِلَاجَ ضَعْفِ الإِيمَانِ يَكْمُنُ فِي تَثْبِيتِ النَّظَرِ عَلَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لا عَلَى حَجْمِ الْمَخَاطِرِ وَالصُّعُوبَاتِ. فَعِنْدَمَا رَكَّزَ بُطْرُسُ أَنْظَارَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، سَارَ عَلَى الْمَاءِ؛ وَعِنْدَمَا انْشَغَلَ بِالأَمْوَاجِ، ابْتَدَأَ يَغْرَقُ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس بِقَوْلِهِ: “كَانَ بُطْرُسُ يَسِيرُ عَلَى الْمِيَاهِ مَا دَامَتْ عَيْنَاهُ عَلَى الرَّبِّ، وَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الرِّيحِ، بَدَأَ يَغْرَقُ؛ لأَنَّ الْخَوْفَ حَلَّ مَحَلَّ الثِّقَةِ” PL 38: 479)). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ قِلَّةَ الإِيمَانِ لا تَعْنِي رَفْضَ الإِيمَانِ، بَلْ ضَعْفَهُ وَتَرَدُّدَهُ. فَبُطْرُسُ لَمْ يَتْرُكِ الْمَسِيحَ، بَلْ تَوَقَّفَ لَحْظَةً عَنْ الثِّقَةِ الْكَامِلَةِ بِكَلِمَتِهِ. وَهٰذَا هُوَ مَعْنَى الْفِعْلِ الْيُونَانِيِّ ἐδίστασας، أَيْ تَرَدَّدْتَ وَانْقَسَمَ قَلْبُكَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْخَوْفِ.

وَيَنْضُجُ الإِيمَانُ بِالْمُثَابَرَةِ وَالصَّلَاةِ. فَالْمَسِيحُ الَّذِي عَاتَبَ بُطْرُسَ عَلَى قِلَّةِ إِيمَانِهِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي صَلَّى مِنْ أَجْلِهِ قَبْلَ آلَامِهِ قَائِلًا: “وَلٰكِنِّي دَعَوْتُ لَكَ أَلَّا يَفْقِدَ إِيمَانُكَ، وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ، ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ” (لوقا 22: 32). وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لا يَتْرُكُ تِلْمِيذَهُ فِي ضَعْفِهِ، بَلْ يُسَانِدُهُ بِنِعْمَتِهِ حَتَّى يَصِيرَ شَاهِدًا لِلإِيمَانِ.

وَيُعَلِّمُ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أَنَّ الإِيمَانَ “هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُغَذَّى بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلَاةِ وَالْمُثَابَرَةِ”(راجع: الفقرات 162-165)).  فَمَا عَمِلَهُ الْمَسِيحُ مَعَ بُطْرُسَ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، لا يَزَالُ يَعْمَلُهُ الْيَوْمَ مَعَ كَنِيسَتِهِ وَمَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَتَعَرَّضُ لِلتَّجَارِبِ. فَهُوَ يُمِدُّ يَدَهُ لِيُقِيمَ الضَّعِيفَ، وَيُثَبِّتَ الْمُتَرَدِّدَ، وَيَقُودَهُ نَحْوَ نُضْجِ الإِيمَانِ، حَتَّى يَصِيرَ، عَلَى غِرَارِ بُطْرُسَ، شَاهِدًا لِلْمَسِيحِ وَمُثَبِّتًا لِإِخْوَتِهِ.

(ج) الشَّكُّ

يُعَدُّ الشَّكُّ، فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ، خِبْرَةً إِنْسَانِيَّةً قَدْ تُصْبِحُ، إِذَا وُوجِهَتْ بِصِدْقٍ وَانْفِتَاحٍ عَلَى اللهِ، سَبِيلًا إِلَى إِيمَانٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ نُضْجًا. فَلَيْسَ كُلُّ شَكٍّ رَفْضًا لِلإِيمَانِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ تَسَاؤُلًا يَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى الْبَحْثِ وَالْفَهْمِ وَالْمُوَاجَهَةِ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى تَجْدِيدِ الثِّقَةِ بِاللهِ. وَهٰذَا مَا نَرَاهُ فِي خِبْرَةِ بُطْرُسَ؛ فَقَدْ آمَنَ بِكَلِمَةِ الْمَسِيحِ، وَنَزَلَ مِنَ السَّفِينَةِ، وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ، لٰكِنَّهُ حِينَ رَأَى شِدَّةَ الرِّيحِ تَرَدَّدَ وَشَكَّ، فَأَخَذَ يَغْرَقُ (متى 14: 28-30).

وَالشَّكُّ هُنَا لَا يَعْنِي الإِلْحَادَ أَوْ رَفْضَ اللهِ، بَلِ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الثِّقَةِ وَالْخَوْفِ. وَهٰذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْيُونَانِيُّ διστάζω، الَّذِي يَحْمِلُ مَعْنَى التَّرَدُّدِ وَالانْقِسَامِ الدَّاخِلِيِّ. وَلِذٰلِكَ قَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟” (متى 14: 31)، فَلَمْ يَتَّهِمْهُ بِعَدَمِ الإِيمَانِ، بَلْ بِقِلَّتِهِ وَعَدَمِ ثَبَاتِهِ.

وَقَدْ نَالَ بُطْرُسُ بُرْهَانًا حِسِّيًّا عَلَى قُدْرَةِ الْمَسِيحِ، إِذْ مَشَى فِعْلًا عَلَى الْمَاءِ، وَمَعَ ذٰلِكَ تَسَلَّلَ الشَّكُّ إِلَى قَلْبِهِ. وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَرَاهِينَ الْخَارِجِيَّةَ، عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا، لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِتَثْبِيتِ الإِيمَانِ؛ فَالإِيمَانُ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ ثِقَةٌ شَخْصِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ وَثَبَاتٌ فِي كَلِمَتِهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ عَلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ قَائِلًا إِنَّ بُطْرُسَ، مَا دَامَ نَظَرُهُ مُثَبَّتًا عَلَى الْمَسِيحِ، كَانَ أَقْوَى مِنَ الْبَحْرِ، وَلٰكِنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الرِّيحِ، غَلَبَهُ الْخَوْفُ وَضَعُفَ إِيمَانُهُ (PG 58: 503).  فَالْمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ فِي قُوَّةِ الْعَاصِفَةِ، بَلْ فِي تَحَوُّلِ نَظَرِ بُطْرُسَ مِنَ الْمَسِيحِ إِلَى الْخَطَرِ.

وَيُفْقِدُ الشَّكُّ الإِنْسَانَ كَثِيرًا مِنْ قُوَّتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ؛ فَعِنْدَمَا يَسْتَسْلِمُ لَهُ، قَدْ يُصْبِحُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تَمْيِيزِ الْخَيْرِ مِنَ الشَّرِّ، وَالأَمَانَةِ مِنَ الْخِدَاعِ، وَالْوَفَاءِ مِنَ الرِّيَاءِ. وَفِي حَالَةِ بُطْرُسَ، لَمْ تَعُدْ مَهَارَتُهُ الْبَشَرِيَّةُ كَافِيَةً لِإِنْقَاذِهِ؛ فَمَعَ أَنَّهُ كَانَ صَيَّادًا يَعْرِفُ الْبَحْرَ وَيُجِيدُ السِّبَاحَةَ (راجع يوحنا 21: 7)، فَإِنَّ الْخَوْفَ وَالاضْطِرَابَ جَعَلَاهُ يَشْعُرُ بِعَجْزِهِ الْكَامِلِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى بُطْرُسَ بِأَنَّهُ صُورَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَنِيسَةِ مَعًا: فَمَا دَامَ يَنْظُرُ إِلَى الْمَسِيحِ يَسِيرُ فَوْقَ أَمْوَاجِ الْعَالَمِ، وَإِذَا حَوَّلَ نَظَرَهُ عَنْهُ، بَدَأَ يَغْرَقُ (PL 38: 479).  وَهٰكَذَا لَمْ يَكُنْ سُقُوطُ بُطْرُسَ نِهَايَةَ إِيمَانِهِ، بَلْ فُرْصَةً لِيَكْتَشِفَ أَنَّ خَلَاصَهُ لَا يَأْتِي مِنْ قُوَّتِهِ، بَلْ مِنْ يَدِ الْمَسِيحِ الْمَمْدُودَةِ إِلَيْهِ.

وَمَعَ أَنَّ بُطْرُسَ خَافَ وَشَكَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَسِيرَ شَكِّهِ، بَلْ أَعَادَ نَظَرَهُ إِلَى الْمَسِيحِ وَصَرَخَ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (متى 14: 30). وَهٰذِهِ الصَّرْخَةُ تَكْشِفُ أَنَّ الإِيمَانَ لَمْ يَمُتْ فِيهِ، بَلْ بَقِيَ حَيًّا فِي أَعْمَاقِهِ، فَتَحَوَّلَ الشَّكُّ إِلَى صَلَاةٍ، وَالْخَوْفُ إِلَى طَلَبِ خَلَاصٍ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّغَلُّبَ عَلَى الشَّكِّ لا يَكُونُ بِإِنْكَارِهِ أَوْ إِخْفَائِهِ، بَلْ بِحَمْلِهِ إِلَى الْمَسِيحِ. فَقَدْ يَمُرُّ الْمُؤْمِنُ بِظُرُوفٍ عَسِيرَةٍ، وَقَدْ لا “يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ” حَرْفِيًّا، لٰكِنَّهُ يُوَاجِهُ أَمْوَاجًا مِنَ الْمَرَضِ، وَالْخَوْفِ، وَالاضْطِهَادِ، وَالْفَشَلِ، وَالْوَحْدَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ تَجَارِبِ الْحَيَاةِ. فَإِذَا ثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى هٰذِهِ “الأَمْوَاجِ” فَقَطْ، قَدْ يَتَزَعْزَعُ إِيمَانُهُ؛ أَمَّا إِذَا ثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، فَيَجِدُ الْقُوَّةَ لِلثَّبَاتِ.

وَلا يَعْنِي اهْتِزَازُ الإِيمَانِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ فَشِلَ نِهَائِيًّا؛ فَإِيمَانُ بُطْرُسَ اهْتَزَّ، لٰكِنَّهُ لَجَأَ إِلَى الْمَسِيحِ، وَهٰذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ شَكٍّ يُغْلِقُ الإِنْسَانَ عَلَى ذَاتِهِ، وَشَكٍّ يَدْفَعُهُ إِلَى الْبَحْثِ عَنِ الرَّبِّ. وَهٰذَا مَا نَرَاهُ أَيْضًا فِي تُومَا الرَّسُولِ، الَّذِي انْتَقَلَ مِنَ الشَّكِّ إِلَى أَعْمَقِ اعْتِرَافٍ بِالإِيمَانِ: “رَبِّي وَإِلٰهِي” (يوحنا 20: 28).

وَهٰكَذَا يَدْعُونَا ظُهُورُ الْمَسِيحِ مَاشِيًا عَلَى الْمَاءِ، وَدَعْوَتُهُ بُطْرُسَ إِلَى السَّيْرِ نَحْوَهُ، إِلَى الثِّقَةِ بِقُوَّةِ اللهِ فِي وَسَطِ أَمْوَاجِ الْحَيَاةِ الَّتِي تُهَدِّدُ إِيمَانَنَا وَحَيَاتَنَا الْمَسِيحِيَّةَ. وَمَتَى وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا فِي «”الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ”، فَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الرَّبَّ يَعْرِفُ صِرَاعَنَا، وَيَرَى تَعَبَنَا، وَلا يَتْرُكُنَا وَحْدَنَا، بَلْ يَأْتِي إِلَيْنَا وَيَمُدُّ يَدَهُ لِيَقُولَ لَنَا مِنْ جَدِيدٍ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا”(متى 14: 27).

  1. الدَّعْوَةُ إِلَى الثِّقَةِ وَالتَّحَرُّرِ مِنَ الْخَوْفِ

يَهْدِفُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ، فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَسُوعَ الَّذِي يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، لا إِلَى دَعْوَةِ التَّلَامِيذِ إِلَى الإِيمَانِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا إِلَى الثِّقَةِ بِاللهِ وَالتَّحَرُّرِ مِنَ الْخَوْفِ. فَلَمَّا رَأَى التَّلَامِيذُ يَسُوعَ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ، “اضْطَرَبُوا وَقَالُوا: هٰذَا خَيَالٌ! وَمِنْ خَوْفِهِمْ صَرَخُوا. فَبَادَرَهُمْ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا!” (متى 14: 26-27). وَهٰكَذَا يَضَعُ الإِنْجِيلُ الثِّقَةَ فِي مُوَاجَهَةِ الْخَوْفِ، لِأَنَّ الثِّقَةَ بِاللهِ هِيَ الَّتِي تَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى إِيمَانٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ ثَبَاتًا.

وَالْخَوْفُ، فِي هٰذَا السِّيَاقِ، هُوَ نَقِيضُ الثِّقَةِ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْخَطَرِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْظُرُ إِلَى اللهِ. أَمَّا الإِيمَانُ فَيَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ مِنَ “الْغَرَقِ” أَمَامَ الصُّعُوبَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ. فَالْمَسِيحُ لا يَظْهَرُ لِتَلَامِيذِهِ لِيُرْهِبَهُمْ، بَلْ لِيُطَمْئِنَهُمْ، وَيُعْلِنَ لَهُمْ حُضُورَهُ الْمُخَلِّصَ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا!” (متى 14: 27). وَمِنْ ثَمَّ، يَصِيرُ الإِيمَانُ بِالْمَسِيحِ مَصْدَرًا لِلسَّلَامِ، وَيُحَرِّرُ الْقَلْبَ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي يُشِلُّ الإِرَادَةَ وَيُبَدِّدُ الرَّجَاءَ.

وَيُرَدِّدُ يَسُوعُ هٰذِهِ الدَّعْوَةَ عَلَى مَسَامِعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَيُوَاجِهُونَ الاضْطِهَادَ، فَيَقُولُ لَهُمْ أَلَّا يَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقْتُلُوا النَّفْسَ (متى 10: 26-31). وَهٰكَذَا يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ الثِّقَةَ بِعِنَايَةِ الآبِ أَقْوَى مِنْ كُلِّ تَهْدِيدٍ بَشَرِيٍّ.

وَيَدْعُونَا ظُهُورُ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ مَاشِيًا عَلَى الْمَاءِ، وَإِنْقَاذُهُ بُطْرُسَ، إِلَى الثِّقَةِ بِقُوَّةِ اللهِ فِي وَسَطِ أَمْوَاجِ الْحَيَاةِ الْعَاتِيَةِ الَّتِي تُهَدِّدُ إِيمَانَنَا وَحَيَاتَنَا الْمَسِيحِيَّةَ. فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَثِقُ بِعِنَايَةِ الرَّبِّ وَحِفْظِهِ وَقُدْرَتِهِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ يَبْقَى مُتَمَسِّكًا بِمَوَاعِيدِهِ، لأَنَّ الرَّبَّ يُعْلِنُ فِي الْمَزْمُورِ: “أُنَجِّيهِ لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي، أَحْمِيهِ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. يَدْعُونِي فَأُجِيبُهُ، أَنَا مَعَهُ فِي الضِّيقِ، فَأُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ” (مزمور 91: 14-15).

وَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ لا يَعِيشُ أَسِيرَ الْخَوْفِ، لأَنَّ الإِيمَانَ يُحَرِّرُهُ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْمَرَضِ، وَالْمَوْتِ، وَالآلامِ، وَالضِّيقَاتِ، وَمِنَ الْبَشَرِ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَفْعَلُوا. فَهُوَ يَتَرَنَّمُ مَعَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ: “الرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، فَمِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، فَمِمَّنْ أَفْزَعُ؟” (مزمور 27: 1). وَيَتَذَكَّرُ دَائِمًا قَوْلَ يَسُوعَ: “فِي الْعَالَمِ سَتُعَانُونَ الشِّدَّةَ، وَلٰكِنْ ثِقُوا، إِنِّي قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ” (يوحنا 16: 33). وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ قَائِلًا: “جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، فَإِنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلا أَتَزَعْزَعُ” (مزمور 16: 8)، وَأَيْضًا: “إِنِّي وَلَوْ سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ، لا أَخَافُ سُوءًا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي” (مزمور 23: 4). فَحُضُورُ اللهِ هُوَ أَسَاسُ الطُّمَأْنِينَةِ، لا زَوَالُ الصُّعُوبَاتِ.

وَيُزِيلُ اعْتِمَادُنَا عَلَى اللهِ كَثِيرًا مِنْ أَسْبَابِ الْخَوْفِ مِنْ قُلُوبِنَا، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَدْرِكُ أَنَّ اللهَ لا يَعِدُهُ بِحَيَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْعَوَاصِفِ، بَلْ بِحُضُورِهِ فِي وَسَطِهَا. وَعِنْدَمَا تَشْتَدُّ الْعَاصِفَةُ، يَكْتَشِفُ الإِنْسَانُ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الاِعْتِمَادَ عَلَى قُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَالثِّقَةِ بِعِنَايَتِهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ فَرَنْسِيسُ دِي سَال: “إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تُبْحِرُوا فِي بَحْرِ هٰذَا الْعَالَمِ الْهَائِجِ، فَاجْعَلُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ غَايَتَكُمْ، وَلْيَكُنْ صَلِيبُهُ سَارِيَةَ سَفِينَتِكُمْ، وَثِقَتُكُمْ بِهِ مِرْسَاتَكُمْ، وَاتْرُكُوا رِيحَ الإِلْهَامِ السَّمَاوِيِّ تَدْفَعُ مَرْكَبَكُمْ حَتَّى تَبْلُغُوا مَرْفَأَ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ”. فَالْمَسِيحُ لَيْسَ فَقَطْ مَنْ يَأْمُرُ الْعَاصِفَةَ بِالسُّكُونِ، بَلْ هُوَ أَيْضًا الْمِرْسَاةُ الَّتِي تُثَبِّتُ الْقَلْبَ فِي وَسَطِهَا.

وَأَخِيرًا، يَدْعُونَا النَّصُّ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْعُزْلَةِ، لأَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ جَعَلَ وَقْتًا فِي خِدْمَتِهِ لِلانْفِرَادِ مَعَ الآبِ. فَصَلَاتُهُ عَلَى الْجَبَلِ هِيَ عَلامَةُ شَرِكَتِهِ الْعَمِيقَةِ مَعَ الآبِ، وَهِيَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ مَصْدَرُ الْقُوَّةِ لِمُوَاجَهَتِهِ. فَالصَّلَاةُ تَحْفَظُ الْقَلْبَ فِي السَّلَامِ وَسَطَ عَالَمٍ مُضْطَرِبٍ، وَتُنْشِئُ عَلَاقَةً حَيَّةً بِاللهِ، وَتُهَيِّئُ الْمُؤْمِنَ لِمُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ الْحَيَاةِ وَصِرَاعَاتِهَا.

وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ وَاقِعَنَا الْمُعَاصِرَ يُشْبِهُ، فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ، سَفِينَةَ التَّلَامِيذِ فِي وَسَطِ الْعَاصِفَةِ. فَنَحْنُ نَعِيشُ فِي عَالَمٍ تَكْثُرُ فِيهِ التَّحَدِّيَاتُ وَالصُّعُوبَاتُ وَالْخَوْفُ وَالاضْطِرَابُ. وَقَدْ يَبْدُو لَنَا أَحْيَانًا أَنَّ اللهَ قَدْ تَرَكَنَا، أَوْ أَنَّهُ غَائِبٌ عَنَّا، لٰكِنَّ الإِنْجِيلَ يُؤَكِّدُ أَنَّ الرَّبَّ حَاضِرٌ، وَيَعْرِفُ تَعَبَنَا، وَيَهْتَمُّ بِنَا، وَيَأْتِي إِلَيْنَا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ.

وَقَدِ اخْتَبَرَ التَّلَامِيذُ أَنَّهُمْ مِنْ دُونِ يَسُوعَ عَاجِزُونَ، وَأَنَّهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهِ فِي سَاعَاتِ الظُّلْمَةِ وَالضِّيقِ. وَلِذٰلِكَ، فَلْنُخَصِّصْ وَقْتًا لِلِانْفِرَادِ مَعَ اللهِ فِي الصَّلَاةِ، لِنَنْمُوَ رُوحِيًّا، وَنَزْدَادَ ثِقَةً بِهِ، وَنَتَشَبَّهَ بِالْمَسِيحِ، وَنَعْبُرَ عَوَاصِفَ الْحَيَاةِ بِقَلْبٍ ثَابِتٍ، وَاثِقِينَ بِصَوْتِهِ الْقَائِلِ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا!” (متى 14: 27).

الْخُلاصَةُ

بَعْدَ أَنْ أَشْبَعَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ وَالْجُمُوعَ مِنَ الْخُبْزِ بِسَخَاءٍ وَمَجَّانِيَّةٍ (مَتَّى 14: 13-21)، طَلَبَ مِنْ تَلَامِيذِهِ أَنْ يَرْكَبُوا السَّفِينَةَ وَيَتَقَدَّمُوهُ إِلَى الشَّاطِئِ الْمُقَابِلِ (مَتَّى 14: 22). وَفِي أَثْنَاءِ عُبُورِهِمْ، هَبَّتْ رِيَاحٌ مُعَاكِسَةٌ وَاضْطَرَبَ الْبَحْرُ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِيًا عَلَى الْمَاءِ.

وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ (مَتَّى 14: 22-33) سُلْطَانَ يَسُوعَ الإِلَهِيَّ عَلَى قُوَى الطَّبِيعَةِ وَالشَّرِّ، وَتُظْهِرُ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، مَسِيرَةَ التَّلَامِيذِ مِنَ الْخَوْفِ وَالشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِ وَالسُّجُودِ. وَيُجَسِّدُ بُطْرُسُ صُورَةَ التِّلْمِيذِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنَةِ الَّتِي قَدْ يَعْتَرِيهَا الْخَوْفُ وَالشَّكُّ، وَقَدْ تَظُنُّ أَحْيَانًا أَنَّ الْمَسِيحَ بَعِيدٌ عَنْهَا، فَتَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ ثِقَتِهَا بِحُضُورِهِ وَقُوَّتِهِ.

وَقَدْ سَمَحَ الرَّبُّ لِلتَّلَامِيذِ بِاخْتِبَارِ الْعَاصِفَةِ، لا لِيَهْلِكُوا، بَلْ لِيَتَعَلَّمُوا أَنَّهُمْ مِنْ دُونِهِ عَاجِزُونَ، وَأَنَّ خَلَاصَهُمْ يَأْتِي مِنْ حُضُورِهِ. فَمَشَى يَسُوعُ عَلَى الْمَاءِ لِيُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَبُّ الْخَلِيقَةِ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى بُطْرُسَ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ يَدَ النِّعْمَةِ أَقْوَى مِنَ الْخَوْفِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّفِينَةِ لِيُعِيدَ إِلَيْهِمُ السَّلامَ وَالطُّمَأْنِينَةَ. وَهٰكَذَا انْتَهَتِ الرِّوَايَةُ بِاعْتِرَافِهِمُ الإِيمَانِيِّ: “أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا!” (مَتَّى 14: 33).

وَقَدِ اخْتَبَرَ التَّلَامِيذُ قُدْرَةَ يَسُوعَ الإِلَهِيَّةَ وَهُمْ بَعْدُ فِي طَرِيقِهِمْ نَحْوَ الشَّاطِئِ، وَهٰذَا يُصْبِحُ صُورَةً لِمَسِيرَةِ الْكَنِيسَةِ نَحْوَ شَاطِئِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَبِقِيَامَةِ الْمَسِيحِ وَظُهُورِهِ لِتَلَامِيذِهِ، بَدَأَتْ مَسِيرَةُ الْكَنِيسَةِ فِي الْعَالَمِ، وَصَارَ بُطْرُسُ صُورَةً لِلتِّلْمِيذِ الَّذِي يَسِيرُ بِالإِيمَانِ، وَإِنْ عَرَفَ أَيْضًا الضَّعْفَ وَالتَّرَدُّدَ.

وَيَتَعَلَّمُ الْمُؤْمِنُ مِنْ بُطْرُسَ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ “السَّفِينَةِ” وَيَسِيرَ فَوْقَ أَمْوَاجِ الْعَالَمِ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ إِذَا دَعَاهُ الرَّبُّ وَثَبَتَ نَظَرُهُ عَلَيْهِ. فَكَلِمَةُ يَسُوعَ “تَعَالَ” (مَتَّى 14: 29) هِيَ الَّتِي جَعَلَتْ بُطْرُسَ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَفُوقُ قُوَّتَهُ الطَّبِيعِيَّةَ. وَهٰكَذَا فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَثِقَ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، وَيُوَاجِهَ الشَّرَّ وَالْخَوْفَ وَالضِّيقَ بِالإِيمَانِ، عَلَى خُطَى مُعَلِّمِهِ. وَيُعَبِّرُ الْقِدِّيسُ كُولُمْبَانُسُ عَنْ قُرْبِ اللهِ مِنَ الإِنْسَانِ قَائِلًا “إِنَّ اللهَ عَظِيمٌ فِي وُجُودِهِ، وَكَامِلٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ أَيْنَمَا كَانَ… فَاللهُ الَّذِي نَبْحَثُ عَنْهُ لَيْسَ بَعِيدًا عَنَّا، بَلْ هُوَ بَيْنَنَا إِنْ كُنَّا مُنْفَتِحِينَ عَلَى حُضُورِهِ” (Instructiones، I، في الإيمان).

وَتُشْبِهُ الْكَنِيسَةُ، وَهِيَ تَعْبُرُ تَجَارِبَ هٰذَا الْعَالَمِ، سَفِينَةَ التَّلَامِيذِ الْمُضْطَرِبَةَ فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَقَدْ يَبْدُو لَهَا أَحْيَانًا أَنَّهَا مُتْرُوكَةٌ، كَمَا ظَنَّ التَّلَامِيذُ فِي ذٰلِكَ اللَّيْلِ أَنَّ الْمَسِيحَ غَائِبٌ عَنْهُمْ. لٰكِنَّ يَسُوعَ كَانَ عَلَى الْجَبَلِ يُصَلِّي، ثُمَّ أَتَى إِلَيْهِمْ عِنْدَمَا بَلَغَتِ الشِّدَّةُ ذُرْوَتَهَا.

وَهٰكَذَا يَعْمَلُ الْمَسِيحُ مَعَ كَنِيسَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ فَهُوَ الْقَائِمُ الَّذِي يَشْفَعُ فِينَا عِنْدَ الآبِ (رُومَة 8: 34؛ عِبْرَانِيِّينَ 7: 25)، وَيَبْقَى حَاضِرًا فِي وَسَطِ كَنِيسَتِهِ عَلَى الأَرْضِ، يَأْتِي إِلَى مَعُونَتِهَا فِي وَقْتِ الضِّيقِ، وَيُحَوِّلُ خَوْفَهَا إِلَى رَجَاءٍ، وَاضْطِرَابَهَا إِلَى سَلامٍ، وَشَكَّهَا إِلَى إِيمَانٍ.

فَلْنَتَمَسَّكْ، إِذًا، بِوَعْدِ اللهِ وَبِكَلِمَتِهِ، وَلْنَقُلْ مَعًا مَعَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ: “اللهُ فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ، اللهُ يُعِينُهَا عِنْدَ انْبِثَاقِ الصُّبْحِ” (مَزْمُور 46: 6). فَالْمَسِيحُ الَّذِي مَشَى عَلَى الْبَحْرِ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى بُطْرُسَ، وَأَسْكَتَ الرِّيحَ، هُوَ نَفْسُهُ الْحَاضِرُ الْيَوْمَ فِي وَسَطِ كَنِيسَتِهِ، يَقُولُ لَهَا فِي كُلِّ عَاصِفَةٍ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا!” (مَتَّى 14: 27).

دُعَاء

أَيُّهَا الْمَسِيحُ إِلَهَنَا، يَا مَنْ لَكَ السُّلْطَانُ عَلَى الْخَلِيقَةِ، وَتُسَكِّنُ الرِّيحَ وَالْبَحْرَ، وَتَمُدُّ يَدَكَ لِتُنْقِذَ الْغَارِقِينَ، نَضْرَعُ إِلَيْكَ أَنْ تُقَوِّيَ إِيمَانَنَا، وَتُثَبِّتَ رَجَاءَنَا، خَاصَّةً عِنْدَمَا يَهْتَزُّ إِيمَانُنَا وَسَطَ تَجَارِبِ الْحَيَاةِ وَصُعُوبَاتِهَا.

لا تَدَعْنَا نَشُكُّ فِي حُضُورِكَ الْحَيِّ، وَلا فِي قُدْرَتِكَ عَلَى مُعَاوَنَتِنَا. خَفِّفْ عَنَّا هُمُومَنَا إِذَا أَثْقَلَتْ كَوَاهِلَنَا، وَأَسْكِنْ عَوَاصِفَ قُلُوبِنَا إِذَا اضْطَرَبَتْ، وَأَخْمِدْ أَهْوَاءَنَا إِذَا هَاجَتْ، وَثَبِّتْ سَفِينَةَ حَيَاتِنَا فِي بَحْرِ هٰذَا الْعَالَمِ، إِذَا تَلَاطَمَتْهَا أَمْوَاجُ التَّجَارِبِ وَالرِّيَاحُ الْمُضَادَّةُ.

هَبْ لَنَا قُوَّةَ الإِيمَانِ، وَسَكِينَةَ الرَّجَاءِ، وَثَبَاتَ الثِّقَةِ، حَتَّى لا نَخَافَ مَا دُمْتَ مَعَنَا، وَلا نَخْشَى الْغَرَقَ مَا دَامَتْ يَدُكَ تَسْنُدُنَا. عَلِّمْنَا أَنْ نُثَبِّتَ أَنْظَارَنَا عَلَيْكَ، لا عَلَى أَمْوَاجِ الْخَوْفِ وَالضِّيقِ، وَأَنْ نُرَدِّدَ فِي كُلِّ ظَرْفٍ: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا” (متى 14: 27).

وَإِذْ نُرَدِّدُ مَعَ التَّلَامِيذِ: “يَا رَبُّ، نَجِّنَا، فَإِنَّنَا نَهْلِكُ” (متى 8: 25)، وَمَعَ بُطْرُسَ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (متى 14: 30)، نَسْأَلُكَ أَنْ تَمُدَّ إِلَيْنَا يَدَكَ الْقَوِيَّةَ، وَتَنْتَشِلَنَا مِنْ كُلِّ خَوْفٍ وَشَكٍّ وَضِيقٍ، وَتُقِيمَنَا فِي سَلامِكَ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ.

لَكَ نُسَبِّحُ، وَإِيَّاكَ نَحْمَدُ، وَبِكَ نَثِقُ، فِي كُلِّ حَالٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمِنْ أَجْلِ كُلِّ حَالٍ، لأَنَّكَ أَنْتَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، وَلَكَ الْمَجْدُ، مَعَ الآبِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوَانٍ، وَإِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين.

 

قِصَّةُ الْبَارُونِ مُونْشِهَاوْزِن

يُرْوَى أَنَّ الْبَارُونَ مُونْشِهَاوْزِن، وَهُوَ شَخْصِيَّةٌ أَدَبِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ بِقِصَصِهَا الْخَيَالِيَّةِ، كَانَ يَسِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي إِحْدَى الْغَابَاتِ، فَوَقَعَ فِي مُسْتَنْقَعٍ عَمِيقٍ، وَأَخَذَ يَغُوصُ فِيهِ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُنْقِذُهُ، زَعَمَ أَنَّهُ أَمْسَكَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَدِهِ، وَأَخَذَ يَجُرُّ نَفْسَهُ إِلَى أَعْلَى حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمُسْتَنْقَعِ وَنَجَا. إِنَّهَا قِصَّةٌ خُرَافِيَّةٌ طَرِيفَةٌ، لأَنَّ الإِنْسَانَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ مِنْ مِثْلِ هٰذَا الْمَأْزِقِ.

أَمَّا الإِنْجِيلُ، فَيُقَدِّمُ لَنَا حَدَثًا وَاقِعِيًّا يَحْمِلُ حَقِيقَةً رُوحِيَّةً عَمِيقَةً. فَبُطْرُسُ، وَهُوَ الصَّيَّادُ الْخَبِيرُ بِالْبَحْرِ وَالسِّبَاحَةِ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُنْقِذَ نَفْسَهُ لَمَّا أَخَذَ يَغْرَقُ. فَعِنْدَمَا ضَعُفَ إِيمَانُهُ، وَحَوَّلَ نَظَرَهُ عَنِ الْمَسِيحِ إِلَى شِدَّةِ الرِّيحِ، صَرَخَ: “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (متى 14: 30). فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ لِلْوَقْتِ، وَأَمْسَكَهُ وَأَنْقَذَهُ.

وَتَلْتَقِي الْقِصَّتَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، هُوَ الْخَوْفُ أَمَامَ الْخَطَرِ، وَلٰكِنَّهُمَا تَفْتَرِقَانِ فِي طَرِيقَةِ الْخَلَاصِ. فَالْبَارُونُ يَدَّعِي أَنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، أَمَّا بُطْرُسُ فَاعْتَرَفَ بِعَجْزِهِ، وَوَضَعَ ثِقَتَهُ فِي الْمَسِيحِ، فَكَانَ الْخَلَاصُ عَطِيَّةً مِنَ اللهِ، لا إِنْجَازًا بَشَرِيًّا.

إِنَّ الْخَوْفَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي انْهِيَارِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ فُرْصَةً لِلرُّجُوعِ إِلَى اللهِ. فَبُطْرُسُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ، بَلِ اسْتَعْمَلَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ لِيَطْلُبَ النَّجْدَةَ مِنْ رَبِّهِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ أَسْرَعَ إِلَى مَدِّ يَدِ الْخَلَاصِ.

وَهُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: عِنْدَمَا نَغْرَقُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْخَوْفِ، أَوِ الْقَلَقِ، أَوِ الْمَرَضِ، أَوِ الْخَطِيئَةِ، عَلَى مَنْ نَعْتَمِدُ؟ أَعَلَى قُوَّتِنَا الذَّاتِيَّةِ، أَمْ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ الْمَمْدُودَةِ إِلَيْنَا؟

إِنَّ رِسَالَةَ إِنْجِيلِ مَتَّى (14: 22-33) وَاضِحَةٌ: لَيْسَ الْخَلَاصُ فِي الاِعْتِمَادِ عَلَى النَّفْسِ، بَلْ فِي الثِّقَةِ بِالرَّبِّ. فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ لا يَخْجَلُ مِنَ الاِعْتِرَافِ بِضَعْفِهِ، بَلْ يُجَاهِرُ بِإِيمَانِهِ، وَيُعْلِنُ أَنَّ رَجَاءَهُ كُلَّهُ فِي اللهِ. وَمَا دَامَتْ أَعْيُنُنَا مُثَبَّتَةً عَلَى الْمَسِيحِ، فَلَنْ تُغْرِقَنَا أَمْوَاجُ الْحَيَاةِ، لأَنَّهُ يَقُولُ لَنَا دَائِمًا: “ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لا تَخَافُوا” (متى 14: 27).

قم بمشاركة الصفحة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email